issue17298

تــبــدو أزمــــة الــطــاقــة فـــي الـــقـــارة األوروبــــيــــة عــامــا فاعل في إعــادة تشكيل خريطة التحالفات السياسية الـجـديـدة، ال سيما فـي الـداخـل األملــانــي، والـــذي يواجه حالة من حـاالت صعود القومية، تكاد تلف الكثير من الدول الغربية. جـاءت إشكالية ارتفاع أسعار الطاقة في الداخل األملـانـي الشهر املـاضـي، لتتيح لحزب البديل مـن أجل اليميني الشعبوي، فرصة ذهبية لتعميق AFD أملانيا حـــضـــوره فـــي الـــبـــاد، وإحـــيـــاء مـطـالـبـه الــقــديــمــة، وفـي القلب منها «إعــادة فتح قنوات استيراد النفط والغاز الرخيصني من روسيا». في أواخر مارس (آذار) املاضي، حقق الحزب أفضل نتائج في انتخابات واليتَي «بادن فورتنبرغ ورايتلند – بفالتس»، مستفيدًا من الغضب الشعبي تجاه ارتفاع األسعار بعد أن بلغ معدلها ضِعف نظيرتها في الصني والـواليـات املتحدة؛ ما يعني أن الحملة كـان محورها االقتصاد قبل السياسة. هـل صعود حــزب البديل عــودة غامضة للفاشية في أملانيا؟ بالتأكيد ال، وإنــمــا هــو رد فـعـل سـيـاسـي متوقع على عقود من السياسات التي يراها أنصاره فاشلة، وتسببت في ركود اقتصادي، ال سيما سياسات الهجرة املتعثرة، وتورط برلني املكلف في الصراع األوكراني. لسنوات طـوال درجـت أملانيا على استيراد الغاز والنفط الرخيصني مـن روسـيـا، وبلغت الـعـاقـات بني بـرلـ ومـوسـكـو ذروتـــهـــا فــي عـهـد املـسـتـشـارة أنجيل مــيــركــل، وهــــو األمـــــر الـــــذي تـغـيـر الـــيـــوم بـشـكـل واضـــح للغاية، بعد القطيعة التي جرت بسبب حرب أوكرانيا. والــدلــيــل، أن مـعـارضـة حـــزب الـبـديـل للسياسات األملانية الداعمة ألوكرانيا، ال تنبع من إعجاب بكاريزما الرئيس الروسي فلديمير بوتني، مع أن بعض أعضاء الحزب يميلون بالفعل لذلك، وإنما مرد األمر، حسابات دقيقة مفادها أن استنزاف روسيا في أوكرانيا، ال يبرر املــخــاطــرة بــأمــن أملـانـيـا االقـــتـــصـــادي. وســــواء كـــان هـذا املوقف صائبًا أم خاطئًا، فهو موقف سياسي مشروع، وليس دليل على سيطرة الكرملني. تـبـدو أملـانـيـا الـيـوم منقسمة روحـهـا فيها، فعلى الرغم من أن أزمـة الطاقة األخيرة، جعلت حزب البديل فــي املــائــة من 20 فــي الـواليـتـ املــشــار إليهما يحصد األصـوات، فإن أكبر األحـزاب األخـرى، وبخاصة الحزب املسيحي الديمقراطي، حــزب املستشار ميرتس، يرى أن فـكـرة إعــــادة الــــــواردات الـروسـيـة مــن الـنـفـط والــغــاز، أمر سيكون كارثيًا على األمن األوروبـي، وأن مطالبات «البديل» فيها ترويج متعمد للروايات الروسية داخل أملانيا. يـــأتـــي صـــعـــود «الــــبــــديــــل»، وســــط تـــراجـــع شعبية ميرتس وحـزبــه، حيث عـبَّــر الناخبون األملـــان عـن عدم رضــاهــم عــن أداء حكومتهم فــي آخـــر أسـتـطـاع لـلـرأي في املائة 84 أجرته «دويتشلند تريند»، بعد أن أبدى مــن املــواطــنــ رفـضـهـم لـتـوجـهـات الـحـكـومـة الـحـالـيـة، وهي أعلى نسبة منذ تولي االئتلف السلطة. واملــــاحــــظ، أن تـــراجـــع الــتــأيــيــد ال يـقـتـصـر على األحـــــــزاب فــحــســب، بـــل تـــأثـــرت بـــه كـــذلـــك شـخـصـيـات ســيــاســيــة بــعــيــنــهــا، فـقـد حـصـل املـسـتـشـار األملـــانـــي 8 في املائة، وبذلك يكون قد فقد نحو 21 ميرتس على في املائة من استطلعات الشهر املاضي. الــحــزب االشــتــراكــي الـديـمـقـراطـي بــــدوره تـراجـع ، وفقد 2019 ) إلى أدنى مستوى له منذ أغسطس (آب نـقـطـتـ مــئــويــتــ مـــقـــارنـــة بـــبـــدايـــة مـــــارس املـــاضـــي، في املائة، كما خسر التحالف املسيحي 12 ليصل إلى في املائة فقط من األصوات. 26 نقطتني ليحصل على في املقابل، حقق حزب البديل مكاسب بنقطتني في املائة 25 مئويتني مقارنة ببداية مارس ليصل إلى ليصبح الـفـارق بينه وبـ التحالف املسيحي نقطة واحدة فقط. تاريخيًا، مثلت الطاقة كعب أخيل، ليس فقط في الجسد األملاني، بل في النفس والعقلية التاريخية. طوال معظم العصر الحديث، كان الحد من تدفق الطاقة أو تعطيلها، أداة فعالة للتأثير على أملانيا. ، أعلن األدمـيـرال ريجبنالد بيكون من 1923 ففي عام البحرية امللكية البريطانية أن الحصار النفطي الذي فــرضــتــه املـمـلـكـة املــتــحــدة عــلــى أملــانــيــا خــــال الــحــرب العاملية األولى، كان السلح االقتصادي األقوى الذي كان السبب الرئيسي في انهيار تلك األمة وجيوشها. بـعـد ذلـــك بجيل كـامـل عـــزا الـزعـيـم السوفياتي جوزيف ستالني انتصار الحلفاء على أملانيا النازية إلى نجاح الجيش األحمر في منع هتلر من الوصول إلــــى حــقــول الــنــفــط فـــي الـــقـــوقـــاز. أمــــا الـــيـــوم وفــــي ظل الــصــحــوة الــقــومــيــة األملـــانـــيـــة، تــطــالــب ألــيــس فــايــدل، الرئيسة املشاركة لحزب البديل، باستئناف استيراد الطاقة الروسية وبدء مفاوضات مباشرة مع روسيا حول الطاقة. هـــل يـشـكـل صــعــود «الـــبـــديـــل» مـــخـــاوف حقيقية لألملان؟ ربــمــا يــكــون األمــــر فـــي واقـــعـــه أبــعــد مـــن ذلــــك؛ إذ إن الــهــواجــس مـــن تـنـامـي قـومـيـة أملــانــيــة، أمـــر يقلق الكثير مــن الــقــوى األوروبـــيـــة مــن جـهـة، ويـقـفـز كذلك إلــى الـجـانـب اآلخـــر مـن األطـلـسـي، والــخــوف موصول دومًا بفكرة «الرايخ الرابع»، وهو طرح يشاغب شعب يؤمن الكثيرون منه بأنهم وعن حق جنس آري، وال ينبغي التضحية بازدهارهم من أجل حروب الوكالة الخاسرة كما الحال في أوكرانيا. فــي خـضـم هـــذه الــحــرب الــضــروريــة، ال بد مـن طــرح األسئلة املعرفية أكثر مـن الشعارات األداتية، وكما قيل قديمًا إن معرفة العدو أهم مــن اخـتـبـار الـصـديـق، فـــإن إيــــران تـشـكّــل عـقـدة إقليمية بتاريخها القديم والحديث. ما كانت الــعــاقــات مـنـتـظـمـة عـلـى املـسـتـويـ الـداخـلـي والــخــارجــي؛ ألن البنية العقائدية للمنظومة السياسية هــي أســـاس املـمـانـعـة بـوجـه جميع أساليب الشراكات أو التفاوض، ومع أن بعض املــحــلــلــ الــطــيــبــ يـــطـــرحـــون أفـــكـــارهـــم حـــول إمــكــانــيــة الـــوصـــول إلــــى حـــلـــول مــعــيّــنــة، ســـواء فـي مقاالتهم القديمة أو تحليلتهم الحاليّة، فـإنـهـم يتجاهلون أو يتغافلون عــن الـنـزعـات اآليديولوجية للمنظومة اإليرانية. من بني ما قرأت مؤخرًا في هذا الباب، كتاب «القوميات في إيران وإكراهات الهوية املركزية» الذي يتناول التعددية القومية في إيران، والتي تــضــم الـــفـــرس واألذريــــــــ واألكــــــــراد والــبــلــوش والـــبـــخـــتـــيـــاريـــة والــــلــــريــــة؛ إذ تـــقـــدم الــــدراســــات رصــدًا للتركيبة السكانية وتوزيعها القومي والــجــغــرافــي، مـــع عــــرض ملـخـتـلـف الـصـعـوبـات التي تعترضها من ناحية التمثيل السياسي والحقوقي، ولصراعها مع استراتيجية إكراه الـهـويـة الـــتـــي تـنـتـجـهـا الـســلـطـة الــحــاكــمــة في إيـــران، ليس فـي الـتـاريـخ املعاصر فحسب، بل في فترات تاريخية أبعد. وقد أخذ الكتاب على عاتقه تحليل إشكاليات الشرعية والدمقرطة واألزمات اإلقليمية، وأثرها على القوميات غير الفارسية، بهدف درس انعكاساتها على شكل الدولة اإليرانية وسبل تعاملها معها. الـــكـــتـــاب كـــبـــيـــر، ولـــكـــن أشـــيـــر لـــبـــعـــض مـن نتاجه. على سبيل املـثـال، يـرى الباحث جعفر الهاشمي في دراسته أن «إيران تواجه تحدّيات ،1979 جمّة منذ انتصار (الثورة اإلسلمية) عام تُــنــذر بتفكك الـــدولـــة، مـمـا يتطلب تغيير حكم املـالـي بما يشكله مـن تهديد لـ مـن اإلقليمي والصراعات في الشرق األوسـط. إن الصراعات الــعــرقــيــة والــطــائــفــيــة الــخــفــيــة، والـــتـــي تسيطر عليها السلطة اإليرانية بالحديد والنار، تُشكّل أبرز التحديات الخطيرة على النظام». بــــيــــنــــمــــا اســــــتــــــعــــــرض جـــــــمـــــــال عـــــبـــــيـــــدي، املـــتـــخـــصـــص فــــــي الــــــشــــــأن اإليــــــــرانــــــــي، اآلفـــــــاق املستقبلية لشكل الدولة اإليرانية، ويمر بداية عـلـى الـقـومـيـات غـيـر الـفـارسـيـة، ثــم يشير إلـى تنوع نضاالت القوميات وتأثيره في مستقبل إيـــران، ويـــدرس طموح إيـــران وآيديولوجيتها التوسعية، ويجيب عن التساؤل التالي: كيف تحدد رغبات اإلقليم مستقبل إيـــران؟ الباحث يــــذكــــر الــــســــيــــنــــاريــــوهــــات املـــتـــوقـــعـــة ملـسـتـقـبـل إيــــــران، ويـــــرى أن «إيــــــران تــتــكــون - بــاإلضــافــة إلــى الشعب الـفـارسـي املستحوذ على مقاليد الــحــكــم ومـــفـــاصـــل الــــدولــــة ومــنــاصــبــهــا املـهـمـة مـــنـــذ تـــســـعـــة عــــقــــود - مـــــن مـــجـــمـــوعـــة شـــعـــوب وقــعــت ضـحـيـة احـــتـــال مـــن قـبـل رضـــا بهلوي املـدعـوم مـن بريطانيا - آنــذاك - وهـم األذريــون األتـــراك والـعـرب والـكـرد والبلوش والتركمان، وشعوب أخرى لم تتجل بعد هويتها الوطنية ومـطـالـبـهـا نتيجة فـعـل االحــتــال طيلة الـقـرن األخـــيـــر، ومــمــارســاتــه املـسـتـمـرة لـطـمـس هوية الـــشـــعـــوب األخـــــــــرى. فـــســـيـــاســـة تــعــمــيــم الــلــغــة الفارسية وتزوير الحقائق التاريخية الخاصة بـــالـــشـــعـــوب غـــيـــر الـــفـــارســـيـــة الـــتـــي انـتـهـجـتـهـا األنظمة الفارسية املتعاقبة على سـدة الحكم، وخـصـصـت لـهـا بــرامــج ومــشــاريــع، تسبّبا في ضــيــاع هـــويـــات وثــقــافـــات مــتــعــددة فـــي إيــــران، وألحقت أضرارًا كبيرة في قطاعات واسعة من مواطني الشعوب». الـخـاصـة أن درْس بنية الـنـظـام اإليـرانـي بـــكـــل تـــشـــظّـــيـــاتـــه وتـــشـــعـــابـــتـــه الـــعـــرقـــيـــة بـشـكـل خـــــاص، أســـاســـي بـغـيـة فــهــم املــســألــة الـحـالـيـة الـحـربـيـة الــتــي نـعـيـشـهـا. لـقـد تـــضـــررت أعـــراق عـــديـــدة مـــن الــديــكــتــاتــوريــة الـطـائـفـيـة والـعـنـف الــرمــزي والـعـسـكـري ضــد األقــلــيّــات، ومـــن دون هذا البحث والتأمل والدرس لن تكتمل الصورة لدى أي باحث أو كاتب أو معلّق. Issue 17298 - العدد Wednesday - 2026/4/8 األربعاء OPINION الرأي 14 طوال معظم العصر الحديث كان الحد من تدفق الطاقة أو تعطيلها أداة فعالة للتأثير على ألمانيا درْس بنية النظام اإليراني بكل تشظّياته وتشعابته العرقية أساسي بغية فهم المسألة الحالية الحربية التي نعيشها يمكن أن نرى تقوّضا كبيرا في الثقة في مجال الرأي العام وأبحاث علم االجتماع على نطاق أوسع إميل أمين فهد سليمان الشقيران ألمانيا... حزب البديل وطريق «الرايخ الرابع» إيران الداخل والقوميات المتصارعة كيف يهدد الذكاء االصطناعي بإفساد استطالعات الرأي؟ أورد موضوع نشره مؤخرًا موقع «أكسيوس» اإلخــــبــــاري عـــن الــســيــاســات املـتـعـلـقـة بـصـحـة األم «نـتـائـج» تستند إلـــى مــراجــع تشير إلـــى أن أغلب الناس يثقون في أطبائهم واملمرضني املعالجني لــهــم. يــبــدو عـلـى املــســتــوى الـسـطـحـي عـــدم وجـــود شـيء غير عـادي في األمــر، لكن ما لم يُذكر بشكل أساسي هو أن تلك النتائج مختلقة. وكشف النقر على الروابط أن استطلع الرأي العام كان محاكاة حاسوبية تديرها شركة «أرو» الناشئة التي تعمل في مجال الذكاء االصطناعي. ولم يشارك أشخاص في عملية إنشاء تلك اآلراء. تُسمى الطريقة التي استخدمتها الشركة تقنية السيليكون للنماذج االصطناعية والتي انتشرت فـــجـــأة فـــي كـــل مـــكـــان. الـــفـــكـــرة وراء هــــذه الـتـقـنـيـة بسيطة ومشوّقة. نظرًا ألن نماذج اللغات الكبرى قـادرة على توليد إجابات وردود تحاكي إجابات الــبــشــر، تـــرى شـــركـــات اســتــطــاعــات الـــــرأي فـرصـة الستخدام برامج الذكاء االصطناعي في محاكاة اإلجابات على استطلعات الرأي بتكلفة ووقت أقل من اللزمني إلجراء استطلع رأي تقليدي. تـــــزداد عـمـلـيـة إجـــــراء اســتــطــاعــات الـــــرأي عن طــريــق الــهــاتــف صــعــوبــة. وكـــذلـــك يـتـضـمـن إجـــراء استطلع الرأي عن طريق املواقع اإللكترونية قدرًا كبيرًا من الشك. وتزيد تقنية السيليكون للنماذج االصطناعية الـجـزء الفوضوي املكلّف مـن عملية طرح األسئلة على الناس ملعرفة آرائهم. مـع ذلــك يـقـوّض ذلــك الـفـكـرة الـجـوهـريـة التي يقوم عليها استطلع الــرأي بـاألسـاس. يُستخدم الــرأي العام لتوجيه السياسات والسياسة وعلم االجــتــمــاع، ويـحـمـل قيمة مـسـتـمـدة مــن تلخيصه ملعتقدات وآراء األشخاص الحقيقيني. إن استخدام مــحــاكــاة آلراء الـبـشـر بــــدال مـــن الـــوضـــع الحقيقي ســـوف يــزيــد مـنـظـومـة املــعــلــومــات املــتــرديــة ســـوءًا وينثر بذور الشك. ال ينبغي أن نلجأ إلى مجتمع صناعي ملحاولة فهم مجتمعنا الحقيقي. وأوضــح الصحافي والتر ليبمان، في كتابه ، أن البشر 1922 املؤثر «الرأي العام» الذي نُشر عام يشكلون «صورًا داخل عقولهم» للمجتمعات التي يعيشون فيها. وأطـلـق على تلك الـصـور تسمية «قصص خيالية» و«بيئات وهمية زائفة»، مشيرًا إلى أن الدولة الديمقراطية بحاجة إلى تلك األدوات إلصــاح تلك الـصـور، ويمكن الستطلعات الـرأي أداء هـــذا الـــــدور. ال يـمـكـن السـتـطـاعـات الــــرأي أن تكون مثالية، لكن أعتقد أنها مهمة لتقريبنا من معنى دقيق إلرادة الناس ورغبتهم. مــع ذلـــك تـبـ أن عملية تنفيذ اسـتـطـاعـات الرأي مرعبة على مدار سنوات. للحصول على أقل هامش خطأ، ال بـد أن يجمع االستطلع إجابات مـن عينة كبيرة ودقيقة مـن الـنـاس، لكن عــادة ما يـــواجـــه مـسـتـطـلـعـو اآلراء مـــعـــانـــاة فـــي الـــوصـــول إلـــى الــنــاس. ربـمـا يـكـون بـعـض الــنــاس منشغلني إلـى حـد يمنعهم مـن الحديث عبر الهاتف أو مأل بيانات استبيانات على اإلنترنت. للتعويض عن تـلـك األمـــــور، يـتـجـه مستطلعو الــــرأي إلـــى نـمـاذج إحـــصـــائـــيـــة لـــحـــســـاب مـــتـــغـــيـــرات يــمــكــنــهــا إحـــــداث انحراف في النتائج. تـــلـــك الــعــمــلــيــة مــعــيــبــة وتـــتـــســـم بـــالـــفـــوضـــى. فلنفترض على سبيل املثال أن مستطلع رأي يريد معرفة كيف يفضل الكثيرون في الواليات املتحدة األمــيــركــيــة إجـــــراء سـيـاسـيـ مـــحـــددًا، لــكــن ينتهي الـــحـــال بـمـسـتـطـلـع الـــــرأي إلــــى اســتــبــيــان يتضمن فـي املـائـة فقط 20 فـي املـائـة مـن الجمهوريني و 80 مـــن الـديـمـقـراطـيـ . وربـــمـــا يـظـن مستطلع الـــرأي أن الـبـاد فـي الــواقــع تقترب مـن االنـقـسـام بنسبة فــي املــائــة، لـــذا يـعـاد تحديد 50 فــي املــائــة إلـــى 50 النتائج للتعبير عـن ذلـك الـواقـع املتصور. يعني هذا أن النسب املئوية، التي تقرأها بصفتها نتائج الستطلعات رأي، هـي مخرج الـنـمـوذج، ال أرقــام مستمدة من البيانات الفعلية للستطلع. تـــكـــمـــن املـــشـــكـــلـــة فــــي أن كــــل نــــمــــوذج مـصـمـم بانحيازاته الـخـاصـة؛ نظرًا الخـتـاف مستطلعي الــرأي بشأن املتغيرات التي تستحق وضعها في أجرى نيت 2016 االعتبار بدرجة أكبر. وخلل عام كـــوهـــن، كـبـيـر املـحـلـلـ الـسـيـاسـيـ فـــي صحيفة «نـيـويـورك تـايـمـز»، تجربة أعطى خللها خمسة من مستطلعي الـرأي بيانات استطلع رأي واحد 5 خاص باالنتخابات. وجد كوهن تباينًا نسبته فـي املـائـة بـ نتائج النماذج الخاصة بالخمسة أشخاص. هذا النطاق كان أكبر من هامش الخطأ املــرتــبــط بـشـكـل عـــام بــأخــذ الـعـيـنـات الـعـشـوائـيـة، مـمـا يـعـنـي أن افــتــراضــات الــنــمــاذج كــانــت تحدث انحرافًا في النتائج بشكل كبير. إن هذا األمر مثير للقلق ألنه يشير إلى أن مستطلعي الرأي يمكنهم استخدام عملية وضـع نماذج استطلعات الـرأي لدفع استطلعات الرأي في اتجاه محدد، والتأثير على الـــرأي الـعـام نفسه، بـــدال مـن نقل مـا يعتقده عامة الناس في البلد. تزيد تقنية السيليكون للنماذج الصناعية هـــــذه املــشــكــلــة ســـــــوءًا. إن األطــــفــــال الـــبـــارعـــ فـي الـــكـــومـــبـــيـــوتـــر مـــمـــن يـــقـــفـــون وراء تـــلـــك الــتــقــنــيــة متحمسون كثيرًا تـجـاه الــذكــاء االصـطـنـاعـي إلى حـــد يـجـعـلـهـم يـــصـــرّون عــلــى أن نـــمـــاذج املــحــاكــاة الحاسوبية التنبؤية املعقدة التي ابتكروها دقيقة ألنها مـدرّبـة على مـا تمت ملحظته فـي املاضي. لـذا فإنهم يتفوقون فـي محاكاة السلوك البشري في الحاضر، ويتوقعون ما سيحدث الحقًا. ومع ذلك ال تتعلق استطلعات الرأي بالتوقع، فالهدف منها هو جمع اآلراء الحالية. تـــبـــدو هــــذه الــطــريــقــة سـخـيـفـة، حــيــث نعتقد بـالـفـعـل أنــهــا كـــذلـــك. ومـــا يــزيــد الــطــ بــلّــة وجـــود الـكـثـيـر مـــن األدلـــــة الــتــي تــؤكــد عـــدم تـوصـلـهـا إلـى نتائج موثوق فيها. وتشير دراسة حديثة إلى أن االنـحـيـازات التي تسبب انحرافًا في استطلعات الــرأي تتسبب أيضًا في اإلحـصـاءات الناتجة عن تلك التقنية بشكل أكبر. وكلما ابتعدنا عن الناس، أصبحت املحاكاة أقـرب إلـى معتقدات مستطلعي الرأي. مــــع ذلــــــك، يــــواصــــل واضــــعــــو نــــمــــاذج الـــذكـــاء االصـطـنـاعـي عـمـلـهـم، ويــوجــد تـمـويـل كـبـيـر لهم. تعمل شركة «إبـسـوس» مع جامعة «ستانفورد»، مـــن أجــــل «تـحـقـيـق الــــريــــادة فـــي اســـتـــخـــدام الــذكــاء االصــطــنــاعــي والــبـــيــانـات الـصـنـاعـيـة فـــي الــســوق وأبحاث الـرأي العام» وفق قولها، وذلـك من خلل إنشاء توائم رقمية «تصوير افتراضي للمشاركني في استطلعات الرأي في العالم الواقعي». إذا لـــم نـكـبـح جــمــاح تــلــك الـتـقـنـيـة، يـمـكـن أن نرى تقوّضًا كبيرًا في الثقة في مجال الرأي العام وأبحاث علم االجتماع على نطاق أوسع. إن نتائج تلك الــدراســات مـا هـي إال آراء مضطربة مشوّشة مـقـدّمـة على أنـهـا حقائق مـوضـوعـيـة. مـن الخطأ القول إن أكثر الناس يثقون في األطباء واملمرضني املـعـالـجـ لـهـم عـلـى أســـاس اسـتـطـاع رأي أُجـــري بواسطة الذكاء االصطناعي. *خدمة «نيويورك تايمز» *ليف ويذربي وبنجامين ريشت

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==