هل دخلت العالقة الخاصة بني لندن وواشنطن مرحلة الـتـآكـل الـبـطـيء وفــي طريقها قريبًا إلــى مــوت ســريــري؟ هذا الـسـؤال، هـذه األيـــام، يـتـردد بكثرة على ألسنة الكثيرين في البلدين وخارجهما، بسبب ما تعرضت له العالقة مؤخرًا من هــزّات عنيفة. العالقة الخاصة والتاريخية ليست الوحيدة الـتـي تعاني االهـــتـــزاز. عـ قـة أمـيـركـا بحلفائها األوروبــيــ عمومًا تعاني هي األخرى األعراض املَرَضية نفسها. رفـض رئيس الحكومة البريطانية السير كير ستارمر الــقــبــول بــاالنــضــمــام إلـــى الـتـحـالـف األمــيــركــي - اإلسـرائـيـلـي لـضـرب إيــــران؛ الفـتـقـاده الـشـرعـيـة الـقـانـونـيـة، وفـق رأيــــه، قد يـــكـــون، ضــمــن أســـبـــاب أخـــــرى عـــديـــدة ومـــتـــ حـــقـــة، مـــن دفــع بـالـسـؤال عـــن الــعــ قــة بـــ الـبـلـديـن إلــــى الـواجـهـة وبـعـ مـة استفهام كبيرة. الــرفــض الـبـريـطـانـي كـــان غـيـر مـتـوقـع مــن قِــبـل الرئيس األمـيـركـي دونــالــد تـرمـب. بــدأ بـإعـ ن رفــض لـنـدن استخدام الـــقـــواعـــد الــعــســكــريــة األمــيــركــيــة فـــي بــريــطــانــيــا فـــي الـــحـــرب. بعدها تراجعت لندن وسمحت للقوات األميركية باستخدام القواعد للدفاع عن النفس. الجدير باإلشارة أن سبب الرفض البريطاني يعود في أساسه إلى ما صار يُعرَف في األدبيات السياسية البريطانية بــ«عـقـدة حــرب الــعــراق» والـخـوف من تكرارها. ويبقى مهمًا التنويه بأن الرفض البريطاني ال يعني بالضرورة رفض تقديم الدعم اللوجستي أو االستخباراتي إلى الحليف التاريخي. ذلـك املوقف تسبَّب في غضب الرئيس األميركي وقـاده إلى اإلدالء بتصريحات إعالمية تُعد دبلوماسيًا غير مقبولة، مـوجَّــهـة ضــد الـسـيـر سـتـارمـر، ولـــم يـتـوقـف عــنــده، بــل وصـل األمر إلى االستهانة والسخرية من تضحيات القوات املسلحة البريطانية، األمـــر الـــذي أفـضـى إلــى غضب على املستويات الرسمية واإلعالمية والشعبية. هذا من جهة. من جهة أخرى، فإن قرار السير ستارمر بعدم االنضمام إلـــى مــشــروع الــحــرب عـلـى إيــــران رفـــع فـجـأة مــن شعبيته في استطالعات الـرأي العام، وحظي برد فعل إعالمي بريطاني جيد. حدث كل ذلك في وقـت يستعد فيه العاهل البريطاني املـلـك تـشـارلـز الـثـالـث لـلـقـيـام بــزيـــارة رسـمـيـة إلـــى واشـنـطـن، بدعوة من الرئيس األميركي دونالد ترمب. زيارة امللك، وفق الـــعُـــرف الـسـيـاسـي الـبـريـطـانـي، ألي بـلـد ال تـتـم إال بموافقة الحكومة. حكومة السير ستارمر العمالية منحت موافقتها، وستتم الزيارة في آخِر هذا الشهر. الحكومة البريطانية تراهن على أن العالقة الشخصية الودية بني العاهل البريطاني والرئيس ترمب قد تنجح في تـرمـيـم مــا حـــدث مــن تـصـدعـات مــؤخــرًا فــي الـعـ قـة الخاصة والتاريخية، وتساعد فـي عــودة املـيـاه إلــى مجاريها. إال أن حظوظ املراهنة في النجاح، وفق آراء املعلّقني البريطانيني، قد ال تكون كافية لعودة العالقة إلى سيرتها السابقة، ما دام الرئيس ترمب مقيمًا في البيت األبيض. العالقة بني البلدين تاريخيًا ليست مجرد تحالف عابر، ،)Special Relationship( » بل هي ما يُعرَف بـ«العالقة الخاصة وهـو مصطلح سياسي فريد من نوعه لم يُستخدم لوصف أي تـحـالـف آخـــر بــ دولـــتـــ . هـــذا الــنــوع مــن الــعــ قــات، في آراء املعلّقني السياسيني، ال ينهار بسهولة مثل العالقات التقليدية. وبالتالي فإن السؤال حول الشك في صمود العالقة في وجه ما تعرضت له من تصدعات، في آراء البعض، سابق ألوانـــه؛ كونه يتجاهل العمق التاريخي للعالقة والوشائج القوية بني البلدين. قبل الرفض األخير، فإن تباين وجهات النظر واملواقف بني البلدين لم يعد سرًّا. هناك خالفات عديدة، وعلى سبيل املــثــال فــي املــوقــف مــن الـقـضـيـة الفلسطينية وقــيــام حكومة السير ستارمر باالعتراف بدولة فلسطني. وهناك االختالف في املوقف من إيران، ومن روسيا، ومن الحرب في أوكرانيا، واملوقف البريطاني من سياسة فرض الرسوم الجبائية على البضائع البريطانية املـصـدرة إلـى أميركا. لكن فـي املقابل، هـنـاك مصالح قـويـة ال تـــزال قائمة ومــن الصعب تجاهلها. وهـــنـــاك تـــعـــاون اســـتـــخـــبـــاراتـــي عــلــى أعـــلـــى مـــســـتـــوى. أضــف إلــى ذلــك أن الـسـوق البريطانية ال تـــزال أكـبـر ســوق أوروبـيـة تستقطب رؤوس األمـــوال األميركية، وبالتالي فـإن الحديث عن وصول العالقة إلى نقطة افتراق يفتقد الواقعية. العالقة سبق لها أن مــرت بــأزمــات عـديـدة فـي املـاضـي وتـجـاوزتـهـا. العالقة حاليًا تشبه زواجًا دخل مرحلة جفاف عاطفي ال غير. فال تزال كفة ما يجمع بني البلدين من مصالح ترجح على كفة ما يدعوهما إلى االفتراق. ربما كان من األفضل صياغة السؤال حول العالقة على النحو التالي: أي شكل ستتخذه العالقة خالل املدة املتبقية من واليــة الرئيس ترمب؟ وهـل سينجح العاهل البريطاني خـــ ل زيـــارتـــه املـقـبـلـة فــي تـرمـيـم الـــصـــدع، وعــــودة املــيــاه إلـى مجاريها؟ في واحد من وجوهها تقوم لعبة البازل عــلــى تـفـكـيـك األشــــيــــاء أو األنـــظـــمـــة ثــــم إعــــادة تــركــيــبــهــا. والـــعـــالـــم الـــيـــوم، مــنــظــورًا إلـــيـــه من مسرح الحرب ومن ضفافه، يبدو هكذا. ففضال عـن الـتـحـوّالت االقـتـصـاديّــة التي قـــد تــســتــجــرّهــا الــــحــــرب، فـــي أوروبـــــــا كــمــا في أميركا والـشـرق األوســط، خصوصًا ما ترتّبه أسعار الطاقة، فضال عن أكالف الحرب نفسها، وإلـــى جـانـب دور صيني ال يـــزال فــرز غامضه عن واضحه يشغل عقوال كثيرة، هناك تيّارات عريضة تستعرض نفسها في «الـغـرب» ذاتـه. فحلف الناتو الــذي رافقنا منذ نهاية الحرب العامليّة الثانية، يعيش تصدّعًا غير مسبوق، سيّما بعد املساجلة الترمبيّة ضد أوروبا عن مضيق هـرمـز واملـسـاهـمـة فـي فتحه، وهــو ما تزيده تأجيجًا شخصيّة ترمب ولغته. وهو انشطار ال تُقاس به حرب العراق في ، خصوصًا وأن بريطانيا وبلدان أوروبا 2003 الـوسـطـى كـانـت فـي صــف أمـيـركـا يــومــذاك، ما أعطى األخيرة غطاء أوروبيًّا لحربها. ويتفرّع العنوان الكبير هذا إلى عناوين يتّصل بعضها بصورة أوروبـا املقبلة، سيّما وأن حــــرب أوكـــرانـــيـــا ال تـــــزال تـحـتـفـظ بـطـاقـة اســتــنــزاف هــائــلــة، وإن حجبتها راهــنــ حـرب إيـــــــــران. ويـــتّـــصـــل بـــعـــض الـــعـــنـــاويـــن بــالــقــوى الـسـيـاسـيّــة والـفـكـريّــة عـلـى جـانـبـي األطـلـسـيّ. فاليمني األوروبي األقصى، الذي سلّم زعامته لترمب، يعيد النظر بهذا التسليم، فيما اليمني األميركي األقصى ينقسم حـول التسليم ذاته تــاركــ للديمقراطيّني األمـيـركـيّــ أن يـغـازلـوا مـيـوال سبق أن عُـــدّت راديـكـالـيّــة فـي القاموس الـسـيـاسـي األمــيــركــيّ. وإذ يعلن وزيـــر الحرب بيت هيغسيث أنّــه وجيشه يقاتلون مـن أجل املسيح، يــرد البابا الوون الـرابـع عشر، بـدون أن يــســمّــي الــــوزيــــر األمــــيــــركــــيّ، بـــــأن الــســطــوة العسكريّة «غريبة تمامًا عن نهج املسيح». أمّا القائلون إن أميركا «جُرّت إلى حرب إسرائيل» فــيــنــطــلــق بـــعـــضـــهـــم، ال كـــلّـــهـــم، مــــن مـــقـــدّمـــات الســامــيّــة. وفـــي وســـع خــطــاب كــهــذا، إذا أتيح لــه الـشـيـوع والـــتـــوسّـــع، أن يـعـيـد فـتـح صفحة بشعة ظُــن أنّــهـا طويت فـي الغربني األوروبـــي واألميركيّ. وال يـــبـــخـــل الــــعــــالــــم الــــعــــربــــي بـــالـــجـــديـــد واملــــخــــتــــلــــف. فـــلـــو تـــخـــيّـــلـــنـــا حــــربــــ أمـــيـــركـــيّـــة وإســـرائـــيـــلـــيّـــة عـــلـــى إيـــــــــران، أو عـــلـــى أي بـلـد إســ مــي أو «عـاملـثـالـثـيّ»، فـي الحقبة املمتدّة بــــ الــخــمــســيــنــات والـــســـبـــعـــيـــنـــات، لـــكـــان مـن السهل توقّع عناوين صارخة وإجماعيّة من نوع «الجماهير العربيّة تستنكر وتشجب...». أمّا اليوم، وألسباب عدّة، فتلك العناوين فقدت مـعـنـاهـا، وبــاتــت «الـجـمـاهـيـر الـعـربـيّــة» اسمًا لكائن افتراضيّ. والــحــال أن الـعـالـم الـعـربـي يــقــدّم نـمـاذج فـي التعامل مـع الـحـرب تشكّلها عناصر عـدّة بينها السياسي والـوطـنـيّ، وبينها املذهبي املؤدلج. فهناك مثال النموذج الخليجي الذي حــكــمــه مـــبـــدأ الـــتـــوسّـــط لـــحـــل الــــنــــزاع وتــجــنّــب الحرب واعتبار أن تفاديها أقل كلفة من شنّها. ورغـــــم تـــعـــرّض الــخــلــيــج العـــــتـــــداءات إيـــرانـــيّـــة مـــتـــمـــاديـــة، يــبــقــى الـــثـــابـــت مـــا يــصــلّــب الـــدولـــة والوطن، وما يضع مصالحهما أوّالً. وتشارك أنظمة كاملصري واألردنـي األنظمة الخليجيّة انهجاسها باإلبحار إلـى شاطىء أمـان وسط الــــعــــواصــــف املـــجـــنـــونـــة الــــتــــي تــــهــــدّد عـــ مـــات االستقرار السياسي واالقتصاديّ. وهـــنـــاك الـــنـــمـــوذج الـــــذي يـــقـــدّمـــه الـــعـــراق ولبنان من خالل ميليشياتهما املسلّحة. فهنا ال تُعطى األولـويّــة للدول واألوطـــان واملصالح الــذاتــيّــة، بــل لـــلـــوالءات الــعــابــرة لــلــحــدود، ومـا يُــظـن أنّــه مصالح جماعاتها. لكن لئن شـارك «حـزب الله» في الـحـرب، مقيمًا غرفة عمليّات مشتركة مع إيران، فالكثيرون ساورتهم أسئلة ليست قليلة الداللة. فلماذا مثال كانت الطاقة الــحــربــيّــة الــتــي اسـتـخـدمـهـا الـــحـــزب فـــي حـرب «إســنــاد غــــزّة» مــجــرّد جـــزء صغير مــن الطاقة التي استخدمها في حرب إسناد إيران، ومتى كانت آخر مرّة نسمع فيها، منذ اندالع الحرب االخيرة، بغزّة أو بفلسطني؟ والــشــيء نفسه يمكن قـولـه فــي «الحشد الشعبيّ» العراقي الــذي يقيم، تيمّنًا بشقيقه اللبناني األكبر، دولة موازية للدولة العراقيّة. وهـنـا تـقـول املــقــارنــة الـكـثـيـر. فـفـي حـرب شاركت بعض فصائل الحشد بتوجيه 2023 بعض الضربات املباشرة، لكنّها ما لبثت أن تجنّبًا منها 2024 ارتدعت وأوقفتها في مطالع لـ«عواقب وخيمة» ولـ«إشعال حرب شاملة في العراق». بيد أنّها، في الحرب الراهنة، وتحت مظلّة «املقاومة اإلسالميّة في الـعـراق»، شنّت هجمات بالطائرات املسيّرة والصواريخ على قـــواعـــد أمــيــركــيّــة بـوصـفـهـا ردًّا عـلـى ضـربـات أمــيــركــيّــة إســرائــيــلــيّــة عــلــى إيـــــــران. كــمــا وجّـــه الحشد قوافل إلى إيـران وُصفت بأن مهمّاتها «إنسانيّة»، وسط تقارير متزايدة عن مشاركة الحشديّني العراقيّني في الدفاع عن إيران. فــــــ«الـــــجـــــمـــــاهـــــيـــــر»، هـــــــذه املـــــــــــــرّة، نــــازعــــة لـــ نـــفـــصـــال عــــن األوطـــــــــان وإلحــــــــ ل الـــتـــنـــازع األهـــلـــي بـــ جــمــاعــاتــهــا. وكــمــا لــبــنــان، كـذلـك العراق، إذ الكرد العراقيّون، وهم مَن يُفترض أنّهم يشاركون الحشد مواطنيّة الوطن نفسه، يعانون ضـربـات الـحـرب التي يشنّها الحشد بـحـمـاسـة. فمنطقتهم بــاتــت تُـــعـــد ســاحــة من سـاحـات الــنــزاع رغــم أن قـــادة إقليم كردستان أكّـــــــدوا مــــــرارًا أنّـــهـــم ال يـــرغـــبـــون فـــيـــه، وأن ما يـريـدونـه اسـتـقـرار منطقتهم وحـيـادهـا. وهم شــــدّدوا، مثلهم مثل الـقـادة الخليجيّني، على أال تُستخدم أرضهم قاعدة لشن هجمات على إيران. وهــــذه الـــتـــحـــوّالت فـــي عـمـومـهـا سـتـكـون بعيدة التأثير على املنطقة والعالم، وإن كانت نهاية الحرب والشكل الذي يسم تلك النهاية، حاسمني في بلورة ذلك. أمّـــــا املـــشـــرق الـــعـــربـــيّ، خــصــوصــ لـبـنـان والعراق، فيُرجَّح أن يحتفظ لنفسه باإلصابات البنيويّة األكبر واألخطر. OPINION الرأي 12 Issue 17298 - العدد Wednesday - 2026/4/8 األربعاء زواج تاريخي في مرحلة جفاف عاطفي الحرب إذ تفكّك منطقتنا والعالم وتعيد تركيبهما وكيل التوزيع وكيل االشتراكات الوكيل اإلعالني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] املركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 املركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى اإلمارات: شركة االمارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 املدينة املنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب األولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية املوجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها املسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة ملحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي باملعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حازم صاغيّة أحمد محمود عجاج جمعة بوكليب الحرب اإليرانية ــ األميركية وخيارات أوروبا قُبيل الحرب اإليرانية - األميركية لم تكن عالقات أميركا بحلفائها األوروبيني ممتازة بل متوترة، ومرتبكة، وصدامية، خـــصـــوصـــ بـــعـــدمـــا قـــــرر الـــرئـــيـــس األمــــيــــركــــي دونـــــالـــــد تــرمــب االستيالء على جـزيـرة غرينالند. وجـــاءت الـحـرب ضـد إيـران لتزيدها تصدعًا نتيجة إعالن قادة أوروبا بأنها غير قانونية، رغــم إدراكــهــم أن تـرمـب ال يقيم وزنـــ للقانون الــدولــي، ولذلك وصـفـهـم، عـنـدمـا تـقـاعـسـوا عــن نـصـرتـه، بـالـجـبـنـاء، وهـددهـم بتركهم فريسة للرئيس الروسي فالديمير بوتني. هذا التصدع بالعالقة خطير، وإذا لم يسارع كالهما لرأبه فكالهما سيخسر كثيرًا. وهذا ما حذر منه املدعي العام البريطاني اللورد هرمر بـــأن «ثـمـة عـاملـ يظهر مــن دون قــواعــد تتخلى فـيـه الــــدول عن موجباتها الـقـانـونـيـة». ورأب الـصـدع ليس ممكنًا مـا دام أن الطرفني ينطلقان مـن قـــراءات مختلفة، ومصالح متضاربة؛ فاألوروبي يراهن على الرئيس األميركي (املقبل) رغم إدراكه أن هذا االحتمال واهـن بسبب صعود اليمني املتشدد، وإمكانية وصـــول رئـيـس أكـثـر تــفــردًا مــن تــرمــب. ويــــدرك األوروبـــيـــون أن الـــحـــرب ضـــد إيـــــران سـتـضـر بـأمـنـهـم الســتــفــادة الـــــروس منها اقــتــصــاديــ ، ويــتــخــوفــون كــذلــك مـــن مـقـاربـتـه لـبـوتـ بصفته شـريـكـ مـحـتـمـ ً، وتــركــيــزه عـلـى إيـــــران، ويـطـالـبـونـه بـالـربـط بينهما لضمان املصلحة األميركية واألوروبية. لكن ترمب ال يعيروهم اهتمامًا، ولذلك تفاجأوا بإعالنه الحرب بينما كانوا يعتقدون أن الوساطة العمانية على وشك النجاح، وصدموا عندما توسعت تلك الحرب، وطالبهم بالتدخل العسكري دون تشاور أو تنسيق معهم. فهم أمام هذه الحرب ليسوا مستعدين لها عسكريًا وال اقتصاديًا، وال نفسيًا، رغم اقتناعهم أن إيران تتدخل فـي الـحـرب األوكـرانـيـة، وتنشر اإلرهـــاب، وتقترب من صناعة سالح نووي يهدد أمنهم، وأمن منطقة الشرق األوسط. األوروبيون سيكولوجيًا يكرهون الحروب، بعد تجارب الـحـربـ العامليتني األولــــى والـثـانـيـة، ولــذلــك أســســوا الـسـوق األوروبــيــة املشتركة ثـم االتـحـاد األوروبـــي ليحلوا خالفاتهم، وليبنوا جسورًا بني شعوبهم، ليعيشوا في سـ م دائــم. هذه الـسـيـكـولـوجـيـة، كـمـا يـقـول مستشار الـرئـيـس بـيـل كلينتون، روبــــرت كـيـغـن، فــي كـتـابـه «الـــقـــوة والــجــنــة»، تـبـلـورت بقناعة تـامـة فــي أن أي خـــ ف يمكن حـلـه بـالـتـفـاوض، واملــســاعــدات، والتنازالت املقبولة؛ لذلك عند بدء النزاع بني أوكرانيا وروسيا قبلوا بتسويات أدت إلى تنازالت كبيرة، مثل تخلي أوكرانيا عــن جــزيــرة الــقــرم لتجنب املــواجــهــة؛ وكـــرت سبحة الـتـنـازالت إلـى أن قـرر بوتني، أمــام الضعف األوروبـــي، اجتياح أوكرانيا والوصول إلى عاصمتها كييف. هذه السيكولوجية تعاكسها سيكولوجية ترمب الـذي يـرى أن القوة هي املعيار، وإذا كان لديك جيش قوي فمن العبث أال تستخدمه لتحقيق مصالحك. أوروبـــــــا مـــوحـــدة بــاالقــتــصــاد وحـــقـــوق اإلنــــســــان، وحـكـم الـقـانـون، لكنها متباينة كثيرًا فـي الــقــدرات العسكرية، وفي االتـفـاق على سياسة دفاعية، وصناعات عسكرية، وسياسة خارجية موحدة. فاألوروبيون، بسبب سيكولوجية السالم، لم يبنوا قـدرات عسكرية، إنما اعتمدوا على حماية أميركية، وعندما جاء ترمب، وطالبهم باإلنفاق تفاجأوا ولكنهم أمام إصــــــراره، وعـنـفـه الـلـفـظـي، وتــهــديــداتــه، اضـــطـــروا أن يـرفـعـوا ميزانيتهم الدفاعية، ولكنهم فشلوا بتوحيد صناعتهم وبناء جيش أوروبـــي مشترك. األهــم أن األوروبــيــ مختلفون حتى في النظرة لعدوهم الرئيس بوتني، ألن بعض الـقـادة ومنهم رئيس املجر، على سبيل املثال، ال يرى بوتني عدوًا، بل يطالب باستمرار الـتـعـاون مـعـه، وقــد تـسـرب مـؤخـرًا أن قـــادة أوروبـــا ال يـفـشـون أســــرارًا فــي االجـتـمـاعـات الـرسـمـيـة الـتـي يحضرها ممثلو املجر، مخافة أن يسربوا األســـرار إلـى الرئيس بوتني. هذا الواقع األوروبي بالذات يعرفه الرئيس ترمب، ويدفعه إلى ازدراء قادة أوروبا، واتهامهم بالجنب، والخوف. ترمب يريدهم أن يصطفوا خلفه لتحقيق هيمنة على العالم، وهـم يريدون االبتعاد عنه العتقادهم أنه يقودهم لحروب ال تقبلها شعوبهم املعتادة على السالم، وال هم يرونها ضرورية، ويعتقدون أنه بــاإلمــكــان حلها دبـلـومـاسـيـ ، ومـنـهـا الـــنـــزاع اإليـــرانـــي بسبب البرنامج النووي وتمدد امليليشيات، والصواريخ الباليستية. وهـــذه الـنـزعـة السيكولوجية مستفحلة لــدرجــة أن صـواريـخ إيران وصلت إلى جزيرة دياغو غارسيا البريطانية، وأصبح مـــداهـــا يـصـل لـلـعـواصـم األوروبــــيــــة، ومـــع ذلـــك يـــصـــرّون على الدبلوماسية والسالم. في أميركا ثمة تيار سياسي متنام شعاره «أميركا أوالً» يـقـف وراء تــرمــب، ويــتــضــارب ثـقـافـيـ مــع ثـقـافـة أوروبـــــا، ألنـه يستحضر الدين بصفته نسيجًا لثقافة الغرب، ويدعم تيارات يمينية في كل أوروبا لالنقالب على الليبرالية، وقادة أوروبا يقاومونه إنما شعوبهم تتقبله تدريجيًا، فيزداد خوفهم من تفتت الداخل، ومن تعاظم هذا التفتت إذا ما انصاعوا ملطالب تــرمــب. ورغـــم تـضـررهـم مــن إغـــ ق إيــــران مضيق هــرمــز، ومـن مـظـهـرهـم الـــواهـــن أمــــام الــعــالــم، خـصـوصـ دول الـخـلـيـج التي تربطهم بها مصالح حيوية ألمنهم واقتصادهم، فإنهم واعون تمامًا لورطتهم الكبرى مع ترمب الذي هددهم باالنتقام، إذا لم ينضموا لحرب، بعد انتصاره على إيران. وتكمن مشكلتهم في أن ترمب ال يـرى بعيونهم خطر بوتني، وليس مستعدًا حتى لنقاشهم؛ فهم في ورطة لعدم قدرتهم على مواجهة روسيا من دون أميركا، وفي ورطة إذا انتصر ترمب، وورطة أكبر بكثير إذا انهزم.
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==