الثقافة CULTURE 18 Issue 17297 - العدد Tuesday - 2026/4/7 الثالثاء العقل الواحد المتعدد يـقـع اإلنــســان مــا بــن عـقـل فطير وعــقــل صـنـيـع، ونـعـيـش نـحـن بــن الفطير والصنيع، ويحدث كثيرًا أن نصل إلى نقطة ال يفترق فيها الفطير عن الصنيع، ولنأخذ عقل هيغل وسنقول إنه عقل صنيع بمعنى أنه تصنع بجهد خاص من صاحبه الـذي قـرر إشقاء نفسه باألسئلة ليصل لحقيقة معنى اإليمان بوجود خالق للكون ورأى أننا ال بد أن نمر من العقل الفردي إلى العقل الجمعي ثم ننتهي لعقل مطلق تتحد فيه الــروح مع العقل في نقطة تـزول فيها الفروق بي ما هو روحي وما هو عقالني، وهي عنده منطقة اإليمان والشعر والحب وهي مرحلة التجلي القصوى. وهذه مرحلة معقدة طرحها بطريقة معقدة أحوجت برتراند راسل لالستعانة بشراح هيغل كي يبسط فكرة املطلق عند هيغل. وهنا نستحضر العقل الفطري الذي ال يحتاج لشقاء األسئلة ويكتفي بما يمنحه الطمأنينة ليقول مثال «الله ما شفناه لكن بالعقل عرفناه»، وتكفيه هذه املقولة العامية لكي يؤمن بأن له ربًا خلقه ويرزقه ويعينه حي يبتهل إليه، ولن يحتاج لفلسفة هيغل وال لعقل هيغل. واالثنان معًا وصال للخالق، ولكن أحدهما اختار الشك الفلسفي والشقاء العقلي وأمضى معظم عمره الفكري في البحث عن ســؤال الخالق بينما الثاني اكتفى بمثل سائر يستجيب لفطرته ويمنحه طمأنينة في متناول نظرته وراحته. هنا نـرى الفارق بي العقل الصنيع والعقل الفطير، بي عقل هيغل وعقل فالح بسيط أو راعي غنم غافل، يطربه ثغاء الشاه وسط العشب الذي نبت فطريًا ولم يحتج لتحلية مياه البحر. بينما األشقياء من الفالسفة واملفكرين والنقاد يظلون مأخوذين بالقلق املعرفي وال يرون الراحة إال عبر الشقاء. ولن يطمئنوا للعقل الفطير، ويأنسون فقط بما يشقيهم في حي يقول الشاعر البدوي األحيمر السعدي «عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى / وصوّت إنسان فكدت أطيرُ»، ويقابله املتنبي بقوله «ذو العقل يشقى في النعيم بعقله/ وأخــو الجهالة في الشقاوة ينعمُ». وهذان خياران بي أن تستريح أو تقحم نفسك في شقاء األسئلة، أي بي جانبك الفطير أو تطمح لتصنع غير الفطريّ. ولذلك يشقى ذوو العقول بينما يرتاح غيرهم حسب الزعم الثقافي، غير أن الـواقـع يشير إلـى أن الشقاء أنواع فهناك شقاء األسئلة وهناك شقاء اإلبداع. وكالهما شقاء يرتضيه البشر ويتطلبونه ويجاهرون بـه، وهناك شقاء نفسي يأتي من كـدح الحياة وقسوة الظروف. وهذا شقاء ال يفرق بي عقل وعقل ويقع فيه الفطري والفلسفي معًا. وكما تشترك كل النفوس في الشقاء فإنها تشترك أيضا في العقل الفطير، وكل ذي عقل كبير في حقل ما سيكون فطيرا في حقل آخر، فالفيلسوف جاهل مثال بعلم الـعـروض أو فـي صناعة الـسـ ح، وصـانـع الـسـ ح فطير فـي مسائل النظريات النقدية. وهكذا تتبادل العقول الوظائف ما بي فطير ومعقد، وبي صنيع وفطري، وكل بعقله راض من حيث إن كل عقل صحيح في حالته التي هو فيها، وسيتغير تبعًا لتحول األحوال. على أن أحوالنا كلها تتفاوت مـا بـن عقل وفطير وعقل صنيع فقد نبلغ مـرحـلـة عـلـيـا فــي تـخـصـص مــا أو فــن مــا فـتـكـون عـقـولـنـا فـيـه رفـيـعـة ومـتـمـيـزة. وتقابلها حقول وأنشطة أخرى نظل فطريي معها. ولو افترضنا أن هيغل يعيش معنا اليوم وقرر دخول سوق األسهم فهل ستنفعه نظرياته عن العقل الخالص والعقل املطلق، أم أنـه سيقع ضحية لفطريته ويخدعه أصغر مستثمر مجرب. وهكذا هي أحــوال البشر وتقلبات معقوالتهم وعقولهم في متواليات ال نهاية لها. وليس بمقدور عقل واحد أن يجيد كل مهارة بشرية، وسنظل عرضة للنقص الذي يتقلب علينا ما بي حال لحال. وكـــلـــمـــا أحـــســـســـنـــا بـــاالكـــتـــمـــال فـــــــذاك طـــريـــقـــنـــا لـــلـــهـــاويـــة. وهـــــــذه هــــي عـلـة اآليديولوجيات الكبرى، تلك التي ترى أن بيدها حلوال لكل تطلعات البشر، مما يجعلها تخلق االنحيازات وحاالت االستقطاب، ومن ثم اإلقصاء والنفي لكل ما ال يتفق معها. وهنا لنا أن نتصور حـال مـا نسميه «العقل املـفـتـوح»، وهـو ذاك العقل الـذي يعي أنه ناقص، وأن العقول مختلفة بالضرورة. ليس في ميولها فحسب، بل في قدراتها وتأهيالتها. وليس هناك عقول كبرى إال بمقدار وعيها بنقصها وحاجتها لعقول أخرى غيرها ترى ما ال تراه وتقول ما ال تقوله، وهذا جوهر نظرية «التعددية الثقافية»، التي تمثل مرحلة ما بعد الحداثة وموت الكليات املطلقة. والثقافة البشرية ذات طابع فسيفسائي، وإن اجتمعت فهو اجتماع األلوان وتناسقها ولكن عبر تمايزها وليس عبر إلغاء بعضها لبعض. ومن هنا فالعقل واحد يملكه الكل دون تمايز جذري، ولكن التمايز يأتي في «وظائف العقول» مما يجعله يتحول من مفرد كلي إلى متعدد وظيفي، واألخطر دومًا في ذلك كله هو العاقل الكامل ولنقل مدعي الكمال. عبد هللا الغذامي «سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي على الرغم من وطـأة األزمــة الصحية الــتــي تــلــم بـالـبـاحـثـة نـــاديـــة هـــنـــاوي، فــإن إرادتــــهــــا فـــي مـجـابـهـة املـــــرض عــبــر بــوابــة اإلبداع تظل الوقود الذي يغذي استمرارية عطائها النقدي. فلقد صدر لها حديثًا عن مؤسسة «أبجد» للتوزيع والنشر كتابان جــديــدان، واحـــد منهما فــي الـسـرديـات ما بــعــد الــكــ ســيــكــيــة هـــو «ســــرديــــات روايــــة التاريخ: التأريخ، امليتا - تاريخ، التاريخ النسوي»، والكتاب اآلخر بعنوان «طوفان فلسطي». ويمثل الكتابان إضافة نوعية إلــــى مــجــمــل مـــا ألــفــتــه الــبــاحــثــة مـــن كتب كــتــابــ 42 نـــقـــديـــة، وصـــــل تــــعــــدادهــــا إلـــــى مطبوعًا. يتألف الكتاب األول «سرديات رواية 350 التاريخ»، البالغة صفحاته أكثر من صـفـحـة، مـــن تـمـهـيـد نــظــري تـتـلـوه أربـعـة فصول، تـدور حـول مقتضيات هـذا النوع األدبي الفنية وتحديد اشتراطات املتنوعة من خالل مباحث عدة، بعض منها نظري صــــرف، وبـعـضـهـا اآلخــــر نــظــري إجــرائــي. وفيها تستكمل الباحثة هناوي جهودها الـنـظـريـة الــتــي كــانــت قــد أســســت لـهـا قبل ســـنـــوات بـكـتـابـهـا «الـــســـرد الــقــابــض على . وتـــركـــز فـــصـــول الـكـتـاب 2018 » الـــتـــاريـــخ الجديد على العالقة الجدلية بي مفاهيم الـــتـــاريـــخ - الــــواقــــع - الــتــخــيــيــل بـوصـفـهـا ثالوثًا إبداعيًا ومعرفيًا مترابطًا ترابطًا ال مجال فيه لفصل أحدها عن اآلخر على أســـاس أن الـعـ قـة بــن الـكـتـابـة والـتـاريـخ قديمة قدم الفلسفة، وعن ذلك تقول املؤلفة: «إن مـبـتـدأ هـــذه الـعـ قـة عـنـد هـيـرودتـس الذي ألف أول كتاب في التاريخ فكان األب الشرعي لــه. وبـالـرغـم مـن الـتـطـورات التي شـهـدتـهـا الـبـشـريـة عـلـى طـــول تـاريـخـهـا؛ فإن تلك العالقة ظلت قائمة بدعائم مهمة وأكـــيـــدة تـجـعـل أي عملية لتوصيفها أو التعريف بها متجهة صوب التناظر الذي به يصبح تسريد التاريخ أو ترخنة السرد واحــــدًا، فيمسي الــروائــي مـؤرخـ واملـــؤرخ روائـيـ وبـوعـي فلسفي باالثني اإلنـسـان والزمان». وتــدور أطروحة الكتاب حـول مفهوم «روايـــــــة الـــتـــاريـــخ» اســـتـــنـــادًا إلــــى فـرضـيـة أنـــه إذا كــانــت الـــروايـــة الـتـاريـخـيـة توظف الـــتـــاريـــخ بــمــعــنــاه الــكــ ســيــكــي اســـتـــعـــادة وتـوثـيـقـ وبـطـريـقـة يُـــجـــاري فـيـهـا الـسـرد القصصي التاريخ املـوثـق الرسمي وغير الـرسـمـي؛ فــإن فـي «روايــــة الـتـاريـخ» نزعة مــــا بـــعـــد حـــداثـــيـــة، مــعــهــا يـــغـــدو الـــتـــاريـــخ شــكــ ســـرديـــ ، يـشـتـغـل فـنـيـ عـلـى املــراكــز كـأنـسـاق يـتـم تقويضها وخلخلة أطـرهـا بقصد تـوكـيـد الـجـانـب الـجـمـالـي وتعرية مــســتــورات الــتــاريــخ ومـنـغـلـقـاتـه مـــن دون انحياز إلى الشكل وال تغلّيب للمحتوى. وتـتـمـحـور أطـــروحـــة الــكــتــاب الـثـانـي «طوفان فلسطي»، كما واضح من العنوان، حول قضية فلسطي في مرحلتها الحالية والـتـحـديـات الـتـي تواجهها هــذه القضية على مختلف الصعد. والـهـدف هـو وضع القراء أمام طبيعة تطورات معركة «طوفان األقصى»، وما أسفرت عنه من مستجدات وتداعيات وأصــداء على املستوى العربي ومستوى الرأي العام العاملي. وجـــاء فـي الـكـتـاب: «مــا امللتجأ الـذي إلــــيــــه يـــفـــر الـــــعـــــرب، وأمــــامــــهــــم الــوحــشــيــة اإلمـبـريـالـيـة والـصـهـيـونـيـة، ومـــن ورائـهـم نار األصولية؟ وإلـى متى يظلون كائنات مسجونة فــي دواخـلـهـا وضـائـعـة؟ وملـــاذا ال نـــســـتـــثـــمـــر الــــحــــريــــة الـــنـــاعـــمـــة املـــتـــاحـــة لـنـا افــتــراضــيــ فـــي امـــتـــ ك الـتـفـكـيـر الـحـر والـــواعـــي؟ وهـــل يـمـكـن لـنـا أن نـتـحـرر من سـبـاتـنـا مـطـوعـن فـكـرنـا ـ الــــذي شوشته دوائـــــر الــثــقــافــة واإلعــــــ م املـــضـــادة عــقــودًا لـيـكـون فـــي خـدمـتـنـا، منتفضي عـلـى كل القيود التي كبلتنا وأرعبتنا حتى صرنا سجناء فيها بالوهم والتزييف وأســارى الـيـأس والـخـيـبـة؟ ومـتـى تعتلي شعوبنا العربية دفة حكم التاريخ؟ وأين الشجاعة والـــثـــبـــات والـــبـــطـــولـــة الـــتـــي كـــانـــت عـلـيـهـا األجيال السابقة لها؟ وما الـذي ستدخره وتحفظه مــن خـيـبـات وتـــنـــازالت لألجيال القادمة؟». بغداد: «الشرق األوسط» ًالعرب والقراءة وتحوالت الثقافة في زمن الرقمنة ال حل سوى تكثيف المعرفة بصريا وسمعيا ال نـقـرأ. هــذه هـي الـخـ صـة املوجعة الــــتــــي تـــلـــخـــص عــــ قــــة الـــعـــربـــي املـــعـــاصـــر باملعرفة. التقارير الدولية ال تكذب، وأرقام الــقــراءة فـي وطننا العربي ال تحتاج إلى استدعاء معهد استطالع لتخبرنا بأننا أمــــة تــقــف فـــي آخــــر قــائــمــة قـــــراءة الــكــتــاب. لـــكـــن هــــــذه الـــحـــقـــيـــقـــة، عـــلـــى قـــســـوتـــهـــا، ال تـعـنـي أنـنـا أمــــة صــامــتــة أو مـنـقـطـعـة عن املعرفة؛ قد تعني أكثر أننا نتلقى املعنى عـلـى نـحـو مـخـتـلـف. الـقـصـيـدة املـسـجـلـة، الصورة، الدراما، املسرح، األغنية، البرامج الحوارية، البودكاست، كلها صـارت أكثر حضورًا من الكتاب. كثيرون ال يتفرغون لــــقــــراءة كـــتـــاب فـــي الـــتـــاريـــخ أو الـفـلـسـفـة، لكنهم يحفظون مشهدًا دراميًا، ويرددون بيتًا مغنّى، ويتأثرون بحكاية سينمائية. وهنا املفارقة التي تحتاج إلى وقفة: بدل أن نتحسر على زمن الكتاب والحني إلى الـــــورق، عـلـيـنـا أن نـــســـأل: كـيـف نـجـعـل ما يشاهده املاليي ويسمعونه راقيًا، حامال للثقافة، مغذيًا للروح والعقل؟ العالم كله يسير نحو تكثيف املعرفة بصيغ بصرية وسمعية. الكتاب بجاللة قـــــدره تـــحـــول إلــــى مـــســـمـــوع، واملـــحـــاضـــرة إلـى فيديو، والسرد إلـى بودكاست. ربما الــفــارق - ولــو كــان نسبيًا - أن مجتمعات أخــــرى تـمـتـلـك قـــاعـــدة قـــــراءة صـلـبـة تـعـود إليها، بينما نكتفي نحن غالبًا بامللخص أو االنطباع السريع، فنخسر العمق. وهنا تـــحـــديـــدًا تـــبـــرز أهــمــيــة الـــفـــنـــون بـوصـفـهـا الحلقة املـفـقـودة بـن املتعة والـعـمـق، بي الشغف الجماهيري واملحتوى الهادف. واألمــثــلــة مــن واقـعـنـا الـعـربـي ليست نـــادرة. حـن غنى كاظم الساهر «زيديني عـشـقـ » فـــي فـيـديـو كـلـيـب لـــم يــقــدم مـجـرد ألـــحـــان عــذبــة ومــشــاهــد جـمـيـلـة، بـــل جعل مـــ يـــن الــــعــــرب يــحــفــظــون قـــصـــيـــدة نــــزار قـــبـــانـــي عــــن ظـــهـــر قـــلـــب، مــــحــــوال قــصــيــدة النخبة إلى أهزوجة في األحياء املنسية. وحي جسّد محمود مرسي شخصية أبو العالء البشري في مسلسل «رحلة السيد أبــو الـعـ ء الـبـشـري»، لـم يكن يـقـدم درامــا ترفيهية فحسب، وإنـمـا حــوّل التلفزيون إلـــى مـدرســة أخـ قـيـة شعبية تجسد قيم الــــصــــدق والـــــوفـــــاء واإلنـــســـانـــيـــة فــــي وجـــه املادية والتناقضات. أمـا في النحت، فقد حـــــوّل جـــــواد سـلـيــم «نـــصـــب الـــحـــريـــة» في ميدان التحرير ببغداد إلى ملحمة وطنية حفرت في الـذاكـرة الجمعية قيم الصمود واالنـــــعـــــتـــــاق، مـــتـــفـــوقـــ بــــذلــــك عـــلـــى آالف الـصـفـحـات الـتـي لــم تُـــقـــرأ. وعـلـى الجانب اآلخـــر، فتح الــســوري فـاتـح املـــدرس بوابة الـحـداثـة التشكيلية العربية إلــى العاملية بريشته السريالية، معيدًا تعريف اللغة الــبــصــريــة الــعــربــيــة ونــــاقــــ تــجــربــتــه من املتاحف العاملية الكبرى إلى روح الشباب العربي دون أن يفقدوا هويتهم. أيضًا، حي كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويـــش قصائد مثل «سـجـل أنا عربي» و«بطاقة هوية» وسجّلت بصوته الرصي، حـوّل الشعر إلـى نشيد وجداني يـــــــردده املــــ يــــن فــــي املــــيــــاديــــن واملـــــــدارس دون الــــحــــاجــــة إلــــــى ديــــــــــوان. وحــــــن ألـــف الـروائـي السوداني الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال»، جعل الرواية درسًا ثــقــافــيــ عـمـيـقـ وصــــل إلــــى املـــجـــالـــس قبل الـــجـــامـــعــات. أمــــا فـــي املـــســـرح، فــقــد قـدمـت فــيــروز مــع الـرحـابـنـة مـسـرحـيـات غنائية خالدة، حوّلت املسرح إلى تجربة جوانية عـمـيـقـة وصــلــت إلـــى قــلــوب املـــ يـــن. ومـن اململكة العربية السعودية، بـرز عمالقان فـي األغنية: محمد عبده ذاكـــرة وجدانية ألجــــيــــال، وطــــــ ل مـــــــداح، نـــبـــض الــعــاطــفــة املشتركة، فكانا معًا جسرًا موسيقيًا ينقل جمال السعودية إلى ماليي القلوب دون الحاجة إلى كتاب أو ديوان. هــــذه الـــنـــمـــاذج تـــؤكـــد أن الـــفـــن، حي ينجح، يصبح أستاذًا بديال خصوصًا في زمـن تراجع فيه األسـتـاذ الـورقـي. األغنية يمكن أن تحمل الـلـغـة الـرفـيـعـة، والــدرامــا يمكن أن تكون مدرسة للضمير، والسينما يمكن أن توسع الخيال األخالقي، واملسرح يـمـكـن أن يـعـيـد صـيـاغـة األســئــلــة الـكـبـرى أمام جمهور حي. ومــــا يــضــاعــف حــاجــتــنــا فـــي وطـنـنـا الـعـربـي إلـــى الـفـنـون أن مجتمعاتنا تمر بــتــحــوالت كـــبـــرى: عــوملــة جـــارفـــة، هــويــات بــــديــــلــــة، انــــقــــســــامــــات طـــائـــفـــيـــة، وأزمــــــــات تعليمية حــــادة. فــي هـــذا الـــفـــراغ، ال يعود الــــفــــن رفـــــاهـــــيـــــة، إنــــمــــا ضــــــــــرورة تـــربـــويـــة ومدنية. نحن بحاجة إلى فن يعلّم من غير وعــــظ، ويـــربـــي الــحــس مـــن غـيـر اسـتـعـ ء، ويقترح نـمـاذج لالنتماء واملسؤولية من داخــل املتعة ذاتـهـا. القيمة حـن تُلقى في خطبة قد تُنسى، لكنها حي تتجسد في شخصية درامية أو لحن شجي أو صورة مدهشة، تصبح أقرب إلى القلب وأبقى في الذاكرة. في حقيقة األمــر، نحتاج إلـى الفنون أكثر من غيرنا، لكن اإلنـفـاق العام عليها فـــــي كـــثـــيـــر مـــــن الـــــــــدول الـــعـــربـــيـــة ال يـــــزال مـحـدودًا، وغالبًا أقـل من نظائره في عدد مـن الـــدول املتقدمة، بينما تُــتـرك الساحة لــــ بــــتــــذال واالســـــتـــــهـــــ ك الــــســــريــــع. ومـــع ذلــــك، هــنــاك بـصـيـص أمــــل: مـــعـــارض مثل «إثـــــراء» فــي الــظــهــران، وبـيـنـالـي الـشـارقـة، ومـــتـــحـــف الــــلــــوفــــر أبــــوظــــبــــي، أثـــبـــتـــت أن الـجـمـهـور الـعـربـي يتعطش لـلـفـن الـرفـيـع حي يُقدم له باحترام. الحرفي التقليدي الــــذي كـــان مهمشًا يــعــاد اكـتـشـافـه الــيــوم، والفنان التشكيلي العربي يحجز مكانه فــي املـتـاحـف الـعـاملـيـة. لـكـن هـــذا ال يكفي؛ نــحــتــاج إلــــى ســـيـــاســـات ثــقــافــيــة طـمـوحـة تدمج الفنون في املناهج، وتدعم املبدعي، وتجعل من التذوق الفني قيمة مجتمعية. واآلن، وبـــعـــد هـــــذا كـــلـــه، مــــا الــعــمــل؟ املسؤولية تقع على املبدع أن يحترم عقل متلقيه، وعلى املؤسسة أن تمول الثقافة ال أن تــســلّــعــهــا، وعـــلـــى املـــثـــقـــف أن يــنــزل مــن بـرجـه الـعـاجـي ويــدخــل إلـــى املنصات الرقمية بـ استعالء. والـسـؤال األهــم هو ســــؤال الـــقـــارئ نـفـسـه، املـــواطـــن، املـشـاهـد: متى كانت آخر مرة دفعت فيها ثمن تذكرة مسرح، أو اشتريت لوحة لفنان عربي، أو شجعت ابنك على دراسـة املوسيقى أو أن يحفظ قصيدة أو يصمم فيديو؟ الـــنـــهـــضـــة ال تـــصــنــعـــهـــا الـــخـــطـــابـــات وحدها، بل املمارسات اليومية الصغيرة. والفن أولها. إذا أردنا مجتمعًا أكثر وعيًا، وأشـــد تـمـاسـكـ ، وأرقــــى ذائــقــة، فعلينا أن نـصـنـع فـنـ يعكسنا ويـعـلّــمـنـا ويـقـودنـا. عندها فقط لن يكون الفن ترفًا، فالفن هو الدم الذي يجري في عروق الحضارة؛ وإذا جـــف هـــذا الــــدم، جــفّــت الــحــضــارة نفسها. وملــــاذا نـحـن الــعــرب بـالـتـحـديـد؟ ألنـنـا أمـة تـــوحـــدنـــا الــلــغــة وتـسـكـنـنـا بـــيـــوت الـشِــعـر ونسكنها. يحسن بنا القول إن الفن ليس بديال عــــن الـــكـــتـــاب، بــــل هــــو طـــريـــق مـــنـــه وإلـــيـــه. حـن يبكيك مشهد درامـــي، أو يهتز قلبك لـــلـــحـــن، أو تـــجـــذبـــك لــــوحــــة، يــنــفــتــح بـــاب واسع من املعرفة. نحن العرب، أمة «اقرأ»، نستحق أن نقرأ ونُقرأ بالكلمة وبالصورة وباللحن. * كاتب سعودي تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في بغداد يفوق آالف الصفحات التي لم تُقرأ *أحمد الفاضل الفن حين ينجح يصبح أستاذا بديال خصوصا في زمن تراجع فيه األستاذ الورقي
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==