الثقافة CULTURE 18 Issue 17296 - العدد Monday - 2026/4/6 الاثنين أحمد عبد المعطي حجازي الثقافة العربية هي الوجود العربي ليست الثقافة العربية مجرد موضوع للكتابة نكتب فيه مقالة أو مقالتين ثم نبحث عن موضوع آخر نكتب فيه، ولكن الثقافة العربية هي الوجود العربي، وقد تراجعت في هذه الأيـام إلى الحد الذي لم يعد في استطاعتنا أن نتحمله، أو نـؤجـل الـحـديـث فـيـه، أو نـعـده مرحلة تتعرض لها كـل الـثـقـافـات حـن تطرأ أسباب تعترض طريقها أو تنال من طاقاتها، ثم تختفي هذه الأسباب الطارئة التي تؤثر في السطح، ولا تصل إلى الجذور فتسترد الثقافة عندئذ طاقاتها، وتستأنف نشاطها. أقـــول إن الـثـقـافـة الـعـربـيـة هــي الــوجــود الـعـربـي، ولا أحــتــاج لمـراجـعـة هـذه الـعـبـارة، ولا أجـد فيها أيـة مبالغة، وإنـمـا هـي الـواقـع الــذي أراه، وهـي التاريخ الذي نحتاج لقراءته لنعرف كيف انتقلنا من زمن إلى زمن آخر. لم يكن مجرد نقلة محدودة أو مجرد إضافة، وإنما كـان تحولا شاملا تحقق في كل مجال. سياسة أخرى، ولغة أخرى، وثقافة جديدة، وعالم آخر تغيرت حـدوده، واتسع مداه، واتصل بعضه ببعض. نـعـم نـحـتـاج لـــقـــراءة هـــذا الــتــاريــخ لـنـعـرف أنـفـسـنـا كـمـا يـجـب أن نعرفها، ونتمثل وجودنا الذي لا يظهر على حقيقته حين نكتفي بالنظر للواقع الراهن فيخيل لنا أننا وُجدنا هكذا بالصورة التي نراها الآن، دون أن نرى كيف تحولنا ودخلنا في هذه الصورة التي صرنا فيها. ونحن لن نجد كلمة تلخص لنا هذا التاريخ، وتفسر هذا التحول إلا الثقافة. *** وأنا لا أجحد تاريخنا الأول الذي لم يمحه تاريخنا الجديد؛ لأن التاريخ لا يمحو بعضه بعضاً، وإنـمـا يتفاعل بعضه ببعض، ويستفيد الـجـديـد من الـقـديـم، ويصبح بـهـذا مـؤهـا لأن يـواصـل الحياة بـعـده. والـذيـن ينكرون هذه الحقيقة ينكرون مـا فـي الجديد مـن غنى واتــســاع، كما ينكرون مـا فـي القديم من الإنجازات والخبرات التي أصبحت تراثا لكل البشر، وظلت حية قادرة على مواصلة حياتها في صور جديدة. وهذا هو الغنى الذي نحتاج لأن نعرفه حتى نعرف أنفسنا، ونحافظ على وجـودنـا الــذي يتمثل قبل كـل شــيء فـي ثقافتنا العربية التي يتواصل فيها الماضي بالحاضر، والمشرق بالمغرب، وبها نستطيع أن نتحدث عن المستقبل الذي نحلم به. وهل نستطيع أن نصل إلى هذا المستقبل أو نبقى حتى في هذا الحاضر الـذي نسعى للتغلب على ما نواجهه فيه من أخطار دون لغة تجمع بيننا من ناحية، وتمكننا من امتلاك الطاقات والـقـدرات التي أصبح وجـودنـا مشروطا بامتلاكها، وهي السبيل لفهم الواقع الذي نعيشه، ورؤية المستقبل الذي نحلم به ونجده في حاضر الآخرين الذين سبقونا إليه بالعلم الذي أصبح متاحا لكل من يجتهد في طلبه، والاستنارة التي يصل إليها كل من راجع نفسه، ومارس التفكير بالعقل الـــذي نملكه كـمـا يملكه غـيـرنـا، وبـالـحـريـة الـتـي يفتح البشر عليها عيونهم منذ يـولـدون، وبالثقافة التي استطاع بها أسلافنا أن يحققوا ما حققوه، وجعلوه تراثا ننتمي له، وعدة وعتادا نتزود بهما وننطلق لتحقيق الحلم وامتلاك المستقبل؟ ونحن نـرى أننا لم نحقق أحلامنا، بل ازددنــا بعدا ففرطنا فيما ورثناه. ويكفي أن ننظر لما وصلت إليه لغتنا التي احتضنت ثقافات العالم، وفتحت أمامها أبــواب التعارف والـحـوار، وقاومت الأخطار التي تهدد اللغات عصورا مـتـوالـيـة، وعــــادت للنشاط والازدهـــــار فــي هـــذا الـعـصـر الـحـديـث، وأضــافــت فيه لتراثها القديم تراثا جديدا – لغتنا تتعرض الآن لأخطار جديدة تضاف للأخطار الموروثة. وقد تحدثت في المقالة السابقة عن العاميات التي لم تعد الآن مجرد لهجات دارجـــة، وإنـمـا تـجـاوزت هـذا الـحـد، وأصبحت تُستخدم فـي النشاط السياسي والإداري، وفي الأعمال الأدبية وفي أجهزة الإعلام، وفي السينما والمسرح، فضلا عن كونها لغة الحياة اليومية. والنتيجة هي هذه اللغة الهجين التي اختلطت فيها العامية بالفصحى فلم تعد واضحة، ولم تعد مألوفة. وفـــي الــوقــت الـــذي تختلط فـيـه الـعـامـيـة بالفصحى تبتعد الـفـصـحـى عن الفصحى بسبب الـعـزلـة المـفـروضـة على الإنــتــاج الثقافي فـي كـل قطر وانـعـدام التواصل لاحتجاب منابره التي كـان يلتقي فيها الكتَّاب والشعراء والمفكرون العرب والقراء بالطبع. هذا الخطر الداهم ليس جديداً، وإنما هو الثمرة المُــرة للظروف والأحـداث التي مرت بنا، ولم تكن في صالح الثقافة العربية التي لا تستطيع أن تكون ثقافة قطرية منغلقة على نفسها؛ لأنها في هذه الحالة تكون ثقافة مبتورة ناقصة. *** وفي ثمانينات القرن الماضي وقفت أمام اختبار قامت به المنظمة العربية للتربية والثقافة والـعـلـوم، ورأت فيه أن تـعـرف اللغة الـتـي يتعلمها التلاميذ العرب في مدارسهم فجمعت نصوصا مما يقرأونه ويكتبونه ويستخدمونه في اثني عشر قطرا عربياً، وراعـت في جمعها لهذه النصوص أن تكون ممثلة للبنين والـبـنـات، وللبيئات الريفية والحضرية والـبـدويـة، كما راعــت اختلاف الأعمال والمستويات الدراسية فبلغت جملة المفردات المحصورة والمأخوذة من التسجيلات الصوتية، والكتب المدرسية، وكراسات الإمـاء والإنشاء للسنوات الأربـع الأولـى من التعليم الابتدائي في الأردن، والبحرين، وتونس، والجزائر، 534 والسعودية، والسودان، وسوريا، وقطر، والكويت، وليبيا، ومصر، واليمن كلمة متداولة في هذه الأقطار جميعاً، 911 ألفا و 38 كلمة وجدت منها 682 ألفا و والباقي غير مستعمل إلا في حــدود قطرية أو إقليمية. ومعنى هـذا أن وحدة 7 الثقافة العربية في هذه العقود الأخيرة من السنوات لا تقوم إلا على أقل من في المائة من اللغة التي تستعملها أجيالنا الجديدة، في حين تصل المادة اللغوية في المائة من المفردات! 93 التي تفصل هذه الأجيال بعضها عن بعض ولـن نتجاوز حـدود الـصـواب إذا قلنا إن هـذا الاختبار يفسر ما نحن فيه الآن؛ فالذين كانوا في ثمانينات القرن الماضي تلاميذ في المـــدارس الابتدائية صـــاروا الآن فـي الخمسين مـن أعـمـارهـم يـمـارسـون المـهـن، ويشغلون الوظائف والمناصب التي يمارسها ويشغلها من بلغوا هـذه السن، وفيهم تتمثل اللغة العربية، وتتمثل الثقافة العربية الآن. والنتائج المترتبة على هذا الوضع هي ما نلمسه الآن. وأخطر منه وأكثر مدعاة للخوف والفزع ما يمكن أن يصير إليه غدا وبعد غد، إذا لم نستيقظ بأقصى سرعة ونعمل بكل جد وبكل ما نملك من إمكانات وطاقات ووسائل لإنقاذ لغتنا، وإنقاذ ثقافتنا، وإنقاذ أنفسنا. ونحن نملك الكثير الــذي نستطيع بـه أن نتغلب على هــذا الخطر الداهم الذي يجب على الجميع أن يتصدوا له؛ لأنه يهدد الجميع. نعم، يهدد وجودنا جميعا ً. المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء» عـــــن «المــــؤســــســــة الـــعـــربـــيـــة لــــلــــدراســــات والـــنـــشـــر» بـــبـــيـــروت، صــــدر لـلـشـاعـر المـغـربـي مخلص الصغير ديـــوان «الأرض الـحـمـراء»، صفحة مـن القطع المتوسط. ويأتي 174 فـي هـــــذا الـــــديـــــوان بـــعـــد صــــــدور ديـــــــوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر». ويـأتـي صـــدور هــذا الـــديـــوان، كما يقول الـــــنـــــاشـــــر، «ضـــــمـــــن مــــــشــــــروع شـــــعـــــري حــــول الأرض، يتتبع مصيرها الـراهـن وهـي تـدور عــلــى صـفـيـح ســـاخـــن، مـشـتـبـكـا مـــع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبــئــة المتفشية والـجـوائـح والأزمــــات التي حــلــت بـــــالأرض فـــي الـــســـنـــوات الأخــــيــــرة، ركــز الـــديـــوان الـجـديـد (الأرض الــحــمــراء) عـلـى ما ألم بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها». ويــتــوزع المـكـان فـي قصائد الــديــوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والـــــعـــــراق والأردن، وعـــلـــى ضـــفـــاف بــحــيــرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دمـا، مثلما يـــقـــول الـــشـــاعـــر: «هـــــذه الأرض حَـــتْـــمـــا تـــدور لتطحنَنَا/ ليس فـي الأرض مـن ثِــقَــة. تَنزف الأرض يسألُنَا دَمُها/ والدِّماء كلام بلا لُغة. هذه الأرض مسرح كل جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْل مِــقْــصَــلــة»، وهـــي الـــصـــورة الـتـي تـتـمـاهـى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملا فنيا معاصرا للتشكيلي الـــروســـي غــريــغــوري أوريـــكـــوف، الـــذي ينتمي إلـــى المــوجــة الــجــديــدة مــن تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء». ونـقـرأ فـي قصيدة «الفلسطينية» قول الـــشـــاعـــر: «هــــــذه الـــــحـــــربُ/ تــــذبــــح الــجــمــيــعَ/ مـــــن الـــــوريـــــد إلــــــى الـــــــوريـــــــدْ/ هــــــذه الـــــحـــــربُ/ تَــطْــمـر الأطـــفـــال فــي الأرضِ/ لكنّهم ينبتون مـــن جـــــديـــــدْ... خُـــــــذُوا حـــداثـــتـــكـــمْ/ والــــحــــربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شك مختلفُ». قـــصـــائـــد الـــــديـــــوان تـــتـــرحّـــل بـــنـــا مــــا بـن المـــغـــرب ومـنـطـقـة الأنـــدلـــس وتـــونـــس ومـصـر والـــــعـــــراق والأردن، وعـــلـــى ضـــفـــاف بــحــيــرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الـشـاعـر وهـــو يمضي عـلـى الأرض. وهـــي أرض حــمــراء تـنـزف دمـــا، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرض حَتْما تدور لتطحنَنَا/ لـــيـــس فــــي الأرض مــــن ثِــــقَــــة. تَــــنــــزف الأرض يـسـألُــنَــا دَمُــهــا/ والـــدِّمـــاء كـــام بـا لُــغـة. هذه الأرض مــســرح كـــل جـرائـمـنـا/ شَــكْــلُــهَــا شَــكْــل مِــقْــصَــلــة»، وهـــي الـــصـــورة الـتـي تـتـمـاهـى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملا فنيا معاصرا للتشكيلي الـــروســـي غــريــغــوري أوريـــكـــوف، الـــذي ينتمي إلـــى المــوجــة الــجــديــدة مــن تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لــون الـــورد، لــون الـسـمـاء»، كما نقرأ فـــي الــقــصــيــدة الـــتـــي تـحـمـل عـــنـــوان الـــدّيـــوان «الأرض الحمراء». ونـقـرأ فـي قصيدة «الفلسطينية» قول الـــشـــاعـــر: «هــــــذه الـــــحـــــربُ/ تــــذبــــح الــجــمــيــعَ/ مـــــن الـــــوريـــــد إلــــــى الـــــــوريـــــــدْ/ هــــــذه الـــــحـــــربُ/ تَــطْــمـر الأطـــفـــال فــي الأرضِ/ لكنّهم ينبتون مـــن جـــــديـــــدْ... خُـــــــذُوا حـــداثـــتـــكـــمْ/ والــــحــــربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شك مختلفُ». وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الــــديــــوان، حـــن تــتــحــوّل الــحــيــاة إلــــى «حـــدث حــــمــــراء» بـــعـــبـــارة المــتــنــبــي، الـــــذي كــتــب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «فـــي شــــارع المــتــنــبــي»، وهـــي الـقـصـيـدة الـتـي كُــتِــبَــت تحت ظــال وتمثال منشد الـدَهـر في شارع المتنبي ببغداد. يـضـم الـــديـــوان عـشـريـن قــصــيــدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر. بيروت: «الشرق الأوسط» تبرع الروائية روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس هل توجد حياة في هوليوود؟ تـسـتـعـرض روايـــــة «تــلــفــزيــون» للكاتبة لورين روثــري قصة نجم أفـام حركة واثنين مـن الـكـتـاب، وهــم فـي حـالـة مـن الـذهـول جـراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه. من الإجحاف حقا تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثــري بــ«جـوان ديـديـون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تـم تشبيه شخص آخــر بـــ«ديــديــون» فـي هذا الــعِــقــد، فــســأرتــدي زي «بــيــغ بـــيـــرد» وأركـــض صـارخـا وســط الــزحــام المــــروري على الطريق .)101 السريع تــــدور أحـــــداث الـــروايـــة الأولـــــى لـــــروذري، «تـــــلـــــفـــــزيـــــون»، بـــصـــفـــة أســــاســــيــــة فـــــي لــــوس أنجليس، وهي مثل روايـة «العبها كما هي» لـــديـــديـــون، الـــتـــي تُــعــنــى بــصــنــاعــة الـسـيـنـمـا والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصا وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟ فـي الــواقــع، تشترك الـروايـتـان فـي سوء الاستخدام الشائع والمـزعـج لبعض الأفعال، وتـــصـــريـــفـــاتـــهـــا فــــي الـــلـــغـــة الإنـــجـــلـــيـــزيـــة؛ فـي عبارات مثل «استلقيت على الأريكة»، و«بقيت مـسـتـلـقـيـة هــنــاك بــجــانــب الــــنــــار»، و«بــســطــت مـنـشـفـتـي عــلــى الــــرمــــال، وخـــلـــعـــت قـمـيـصـي، »، كلها 10:33 واستلقيت ونمت حتى الساعة اقتباسات من رواية «تلفزيون». تكتب إحـدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هــنــاك»، وهـــي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه. بــعــيــدا عـــن هــــذه الــهــفــوة الــنــحــويــة، فــإن كـتـاب روثـــري فُــكـاهـي، ويـدعـو للتفكير، وله أسلوب خـاص تماماً؛ (وإن كـان ثمة تشبيه، فـربـمـا تـلـمـح فـيـهـا نـفـحـة مـــن روايـــــة «نــقــود» لمـــارتـــن آمـــيـــس)، إذ تــزخــر الــــروايــــة بـــإشـــارات عـابـرة لشخصيات غـابـت عـن سـمـاء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتـومـض بتعليقات حـزيـنـة، وإن كـانـت غير مـــتـــرابـــطـــة تـــمـــامـــا، حـــــول عـــــــادات الاســـتـــهـــاك المـتـغـيـرة والمـــجـــزأة بشكل مـتـزايـد، واقـتـصـاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي. تـــــتـــــنـــــقـــــل روايــــــــــــــــــة «تــــــــلــــــــفــــــــزيــــــــون» بـــن المــونــولـــوغـــات الــداخــلــيــة لــثــاث شـخـصـيـات، تماما مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعا من الثالثة. يُــــكــــتَــــشــــف «فــــيــــريــــتــــي» بــــعــــد صـــفـــحـــات قـلـيـلـة - لـلـتـأكـد فـقـط - أنـــه مـمـثـل ذكــــر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكا يشبه فك هاردي كروغر»، وولعا بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اســم «شـون بـــن». وهـــو، فــي الخمسين مــن عــمــره، يعيش أزمــــــة مــنــتــصــف عـــمـــر مــتــفــاقــمــة، حـــيـــث نــــراه فـي أول ظـهـور لـه وهــو يترنح مـخـمـورا على مــن طــائــرة. إنـــه يملك ســيــارة «ألــفــا رومـيـو» ، وثـمـانـيـة مـــنـــازل، وكــدلــيــل على 1965 طــــراز الـرفـاهـيـة المطلقة، يـأنـف اسـتـخـدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصــطــنــاعــي لـتـصـغـيـر ســنــه رقــمــيــا، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير. وبـــيـــنـــمـــا يــــــــؤدي دور مـــخـــلـــوق خـــــارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفــــام «الأكــــشــــن»، يــبــدي «فــيــريــتــي» دهشته مـلـيـون 80 لمـجـلـة «جــــي كـــيـــو» مـــن تــقــاضــيــه دولار، لــيــقــرر لاحـــقـــا مــنــح هــــذا المــبــلــغ لأحــد مــشــتــري الـــتـــذاكـــر عــبــر قـــرعـــة، وكـــأنـــه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهـذا هو أقـصـى مــا يمكن أن تـصـل إلـيـه حبكة روايـــة «تلفزيون». أمــا الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كـــــاتـــــبـــــة مــــســــرحــــيــــة مــــكــــافــــحــــة فـــــــي أواخـــــــــر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يـوجـد مــا هــو أكـثـر تعبيرا عــن أجــــواء لـوس أنــجــلــيــس مــــن مــطــعــم مـــتـــوقـــف عــــن الـــعـــمـــل). تربطهما صــداقــة خــاصــة، رقـيـقـة، يسودها حـــب الــتــمــلــك وأحـــيـــانـــا تــلــمــيــحــات جـنـسـيـة، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعـــمـــق، مـعـلـنـة أن «ديــنــامــيــكــيــة المــتــزوجــن لا تـثـيـر اهــتــمــامــي إلا فـــي أفـــــام بــيــرغــمــان» (إنــــغــــمــــار). و«هــــيــــلــــن» صـــاحـــبـــة شـخـصـيـة اجتماعية وشكاكة، تكتسب صـداقـات تدوم لأربـــع سـاعـات فقط فـي الـحـفـات، وتـــدرك أن الجمهور المـعـاصـر - إن أمـكـن وصـفـه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة. وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فـــيـــبـــي»، وهــــي كــاتــبــة ســيــنــاريــو مـجـتـهـدة، تـوفـي جَــدّاهــا بـفـارق يـومـن فقط فـي جنوب عاما ً. 50 غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة فـي العثور على نوع مـــن الإلـــهـــام الــنــقــي الــــذي يـسـتـحـيـل تحقيقه فـــي هـــولـــيـــوود، إذ تـشـتـت ذهــنــهــا بـتـعـاطـي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تـعـتـرف قـائـلـة: «عـنـدمـا كـنـت أشــاهــد فيلماً، كـنـت أوقــــف الـــعـــرض عـنـد الـلـقـطـات الـقـريـبـة لـلـمـمـثـات، لأقـــــارن الــخــطــوط حـــول أعينهن بالخطوط حول عيني». تَــــبــــدو مـــــســـــودات كـــتـــابـــة الــســيــنــاريــو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هـنـا كـمـحـاكـاة لـحـالـة الـعـجـز الـنـاجـمـة عن هـيـمـنـة الـــخـــوارزمـــيـــات - وكــأنــهــا نــــوع من الـحـشـو الـــفـــارغ؛ إذ تـكـتـب بــأسـلــوب يشبه نـسـخـة مـــن «تـــشـــارلـــي كـــوفـــمـــان» فـــي فيلم «الـــتـــكـــيـــف»: «هــــــذا المـــقـــطـــع (لـــفـــظ بــــــذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحـقـا: «هــذا المقطع (لفظ بـــذيء). أعيدي الـــنـــظـــر فــــي مــــســــارك المـــهـــنـــي». وسـيـتـطـلـب الأمــــــر بـــعـــض الـــجـــهـــد لاســـتـــكـــشـــاف كـيـفـيـة اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين». تـــنـــجـــح الـــكـــاتـــبـــة روثـــــــــري فـــــي تــصــويــر الــتــفــاصــيــل الــغــريــبــة لمــديــنــة لــــوس أنـجـلـيـس ببراعة فائقة؛ بدءا من رائحة حمام السباحة، وصــــولا إلـــى المـشـهـد المـسـرحـي الـغـامـر لمحطة غسيل الــســيــارات، والـسـبـاكـة الـحـسـاسـة ذات الرائحة الكبريتية في إحـدى الشقق المنمقة؛ لــدرجــة أن الـرحـلـة إلـــى فـرنـسـا تــبــدو وكـأنـهـا انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل .»PBS« لا تــقــع الـكـثـيـر مـــن الــــحــــوادث فـــي روايــــة «تــــلــــفــــزيــــون»، لـــكـــنـــهـــا تــــزخــــر بـــالاســـتـــبـــصـــار والــتــعــبــيــر والــــنــــقــــاش. وفـــــي عـــالـــم حـــلـــت فـيـه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحـــــصـــــدت فــــيــــه الــــحــــمــــاقــــة المـــطـــلـــقـــة مـــايـــن المــشــاهــدات، يـحـافـظ هـــذا الـكـتـاب عـلـى إيـقـاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ســـاحـــرة ومـــثـــيـــرة لــاهــتــمــام، تـعـطـي شــعــورا بأنها لا تـــزال قيد الـتـطـور؛ إذ لا تـقـدم حلولا نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود. خدمة: «نيويورك تايمز» * وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة *ألكساندرا جاكوبس لورين روثري لا يقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون» لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky