issue17296

مـع تـزايـد الاعـتـمـاد على منصّات الـتـواصـل مصدرا للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمــتــابــعــة الأحــــــــداث بــشــكــل لـــحـــظـــي، بـــاتـــت تــقــنــيــة «الـــبـــث المباشر» إحــدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعــام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيـــادة العوائد المالية. وحـقـا، «تشير دراســـات عـدة إلى أن خـدمـات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الـربـح، لا سيما فـي مـجـالات التغطية الإخـبـاريـة الحية والمقابلات والـفـعـالـيـات»، بحسب وكـالـة «أسوشييتد بـــرس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالبا ما يكون ذلك مدعوما بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسـوشـيـيـتـد بــــرس» بـــأن «مــنــصّــات الــتــواصــل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)». عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحـداث الكبرى، ما عـدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيـادة الـعـوائـد المـالـيـة، والـتـي تـؤثـر على جـــودة المـحـتـوى ودقـة المعلومات. ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعـام الرقمي، خـــال لـقـاء مــع «الــشــرق الأوســـــط»، أن «الــبــث المـبـاشـر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجا ربحيا متكاملا وأداة للهيمنة الــخــوارزمــيــة ضـمـن مــا يُــعــرف باقتصاد الـتـفـاعـل الــلــحــظــي». ولـفـتـت إلـــى أن «الـــبـــث المــبــاشــر وفّـــر مــســارات ربـحـيـة بـديـلـة لـإعـانـات التقليدية مــع خفض فـــي المـــائـــة خــــال الـبـث 60 الــنــفــقــات الـتـشـغـيـلـيـة بـنـسـبـة السحابي». تقرير «معهد رويترز» كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فـإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولـويـة الظهور العضوي». وفي هـذا الصدد، أشــارت إلـى تقرير «معهد رويترز لدراسات الـصـحـافـة»، الـعـام المـاضـي، وتقرير «الابـتـكـار الإعـامـي» بـــشـــأن «دور الآنــــيــــة فــــي تـــعـــزيـــز المــوثــوقــيــة 2026 لـــعـــام والمـكـاسـب الرأسمالية للمؤسسات الإعـامـيـة». وأردفـــت أن «نـــمـــاذج عـربـيـة تـتـصـدر المــشــهــد، إضـــافـــة إلـــى مـواقـع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب». وتابعت عبد الغني أنــه رغــم مـزايـا «الـبـث المباشر» وقـدرتـه على «نـقـل الأحـــداث بشكل آنـــي، وزيـــادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تـحـديـات جـوهـريـة تـبـدأ بخطر انـتـشـار المـحـتـوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات الــتــحــقــق». كــذلــك تــطــرّقــت إلـــى أن «ثــمــة تـبـعـات أخـاقـيـة وقانونية أيـضـا، حيث يتسبب الـبـث المـبـاشـر فـي أزمــات تتعلق بـانـتـهـاك الـخـصـوصـيـة، كـمـا يـزيـد مــن الضغوط الــنــفــســيــة عـــلـــى الـــصـــحـــافـــيـــن، ويـــــــؤدي لـــتـــراجـــع الــعــمــق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي». مـــن جـهـة ثــانــيــة، أطـلـقـت مـنـصـة «فــيــســبــوك» خـدمـة ، وكــانــت 2016 الـــبـــث المـــبـــاشـــر فـــي أبـــريـــل (نـــيـــســـان) عــــام الـخـدمـة فــي الــبــدايــة مــتــوافــرة لمـجـمـوعـات معينة قـبـل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعـــامـــيـــة عـلـى مـسـتـوى الــعــالــم اســتــخــدامــهــا، وتــزايــد ،2020 استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام عـنـدمـا منحت عــائــدات مـالـيـة لـنـاشـري فـيـديـوهـات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث. وحـول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير فـــي إدارة وتـحـلـيـل بــيــانــات «الــســوشــيــال مــيــديــا» بـدولـة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضــح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حاليا على استقاء المعلومات من منصات التواصل». وفي حين أكّــد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلـــى «مشكلة أسـاسـيـة وهـــي أن بـعـض الـبـلـدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير». أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات أمـــــا الـــصـــحـــافـــي المــــصــــري المـــتـــخـــصـــص فــــي شــــؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المـنـصـات لــم يـعـد مـجـرد خـيـار تـحـريـري، بــل أصـبـح أداة رئيسة فـي استراتيجيات المـؤسـسـات الإعـامـيـة، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)». ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوســط»، إلى أن «الإحـصـائـيـات تشير إلــى أن المستخدمين يمضون وقتا أضـــعـــاف فـــي مــشــاهــدة الــفــيــديــوهــات المـبـاشـرة 3 أطــــول بــــ مـــقـــارنـــة بــالــفــيــديــوهــات المـــســـجـــلـــة»، غــيــر أن هــــذه المــيــزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة الــتــحــريــريــة، والاعـــتـــمـــاد المـــفـــرط عــلــى الـتـقـنـيـات الــذكــيــة، بـالإضـافـة إلـــى خـطـر نـشـر الـشـائـعـات عـلـى حـسـاب الـدقـة والــتــحــقــق الـــكـــافـــي، والــــوقــــوع تــحــت رهــــن الــخــوارزمــيــات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية». مـــن جــهــتــه، أوضـــــح الــصــحــافــي الــلــبــنــانــي مـحـمـود غزيل، المـدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحــدى أبـرز الأدوات التي أعــادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفا أن «معظم المـؤسـسـات الإعـامـيـة تعتمد بشكل متزايد على الـبـث المـبـاشـر عـبـر مـنـصّــاتـهـا الـرقـمـيـة، إلـــى جـانـب البث التلفزيوني». وأرجــع غزيل ذلـك إلـى «تنبّه تلك المؤسسات إلـى أن المـشـاهـد لــم يـعُــد جـالـسـا أمـــام شــاشــة، كـمـا كـانـت الـعـادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عـن المـــواد الـتـي يـراهـا أكـثـر قـربـا مـن تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحـداث لحظة بلحظة وحتى أحيانا التفاعل معها». ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلـــى جـمـهـور عـالمـي مــن دون قـيـود جـغـرافـيـة»، ولـكـن في الوقت نفسه «يحد من قــدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المـحـتـوى، مـا يـزيـد مـن مخاطر الأخــطــاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية». وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول فـي الإعـــام الـعـربـي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُــدار بمهنية، ومسؤولية، ووعــي بالتحديات والـفـرص التي يفرضها العصر الرقمي». وراهـــنـــا، يـــقـــدّر حـجـم ســـوق الــبــث المــبــاشــر الـعـالمـي، 87.55 وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو . ومن المتوقع أن يصل 2023 مليار دولار أميركي في عام ، مسجلا 2030 مليار دولار أميركي بحلول عام 345.13 إلى في المائة خلال الفترة 23.0 معدل نمو سنوي مركب قدره .2030 إلى 2024 من أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تـــحـــديـــثـــات جــــديــــدة «تــــهــــدف إلـــــى مـــســـاعـــدة مـنـشـئـي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المــتــطــورة عـلـى المــنــصــة»، وذلــــك بــالــتــزامــن مـــع سعي الشركة إلـى «زيـــادة معدلات التفاعل داخــل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى». هـذا الأمـــر، أثــار تـسـاؤلات حـول كيفية استغلال المـؤسـسـات الإعـامـيـة للنموذج الـربـحـي الـجـديـد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قــد أكــــدت نـهـايـة مــــارس (آذار) المــاضــي أنــهــا «تـهـدف إلـى دعـم صُــنـاَّع المحتوى من خـال تحقيق مزيد من الأربـــــاح، كـمـا تسعى لمـكـافـأة المـحـتـوى الأصــلــي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطا متعددة من المــحــتــوى، مـثـل الـفـيـديـو الـقـصـيـر، والـــصـــور، وكـذلـك المـنـشـورات النصية وحـتـى القصص الـتـي لها إطـار زمني». الـشـركـة قــدَّمــت تـوصـيـات عـــدة، عـدّتـهـا شـروطـا لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنـــواع مختلفة مـن المـنـشـورات، بما فـي ذلك الـــصـــور والـــنـــصـــوص والـــقـــصـــص، لــفــهــم مـــا يـفـضِّــلـه الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» فـــي صــــــدارة الاهـــتـــمـــامـــات. وأشـــــــارت أيـــضـــا، إلــــى أن «أصــالــة المـحـتـوى» عـامـل مـهـم لتحقيق أربــــاح. وفـي المقابل، حـذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمة حقيقية وملموسة للمشاهد. «مـيـتـا» تفيد بـــأن مـقـاطـع «الــريــلــز» هــي المُــحــرِّك الأسـاسـي لـأربـاح فـي الـوقـت الــراهــن، فمن بـن نحو مــلــيــارات دولار دفـعـهـا مـوقـع «فـيـسـبـوك» لمنشئي 3 ، استحوذت مقاطع «الريلز» 2025 المحتوى فـي عـام في المائة من إجمالي هذه المدفوعات. 60 وحدها على مـحـمـد الــفــيــاض، الــبــاحــث فـــي الإعـــــام الـرقـمـي، أوضــح لـ«الشرق الأوســـط» أن التحوُّل الأسـاسـي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المـسـتـخـدم للنقر ومـــغـــادرة فـيـسـبـوك نـحـو موقعها؛ بل صـارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديدا عبر الفيديو القصير». وشــدَّد الفياض على أن «المعايير الآن أصبحت تـقـنـيـة وإحـــصـــائـــيـــة أكـــثـــر مــنــهــا صــحــافــيــة تـقـلـيـديـة لتحقيق الــربــح. إذ يجب أن يـتـجـاوز المـحـتـوى عتبة الـقــيـمــة المـــضـــافـــة، أي أن مـــجـــرد نــقــل الــخــبــر لـــم يعد كـافـيـا، بـل يجب أن يتضمَّن رؤيـــة أو تحليلا خاصا بـــالمـــؤســـســـة». وتـــابـــع إن «الـــخـــوارزمـــيـــة الآن تقيس الـــجـــودة مــن خـــال مـعـدل الإكـــمـــال، أي عـــدد مشاهدة الـــفـــيـــديـــو، والـــتـــفـــاعـــل الـــنـــوعـــي - أو الـــنـــقـــاشـــات فـي التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدر مالا هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق». وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخيا تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يـنـدرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سـوق المنصات أمـام المنافسين، وهـو قـرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق». من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوســط» إن «فيسبوك» تنتهج مــســارا جــديــدا فـيـمـا يتعلق بـتـعـزيـز الأربــــاح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر مـن خــال دعــم أشـكـال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولـــويـــة لـلـفـيـديـوهـات الـقـصـيـرة (الــريــلــز) مــن خـال تـمـديـد الإطــــار الــزمــنــي. وهــكــذا لــم تـعـد مـقـيـدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخـرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هـذا النوع خـال السنوات الماضية، في ظـل المنافسة مع باقي المنصات. وأضــــــاف جــمــعــة: «هـــــذا الـتـغـيـيـر أتـــــاح لــصــالات الأخبار ميزة مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصة أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أربـاح أعلى». واستطرد شارحا أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تـراجـعـت أربــــاح الـفـيـديـو مـقـارنـة بـالـسـابـق، فــي إطــار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة». وبــحــســب جـمـعـة «تــعــمــل فـيـسـبـوك حــالــيــا على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمة حقيقية مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة». ثــــم أشــــــار إلـــــى ســبــيــل آخـــــر يــمــكــن لـلـمـؤسـسـات أن تـحـقِّــق مــن خـالـه أربــاحــا مـسـتـدامـة اعـتـمـادا على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حاليا لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأربـاح، مـن بينها دعــم المعجبين والاشــتــراكــات، الـتـي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربة قبل التعميم». وأضــــاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أربــاح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بــنّــاء، والاعـتـمـاد على شخصيات مـوثـوقـة ومحببة للجمهور، وتقديم مـزايـا حقيقية للمشتركين. وفي هــذه الـحـالـة يـتـحـوَّل الجمهور مـن مـجـرد متابع إلى داعم حقيقي». Issue 17296 - العدد Monday - 2026/4/6 الاثنين الإعلام 17 MEDIA ترند كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟ القاهرة: إيمان مبروك الصحافي والذكاء الاصطناعي... افعل ولا تفعل لم يكن ما شهدته صناعة الإعلام في السنوات القليلة الماضية مجرد تطور تقني عابر؛ بل كان اندفاعا كاسحا أعاد تشكيل بنية تلك الصناعة من جذورها. فقد جاء الذكاء الاصطناعي لا بوصفه أداة إضافية في يد الصحافي؛ بل بوصفه قوة تحويلية مكتملة الأركان، أعادت تعريف مفاهيم الكتابة والتحرير والتحقق والنشر؛ بل وأعادت صياغة العلاقة بين الحقيقة والجمهور. وفي خضم هذه الفورة، بدا المشهد وكأنه يفتح أبوابا واسعة لفرص غير مسبوقة، وفي الوقت ذاته يطلق العنان لمخاطر كامنة قد تفضي إلى فوضى معرفية، وانهيار في معايير المهنة، إن لم تُحكَم السيطرة عليها. فمنذ أن اقتحم الذكاء الاصطناعي التوليدي غرف الأخبار، لم يعد الأمر مجرد تقنية تُضاف إلى ممكنات الصحافي؛ بل غدا إعادة تشكيل جذرية لمفهوم الصنعة ذاتها. الخبر يُكتَب، والمقال يُدَبَّج، والصورة تُوَلَّد، والمقابلة تُفَرَّغ، والبيانات تُحَلَّل، وكل ذلك في أجزاء طفيفة من الزمن. هذه الفورة ليست مجرد تحديث تقني قابل للاحتواء؛ بل هي ثورة مكتملة الأركان، تحمل في طياتها بشارات التجديد، كما تُخبئ في ظلالها بذور الفوضى. وسيكون للتاريخ رأي قاطع في طريقتنا في التعامل معها. غير أن ما يزيد المشهد تعقيداً، أن المنظومة التشريعية والتنظيمية التي طالما كانت الحَكَم بين الصحافة وتجاوزاتها، عجزت عن ملاحقة هذا الركض المحموم. القوانين التي صيغت في عصر الورق والبث التلفزيوني لا تزال تترنح أمام إشكاليات المِلكية الفكرية في عصر المحتوى المُــولَّــد، والأطـر التنظيمية الأوروبـيـة والأميركية ما زالـت في طور الصياغة والتجريب، تلاحق قطارا انطلق قبل أن تكتمل محطاته ويُرسَى مساره. في هذه الفجوة الرمادية بين ما هو قائم وما هو آتٍ، يقف الصحافي وحيدا أمام أسئلة لا تحتمل التأجيل. فهل هناك نهج أو إطار قادر على فرز المُباح عن غير المُباح عندما يستخدم الصحافي هذه الممكنات الجديدة؟ نعم. بالاستناد إلى ما رسَّخته المرجعيات الغربية الحديثة من معايير مهنية وقانونية وأخـاقـيـة، يمكن تحديد ملامح المُــبـاح بـوضـوح لا لبس فيه. يحق للصحافي توظيف الذكاء الاصطناعي أداة للبحث والتدقيق وتحليل الكميات الضخمة من البيانات التي يعجز عنها الجهد البشري المنفرد؛ فصحيفة مثل «واشنطن بوست»، ووكالة أنباء مثل «أسوشييتد برس» (أ.ب)، باتتا توظفانه في مسح الأرشيف، وتحليل الميزانيات الحكومية، بشكل يعزز التحقيقات والقصص. ويُباح كذلك استخدامه في تفريغ المقابلات، وترجمة المحتوى، والتحرير اللغوي، شريطة أن تظل العين الصحافية البشرية هي المُراجِعة والمُصحِّحة والمسؤولة. وفي السياق ذاته، يوصي «معهد رويترز لدراسة الصحافة» باستعمال أدوات التحقق من الصور والفيديوهات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بوصفها درعا في مواجهة التزوير؛ لا أداة لإنتاجه. في المقابل، تتشكل منطقة المحظورات بخطوط حمراء لا تقبل المساومة. نَسَب محتوى مُولَّد بالكامل إلى قلم بشري احتيال صريح، يهدر ثقة الجمهور، ويضرب النزاهة المهنية في مقتل. وقد رصدت «مؤسسة نيمان للصحافة»، بجامعة هارفارد، حالات نشرت فيها منابر إخبارية مقالات خاطئة؛ لأنها وُثِّقت بمخرجات النماذج من دون تدقيق. ويُحظر كذلك توليد صـور أو مقاطع صوتية لأشـخـاص حقيقيين فـي سياقات مُختلقة؛ إذ تقع هذه الممارسة في دائرة التزوير الإعلامي الذي تجرِّمه قوانين التشهير في معظم النظم القضائية. أمــا تـدريـب الـنـمـاذج على محتوى محمي بحقوق النشر دون إذن فمسألة لا تـــزال تنظر فيها المحاكم الأميركية والأوروبـيـة، وحكمها الأخلاقي سابق لحكمها القانوني. ويضاف إلى ذلك خطر الاعتماد الأعمى على مخرجات قد تعكس تحيزات النماذج وثغراتها، فتتسرب إلى المحتوى الصحافي أحكام مُسبقة مموهة بلغة تبدو موضوعية. بين هذا المُباح وذاك المحظور تتجلى المسؤولية الحقيقية للصحافة. فالذكاء الاصطناعي بثورته الفائرة الممتدة لم يمنح الصحافي أداة جديدة بقدر ما ألقى عليه تبعة أثقل؛ فالاستسلام للاستسهال الـــذي تتيحه هــذه التقنية طـريـق مفتوحة نحو صحافة فــارغــة، تصنع الفوضى المعلوماتية وتغذيها. أما إدارة هذه الثورة بتبصر يعرف حدودها، وروية تستوعب إمكاناتها، فذلك هو الرهان الحقيقي الذي تواجهه المهنة في لحظتها الفارقة؛ رهان لا تُربَح نتيجته بالتردد ولا بالاندفاع؛ بل بالوعي الذي يحوِّل الذكاء الاصطناعي من شريك مُفوَّض بصلاحيات كاملة إلى وسيلة مساعدة. هكذا يتبين أن الـذكـاء الاصطناعي -على الرغم من طابعه الـثـوري- لا يلغي جوهر المهنة الصحافية؛ بل يعيد اختبارها في أعمق مستوياتها. إنها لحظة اختبار حقيقية، لا لـأدوات وحـدهـا؛ بل للقيم التي قامت عليها الصحافة ذاتـهـا. وفـي هـذا الاختبار، لن يكون الـفـارق بين النجاح والإخـفـاق هو امتلاك التقنية؛ بل الـقـدرة على ترويضها أخلاقيا ومهنياً، بحيث تظل الحقيقة هي البوصلة، ويظل الإنسان هو الحارس الأخير لمعناها. د. ياسر عبد العزيز أطلقت «فيسبوك» خدمة البث لمجموعات معينة 2016 المباشر في قبل أن تتيحها للجميع خبراء أكدوا فاعليته لتحقيق الانتشار الجماهيري البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة القاهرة: فتحية الدخاخني جانب من أحد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب)

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky