علوم SCIENCES 16 Issue 17296 - العدد Monday - 2026/4/6 الاثنين ابتكار علمي يعزز إنتاج المحاصيل الزراعية من دون مبيدات عـــقـــود، أحـــــدث عـالـم 6 قــبــل نــحــو الــــوراثــــة الأمـــيـــركـــي نـــورمـــان بـــــورلاوغ، الملقب بـ«أبو الثورة الخضراء»، تحولا جـذريـا فـي تـاريـخ البشرية؛ فمن خلال تــطــويــر أصـــنـــاف قــمــح قــصــيــرة الـقـامـة وعالية الإنتاجية، ساهم في إنقاذ أكثر مـــن مـلـيـار إنـــســـان مـــن بـــراثـــن المـجـاعـة، وهـــو إنــجــاز تُــــوّج بنيله جــائــزة نوبل . ومـــع ذلـــك، لــم يخل 1970 لـلـسـام عـــام هذا النجاح من ضريبة بيئية باهظة؛ إذ اعــــتــــمــــدت الـــــــزراعـــــــة بـــشـــكـــل مـــفـــرط عـلـى الأســـمـــدة الكيميائية، والمـبـيـدات الـــحـــشـــريـــة لـــتـــعـــويـــض ضـــعـــف المــنــاعــة الطبيعية للنباتات، ما أدى إلى تدهور بيئي ملموس. وتمتلك النباتات، تماما كالبشر، جهازا مناعيا ذكياً؛ فبمجرد تعرضها لــتــهــديــد مـــن آفـــــة، أو مـــــرض، تستنفر دفاعاتها الطبيعية. لكن هذه الحماية لـــهـــا ثــــمــــن، إذ يـــتـــوقـــف نـــمـــو الـــنـــبـــات، وتتراجع إنتاجيته عند تفعيل نظامه المـنـاعـي، وهـــو مــا يشكل تـحـديـا كبيرا فـي المحاصيل الغذائية، وعلى رأسها القمح. «الدماغ الكيميائي» للنبات وفــــي ابـــتـــكـــار عـلـمـي وُصـــــف بـأنـه «الــثــورة الـخـضـراء الصديقة للبيئة»، نــــجــــح بـــــاحـــــثـــــون مــــــن جــــامــــعــــة ولايــــــة كولورادو في اكتشاف طريقة لتنشيط هرمون يسمح للنبات بالاستمرار في النمو حتى أثناء تصديه للأمراض. ويـــأمـــل الـــفـــريـــق فـــي تـطـبـيـق هــذا الاكتشاف على محاصيل حيوية مثل الـــقـــمـــح، والـــــــــذرة، وفــــــول الـــصـــويـــا، مـا قــد يـــؤدي إلـــى زيــــادة الإنــتــاج الـعـالمـي، وتــــقــــلــــيــــل الاعـــــتـــــمـــــاد عــــلــــى المــــبــــيــــدات الــحــشــريــة، ونُـــشـــرت الـنـتـائـج فـــي عـدد مـــن دوريـــة 2026 ) فــبــرايــر (شـــبـــاط 23 .)Current Biology( وتـتـعـامـل الـنـبـاتـات مــع الــظــروف المـــحـــيـــطـــة عــــبــــر مــــــا يـــســـمـــيـــه الـــفـــريـــق بــ«الـدمـاغ الكيميائي»، وهـو منظومة مـن الهرمونات النباتية المتخصصة. وعـــــنـــــد تـــــعـــــرض الـــــنـــــبـــــات لــــإجــــهــــاد، تــــنــــخــــفــــض مـــــســـــتـــــويـــــات هـــــرمـــــونـــــات «السيتوكينين» المسؤولة عـن انقسام الخلايا. ومن خلال فهم هذه التفاعلات الهرمونية، استطاع العلماء استعادة مـــــســـــتـــــويـــــات «الــــســــيــــتــــوكــــيــــنــــن» فـــي النباتات ذات المناعة المفرطة، ما أعاد تنشيط النمو دون إضعاف الدفاعات، بــــل وجــــعــــل الـــنـــبـــاتـــات أكــــثــــر مـــقـــاومـــة للأمراض. وحــــســــب الــــــدراســــــة، تــتــمــيــز هـــذه الــطــريــقــة بــكــونــهــا أســـــرع وأســـهـــل من الأساليب التقليدية التي تتطلب رسم خــــرائــــط جــيــنــيــة كـــامـــلـــة؛ إذ يـشـبـهـهـا الـــفـــريـــق بـــوصـــفـــة طــبــيــة تـــعـــالـــج خــلــا كيميائيا مـحـدداً. ومـن خـال التلاعب الـجـيـنـي بـالاسـتـجـابـة الـهـرمـونـيـة في Arabidopsis( » نـبـات «رشــــاد الـصـخـر )، تمكن الـعـلـمـاء مــن تحقيق thaliana المعادلة الصعبة، وهـي حصانة قوية ضـــد الآفـــــات، وإنــتــاجــيــة عـالـيـة فـــي آن واحد. وجـــاءت النتائج لافـتـة؛ إذ حصل الباحثون على نباتات تقاوم الأمراض بــــشــــراســــة، وفـــــي الــــوقــــت نــفــســه تـنـمـو بـمـعـدلات طبيعية، أو أعـلـى، مـن دون أي خسائر في المحصول. تعزيز المقاومة والإنتاجية واعـــتـــبـــرت الــــدكــــتــــورة كـريـسـتـيـنـا أرغـيـسـو، الأســـتـــاذة المـشـاركـة فــي قسم الـبـيـولـوجـيـا الــزراعــيــة بـجـامـعـة ولايــة كـــــــولـــــــورادو والــــبــــاحــــثــــة الـــرئـــيـــســـة فـي الدراسة، أن هذا الإنجاز يمكن أن يشكل طـــفـــرة تـــضـــاهـــي «الـــــثـــــورة الـــخـــضـــراء» عاماً، فيما يتعلق 60 التي حدثت قبل بتحقيق الأمن الغذائي، مشيرة إلى أن أثـر هـذا الإنـجـاز سيتضح مـع تطبيقه على المحاصيل. وأضـــــافـــــت لـــــ«الــــشــــرق الأوســــــــط»: «نــــجــــح فـــريـــقـــنـــا فـــــي تـــحـــديـــد جــيــنــات نباتية ترفع مستوى الإنتاجية، وهو مسار يشبه ما حققه نورمان بورلاوغ قــبــل عـــقـــود، ورغـــــم أن الــجــيــنــات الـتـي اســتــخــدمــنــاهــا تـخـتـلـف عـــن تــلــك الـتـي اعتمد عليها بــورلاوغ، فإن الدراستين تـــشـــتـــركـــان فـــــي اســــتــــهــــداف الـــجـــيـــنـــات المـــتـــحـــكـــمـــة فــــــي الـــتـــخـــلـــيـــق الــــحــــيــــوي ،)Phytohormones( للهرمونات النباتية وهي جزيئات صغيرة ينتجها النبات طبيعيا للتحكم في نموه». وأشــــــــارت أرغـــيـــســـو إلـــــى أن وجـــه الابـتـكـار فـي دراســـة الـفـريـق لا يقتصر على زيـادة الإنتاجية، بل يشمل أيضا تـــعـــزيـــز مــــقــــاومــــة الــــنــــبــــاتــــات لأمــــــراض مـــتـــعـــددة، مـــا يـفـتـح الـــبـــاب أمــــام زيــــادة المــحــاصــيــل، مـــع تـقـلـيـل الاعــتــمــاد على الأســـمـــدة والمــبــيــدات الـكـيـمـاويـة فــي آن واحد. وأُجــــــريــــــت الــــــدراســــــة بـــــدايـــــة عـلـى نبات «رشـاد الصخر»، وهو من عائلة الصليبيات مثل الملفوف، ورغم أن هذا النبات لا يتمتع بقيمة غذائية كبيرة، فإنه يُعد أساسا للأبحاث البيولوجية والــوراثــيــة، لبساطة تركيبه الجيني، وقــصــر دورة حـيـاتـه الــتــي لا تـتـجـاوز ســـتـــة أســــابــــيــــع، مـــــا يـــســـمـــح لــلــعــلــمــاء بمراقبة نتائج تجاربهم وتعديلاتهم الجينية بسرعة. وعــن إمـكـان تطبيق النتائج على نــبــاتــات أخـــــرى، أوضـــحـــت أرغــيــســو أن الفريق يعمل حالياً، بالتعاون مع عدة برامج لتربية النباتات، على نقل هذه الـطـفـرات الجينية إلـــى أنــــواع مختلفة مــن المـحـاصـيـل، بـهـدف تعميم الـفـائـدة على القطاع الـزراعـي حـول العالم، مع تــوقــعــات بـــأن يــكــون لـهـا تـأثـيـر طـويـل الأمــــد فــي الـــزراعـــة الـعـالمـيـة. وأكــــدت أن الـفـوائـد البيئية الكبرى لـهـذا الابتكار تـكـمـن فـــي خــفــض اســـتـــخـــدام المــبــيــدات الــــحــــشــــريــــة بـــشـــكـــل مــــلــــحــــوظ، بــفــضــل مـــســـتـــوى المـــقـــاومـــة الـــعـــالـــي لـــأمـــراض الـــذي أظـهـرتـه الـنـبـاتـات المُــهـنـدسـة في التجارب. القاهرة: محمد السيد علي من يقرأ الطب اليوم... الطبيب أم الخوارزمية؟ فـــي زمــــن كـــان الـطـبـيـب فـيـه يـقـرأ لــيــعــرف... إلا أنـــه أصــبــح الــيــوم يقرأ ليختار ما يتجاهل. فـي كـل شهر، يُنشر فـي المجلات العلمية حـــول الـعـالـم مــا يــقــارب ربـع مـلـيـون دراســـــة جـــديـــدة، وهـــو رقــــم لا يــعــبّــر فــقــط عـــن تـــســـارع المـــعـــرفـــة، بل يكشف عن مفارقة مقلقة: كلما ازداد الـــعـــلـــم اتــــســــاعــــا... ضـــــاق الــــزمــــن عـن استيعابه. لم تعد المشكلة في الوصول إلى المعلومة؛ فالمعلومة أصبحت وفيرة إلــى حـد الإغــــراق. بـل تـحـوّل التحدي سؤالا أكثر عمقا وخطورة: أي معرفة تـسـتـحـق أن نــثــق بــهــا؟ وأيّـــهـــا يجب أن نـــتـــجـــاوزهـــا؟ هــنــا يـــبـــدأ الــتــحــوّل الحقيقي في الطب؛ إذ لم يعد بإمكان أي طبيب، مهما بلغ مـن اجتهاد أو خبرة، أن يواكب هـذا السيل المتدفق مــــــن الأبــــــــحــــــــاث. ومــــــــع هــــــــذا الـــعـــجـــز الإنــســانــي الـطـبـيـعـي، يـتـغـيّــر جـوهـر الـــســـؤال الـطـبـي ذاتـــــه: لـــم يـعـد «كـيـف نــقــرأ أكـــثـــر؟» بـــل أصــبــح «كــيــف نـقـرّر ماذا لا نقرأ؟». التعليم الطبي أمام مفترق جديد تضخم المعرفة. اعتمد التعليم > الطبي تقليديا على التراكم المعرفي: قــــــــراءة مـــســـتـــمـــرة، مـــراجـــعـــة دوريــــــة، وتـــحـــديـــث دائـــــم لــلــمــعــلــومــات. وكـــان يُــفــتــرض أن الـطـبـيـب، مــن خـــال هـذا الــجــهــد الــــفــــردي المــنــتــظــم، يستطيع أن يــــواكــــب الــــتــــطــــورات الــعــلــمــيــة فـي تخصصه. إلا أن المشكلة لـم تعد فـي نقص المعرفة، بل في تضخمها. كما لم تعد الفجوة بين من يعرف ومن لا يعرف، بل أصبحت بين سرعة إنتاج المعرفة وقــــــــدرة الإنـــــســـــان عـــلـــى اســتــيــعــابــهــا وتحليلها. ومع هذا التحول، أصبح من الواضح أن الاعتماد الكامل على القراءة الفردية لم يعد كافيا لضمان مواكبة التطورات العلمية. لم يعد التحدي في التعلم بحد ذاته، بل في إدارة هذا الكم الهائل من المـعـلـومـات بشكل فــعّــال. وهـنـا يبرز تساؤل أساسي: هل ما زال النموذج التقليدي للتعليم الطبي قــادرا على الاستمرار في ظل هـذا التسارع غير المسبوق؟ دخول «الوكيل الذكي». في هذا > الــســيــاق، بـــدأ دور مــا يُــعــرف بـوكـاء الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي يـتـوسـع بشكل واضــح، فلم تعد هـذه الأنظمة مجرد أدوات بـحـث تـقـلـيـديـة، بـــل أصبحت قــــادرة عـلـى مـتـابـعـة آلاف الـــدراســـات يـومـيـا، تحليلها، واسـتـخـاص أهـم نتائجها خلال وقت قصير. ولا يـــقـــدم الــــذكــــاء الاصــطــنــاعــي نتائج عند الطلب فحسب، بل أصبح يـعـمـل بـشـكـل مـسـتـمـر فـــي الـخـلـفـيـة، يـــقـــرأ، يـــفـــرز، ويــعــيــد تــرتــيــب المـعـرفـة قـبـل أن تـصـل إلـــى الـطـبـيـب. وتشير التقديرات إلى أن هذه الأنظمة قادرة على معالجة وتحليل قواعد بيانات تـضـم مـايـن الأوراق العلمية خـال ثـــــوان إلـــى دقـــائـــق، وهـــو مـــا يـتـجـاوز بكثير القدرة البشرية على القراءة أو حتى المتابعة. وبهذا المعنى، يمكن عدّه «القارئ الأول» للأدبيات العلمية؛ إذ يمر على كم هائل من الأبحاث ويعيد تقديمها فـــي صـــــورة مــخــتــصــرة ومــــركــــزة. ولا يـقـتـصـر هــــذا الـــتـــحـــول عــلــى تـسـريـع الـــوصـــول إلــــى المــعــلــومــات، بـــل يـغـيّــر طـريـقـة الـتـعـامـل مـعـهـا. فــبــدلا مــن أن يـبـدأ الطبيب بـالـبـحـث، أصـبـح يبدأ بما تم اختياره له مسبقاً. وهــنــا يــتــجــاوز الـتـأثـيـر الـجـانـب الـتـقـنـي، ليصل إلـــى جـوهـر العملية التعليمية نفسها: كيف نتعلم، وعلى مــاذا نعتمد فـي بناء معرفتنا، ومن الذي يحدد أولويات ما نقرأه. تجربة شخصية: «ابن سينا» وكـــــــيـــــــل ذكــــــــــــــاء اصــــطــــنــــاعــــي > مخصص. انطلاقا مـن هـذا التحدي؛ قمت بتصميم وتطوير وتدريب وكيل ذكــاء اصطناعي ضمن أحـد النماذج Large Language( الـلـغـويـة الــكــبــرى )، وأطـــلـــقـــت عـلـيـه Models - LLMs اســـــم «ابــــــن ســـيـــنـــا». لــــم يـــكـــن اخــتــيــار الاســـم رمـزيـا فـقـط، بـل محاولة لربط عـمـق الــتــراث الـطـبـي الـعـربـي بـــأدوات التحليل المعرفي الحديثة. لا يعمل هـذا الوكيل كـــأداة بحث تـقـلـيـديـة، بــل كـنـظـام مـتـابـعـة يـومـي، يـقـوم بتلخيص مــا يُــنـشـر فــي مجال الذكاء الاصطناعي الطبي، مع تركيز خــــــاص عـــلـــى الــــجــــوانــــب الأخــــاقــــيــــة، إضافة إلـى رصـد أحـدث ما يُكتب في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان. ومـع الـوقـت، لم يعد دوره مجرد تجميع للمعلومات، بل أصبح وسيلة لإعـــــادة تـنـظـيـمـهـا، بـحـيـث تـصـل إلـى الطبيب في صورة مركزة تساعد على الفهم واتخاذ القرار. الـــفـــكـــرة لـــم تــكــن اســـتـــبـــدال قــــراءة الـــطـــبـــيـــب، بـــــل إعـــــــــادة تـــعـــريـــفـــهـــا: أن يصبح الطبيب قـــادرا على الـوصـول إلـى جوهر المعرفة دون أن يغرق في تفاصيلها. مـــــن الـــــتـــــراكـــــم إلـــــــى هـــنـــدســـة > المعرفة. في هذا النموذج الجديد، لم يعد متوقعا من الطبيب أن يقرأ كل ما يُنشر، بل أن يركّز على ما هو الأكثر بممارسته. لم يعد التعلّم سباقا مع صلة عدد المقالات، بل أصبح عملية اختيار واع للمعلومة ذات القيمة. لندن: د. عميد خالد عبد الحميد الدكتورة كريستينا أرغيسو تسعى لتطوير نباتات قادرة على مقاومة الآفات من دون أن تخسر إنتاجيتها (جامعة ولاية كولورادو) النص الكامل على الموقع الإلكتروني علماء أميركيون أعدوا دراسة ترسم خريطة الجينات النشطة في أثناء تواصل الخلايا العصبية التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري تمكن فريق من الباحثين لأول مرة من تحديد مجموعة محددة من الجينات التي تـنـشـط فـــي أثـــنـــاء الــتــواصــل الـلـحـظـي بين خلايا الدماغ، الأمر الذي يتيح فرصة غير مسبوقة لفهم الآليات الجزيئية التي تقف وراء الأفكار والمشاعر والسلوك البشري. وتمثل هـذه النتائج التي نُشرت في فـــبـــرايـــر (شــــبــــاط) المـــاضـــي فـــي دوريــــة 19 قــفــزة نوعية كبرى، Molecular Psychiatry فــحــتــى وقـــــت قـــريـــب كـــــان الـــعـــلـــمـــاء الـــذيـــن يدرسون وظائف الدماغ من منظور جيني يـــعـــتـــمـــدون بــشــكــل أســــاســــي عـــلـــى فـحـص الأنسجة بعد الوفاة. وهو ما يشبه النظر إلى دماغ صامت لمحاولة فهم كيفية عمله عندما يكون حياً. أما النهج الجديد الذي ابتكرته الـفـرق البحثية فـي كلية «إيـكـان لـلـطـب» فــي مــاونــت سـايـنـاي بـنـيـويـورك، فقد مكّن العلماء من مشاهدة هذه العملية وهي تجري في الزمن الحقيقي. ويــــوضــــح قــــائــــد الــــــدراســــــة الـــدكـــتـــور ألكسندر تـشـارنـي، أسـتـاذ الـطـب النفسي وعـــلـــم الأعــــصــــاب والـــعـــلـــوم الــجــيــنــيــة فـي كلية إيــكــان للطب نــيــويــورك، أهـمـيـة هـذا الـــتـــحـــول قــــائــــاً: «لـــعـــقـــود مـــن الـــزمـــن كــان فهمنا للتعبير الجيني في الدماغ البشري محصورا في الـدراسـات التي تجرى على الأنسجة بعد الوفاة. أما هذا العمل فيتيح لنا الآن فحص البنية الجزيئية للتواصل العصبي وهـو يحدث داخــل أفــراد أحياء، مما يقربنا خطوة كبيرة من ربط الجينات مــــبــــاشــــرة بــــوظــــائــــف الـــــدمـــــاغ فــــي الـــوقـــت الفعلي». جسر بين عالمين منفصلين وركـــزت الــدراســة على عملية «النقل )، وهـي Neurotransmission( » الـعـصـبـي تـلـك الإشــــــارات الـكـهـربـائـيـة والكيميائية التي تنتقل بين الخلايا العصبية، وتشكل الأســــاس لـكـل فـكـرة وذكــــرى وحــركــة يقوم بـــهـــا الإنـــــســـــان. ولالـــتـــقـــاط هـــــذه الـعـمـلـيـة الدقيقة دمج الفريق البحثي بين تقنيتين متطورتين. حــــلــــل الــــبــــاحــــثــــون أنـــــمـــــاط الــتــعــبــيــر الجيني في منطقة «قشرة الفص الجبهي» لأكثر من مائة مريض Prefrontal Cortex كـــــانـــــوا يـــخـــضـــعـــون لـــعـــمـــلـــيـــات جـــراحـــيـــة عـــصـــبـــيـــة. وبــــالــــتــــزامــــن مــــع ذلــــــك جــمــعــوا قـــيـــاســـات مـــبـــاشـــرة لــــإشــــارات الـعـصـبـيـة مـــــن أدمـــــغـــــة هـــــــــؤلاء المـــــرضـــــى فـــــي أثــــنــــاء وعيهم الكامل. ومـن خـال دمـج البيانات الجزيئية مع التسجيلات الفسيولوجية الحية تمكن الفريق من تحديد مجموعة متجانسة من الجينات يرتفع وينخفض نــشــاطــهــا بــتــنــاغــم مـــع انـــطـــاق الإشــــــارات العصبية. ويؤكد الدكتور برايان كوبيل، مدير مــركــز الـتـعـديـل الـعـصـبـي فــي كـلـيـة إيـكـان لــلــطــب نــــيــــويــــورك والمـــــشـــــارك بــــالــــدراســــة، الأهــــمــــيــــة الــــكــــبــــيــــرة لـــلـــجـــمـــع بـــــن هـــذيـــن التخصصين العلميين، قـائـاً: «مـن خلال الجمع بـن التسجيلات داخـــل الجمجمة والــتــحــلــيــل الــجــزيــئــي نـــقـــوم بــبــنــاء جسر بــن عـالمـن كـانـا يُـــدرســـان تقليديا بشكل مـــنـــفـــصـــل. هـــــذا الـــنـــهـــج يـــقـــدم لـــنـــا صــــورة أوضــح عـن كيفية عمل الـدوائـر العصبية عـــلـــى المـــســـتـــويـــن الـــكـــهـــربـــائـــي والــجــيــنــي معاً، مما يحمل آثــارا عميقة على تطوير أســالــيــب الــتــعــديــل الـعـصـبـي والــعــاجــات الدقيقة». إطار لفهم الأمراض العقلية كما أكدت الدراسة أن هذا «البرنامج Transcriptional Program » الـــنـــســـخـــي المـــكـــتـــشـــف حـــديـــثـــا لـــيـــس مــــجــــرد ظـــاهـــرة عــــشــــوائــــيــــة بــــــل هــــــو نــــمــــط يــــتــــكــــرر عــبــر مجموعات مختلفة من المرضى، ويتوافق مـــــع المـــــــســـــــارات الـــبـــيـــولـــوجـــيـــة المــــعــــروفــــة المرتبطة بالإشارات العصبية الاستثارية والـــــوظـــــائـــــف الـــتـــشـــابـــكـــيـــة بـــــن الـــخـــايـــا العصبية. أما الآثار المترتبة على هذا الاكتشاف فـــســـتـــكـــون واســــعــــة الــــنــــطــــاق؛ فـــاضـــطـــراب عملية النقل العصبي هو السمة الأساسية المشتركة في جميع الاضطرابات النفسية والـعـصـبـيـة الـكـبـرى تـقـريـبـا، بـمـا فــي ذلـك الاكــــتــــئــــاب والــــفــــصــــام والـــــصـــــرع ومـــــرض ألــزهــايــمــر. ومـــن خـــال تـحـديـد الـجـيـنـات الـــتـــي تـــدعـــم الـــتـــواصـــل الــعــصــبــي الـسـلـيـم أصــــبــــح لــــــدى الـــعـــلـــمـــاء الآن هــــــدف أكـــثـــر وضوحا لفهم مواطن الخلل في الأمراض المختلفة. ويــشــيــر الـــدكـــتـــور إغــنــاســيــو ســايــز، أســـــتـــــاذ عــــلــــم الأعــــــصــــــاب وجــــــراحــــــة المــــخ والأعـــصـــاب فــي كـلـيـة إيــكــان لـلـطـب وأحــد المشاركين بالدراسة، إلى أن هذه الدراسة تُحدث نقلة نوعية أيضا في طريقة تفسير البيانات الجينية المعقدة، قـائـاً: «تكمن قـــوة هـــذه الـــدراســـة فــي قـدرتـهـا عـلـى دمـج بــيــانــات الـنـسـخ الـجـيـنـي واســعــة الـنـطـاق مع قياسات مباشرة لنشاط الـدمـاغ. كما إن تحديد برنامج نسخي منسق يرتبط بـالـنـقـل الـعـصـبـي يــوفــر لـنـا إطــــارا جـديـدا لـفـهـم كيفية تـأثـيـر الاخــتــافــات الجينية عـلـى وظــائــف الــدمــاغ وقـابـلـيـتـه للإصابة بالأمراض». مشهد حي لا خرائط ساكنة تــــقــــلــــيــــديــــا، اعــــتــــمــــد الــــعــــلــــمــــاء عــلــى الدراسات الجينية لتحديد عوامل الخطر المرتبطة بـالأمـراض النفسية؛ أي تحديد الجينات التي قد تكون معطلة. لكن معرفة الــجــن المـعـطـل لا تـكـفـي وحـــدهـــا لتفسير كيفية اختلال عمل الـدوائـر العصبية في الزمن الحقيقي. ويأتي هذا البحث الجديد ليشكل جسرا يربط بين المخاطر الجينية والنشاط الفعلي للدماغ. ومن خلال تحديد الشكل «الصحي» لــــأنــــمــــاط الـــجـــيـــنـــيـــة فــــــي أثــــــنــــــاء عــمــلــيــة التواصل الدماغي النشط يمكن للباحثين الآن فــهــم الاضــــطــــرابــــات الــجــزيــئــيــة الـتـي تحدث في الأمراض النفسية بشكل أفضل. وقـــد يــــؤدي هـــذا فـــي الـنـهـايـة إلـــى تطوير أدوات تشخيصية أكـثـر دقــة تعتمد على الآلــــيــــات الــبــيــولــوجــيــة لــلــمــرض بـــــدلا من الأعــــــراض فــقــط، بـــالإضـــافـــة إلــــى عــاجــات دقيقة مصممة لتصحيح أخـطـاء جينية محددة في مسارات الإشارات العصبية. وفـــــي المــحــصــلــة يـــحـــول هـــــذا الـبـحـث دراسة الدماغ البشري من تمرين تشريحي سـاكـن إلــى استكشاف ديناميكي للكائن الـــحـــي. فــمــن خــــال الــتــقــاط الـلـحـظـة الـتـي يتشكل فيها الفكر على المستوى الجيني يضع العلماء الأسس اللازمة للجيل المقبل من الرعاية النفسية والعصبية. لندن: د. وفا جاسم الرجب فرصة غير مسبوقة لفهم آليات توليد الأفكار والمشاعر والسلوك البشري
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky