issue17295

الثقافة CULTURE 17 Issue 17295 - العدد Sunday - 2026/4/5 الأحد ليست مجرد حدث سياسي بل اختبار لطبيعة العقل نفسه الحرب بين كانط وهيغل فــــي زمــــــن الــــحــــرب نـــحـــتـــاج إلــــــى أن نـسـتـعـيـد مـــا قـــالـــه أولـــئـــك الـــطـــفـــرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه. هل يستطيع وضـع حـدا للعنف، أم أنــه لا يكتشف نفسه إلا فـي العنف؟ هنا يتقابل كانط وهيغل، لا بوصفهما موقفين أخلاقيين فحسب، بل بوصفهما تــــصــــوريــــن مــخــتــلــفــن لمـــعـــنـــى الـــتـــاريـــخ والــدولــة والإنـــســـان، تـصـور يـراهـن على تجاوز الحرب، وآخر يرى فيها لحظة لا يمكن حذفها من بنية العالم. كــــانــــط يـــنـــطـــلـــق مـــــن قـــــاعـــــدة تـــبـــدو بسيطة لكنها تقلب الموقف كله، الإنسان غـــايـــة لا وســـيـــلـــة. هــــذه الـــعـــبـــارة ليست أخلاقية مجردة، بل لها نتائج سياسية مـــبـــاشـــرة. لأن الــــحــــرب، فــــي جـــوهـــرهـــا، تــجــعــل الإنــــســــان وســـيـــلـــة ضـــمـــن صــــراع بـــن دول. ولـــهـــذا لا يــتــعــامــل كـــانـــط مع الحرب بوصفها واقعا ينبغي تفسيره، بـل بوصفها مشكلة ينبغي حـلّــهـا. في مــشــروعــه «الـــســـام الــــدائــــم»، يـــحـــاول أن يــنــقــل الــســيــاســة مـــن مــنــطــق الـــقـــوة إلــى منطق الـقـانـون. فـي هــذا الأفـــق، تصبح الحرب علامة نقص في العقل السياسي. الـدولـة التي تدخل الـحـرب لـم تبلغ بـــعـــد مـــســـتـــوى الـــنـــضـــج الــــــذي يـجـعـلـهـا تخضع لقانون كوني. ولهذا يربط كانط الـــســـام بـــشـــروط مـــحـــددة، قـــيـــام أنـظـمـة جـمـهـوريـة تجعل قـــرار الــحــرب خاضعا لإرادة المــــواطــــنــــن، خـــضـــوع الـــعـــاقـــات الدولية لقانون، وقيام اتحاد بين الدول يمنع الانــزلاق إلـى الـصـراع. ليست هذه ترتيبات إجرائية فقط، بل إعادة تعريف للسيادة نفسها، بحيث لا تعود مطلقة بل مقيدة بقانون أوسع. الأهـم أن كانط لا يـرى السلام حالة طـــبـــيـــعـــيـــةً، بـــــل مـــــشـــــروع يـــجـــب بــــنــــاؤه. الطبيعة، في نظره، لا تقود إلى السلام تـلـقـائـيـا، بــل تـدفـع الـبـشـر إلـــى الــصــراع. لذلك يحتاج الإنـسـان إلـى العقل ليضع حدا لهذه الطبيعة. بهذا المعنى، السلام ليس معطى، بـل إنـجـاز تـاريـخـي، لكنه إنجاز ممكن، لا مجرد أمنية. هيغل، من جهته، ينطلق من نقطة مختلفة جذرياً. الدولة عنده ليست أداة لحماية الأفـــراد، بل هي التجلي الأعلى للحياة الأخلاقية. ومن داخل هذا الفهم، لا يمكن النظر إلــى الـحـرب كخلل فقط. إنها لحظة تظهر فيها حقيقة الدولة، لا بوصفها جهازا إدارياً، بل بوصفها كلا يتجاوز الأفراد. يــــرى هـيـغـل أن المــجــتــمــع، إذا طــال عليه السلم، قـد ينغلق داخــل مصالحه الـــــخـــــاصـــــة، ويــــتــــحــــول إلـــــــى شـــبـــكـــة مــن العلاقات النفعية. في هذه الحالة، يفقد الأفـــراد إحساسهم بالانتماء إلــى الكل. الــحــرب، هـنـا، تعمل نــوعًــا مــن الصدمة الـتـي تكسر هــذا الانــغــاق، وتـعـيـد ربـط الأفــــراد بـالـدولـة. ليست قيمة أخلاقية، لـكـنـهـا لـحـظـة تـكـشـف مـــا هـــو أعــمــق من الأخلاق الفردية. مــن هـنـا أيـضـا يـرفـض هيغل فكرة السلام الدائم. ليس لأنه يفضّل الحرب، بل لأنه يرى أن التاريخ نفسه قائم على الــــصــــراع. الـــعـــاقـــات بـــن الــــــدول ليست عـــاقـــات قـانـونـيـة خــالــصــة، بـــل عـاقـات قـــوة، لأن كـل دولـــة تمثل كــا مستقلا لا يـعـتـرف بسلطة أعـلـى مـنـه. لــذلــك، حين يـتـعـارض هـــذا الـكـل مــع غــيــره، لا يكون هـــنـــاك حــكــم أعـــلـــى يــفــصــل بـيـنـهـمـا، بل يُحسم الأمر بالصراع. الـفـارق بـن الفيلسوفين لا يقتصر على تقييم الحرب، بل يمتد إلى تصور العقل. عند كـانـط، العقل يضع حــدوداً، ويــؤســس قــانــونــا يــتــجــاوز الـــــدول. عند هــيــغــل، الــعــقــل لا يــقــف خـــــارج الــتــاريــخ ولا يـحـاكـمـه، بــل يتحقق داخـــلـــه، حتى في الصراع نفسه. ولهذا لا يمكن عنده فصل العقل عن العنف كما يفعل كانط. ومع ذلك، لا يمكن اختزال كانط في المثالية ولا هيغل في الواقعية الصلبة. كـانـط يـــدرك أن الـحـرب جــزء مـن الـواقـع، لكنه يرفض أن يمنحها معنى يبررها. وهيغل يدرك قسوة الحرب، لكنه يرى أن تجاهل موقعها في التاريخ لا يلغيها. الــفــرق أن كــانــط يــريــد أن يـقـيـس الــواقــع بمعيار، بينما هيغل يريد أن يفهم هذا الواقع من داخله. إذا تـأمـلـنـا الــعــالــم الـــحـــديـــث، نجد أن هــــذا الــتــوتــر لـــم يُــحــســم. المــؤســســات الــــدولــــيــــة، والــــقــــانــــون الـــــدولـــــي، وفـــكـــرة حــقــوق الإنـــســـان، كـلـهـا اســتــمــرار لـأفـق الكانطي. لكنها، في كثير من الأحيان، تـــقـــف عــــاجــــزة أمــــــام مــنــطــق الـــــقـــــوة. فـي المقابل، تستمر الدول في التصرف وفق حسابات الصراع، وكأن العالم لم يغادر بعد أفق هيغل. وهـنـا تظهر مـفـارقـة، كلما حاولنا بناء نظام عالمي قائم على القانون، عاد الواقع ليذكّرنا بأن القانون نفسه يحتاج إلــى قــوة تحميه. وكلما سلّمنا بمنطق القوة، برزت الحاجة إلى معيار يقيّدها. بين هذين الحدين، يتحرك العالم دون أن يستقر. في هذا المعنى، لا يقدم كانط وهيغل إجابتين متناقضتين فقط، بل يكشفان حـــــدود كـــل إجــــابــــة. كـــانـــط يـمـنـحـنـا أفـقـا ضرورياً، فمن دون فكرة السلام يتحول الـــعـــالـــم إلــــى صـــــراع مــفــتــوح بـــا مـعـنـى. وهيغل يمنحنا فهما ضـروريـا، لأن من دون إدراك مـوقـع الــصــراع نظل نتعامل مع الواقع بأوهام أخلاقية. ويـــمـــكـــن إضــــافــــة بُـــعـــد آخـــــر لــلــفــارق بينهما، يتعلق بتصور الإنسان نفسه. عند كـانـط، الإنــســان كـائـن عـاقـل قبل أن يكون سياسياً، ولـذلـك تُــقـاس السياسة على الأخــاق. أما عند هيغل، فالإنسان لا يُفهم إلا داخل الدولة والتاريخ، ولذلك تُفهم الأخـــاق مـن داخـــل الـسـيـاسـة. هذا القلب فـي الـعـاقـة هـو مـا يجعل الحرب عند كـانـط انـحـرافـا، وعـنـد هيغل لحظة من لحظات المعنى. كما أن كانط يفترض إمكانية قيام قـانـون فــوق الـــدول، بينما يــشــكــك هــيــغــل فــــي إمــــكــــان قـــيـــام سـلـطـة حقيقية تعلو على الدولة. هذا الشك ليس تقنياً، بل فلسفي، لأن الـدولـة عنده هي أعلى تجل لـلـروح، فلا يمكن أن تخضع لسلطة خارجها. ومـن هنا يتضح لمـاذا يظل الـسـام عند كانط مشروعاً، وعند هيغل أفقا غير قابل للتحقق النهائي. فـــــي ضــــــوء الـــــحـــــرب بـــــن الـــــولايـــــات المـــتـــحـــدة وإســــرائــــيــــل وإيـــــــــران، يـــبـــدو أن الـــواقـــع يـمـيـل إلــــى مـنـطـق هــيــغــل، حيث تُـــحـــســـم الــــعــــاقــــات عـــبـــر تـــــــــوازن الـــقـــوة والـــصـــراع، بينما يُــحـيـل أفـــق كـانـط إلـى قانون دولـي يمنع الانــزلاق إلـى الحرب، وسيبقى حاضرا كمعيار يُستدعى لكنه لا يتحقق. * كاتب سعودي *خالد الغنامي كانط هيغل مجموعة قصصية جديدة لمحمد الرزاز «أحجيات الوحدة»... غواية البحر فـــي مـجـمـوعـتـه الـقـصـصـيـة «أحــجــيــات الــــوحــــدة» لا يــطــرح الــكــاتــب المـــصـــري محمد الــــرزاز الــوحــدة بوصفها مُــعــادلا لـألـم بقدر مــا يقدمها كبنية مـــراوغـــة، تُــواجــه المـــرء في يـومـيـاتـه، وتــســتــدرج مــن داخــلــه مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف، وصــولا إلى الـتـهـمـيـش والانـــســـحـــاب، وهـــو مــا يتغاضى الكاتب عن مقدماته أو مسبباته، في مقابل تتبعه لبواطن اللغة وإيماءاتها التي تُعادل الأحجيات. صــدرت المجموعة أخـيـرا عـن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مـــشـــاعـــر الــــوحــــدة عـــلـــى نـــحـــو مــتــقــطــع، عـبـر نــصــوص تـكـشـف نــزوعــا واضــحــا لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة، تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر. يظهر البحر في المجموعة ككيان مواز لـــلـــذات الـــوحـــيـــدة، يــحــمــل تـقـلـبـاتـهـا ويـعـيـد تشكيلها. فمنذ البداية، يلتفت أحد الأبطال إلــــى طـبـيـعـتـه المــتــحــوّلــة قـــائـــاً: «بــحــر الـلـيـل لا يُـــشـــبـــه بـــحـــر الـــنـــهـــار فــــي شـــــــيء»، لــيــغــدو الــبـحــر فـــضـــاء مــتـعــدد الأوجــــــه، وصـــــولا إلـى أحـــشـــائـــه، حـــيـــث يــتــكــثــف الــــســــرد، وتـصـبـح غواية الاستسلام له موازية لغواية الحياة، يقول بطل «أن تنتظر»: «لم أمتلك أبدا الجرأة لتنفيذ قراري بالخوض في بطن البحر». فــي هـــذه الـقـصـة، يسعى الـبـطـل إلـــى أن ينفض عـن نفسه «غـبـار الـــوحـــدة»، متلمّسا بـحـس انفعالي فـي نسمات الـريـح ونجمات الـــســـمـــاء إمـــكـــانـــيـــة لــلــصــحــبــة، بــيــنــمــا تـتـسـم علاقته بالغرباء بقدر من التعقيد، لا يخلو من تعاطف يصل إلى حد جارف. في المقابل، يجد أبطال آخرون أنفسهم مـــدفـــوعـــن إلــــى خــلــق ســـيـــنـــاريـــوهـــات حـــذرة لـلـتـعـامـل مـــع الـــغـــربـــاء، والــــدفــــاع عـــن حـــدود وحــدتــهــم ومـكـتـسـبـاتـهـا، حـتـى لــو كـــان ذلـك في صورة «مقعد على البحر»، يظل الصياد الــعــجــوز، بـطـل قـصـة «أن تـــرحـــل»، متشبثا بـه، «سيخبرهما أن هـذا المقعد يحتل رقعة تمكنه مـن متابعة زوارق الصيد فـي الأفـق، والتواصل عبر الأثير مع زملائه الصيادين الـــذيـــن طـــالمـــا غـــــــادروا المـــرفـــأ مــعــا بــحــثــا عن أســـمـــاك فـضـيـة بــلــون الــحــلــم، بـيـضـاء بـلـون الزّبد». تــــــتــــــحــــــرك قــــــصــــــص المــــــجــــــمــــــوعــــــة عـــبـــر مستويات «طوبوغرافية» تتلمس جماليات المـــــكـــــان وطــــبــــقــــاتــــه؛ مـــــن الــــيــــابــــس بـسـطـحـه وضـــوضـــائـــه، إلــــى تــخــوم المـــــاء، ويــمــتــد هــذا الأفـق ليأخذ بعدا أسطورياً، حيث يستعيد الأبــــطــــال عـــاقـــة قــديــمــة مـــع الــبــحــر بـوصـفـه كائنا حياً، أو قوة عليا تُخاطب وتُسترضى، فأحد الأبـطـال يقطع عهدا لــ«إلـه البحر» أن يــعــود إلــيــه فـــي الـــغـــد، مــتــوســا إلـــى أعـمـاقـه العجائبية، ليغدو البحر منبع الأسـطـورة ومنتهاها أيضاً. ويـبـدو أهــل البحر فـي المجموعة أكثر الـتـصـاقـا بـــأســـراره الــتــي لا تـخـلـو مـــن طـابـع سِحري، إذ «الكل هنا يعرف أن تلك النوارس هــي أرواح لــبــحــارة غــرقــى قــضــوا فــي عـرض البحر» في هـذا العالم، يغلب الجمالي على الــتــأويــل، فــا تـكـون الـــنـــوارس مـجـرد طـيـور، ولا البرق مجرد ضوء، بينما تتحول زوارق الصيد إلـى «ألـعـاب أطـفـال تطفو فـي حوض ماء هائل». مِخيال مفتوح تـــتـــكـــرّس هـــــذه الــــرؤيــــة عـــبـــر مــــا يـمـكـن تسميته بـ«اللغة الـبـحـريـة»، حيث تتحوّل عــــنــــاصــــر الـــطـــبـــيـــعـــة إلــــــــى أدوات قـــــــــراءة؛ فــالــســحــاب يُــــقــــرأ، والــــنــــوارس تـحـمـل تـوتـر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها، والنوّات نـــبـــوءات يـتـقـصّــاهـا حـكـمـاء الــبــحــر. وتـظـل الكائنات البحرية، التي لم يرها أحد سوى الصيادين، جــزءا مـن هـذا المِخيال المفتوح، حـــتـــى تـــكـــاد الــتــفــاصــيــل الإنـــســـانـــيـــة تــــذوب داخله؛ كما في اللحظة التي يعجز فيها أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مُر الدمع»، أو حين يخشى آخر أن يلقى مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة لتلفظ أنفاسها الأخــيــرة»، فـي صـــورة تختزل قـسـوة العزلة بوصفها انكشافا كاملاً. يــــبــــدو لـــلـــبـــحـــر هــــنــــا مـــعـــجـــم دلالـــــــي، تـــتـــقـــاطـــع فـــيـــه الـــــحـــــواس مــــع الأســـــطـــــورة؛ فـالـجـسـد يُــشــبــه فـــي لـحـظـة حـــب «مــحــارة مـــرتـــبـــكـــة»، ويُـــخـــتـــزل الـــحـــضـــور الأنـــثـــوي فـــي «حــبــة لـــؤلـــؤ»، أو يـتـجـلـى فـــي صـــورة «أفـــــــــروديـــــــــت» كــــمــــا تــــــراهــــــا عــــــن رسّـــــــــام، لتتجاور مفردات البحر مع إرث الأسطورة الإغريقية، وتعيد صياغة الجسد والرغبة في لغة تتأرجح بين البراءة والإغواء. في هـذا السياق، يمنح الكاتب صوته لـكـائـن بـحـري فــي قـصـة «أن تـجـنـح»، حيث يتقمص السرد صوت «حوت» يخرج طوعا إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثا بــضــمــيــر المـــتـــكـــلـــم، مــــا يــكــشــف عــــن هــاجــس وجودي يتجاوز منطق الإنسان، يقول: «لن يفهم بنو الإنــســان مطلقا معنى أن تموت طوعا عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء، ولا يحرّك الامتلاء لديهم سوى الرغبة في المزيد». ويـــواصـــل الــــــرزاز تـفـكـيـك الـــوحـــدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع وتكشف عن تماثلات كامنة وراء الاختلاف، ففي قصة «أن تهرب» تتجلى هـذه المفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بـــوجـــه غــانــيــة تـــــزور مـــرســمـــه، لـيـجـد نفسه ممزقا بين إغــراء المـال الـذي يتقاضاه نظير هــذا الـعـمـل، وتـأنـيـب داخـلـي يتكثّف ليبلغ ذروته في مفارقة أخلاقية: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟». تتخذ هذه الثنائيات بعدا سرديا أكثر تـعـقـيـدا فـــي قــصــة «أن تُـــفـــن»، حــيــث يمنح الـــكـــاتـــب بــطــلــيــه صـــــوت الـــــــــراوي، فـتـتـشـكـل حكايتهما عبر زاويــتــي نظر متقابلتين لا تلغي إحــداهــمــا الأخـــــرى، بــل تـتـكـامـان في بناء أقرب إلى موزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه. فـــهـــكـــذا، يـــضـــع الـــكـــاتـــب أبـــطـــالـــه عـلـى مـــســـافـــة واحـــــــدة مــــن فـــعـــل الـــتـــواصـــل ذاتـــــه؛ رسّامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مُرسلي رسـائـل أو مُتلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بـسـيـادة حـقـيـقـيـة، فـيـغـدو الـجـمـيـع واقـعـن في شِباك الفعل نفسه، ولا يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة. القاهرة: منى أبو النصر آثار تخلفها الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا اقرأ كي تعيش نحن جميعا نقرأ وإن تفاوتت درجـات إقبالنا على الـقـراءة ونوعية قـراءاتـنـا. نقرأ إن لـــم يـكـن لمـتـعـة الـــقـــراءة فـــي ذاتـــهـــا فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضــطــاع بوظائفنا والـــضـــرب فــي مـسـالـك الـعـيـش. لـكـن مــا الأثــر الــــــذي تــخــلــفــه الـــكـــتـــب فــــي حــيــاتــنــا ووعــيــنــا وسلوكنا؟ 2025 سؤال يطرحه كتاب صادر في عام عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة Bookish: How Reading Shapes » حـيـاتـنـا Lucy مـن تأليف لـوسـي مـانـغـان our Lives ، وهـي ناقدة وصحافية بريطانية Mangan عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الـخـاصـة تضم عـشـرة آلاف كـتـاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقــــد ســبــق لــهــا أن أصــــــدرت كــتــابــا عــنــوانــه «دودة كتب: مـذكـرات طفولة»، وفيه تسجل ســـنـــوات شــرائــهــا واســتــعــاراتــهــا واقـتـنـائـهـا لــلــكــتــب. كـــمـــا أنـــهـــا تــكــتــب نـــقـــدا تـلـفـزيـونـيـا لصحيفة «ذا غــارديــان» وتعيش حاليا مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا. وجـــوهـــر الــكــتــاب هـــو رســـالـــة حـــب إلــى الكتب: «محبة للكتب ولـدت، ومحبة للكتب ســـــأمـــــوت» فـــهـــي لا تـــشـــعـــر بـــالـــســـعـــادة قـــدر مـــا تــشــعــر بــهــا فـــي مـكـتـبـة عـــامـــة أو متجر لـبـيـع الــكــتــب. ومـــنـــذ مــرحــلــة المـــراهـــقـــة حتى الـــــيـــــوم (تـــبـــلـــغ الآن خـــمـــســـن عـــــامـــــا) وهـــي تــــراوح فــي مـطـالـعـاتـهـا بــن روايـــــات تصور الــــحــــيــــاة الـــيـــومـــيـــة (كـــــــروايـــــــات الـــشـــقـــيـــقـــات بـرونـتـي «مـرتـفـعـات وذرنــــج» و«جـــن آيـــر»)، ويـوتـوبـيـات كـابـوسـيـة (مـثـل روايــــة ألـــدوس هـكـسـلـي «عـــالـــم جـــديـــد جـــمـــيـــل»)، وأصـــــوات نسوية (مـثـل كـتـاب فرجينيا وولـــف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لـحـظـات مــحــوريــة فـــي الــحــيــاة، وتـجـلـب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها مـن الـثـوابـت فـي حياتنا المــأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلــى أن نعيد قـراءتـهـا، أي عــدد من المرات. الـــتـــحـــقـــت لـــــوســـــي مــــانــــغــــان بـــجـــامـــعـــة كــــــمــــــبــــــردج، حـــــيـــــث درســـــــــــت روائـــــــــــــع الأدب الإنــجــلــيــزي عــبــر الــــقــــرون. وكـــانـــت المـــقـــررات ضخمة: قصيدة «الملكة الـحـوريـة» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» 36 لــلــســيــر فــيــلــيــب ســـيـــدنـــي وهـــــي رومــانــســيــة صفحة، قصائد مـن الشعر 422 رعـويـة فـي الــرومــانــســي والمـيـتـافـيـزيـقـي (أحـــبـــت بـوجـه خـاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هـــربـــرت مـــن الـــقـــرن الــســابــع عـــشـــر)، وروايـــــة «كــــاريــــســــا» لــصــمــويــل رتــــشــــاردســــن، وهـــى أطول روايـة في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمـسـرحـيـات انتقلت إلــى قـــراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبـهـام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون. وفــى عامها الــدراســي الأول حـن بـدأت تـــدرس شكسبير ذهـبـت إلـــى مسقط رأســـه، قـــريـــة ســـتـــراتـــفـــورد عــلــى نــهــر إيـــفـــون، حيث شاهدت عرضا لمسرحيته «كوريو لانـوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت عــلــى أســـاطـــيـــر المـــلـــك آرثـــــر وفــــرســــان المـــائـــدة المستديرة مـن خـال كتاب تـومـاس مالوري «مــوت آرثـــر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المـؤلـف. وتـقـول: «لـقـد ظللت دائما أقـرأ من أجـل المتعة وليس لكي أنـال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات». وحــــــــن بــــلــــغــــت لـــــوســـــي مـــــانـــــغـــــان ســن الثلاثين التقت مَــن غـدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أما صارت تقرأ لطفلها بصوت عال قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم. وقـد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس فـــي بــيــوتــهــم فــارتــفــعــت مــبــيــعــات الــــروايــــات ،2020 في المائة في عام 16 والقصص بنسبة وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغــم أن المـحـال الـتـي كـانـت تبيعها اضطرت إلـــى إغـــاق أبــوابــهــا. وزادت مبيعات روايـــة ألبير كـامـي «الــطــاعــون». تـقـول المـؤلـفـة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عـزلـة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تــكــون عـلـى تـــواصـــل مـــع حشد من الناس: مع الأدبــاء والمفكرين والفنانين. وســــاعــــدتــــهــــا قـــصـــص الإثــــــــــارة والـــتـــشـــويـــق والـــــروايـــــات الـبـولـيـسـيـة عــلــى تـــجـــاوز فـتـرة «كـــوفـــيـــد»، وكـــذلـــك أفـــــام «شـــفـــرة دافــنــشــي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كـــريـــســـتـــي قـــــط، ونــــفــــرت مــــن أعـــمـــالـــهـــا حـن شاهدتها على شاشة التلفزيون. وخـاصـة مـا تقوله لوسي مانغان، إن الـــقـــراءة ضـــروريـــة مــن أجـــل نـمـونـا الـداخـلـي وتـــوســـيـــع رقـــعـــة خــبــراتــنــا وذلـــــك بـمـشـاركـة الآخـريـن تجاربهم ســارَّة كانت أو أليمة، أو على حـد قولها: «لـو أننا توقفنا عـن تخيل أنــفــســنــا فـــي وضــــع الآخــــريــــن، ولــــو تـوقـفـنـا عـن النظر إلــى مواقفهم وعـاقـاتـهـم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة تـــوردهـــا مـــن الــــروائــــي الــفــرنــســي جـوسـتـاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش». د. ماهر شفيق فريد لوسي مانغان أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky