داخــــــل جـــــزء مــعــتــبــر مــــن الـــنـــخـــب الــســيــاســيــة الأمــيــركــيــة، خـصـوصـا تـلـك الــتــي تـمـيـل إلـــى خـيـار تغيير الـنـظـام فــي إيـــــران، ســـاد افـــتـــراض أن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي سيقود، بصورة شبه تلقائية، إلـــى انـهـيـار الـنـظـام، أو فــي الـحـد الأدنـــى سـيُــدخـلـه فــي طـــور مــن الـتـفـكـك يـصـعـب احـــتـــواؤه. وكان هذا التفكير الرغبوي، كما أسميه، مبنيا على أن المرشد ليس مجرد رأس للدولة، بل هو العقدة التي تمسك بـتـوازن المؤسسة الدينية، و«الـحـرس الثوري»، ومراكز النفوذ الاقتصادي والأمني، وأن إزاحته ستُحدث فراغا سياسيا تستغله المعارضة، وتـــدفـــع فـــي ظــلــه الــنــخــب الــحــاكــمــة إلــــى الانــقــســام والـتـنـافـس، بـمـا يفتح المــجــال أمـــام شـــارع غاضب ونـاقـم، أنهكته العقوبات والضغوط الاقتصادية لسنوات، كي يستغل هذه الفرصة لإسقاط النظام. وقـد رأينا الرئيس ترمب، بعد مقتل المرشد، كــيــف ســـــارع إلــــى دعـــــوة الإيـــرانـــيـــن إلــــى «اغــتــنــام الفرصة»، بما يوحي بأن فكرة الانهيار أو إسقاط الـــنـــظـــام لـــم تــكــن مـــجـــرد أثــــر جــانــبــي مــحــتــمــل، بل كـانـت جـــزءا مــن الـــرهـــان الـسـيـاسـي نـفـسـه. غـيـر أن هــذا الـتـصـور، على الـرغـم مـن جاذبيته لــدى كثير مـن النخب داخـــل الإدارة الأمـيـركـيـة والـكـونـغـرس، ينطوي على قدر كبير من التبسيط، ويكشف عن ســـوء فـهـم لطبيعة الـتـحـول الــجــذري الـــذي أصــاب الجمهورية الإيرانية خلال العقود الأربعة الأخيرة؛ فـــإيـــران لـــم تـعـد جـمـهـوريـة آيــديــولــوجــيــة يـقـودهـا رجال الدين، بل تحولت تدريجيا إلى نظام تُهيمن عليه مؤسسة «الحرس الثوري»، وتتمركز في يده مفاتيح القرار السياسي والاقتصادي والعسكري والميليشياوي. فـــــي الـــــســـــنـــــوات الأولــــــــــى بــــعــــد الـــــــثـــــــورة، ومــــع الـحـضـور الــكــاريــزمــي لمـؤسـسـهـا ومــرشــدهــا الأول الخميني، كانت شرعية النظام تقوم على الوهج الآيــــديــــولــــوجــــي، وســـلـــطـــة ولايـــــــة الـــفـــقـــيـــه، وقـــــدرة الــخــطــاب الـــثـــوري عــلــى تـعـبـئـة الـــداخـــل وضـبـطـه. ، تغيَّر الكثير 1989 لكن بعد وفـــاة الخميني عــام مــن الأمـــــور؛ فــبــدأت الـشـرعـيـة الـديـنـيـة والـحـمـاسـة الثورية تتآكل تدريجياً، فيما تفاقمت التحديات الاقـتـصـاديـة والاجـتـمـاعـيـة، واتـسـعـت الـفـجـوة بين الشعارات والواقع، فلم يعد الخطاب الثوري وحده كافيا للتعبئة والسيطرة. عـنـد هـــذه الـنـقـطـة، بـــدأ «الـــحـــرس الـــثـــوري» يُعيد تموضعه من جهاز أنشئ لحماية الثورة إلى مؤسسة تتولى حماية النظام نفسه، حتى انتقلت وظـائـف السيادة تدريجيا إلـيـه. ولعلي وقــــائــــع ســريــعــة تــكــشــف هــذا 3 أشـــيـــر هــنــا إلـــــى 1999 التحول بشكل واضح. الأولى كانت في عام قائداً 24 في ذروة احتجاجات الطلبة، عندما قام من «الحرس» بتوقيع رسالة تحذير إلى الرئيس محمد خاتمي بأنه في حال عدم اتخاذ خطوات حازمة سيؤدي ذلك إلى تدخل تلك القوات ضد الاحتجاجات الطلابية، وكــان قاسم سليماني، إضـــافـــة إلـــى خليفته إسـمـاعـيـل قـــاآنـــي، مـــن بين المـوقـعـن. الـثـانـي عندما اضـطـر الـرئـيـس حسن إلـى مطالبة «الـحـرس» علنا 2013 روحـانـي عـام بالابتعاد عن السياسة. ثم جـاء تسريب محمد ، حـــن اعـتـرف 2021 جــــواد ظــريــف الـشـهـيـر عـــام بـأن «المـيـدان» بـات أثقل من الدبلوماسية، الذي يــشــيــر فـــيـــه إلـــــى «الــــحــــرس الـــــثـــــوري»، وبــــالــــذات «فــيــلــق الـــقـــدس» وشــبــكــات الــنــفــوذ الــخــارجــيــة. وهكذا جرى تفريغ الدولة ورجال الدين معا من القرار السياسي والأمني الداخلي، بحيث بقيت الـشـرعـيـة فــي الأعـلـى شكلية، فـي حـن استقرت أدوات السيطرة الفعلية في الأسفل. ولم يكتف «الحرس الثوري» باحتكار القوة بل بنى عبر العقود اقتصادا موازيا جعله أكثر من مجرد مؤسسة عسكرية. فمنذ نهاية الحرب العراقية - الإيرانية، تمدد في معظم القطاعات الاقـتـصـاديـة الحيوية والاسـتـراتـيـجـيـة للدولة، بـــــدءا مـــن الـــبـــنـــاء والمـــــقـــــاولات والإعـــــمـــــار، مــــرورا بالطاقة والنفط، وانتهاء بالنقل والشحن. وتــشــيــر بــعــض الـــتـــقـــديـــرات إلــــى أن الـقـيـمـة الإجـمـالـيـة لإمـبـراطـوريـتـه الاقـتـصـاديـة تتجاوز 800 مليار دولار، عبر شبكة تضم أكثر من 100 شركة داخل إيران وخارجها. وهذا ما جعل منه فـــاعـــا اقــتــصــاديــا هـــائـــا يـمـلـك مـــصـــادر تمويل مستقلة نسبيا عن مؤسسات الـدولـة الرسمية، تحمي دوره العسكري، وتمول نفوذه السياسي، وتـنـسـج شـبـكـة ولاءات واســـعـــة داخــــل المجتمع والدولة. ولــــــم يـــعـــد الأمـــــــر مــــجــــرد مــــزاحــــمــــة لـــلـــدولـــة اقتصادياً، بل هو تجريد لها من احتكار الموارد الاســـتـــراتـــيـــجـــيـــة، حــتــى صــــار المـــــال الـــــذي يـمـول الــــدولــــة، ويـــحـــرك الاقـــتـــصـــاد، ويــصــنــع الــنــفــوذ، ويضمن بقاء النظام وقت الأزمات، يتحرّك خارج القنوات الرسمية للدولة. ولهذا، فإن العقوبات الاقتصادية التي فُرضت على إيران، رغم قوتها وقسوتها، لم تضعف الحرس بالقدر نفسه الذي أضعفت به الاقتصاد الرسمي. بل إن الاقتصاد الذي يحمي «الحرس»، حسب كثير من الخبراء والمــتــابــعــن، ازداد نـــفـــوذا وتــوحــشــا كـلـمـا زادت الحاجة إلى الالتفاف على العقوبات. والأخــطــر مـن ذلـــك، تمثل فـي أن إيــــران، عبر «الــحــرس الـــثـــوري»، لـم تكتف بحماية حـدودهـا مـــن الــــداخــــل بـــل مـــــدّت نـــفـــوذهـــا خـــــارج حـــدودهـــا لـيـس عـبـر الأدوات الطبيعية الـتـي تستخدمها الــــــــدول لـــحـــمـــايـــة مــصــالــحــهــا خـــــــارج حــــدودهــــا، كـــالـــدبـــلـــومـــاســـيـــة، والـــتـــحـــالـــفـــات، والاتـــفـــاقـــيـــات الأمنية، والــردع النظامي المشروع، بل عبر بناء شـــبـــكـــات وكــــــاء عــــابــــرة لـــلـــحـــدود، تــعــمــل خــــارج منطق الـدولـة الوطنية، وتتحرك فـي المساحات الرمادية بين السيادة والقانون، بما جعل التمدد الإيـــرانـــي أقــــرب إلـــى بـنـيـة نــفــوذ مـــوازيـــة للنظام الدولي، لا امتدادا طبيعيا لدولة تتصرف ضمن قواعده. وقد كان «فيلق القدس»، بوصفه الذراع الـخـارجـيـة لـــ«الــحــرس الـــثـــوري»، يــديــر أكــثــر من اثــنــي عــشــر فــصــيــا رئـيـسـيـا عــبــر ســـت ســاحــات إقـلـيـمـيـة عـلـى الأقــــل، مـوَّلـتـهـا طــهــران فــي بعض الـفـتـرات بما يـقـارب مليار دولار سنوياً، بينها مليون دولار لـ«حزب الله» وحده. 700 نحو وعليه فإن «الحرس الثوري» لم يعد مجرد منفذ لـقـرار الــحــرب، بـل أصـبـح صانعه الفعلي، فانتقل قرار السلم والحرب من المؤسسات المعلنة إلـــى المــؤســســة الــتــي تـمـلـك الـــصـــواريـــخ والـــوكـــاء وخــريــطــة الـتـصـعـيـد الإقــلــيــمــي، وبــــات هـــو الـــذي يُدير عبر شبكاته الإقليمية التصعيد والتهدئة، ويُحدد متى تُفتح الجبهات ومتى تُغلق. ولــعــل مـحـسـن ســــازغــــارا، الــعــضــو المــؤســس السابق في «الـحـرس الـثـوري»، كـان من أكثر من التقط طبيعة هذا الكيان حين وصفه بالمؤسسة الغريبة والعجيبة في عملها ونشاطها، فيقول: «بــــدأ (الـــحـــرس الـــثـــوري) بـالـنـشـاط الاقــتــصــادي، ومن ثم النشاط السياسي وتحول إلى مؤسسة غريبة لا مثيل لها في العالم. فهي تُماثل الجيش الأحـمـر الــروســي، لكنها فـي الـوقـت نفسه تعمل كالمخابرات السوفياتية، وتعمل من جهة أخرى كمجلس أمــنــاء رأســمــالــي عـلـى الـنـمـط الـغـربـي، وفي الوقت نفسه تنشط كعصابة مافيا»، حتى بدت -على حد تعبيره- كأخطبوط ابتلع الدولة، وسـيـطـر عـلـى معظم مــجــالات الـحـيـاة الإيـرانـيـة. وهــــذه الـــعـــبـــارة، عـلـى مـــا فـيـهـا مـــن قـــســـوة، تـكـاد تختصر المـسـار الحقيقي للجمهورية الإيرانية خلال العقود الأربعة الماضية. وبالتالي من دون فهم هذا التحول، ستظل قراءات كثيرة تنظر إلى إيـــران كما كـانـت، لا كما أصبحت. فالجمهورية التي بـدأت دولـة تقودها العقيدة، انتهت عمليا إلــــى نــظــام يــحــرســه «الـــحـــرس الــــثــــوري»، ويـمـلـك بـــدرجـــات مـتـفـاوتـة مـفـاتـيـح بــقــائــه. ولـــهـــذا، فـإن مستقبل الـنـظـام الإيـــرانـــي لــن يُــقــرأ مــن الـواجـهـة الــرســمــيــة، بـــل مـــن داخـــــل «الــــحــــرس» نــفــســه: من تــمــاســكــه أو تـــصـــدعـــه، ومـــــن وحــــدتــــه أو بـــدايـــة انقسامه. Issue 17295 - العدد Sunday - 2026/4/5 الأحد فـــي الـــحـــروب أهــــــداف تـتـحـقـق ومــشــكــات تـتـخـلَّــق تـسـتـوجـب المـتـابـعـة المـسـتـمـرة، وسـط البلد الذي تُشَن عليه الحرب، والبلد الذي قرر شَــن الـحـرب؛ كذلك البلدان المحيطة والمرتبطة بميدان الحرب من ناحية تأثيرها على حاضره ومحاولة تشكيل مستقبله. أخــــطــــر المــــشــــكــــات الـــنـــاجـــمـــة عــــن الـــحـــرب الإيرانية من جهة والإسرائيلية الأميركية من جــهــة أخـــــرى، تــتــبــدى فـــي تــهــديــد المـيـلـيـشـيـات للمضايق الدولية والممرات المائية وآبار النفط واشــتــعــال أســـعـــاره؛ مـمـا يــؤثــر فـــي الاقـتـصـاد اليومي وحياة المواطنين البسطاء في كل العالم وتعرض أعمالهم لاهتزاز الأسـواق واضطراب قيمة العملة وأزمات الطاقة. ناهيك عما يشيع مـن مـخـاوف ويــأس وإحـبـاط عــام، مـا لـم تتسم بـعـض الــــدول بـسـمـات الـفـاعـل الـعـاقـل والــقــادر على تطمين المواطنين وتأمين حياتهم بشتى الوسائل بما لديهم من إمكانات واحتياطات معقولة إن لم تكن مهولة تُهوِّن توقعات الضرر. عـــلـــى عـــكـــس بـــــلـــــدان حــــــرة «مـــســـتـــقـــرة» لا تستجيب لمـــحـــاولات جــرهــا إلـــى الـــحـــرب، تـرى البلدان غير المستقرة - ذات المخزون الاحتياطي الـضـخـم مــن الاضـــطـــرابـــات والأذرع المـــأجـــورة، عـلـى مـــدى الـسـنـن المـاضـيـة - تستجيب لـنـداء الـــحـــرب حــيــث يــنــبــري فـــاعـــل غــيــر عـــاقـــل يعلن انخراطه، كأنه غير مكتف بما أوجع رأسه من ضربات خلال حرب غزة الأخيرة، بعدما أوقد حـــروب بـــاده ونـــال سخطا ورفـضـا متناميين إلى ما بعد اللحظة... إنما «يَحُكُه جِلده»! أول انــــــدلاع «حـــــرب الـــتـــطـــرف والـــجـــنـــون» أخــذت جماعة «أنـصـار الله/الحوثيين» تشيد بـــإيـــران الإســـامـــيـــة وتـــصـــوِّرهـــا «قــــوة خــارقــة» اتـــضـــح بـــمـــا أصـــابـــهـــا أنـــهـــا «مـــخـــتـــرقـــة». بـيـد أن قـــيـــادة الــجــمــاعــة بـــثَّـــت الـــشـــك وهــــي تحشد المــــظــــاهــــرات وتــــلــــوح بــــالاســــتــــعــــداد لـــلـــمـــبـــادرة والــــتــــدخــــل. بـــرغـــم أنـــهـــم بـــعـــد ضــــربــــات الـــعـــام المــــاضــــي... بــــدوا هـــادئـــن، فـقـيـل «ربـــمـــا عقلوا قـلـيـاً» لـكـن «ظـنـنـت ظـنـا فــخــاب ظــنــي، ظننت (عقلاً) فظهر جِني» يقرر الانخراط في الحرب وإطلاق الصواريخ نصرة لطهران... المـــــبـــــعـــــوث الأمــــــمــــــي إلــــــــى الــــيــــمــــن هـــانـــس غروندبرغ - وهو، ككل مبعوث أممي، يعتبره قـطـاع مـن المـتـصـارعـن اليمنيين متعاطفا مع الـحـوثـيـن - بــــادر إلـــى الـتـصـريـح بـــأن قــرارهــم «يُــنـذِر بجر اليمن إلـى الـحـرب الإقليمية لمـا له من تداعيات تعقد محاولة حل النزاع اليمني». ثــــمــــة عـــــوامـــــل أخــــــــرى أكــــثــــر تــــأثــــيــــرا عـلـى الحوثيين وأقوى من تصريح المبعوث الأممي، تجعلهم يذهبون إلى «مغامرات غير محسوبة» حسب بيان حكومي في أروقـة اليمن الشرعية التي أصــدر وزيــر إعلامها منشورا يربط هذه المغامرات المتزامنة مع «وصول قيادات وخبراء إضـافـيـن مــن (الـــحـــرس الـــثـــوري) إلـــى صنعاء خلال الأسبوع الماضي». وصول ضباط «الحرس الثوري» الإيراني - وفق منشورات الشرعية - وانطلاق مغامرات الـــحـــوثـــي تـــشـــي بـــانـــضـــبـــاطـــه والــــتــــزامــــه بـغـيـر مـصـلـحـة الــيــمــن، وإن ظـــن نـفـسـه يــخــدم وطـنـه بتمجيد وإسناد رعاته. جماعة «أنـصـار الله/الحوثيين» باتخاذ قـــرارات وخــيــارات خاطئة تثبت ابتعادها عن جــــادة «الــحــكــمــة الــيــمــانــيــة» وتـــوثِّـــق اقـتـرانـهـا واقـــتـــرابـــهـــا مـــن «الـــهـــوايـــة الإيــــرانــــيــــة»: خــوض «حروب متقطعة»؛ لتنقلها من طور محلي إلى إقليمي وتجعل اسمها يُتداول دولياً. ليس لدى الجماعة ما تخسره، لذا تقامر بــكــل شــــيء لا تـمـلـكـه إذ لا تــعــي كــيــف تتحمل مسؤولية إعطاء المواطنين حقوقهم، لا جباية مـــا لـيـس لــهــا. مـنـطـق المـيـلـيـشـيـا يـتـنـاقـض مع منطق نظام الدولة المسؤول، ويصدر عنها كل «لا معقول». ما لم تبحث عن نهاية سارة لليمنيين، قد تختار مـا تبلغ بـه نهايتها المحتومة؛ ولست تـــدري أتبعد النهاية أم تقترب؟ لكنها - وفق خــيــاراتــهــا - آتـــيـــة حــتــمــا، مـــا دام لــيــس همها تجنيب اليمن وقــوع مزيد أضــرار من التدخل في حروب الآخرين، وهذا أكبر هموم اليمنيين الآن... وكل آن. فـــي الـصـفـحـة الأولـــــى مـــن سـيـرتـه الــذاتــيــة الأولـــى «إسـمـع يـا رضـــا!» ذكــر أنـيـس فريحة أنــه بعد أن أكمل دراســتــه الـثـانـويـة، عــن مــدرّســا فـي بـلـدة ســوق الغرب لتعليم اللغة العربية للأجانب. وأنه كان من بين طلاب الـعـربـيـة ســيــدة أمـيـركـيـة مـرسـلـة إلـــى فـلـسـطـن. وذكــر أن عـطـلـة المـــدرســـة كــانــت فـــي شـهـر سـبـتـمـبـر (أيـــلـــول)، وأن هـذه السيدة الأميركية آثــرت أن يكون هـذا الشهر شهر درس لا شهر عطلة. يعلّمها فيه اللهجة المحكية، وأن المــوضــوع الـــذي اخـتـارتـه لأحـاديـثـهـمـا هــو القرية اللبنانية. وفـــــي الـــصـــفـــحـــة الـــثـــالـــثـــة مــــن هـــــذه الـــســـيـــرة قــــال، مستكملا قص أحاديثه مع المبشّرة الأميركية عن القرية اللبنانية: «وطال الحديث عن القرية اللبنانية وتشعب: عـيـشـهـا، مـكـاسـبـهـا، بــيــوتــهــا، عـــاداتـــهـــا، أســاطــيــرهــا، خــرافــاتــهــا، أقـاصـيـصـهـا، أغـانـيـهـا. وراقــــت لـهـا أخـبـار القرية قبل أن تزول حضارة القرية. واقترحت أن يكون اسم الكتاب (حضارة في طريق الزوال!)». . وفــــي أول عــام 1956 هــــذه الـــســـيـــرة صـــــدرت عــــام صــدر كتابه «حــضــارة فـي طـريـق الــــزوال: القرية 1957 اللبنانية»، ضمن منشورات كلية العلوم والآداب في جامعة بيروت الأميركية. الكتاب رائد في موضوعه عن الفلكلور اللبناني. الـــكـــتـــاب فـــي طـبـعـتـه الــثــانــيــة الــــصــــادرة عـــن «دار ، وفــي طبعته الثالثة الــصــادرة عن 1980 الـنـهـار» عــام ، حصل قلب في عنوانه، 1989 دار «غـروس بـرس» عام فـصـار الـعـنـوان «الـقـريـة اللبنانية: حـضـارة فـي طريق الزوال». إنـنـي أشـكـك فـي أن عـنـوان الـكـتـاب اقترحته عليه الـسـيـدة الأمـيـركـيـة الـتـي كـــان يعلّمها الــكــام باللهجة اللبنانية، فهو قد كتب تلك السطور وكتابه «حضارة في طريق الــزوال: القرية اللبنانية» ماثل للطبع. فلقد خشي بينه وبين نفسه أن يقال إنه استمد عنوان كتابه مــن الجملة الـتـي قـالـهـا أحـمـد كـمـال فــي كـتـابـه «أســس النهوض القومي العربي»، وهــي: «الحضارة الغربية المائلة إلى الزوال»، وهي الجملة التي تناولها هو بنقد غاضب في دراسته «الفكر العربي: مشكلته» المنشورة .1950 ) في مجلة «الأبحاث» في شهر سبتمبر (أيلول وكـــانـــت مـشـكـلـة هــــذا الــنــقــد الـتـعـمـيـم والــتــحــامــل فيه، فهو قد قـوّل سـواد العرب ما قاله أحمد كمال في تلك الجملة. والــعــرب كــان يعني بهم تـحـديـدا أعضاء «جمعية العروة الوثقى» ذات الاتجاه القومي العربي. وهــــي الـجـمـعـيـة الـنـشـطـة فـــي الــجــامــعــة الأمــيــركــيــة من عشرينات القرن الماضي، التي كـان أحمد كمال عضوا فيها حـن أصــدر ذلــك الكتاب فـي أثـنـاء دراسـتـه للطب في تلك الجامعة. إن زمــيــل أنــيــس فـريـحـة فــي الـجـامـعـة الأمـيـركـيـة، والمنظر للقومية العربية، والموجه السياسي والفكري لجمعية «الـــعـــروة الــوثــقــى»، قسطنطين زريــــق لــم يقل أبدا إن الحضارة الغربية في طريقها إلى زوال، ولا أن المجتمع العربي القديم مجتمع مثالي. دعـــونـــي أنــقــل لـكـم مـــرة أخـــــرى، مـــا قــالــه فـــي نـقـده الغاضب، لأقـارنـه بما قاله في مقدمة كتابه «حضارة في طريق الزوال: القرية اللبنانية». قــــال فـــي نـــقـــده الـــغـــاضـــب: «هـــكـــذا عـلّــمـنـا الـشـبـاب الـــتـــاريـــخ، وهـــــذه نــظــرتــهــم إلــــى الـــغـــرب –الــــغــــرب المــائــل لــلــزوال!– ومــا دمـنـا، أو قـل ســـواد الــعــرب، يعتقدون أن النظام العربي خلق أفضل مجتمع مثالي، وأن مدينة الـــغـــرب مــديــنــة مـــاديـــة ســـائـــرة إلــــى الانـــــقـــــراض، ونـقـف عند هـذا الحد، لن تتقدم ولـن تتحرر. وســواء أردنــا أم أبينا، نحن في ركاب الغرب: بيتنا، مدرستنا، نادينا، مصنعنا، مزرعتنا، وأهم من هذا كله ميولنا. وما دمنا في أثر الغرب يحسن بنا أن نفهم الغرب فهما صحيحاً. ولكي نفهم الغرب علينا أن نتحرر من طغيان الماضي!». وقال في كتابه «حضارة في طريق الـزوال: القرية الـلـبـنـانـيـة»: «ولـــكـــن حـــضـــارة الــقــريــة الـلـبـنـانـيـة، قـريـة طفولتنا، في طريق الزوال. فقد غزت الحضارة الغربية أكثر الـقـرى اللبنانية حتى النائية منها. وقــد غزتها بعنف وقوة حتى أن صغار القرية أصبحوا لا يعرفون قرية آبائهم. فالبيت قد تغير: أثاثه وأدواتــه، والدكان في الساحة قد زال وقام مكانه مخزن حديث، والعرس لم يعد ذلـك الـعـرس، والمـأتـم لم يعد ذلـك المـأتـم، والفرن والتنور والصاج في طريق الـزوال، فإن في قرى كثيرة فرنا عصريا حديث البناء يموّن القرية بالخبز الطازج يومياً، والعين، العين حيث كان الناس يلتقون للحديث وللشكوى وللعتاب وللخصام قـد هـجـرت، فــإن إدارة إسالة الماء في قرى عديدة تجهّز البيوت من نبع بعيد يصب في مطبخ البيت القروي». لعلكم لاحظتم عمق التناقض بين ما قاله في نقده التعميمي والمتحامل وبين ما قاله في مقدمة كتابه. ومــــن أوجــــه الــتــنــاقــض أنــــه فـــي الـــقـــول الأول يعظ الـعـرب بأنهم لـن يتقدموا مـا لـم يـتـحـرروا مـن طغيان الماضي العربي في مدنيته الأولــى عليهم. وفـي القول الثاني هو ضد مظاهر التقدم في القرى اللبنانية ومع طغيان الماضي الـقـروي اللبناني على أهـل قـرى لبنان وعلى الذين أصولهم قروية في لبنان. وقد أدان تأثر القرى اللبنانية بمظاهر طفيفة من الحضارة الغربية بكونها «غـــزواً». وقـد استعمل هذه الكلمة بالمعنى الحرفي لا بمعناها المجازي. هل صحيح أن القرى اللبنانية تعرضت لـ«غزو» تحديثي وتمديني قـسـري وعنيف مـن قبل الحضارة الغربية؟ قـــــرى لـــبـــنـــان لــــم تـــتـــعـــرض لــــشــــيء مــــن الــتــحــديــث والتمدين القسري والعنيف في عهود ما قبل استقلال لبنان من القوى الغربية ولا في عهد ما بعد استقلاله من قبل الحكومة اللبنانية. فـــي الـفـصـل الأول وعــنــوانــه «الـفـلـكـلـور اللبناني وضـــرورة جمعه» توقف عند مسألة تفسير الفلكلور، فـقـال: «لا ينحصر الـخـاف بـن علماء الفلكلور حول تفسيره وتعليله ونشأته بل يتعدى ذلـك إلـى تبويبه أو تصنيفه فــي جملة الـعـلـوم المـنـظـمـة. هــل هــو داخــل فــــي عـــلـــم الاجــــتــــمــــاع، أو الأثـــنـــولـــوجـــيـــا (عـــلـــم الأعــــــراق البشرية) أو الأنثربولوجيا (علم الإنسان الطبيعي) أو البسيوكولوجيا، أو التاريخ، أو الدين؟ الواقع أنه يقع ضمن نطاق هذه العلوم الاجتماعية جميعها». لا يوجد علم اسمه البسيوكولوجيا، وإنما وقع فـي هــذه الكلمة خطأ طباعي، وصـحـة هــذا الخطأ هو السيكولوجيا. يسترعي الانتباه في سؤاله عن الفلكلور إلى أي علم ينتمي، أنــه أغـفـل ذكــر علم الأثـنـواغـرافـيـا (وصـف ثقافة الشعوب). وربما كان السبب هو السهو. وهـنـاك ملحوظة أخــرى متصلة بهذه الملحوظة، وهــــي أنــــه فـــي مــقــدمــة الـــكـــتـــاب لـــم يـــحـــدد لـــلـــقـــارئ نــوع دراسته تحديدا دقيقاً. فهو قد اكتفى بالإيماء إلى أن دراسته فلكلورية. دراسته هي أثنوغرافية وصفية للقرية اللبنانية، بالارتكاز على قريته، قرية رأس المتن. وللحديث بقية. جماعة الحوثيين باتخاذها قرارات وخيارات خاطئة تثبت ابتعادها عن جادة «الحكمة اليمانية» لطفي فؤاد نعمان علي العميم إبراهيم العثيمين OPINION الرأي 14 فريحة وحضارته القروية التي إلى زوال خيارات خاطئة حين أصبحت إيران جمهورية «الحرس الثوري»
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky