لطالما ارتبطت الحروب عبر التاريخ بـنـظـريـات، وأفـــكـــار مـعـيّــنـة، فـهـي عـــدا عن كــونــهــا ذات بُـــعـــد ســـيـــاســـيّ، فــهــي تـنـدغـم أيـــضـــا فــــي ســــيــــاق نــــظــــريّ، مـــتـــداعـــيـــة بـن الاقـــتـــصـــادي، والـفـلـسـفـي. ولـــهـــذا شـواهـد عديدة منذ الحرب «الأثينية الإسبرطية» في القرن الرابع قبل الميلاد، وليس انتهاء بـــالـــحـــرب الــعــالمــيــة الــثــانــيــة الـــتـــي انـشـغـل بـهـا الــفــاســفــة، وتــخــاصــمــوا عـلــى تـبـريـر الممارسات «النازيّة». قـالـوا إن نيتشه هـو المـرجـع النظري والفلسفي لهتلر، ومن ثم جاء الدور على هــيــدغــر الـــــذي عـــاصـــر الـــحـــرب شـخـصـيـا، والــذي نافح -وإن كـان من شـط بعيد- عن الـــنـــازيـــة، وفــــي هــــذا الإطــــــار كــتــب يــورغــن هابرماس دراسته: «هيدغر والنازية». الـــــفـــــكـــــرة الأســــــاســــــيــــــة أن لــــلــــحــــروب نظرياتها، وفلسفاتها، واستراتيجياتها. رصـد بعض ذلـك الأسـتـاذ يوسف أودمـن فـــي بـــحـــث لـــه بـــعـــنـــوان: «هــــل تـــــدار حـــروب الــشــرق الأوســــط الــيــوم بـعـقـول الـجـنـرالات أم بــأشــبــاح الــفــاســفــة؟» (نــشــر فـــي مجلة «حكمة»)، وركّــز في مقدمته على: «كتاب (عــن الــحــرب) للجنرال والمـنـظـر البروسي ،)1831-1780( كـــــارل فــــون كـــاوزفـــيـــتـــش حيث يمثل (أورغـــانـــون) الفكر العسكري الحديث. هـذا الرجل الـذي لُقب بـ(أرسطو الـحـرب) لـم يضع مـجـرد قـواعـد تكتيكية، بـل صــاغ فلسفة وجـوديـة للنزاع المسلح، مــعــتــبــرا إيــــــاه ظــــاهــــرة إنـــســـانـــيـــة تـخـضـع لمنطق العقل السياسي. وفي ظل التصعيد الـراهـن بـن الـقـوى الغربية وإسـرائـيـل من جهة، وإيــران وأذرعها الإقليمية من جهة أخــــرى، نـجـد أن المـفـاهـيـم الكلاوزفيتشية الكلاسيكية تخضع لعملية (أجرأة) دقيقة تـعـيـد تـعـريـف الـــصـــراع الـــدولـــي فــي عصر السيولة الجيوسياسية». ثم يطرح أن سبب كتاب: «كلاوزفيتش هو انطلاقه من مبدأ (الغائية) الأرسطي، مــؤكــدا أن الــحــرب ليست فـعـا عبثياً، بل هي (استمرار للسياسة بوسائل أخـرى). فـي المـواجـهـة الإيـرانـيـة-الأطـلـسـيـة نلاحظ انضباطا شـديـدا لـهـذا المــبــدأ؛ فكل ضربة عـــســـكـــريـــة هــــي (رســـــالـــــة مـــشـــفـــرة) تــهــدف لتحقيق غاية سياسية محددة (كـالـردع، أو تــحــســن شـــــروط الــــتــــفــــاوض). الــحــرب هنا تــدار عبر (الـثـالـوث الشهير): عاطفة الشعوب (المحرك)، مهارة الجيش (الأداة)، وعــقــل الـحـكـومـة (المــــوجــــه). وأي خـلـل في توازن هذا الثالوث يعني السقوط في فخ العنف غير المجدي». مـــــع هــــــذه الـــــحـــــروب الــــجــــديــــدة الـــتـــي شــــهــــدنــــاهــــا، وبــــخــــاصــــة الاعــــتــــمــــاد عـلـى الـــتـــكـــنـــولـــوجـــيـــا بـــشـــكـــل كـــبـــيـــر، لا بــــد مـن تـسـبـيـب ودرْس هــــذا الـــتـــطـــوّر، فبحسب يوسف أودمين فإن: «كلاوزفيتش فشل في الـخـطـط العسكرية بمفهوم (الاحــتــكــاك)؛ وهــــو مــجــمــوع الـــصـــعـــوبـــات الـــتـــي تجعل (البسيط صعباً). اليوم، يتجلى الاحتكاك في تعقيد البيئة الجيوسياسية، وتداخل المـصـالـح الــدولــيــة. فـرغـم الـتـفـوق التقني، يواجه الفكر العسكري الغربي (احتكاكاً) نـاتـجـا عــن الـفـاعـلـن مــن غـيـر الـــــدول، مما يـــحـــول الــــحــــرب الـــخـــاطـــفـــة إلـــــى اســـتـــنـــزاف طــــويــــل. هـــــذا (الــــضــــبــــاب) لــــم يـــعـــد نـاتــجــا عـن نقص المـعـلـومـات، بـل عـن (تخمتها)، وصعوبة التنبؤ بـــردود فعل الخصم في بيئة مشبعة بالتهديدات غير المتماثلة». وأعلّق على هذه الدراسة بنقطتين: الأولــــى: إن الــحــروب تـتـطـوّر أفكارها بــــتــــغــــيّــــر بــــيــــئــــات الـــــبـــــشـــــر، ونـــظـــريـــاتـــهـــم الــــدنــــيــــويــــة، مــــا مــــن نـــظـــريّـــة ثـــابـــتـــة حـــول الــحــرب؛ وإنــمــا الــحــدث يـتـزمّــن فــي لحظة معيّنة يدرك فيها الطرف أن هذه الحرب لا بد أن تخاض فوراً، وإلا فإن الهزيمة قادمة لا مـحـالـة، لــو تأملنا فــي تــاريــخ الـحـروب المـنـتـصـرة لـوجـدنـا أن العنصر اللحظي، والقرار الجريء الصارم هما اللذان حافظا على صيغة النصر، والنموّ، والازدهار. الـثـانـيـة: إن الـنـظـريـات الفلسفية قد تؤثر، وتـخـدم، ولكنها ليست هي المرجع الأصــــيــــل لـــلـــحـــرب، بــــل لا بــــد مــــن الــــــدرْس التجريبي. الحروب تصاغ ضمن مصالح عـلـيـا يــسـتــمــر أثــــر الــنــصــر بــهــا إلــــى قـــرن، وأكــثــر مــن الـــزمـــان، وهـــذا مــا شـهـدنـاه في تــدخّــل تـشـرشـل الــصــارم ضــد هـتـلـر، ومـن ثـــم هـزيـمـتـه، وتـــدمـــيـــره، وســحــق نظريته النازية الفاشلة. الــخــاصــة؛ إنــنــا فـــي أزمـــــان الــحــروب لا بـــد أن نستفيد مــن الـتـاريــخ أولاً، ومـن المـجـالـن الـنـظـري والـفـكـري ثـانـيـا، مــا من مــنــاص مــن دخــــول الـــحـــروب أحــيــانــا؛ وإلا لـــــولا الــــحــــرب لمــــا بــقــيــت هـــــذه الأمـــــــم، ولمـــا اسـتـطـاعـت الـنـهـوض مــن كـبـواتـهـا، ولكن أساس الانتصار هو الصبر؛ ويروي الإمام الـذهـبـي مستندا إلـــى أبـــي بـكـر بــن عـيّــاش أنـــه: «قـيـل لعبد الـلـه بــن عـمـرو بــن علقمة البطال أحد القادة في العصر الأمـوي: ما الشجاعة؟! أجاب: النصر صبر ساعة». صرح أحد المسؤولين الإيرانيين بـ«أننا أعددنا ترسانة كــبــيــرة مـــن الـــســـاح والـــصـــواريـــخ والمـــســـيَّـــرات لـــهـــذا (الـــيـــوم المــــوعــــود)». وحـــن تـعـرضـت إيـــــران لـلـهـجـوم الإســرائــيــلــي - فبراير (شباط) الماضي، كنا نظن أن تلك 28 الأميركي يوم الترسانة المعدة ستوجَّه إلى العدو الذي هاجمها، فهذا هو «اليوم الموعود» الذي على هذا الأساس أُعدت له العدَّة، لكنها في المائة من ترسانتها إلى دول الخليج، وخلال 86 وجَّهت شهر كامل والجدل يدور حول هذا «الحَوَل» في التسديد. لم لا توجهه إلى إسرائيل؟ فهل المقصود بـ«اليوم الموعود» كان هو يوم الهجوم على دول الخليج لا على إسرائيل؟ واضـــح أن عنصر المـفـاجـأة أربــك النظام الإيــرانــي، فلم تتوقع إيـران أبدا أن تشارك الولايات المتحدة الأميركية في حــرب ضـدهـا، ففوجئت ولــم تتوقع أبـــدا أن تـعـود إسرائيل يوماً، كما لم تتوقع أبدا أن تدخل 12 لمهاجمتها بعد حرب الـ معها الولايات المتحدة وبشكل حقيقي في حرب استخدمت فيها أميركا جميع أسلحتها الجبارة والفتاكة، كما أن إيران لم تدرك أن أميركا الترمبية لا تعمل وفقا للكتيب الإرشادي الذي اعتادت عليه إيران طوال تاريخها. كانت المرة الأخيرة التي تواجهت فيها أميركا وإيران مــبــاشــرة هـــي فـــي المــحــاولــة الـفـاشـلـة لـتـحـريـر الــرهــائــن في الـسـفـارة الأمـيـركـيـة فـي طــهــران، ومــن بعدها نجحت إيــران فـي التفاهم مـع جميع الإدارات الأمـيـركـيـة الـتـي مـــرَّت على البيت الأبيض، وأقصى ما واجهته من بعض الإدارات هو تشديد العقوبات، ومن ثم تعود الإدارة التي تليها وتُفرج عن أموالها، وهكذا أدارت إيران العلاقة بينها وبين أميركا، بتحييد المواجهة ومن دون أي اشتباك. دخول أميركا الحرب بهذا الشكل المصمِّم على القضاء على الترسانة الإيـرانـيـة أربــك طـهـران وفـاجـأهـا، فاضطرت إلى تقديم «اليوم الموعود»، حيث لا تفسير منطقيا لتركيز الهجوم على دول الخليج، مما يدل على أن إيران أعدت هذه الترسانة الهائلة للتوسع، خصوصا تـجـاه دول الخليج، وقـــد أحـكـمـت كمَّاشتها عــن طـريـق وكـائـهـا الــذيــن أعـدَّتـهـم أيضا لهذا «اليوم الموعود». المفترض أنه من الطبيعي أن تـرد إيـران على إسرائيل وأميركا اللتين تـدكّــان ترسانتها يومياً، الأمــر الــذي يعني أن خــســارة تـرسـانـتـهـا سـتـكـون فــي غـيـر مـوقـعـهـا وقــبــل أن تحقق حلمها في التوسع. والنتيجة أن إيران خسرت معظم فبراير، مما 28 ترسانتها وبقيت دول الخليج كما هي قبل يفسر أن «اليوم الموعود» سيتأخر وقد لا يأتي. حــــيّــــدت إيــــــــران روســــيــــا والــــصــــن حــــن يــــأتــــي «الــــيــــوم المـــوعـــود»، وضـمـنـت أن لا دولــــة عـربـيـة كــبــرى سـتـدخـل في مواجهة مع إيران حين يحين هذا اليوم. لذلك لم تفكر لحظة ولـــم تــتــأخــر، إذ اتـجـهـت مــبــاشــرة بـعـد الــضــربــة الأمـيـركـيـة الأولــــى إلـــى أهـدافـهـا الرئيسية المـبـيَّــتـة، حـتـى تستطيع أن تستخدم ترسانتها لما أعدت له مسبقا قبل أن تقضي أميركا وإسرائيل على البقية الباقية من ترسانتها. مــنــذ الـــيـــوم الأول اســتــهــدف الــنــظــام الإيــــرانــــي الـبـنـيـة التحتية لـــدول الخليج (مـــن مـــطـــارات، ومـــوانـــئ، ومــصــافٍ، ومحطات تحلية مياه، وشبكة اتـصـالات، وقاعدة بيانات، وكهرباء، و...) وركــزت الغالبية العظمى من استهدافاتها العسكرية بالصواريخ والمسيَّرات على البنية التحتية لدول الخليج، وأمرت خلاياها النائمة في دول الخليج بأن تنشط وتتحرك، مما يعني أن هذا الفعل هو «اليوم الموعود»! المفاجأة الكبرى التي لم تحسب لها إيــران أي حساب أبـــدا وفشلت جميع استخباراتها فـي الـوصـول إليها، هي قدرة دول الخليج بأبنائها على الصمود إلى الآن عسكرياً، وإدارة حياتها بشكل طبيعي في الوقت ذاتـه، وتلك حكاية أخرى ستُحكى للأجيال المقبلة. OPINION الرأي 12 Issue 17295 - العدد Sunday - 2026/4/5 الأحد عن الحرب... النصر صبر ساعة «اليوم الموعود» وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com سوسن الشاعر في أزمان الحروب لا بد أن نستفيد من التاريخ أولا ومن ًالمجالين النظري والفكري ثانيا فهد سليمان الشقيران لم يكن من المفترض لهذه الحرب أن تطول. هكذا دخلها أطرافها، كل بثقة عالية في أن أدواتـه كفيلة بفرض الحسم خلال وقت قصير. غير أن ما بدا في البداية مواجهة محدودة بزمن محسوب، تحوَّل إلى حرب مفتوحة تجاوزت توقعات الجميع، واستنزفت قدراتهم بدرجات متفاوتة. والتفسير الأكثر إقناعا لهذه المفارقة لا يكمن في موازين القوة بقدر ما يكمن في تلاقي أخطاء في التقدير دفعت كل طـرف إلى المضي في استراتيجية لا تُنهي الحرب بل تُطيلها. ومع ذلك، لا يعني الحديث عن أخطاء متعددة تجاهل اخـتـاف مـوقـع كـل طــرف فـي بـدايـة هــذه الـحـرب. فقد شكّلت العملية الأميركية نقطة الانطلاق الأساسية للتصعيد، بينما جاء التحرّك الإيراني لاحقا في إطار الرد على هذه العملية. غــيــر أن هــــذا الــــــرد، بـــــــدوره، لـــم يـــخـــل مـــن حـــســـابـــات خـاطـئـة وخيارات أسهمت في تعقيد مسار الحرب وإطالة أمدها. فـي هــذا الـسـيـاق، يمكن فهم الخطأ الأمـيـركـي بوصفه نــاتــجــا عـــن رهــــان رافــــق قــــرار الانــــخــــراط فـــي عــمــل عـسـكـري، قــــام عــلــى افـــتـــراض أن الــضــغــطَــن الــعــســكــري والاقـــتـــصـــادي سيُفضيان سريعا إلـى تصدعات، ثم انهيارات داخلية في إيـــران. هـذا الافـتـراض استند إلـى قـــراءة نمطية تفترض أن المجتمعات الواقعة تحت ضغط شديد تميل إلى التمرّد على أنظمتها. غير أن هذه القراءة أغفلت ثلاث حقائق أساسية: الـطـبـيـعـة الـعـقـائـديـة لـلـنـظـام الإيـــرانـــي، الــتــي تـضـع صمود الـنـظـام وبـــقـــاءه فـــوق أي تكلفة تـقـع عـلـى الـبـلـد والمـجـتـمـع، وأثـــر التهديد الـخـارجـي فـي تعزيز التماسك الـداخـلـي بدل تفكيكه، وأخـيـرا الـقـدرة القمعية العالية التي تجعل تكلفة المعارضة في زمن الحرب باهظة إلى حد يردعها. لذلك، لم تكن النتيجة انفجارا داخلياً، بل كانت تماسكا نسبيا سمح للنظام بامتصاص الضغوط والاسـتـمـرار، ما أسقط رهان الحسم السريع. أمــــا عــلــى الـــجـــانـــب الإيـــــرانـــــي، ورغـــــم أن الـــتـــحـــرّك جــاء فــي ســيــاق الــــرد، فـقـد انــطــوى عـلـى سلسلة مــن الـحـسـابـات الخاطئة الـتـي حـــدّت مـن فاعليته، بـل وأسهمت فـي تعقيد مسار الحرب. فقد راهنت طهران على أن رفع تكلفة الحرب سيُجبر خصومها على التراجع السريع، واعتمدت في ذلك على استراتيجية الضغط على الاقتصاد العالمي من خلال استهداف بيئة الطاقة الحيوية وتهديد الملاحة. إلا أن هذا الرهان أغفل حقيقة بنيوية في الاقتصاد العالمي: التكلفة لا تتوزع بالتساوي. فالولايات المتحدة، بحكم بعدها وقدرتها على امتصاص الـصـدمـات، فـضـا عـن كونها منتجا مهما للطاقة، كانت أقل الأطراف تضررا نسبياً، بينما وقع العبء الأكـبـر على اقـتـصـادات أخــرى مثل الصين والهند واليابان وأوروبـــــــا، الــتــي لـيـسـت صــاحــبــة الـــقـــرار فـــي إنـــهـــاء الــحــرب. وهكذا، ضعف الأثر السياسي للأداة الاقتصادية رغم ارتفاع تكلفتها. ومــن أبـــرز تجليات هــذا الخلل توسيع دائـــرة الضغط لـتـشـمـل دول الـخـلـيـج الــعــربــيــة، عــبــر اســـتـــهـــداف منشآتها النفطية أو التهديد بـهـا، رغــم أن هــذه الـــدول لـم تكن طرفا مـبـاشـرا فـي المـواجـهـة. وقــد كــان هــذا الـسـلـوك إشكاليا على مستويين: أولاً، لأنه وسَّع نطاق الاستهداف ليشمل أطرافا كانت في موقع الحياد. وثــانــيــا، لأنـــه كـــان خــيــارا غـيـر حـكـيـم اسـتـراتـيـجـيـا، إذ أسهم فـي استعداء هـذه الـــدول بـدل دفعها إلـى الضغط من أجل إنهاء الحرب. والأهـم أن الرهان الكامن وراءه، وهو أن ضرب أسـواق الطاقة سيُنتج ضغطا اقتصاديا حاسماً، لم يتحقق، نظرا لطبيعة توزيع التكلفة في الاقتصاد العالمي. ولـــم يـتـوقـف ســـوء الـتـقـديـر الإيـــرانـــي عـنـد هـــذا الـحـد. فقد افترضت طهران أن تكثيف الضغط العسكري المباشر، خصوصا عبر الهجمات الصاروخية، سـيـؤدي إلـى إنهاك المجتمع الإسـرائـيـلـي ودفــعــه إلـــى الـضـغـط عـلـى قـيـادتـه من أجل إنهاء الحرب. إلا أن هذا التقدير لم يأخذ في الحسبان البنية المتطورة لقدرات الدفاع الجوي، ولا الجاهزية المدنية الـعـالـيـة، ولا الـخـبـرة التراكمية فـي إدارة حـــالات الــطــوارئ. صحيح أن التكلفة كانت حقيقية وكبيرة، لكن القدرة على امتصاصها وإدارتها كانت أعلى مما افترضته الحسابات الإيرانية، ما حوَّل الضغط من أداة حسم إلى عامل استنزاف طويل الأمد بلا نتيجة حاسمة. هـنـا تتضح المــفــارقــة المــركــزيــة: كــل طـــرف دخـــل الـحـرب وهــو يفترض أن الـزمـن يعمل لصالحه. الــولايــات المتحدة راهنت على أن شدة الضربات مع الوقت ستكشف هشاشة الـــداخـــل الإيــــرانــــي. وإيـــــران راهـــنـــت عـلـى أن الـــوقـــت سـيُــراكـم تكلفة لا يمكن لخصومها تحملها. غير أن ما حـدث فعليا كــان العكس؛ فالزمن لـم يُسقط أيــا مـن الـرهـانَــن، بـل كشف محدوديتهما معاً. ومع كل جولة إضافية، بدلا من مراجعة الاســـتـــراتـــيـــجـــيـــات، جــــرى تـعـمـيـقـهـا، عــلــى أمــــل أن «الــدفــعــة التالية» من الضغط ستُنتج الأثر المؤجل. بهذا المعنى، لم يكن امـتـداد الحرب نتيجة تفوُّق أحد الطرفين أو عجز الآخــر، بل نتيجة منطق متكامل من سوء الإدراك المتبادل، مع فـارق مهم في كيفية انخراط كل طرف في هذا المسار. كل طرف أخطأ في تحديد موضع الهشاشة الـحـقـيـقـي لـــدى خـصـمـه: واشــنــطــن بـحـثـت عـنـه فـــي الــداخــل الإيـرانـي فلم تجده، وطـهـران حاولت صناعته عبر التكلفة الخارجية من دون أن تُصيب مركز القرار، بل وسَّعت دائرة الـصـراع على نحو أضعف موقعها السياسي. وبـن هذين المــســاريــن، تشكَّلت ديناميكية إطــالــة ذاتــيــة، حـيـث تستمر الحرب، لا لأن أحد الأطراف يقترب من الحسم، بل لأن كليهما يعتقد، خطأً، أن الحسم لا يزال ممكنا بالأدوات ذاتها. الخلاصة القاسية لهذه الحرب أن الأخطاء في التقدير لا تُوازن بالضرورة بعضها بعضاً، لكنها قد تتلاقى بطريقة تجعل تكلفتها مضاعفة. فعندما يُبنى القرار على فهم غير دقيق لطبيعة الخصم ولتوزيع التكلفة ولقدرة المجتمعات عـلـى الــصــمــود، فـــإن مــا يُــفــتــرض أنـــه طــريــق مـخـتـصـر نحو الحسم يتحول إلــى مـسـار مفتوح نحو حــرب أطـــول وأكثر تعقيدا مما أراده الجميع. * أكاديمي ووزير سابق في فلسطين من وهم الحسم إلى واقع الاستنزاف: محاولة لتفسير امتداد الحرب *غسان الخطيب
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky