13 حــصــاد الأســبـوع ANALYSIS Issue 17294 - العدد Saturday - 2026/4/4 السبت تداعيات «حرب إيران» على اليابان وكوريا الجنوبية فـــــــي تـــــصـــــريـــــح حــــــصــــــري لـــصـــحــيـــفـــة «الــــــشــــــرق الأوســــــــــــــط»، كـــــانـــــت الــــدكــــتــــورة فـــالـــيـــري نـــيـــكـــيـــه، الـــبـــاحـــثـــة المــتــخــصّــصــة فـــــي الـــــــدراســـــــات الآســــيــــويــــة بــــ«مـــؤســـســـة فـــي FRS» الأبــــــــحــــــــاث الاســــــتــــــراتــــــيــــــجــــــيــــــة العاصمة الفرنسية باريس، واضحة بهذا الــخــصــوص؛ إذ قــالــت إن «الاحـتـيـاطـيـات الاســتــراتــيــجــيــة مــتــاحــة لــفــتــرة مـــحـــدودة، وليست حلا مستداماً، لا سيما أن النفط لا في المائة من استهلاك 35 يزال يمثّل نحو الـــيـــابـــان الأولـــــــي لـــلـــطـــاقـــة. أمـــــا الــحــكــومــة الكورية الجنوبية فقد أعلنت عن تجميد تـاريـخـي لأســعــار الـــوقـــود، هــو الأول منذ أكـــثـــر مــــن ثـــاثـــة عــــقــــود، وهــــــــدّدت بــفــرض غـــــرامـــــات عـــلـــى المـــتـــاعـــبـــن بــــالأســــعــــار». وتـضـيـف الـبـاحـثـة الـفـرنـسـيـة: «بـالـتـالـي، تـرسّــخ هــذه قناعة عند صـنّــاع الــقــرار في طوكيو وسـيـول بـأن التنويع فـي مصادر الطاقة لم يعُد رفاها استراتيجياً، بل صار ضرورة أمنية لا تقبل التأجيل... ومن ثم، فإن الأنظار تتجه أكثر فأكثر نحو الطاقة الــنــوويــة المــدنــيــة، لـيـس لاعــتــبــارات بيئية فحسب، بل لأنها تقدّم بديلا حقيقيا عن التبعية لممرّات الشحن المكشوفة». «الكُمون النووي» والاختبار الإيراني من جهة ثانية، لعل أعمق ما أثارته هــــذه الـــحـــرب فـــي دوائــــــر الاسـتـراتـيـجـيـة الآسـيـويـة هـو ســؤال «الـكُــمـون الـنـووي». والمقصود بهذا المفهوم امـتـاك دولــة ما القدرة التقنية على صنع أسلحة نووية مــن دون أن تـعـلـن ذلـــك رسـمـيـا. أي أنها تمتلك المعرفة التقنية والبنية التحتية الــصــنــاعــيــة الـــــازمـــــة، بــحــيــث تـسـتـطـيـع التحوّل إلى دولة نووية إذا اتخذت قرارا سياسيا ً. بيد أن الحرب على إيــران أثبتت أن اسـتـراتـيـجـيـة «الــكُــمــون الـــنـــووي» تحمل فـــي طــيّــاتــهــا ثـــغـــرات جـــوهـــريـــة: ذلــــك أن الدولة التي تمتلك قدرة قريبة من العَتَبة الــــنــــوويــــة قــــد تـــكـــون كـــافـــيـــة لإثـــــــارة قـلـق خصومها، لكنها ليست كافية لردعهم فـعـلـيـا. ولــــذا فـــإن الــيــابــان، مــثــاً، تتبّنى ســيــاســة «الـــكُـــمـــون الــــنــــووي» لــيــس فقط كدرع تقنية، بل كـ«رافعة دبلوماسية». ووفــــقــــا لـــتـــقـــريـــر نـــشـــرتـــه «مــؤســســة الأبـــــحـــــاث الاســـتـــراتـــيـــجـــيـــة» الــفــرنــســيــة بـــــعـــــنـــــوان «الــــــكُــــــمــــــون الــــــــنــــــــووي: رافــــعــــة دبـــلـــومـــاســـيـــة مـــــزدوجـــــة الاســـــتـــــخـــــدام»، تــهــدف الـــيـــابـــان مـــن خــــال الــحــفــاظ على قــدراتــهــا الــنــوويــة الـكـامـنـة إلـــى الـتـحـوُّط مـــن الـــتـــهـــديـــدات المـــتـــزايـــدة فـــي محيطها الــــجــــغــــرافــــي، عـــبـــر رســــالــــة ردع لـلـصـن وكــــوريــــا الــشــمــالــيــة مـــفـــادهـــا أن الــيــابــان قادرة تقنيا على التحوّل إلى قوة نووية في وقت قصير جدا إذا ما تعرّض أمنها للخطر. وفـــي الــوقــت ذاتــــه، تـوظـيـف هـذا المــلــف كــــ«ورقـــة ضــغــط» فــي عـاقـتـهـا مع واشــــنــــطــــن، لـــضـــمـــان اســــتــــمــــرار «المـــظـــلـــة النووية» الأميركية والحؤول دون تخلي واشنطن عـن التزاماتها الدفاعية تجاه اليابان، وإلا فـإن اليابان قد تتّجه نحو «انــتــشــار نــــووي ســـريـــع» لـضـمـان أمنها القومي. هــــنــــا تــــــذكّــــــرنــــــا الــــبــــاحــــثــــة نـــيـــكـــيـــه، فــــــي تـــعـــقـــيـــبـــهـــا لـــــــ«الــــــشــــــرق الأوســـــــــــط»، بـ«الحساسية التاريخية» لهذا الموضوع، بالذات في اليابان، فتضيف: «النقاش لا يـزال محتدما بسبب (عقدة) هيروشيما وناغازاكي، حيث يواجه أي توجّه نحو التسلّح النووي معارضة شعبية مبنية على إرث تاريخي مؤلم لا تــزال جروحه مفتوحة في ذاكرة اليابانيين». مــــــن جــــهــــة ثـــــانـــــيـــــة، تـــــبـــــدو كــــوريــــا الجنوبية أكثر اندفاعا وأقـل مواربة في مساعيها لامتلاك قدرات نووية بالمقارنة مع اليابان؛ إذ إنه على الرغم من القيود الصارمة التي تفرضها «اتفاقية التعاون الــــنــــووي المـــدنـــي مـــع الــــولايــــات المــتــحــدة و«الــــثــــانــــيــــة» عـــام 1974 الأولــــــــــى» عــــــام ، فــي مـلـف تخصيب الــيــورانــيــوم، 2015 فـإن الرئيس الـكـوري الجنوبي لي جاي مــيــونــغ يـــقـــود مــنــذ وصـــولـــه لـلـحـكـم في حراكا تفاوضيا 2025 ) يونيو (حـزيـران مـكـثـفـا لـتـعـديـل هـــذه الـــشـــروط. ويـتـركـز طـمـوح سـلـطـات سـيـول حـالـيـا عـلـى نيل حق التخصيب لغاية تشغيل غوّاصات تعمل بالطاقة النووية. والــــــافــــــت، كـــمـــا يــــشــــرح لـــــ«الــــشــــرق الأوســــــــــط»، أنـــــطـــــوان بـــــونـــــداز، الــبــاحــث الـــــفـــــرنـــــســـــي المـــــتـــــخـــــصّـــــص فـــــــي شـــــــؤون كــوريــا الـجـنـوبـيـة بــ«مـؤسـسـة الأبــحــاث الاسـتـراتـيـجـيـة» فــي بــاريــس، أن «هـنـاك تحوّلا جذريا في الداخل الـكـوري؛ إذ لم يعد الـتـوجّــه الــنــووي حـكـرا على اليمين المحافظ، بل بـات يتمتع بإجماع وطني عـــابـــر لـــأطـــيـــاف الـــســـيـــاســـيـــة... يـــنـــادي بــضــرورة امـتـاك قـــدرة نـوويـة مستقلة، وبـالأخـص لأن كـوريـا الجنوبية تعيش تــــحــــت تــــهــــديــــد مــــبــــاشــــر ومـــســـتـــمـــر مــن الــتــرســانــة الــنــوويــة لـــ«جــارتــهــا» كـوريـا الشمالية، ما يدفع كثيرين إلى الشعور بــــــأن الاعــــتــــمــــاد الـــكـــلـــي عـــلـــى الـــحـــمـــايـــة الأميركية لم يعد كافيا الآن». وبــــالــــفــــعــــل، فـــــــإن هـــــــذه الـــوضـــعـــيـــة المشتركة بين اليابان وكوريا الجنوبية فــــتــــحــــت الـــــــبـــــــاب لــــــ«ســـــيـــــنـــــاريـــــوهـــــات» مستقبلية جـريـئـة، تشرحها الـدكـتـورة نيكيه لنا بـالـقـول: «حـــرب إيـــران أعــادت إلـــى الــواجــهــة خـطـر الــعــدو المـشـتـرك (أي كـوريـا الشمالية) والمـنـافـس الـقـوي (أي الـــصـــن)، ولــــذا فـمـن المـمـكـن جـــدا التنبؤ بــــقــــيــــام شــــــراكــــــة نــــــوويــــــة بــــــن الـــقـــطـــبـــن الآسيويين، حيث يصار إلى دمج الخبرة الــتــقــنــيــة المـــتـــقـــدّمـــة لـــكـــوريـــا الــجــنــوبــيــة بــــــالمــــــواد الانـــــشـــــطـــــاريـــــة المـــــتـــــوفـــــرة لــــدى اليابان»، قبل أن تستدرك فتضيف: «مع هـــذا، يظل هــذا الـتـصـوّر مـجـرّد تكهّنات أكاديمية، ذلـك أنـه يصطدم بواقع مرير مـن الإرث التاريخي المُــثـقـل بالخلافات، وثمة عقبات سياسية مهمة تحول دون تحقيق تكامل استراتيجي من هذا النوع في المدى المنظور». الضغط الأميركي... و«ورطة» الاختيار فـــي مــطــلــق الأحــــــــوال، فـــرضـــت «حـــرب إيران» على طوكيو وسيول معادلة صعبة هـــي: إمـــا الانـــخـــراط فــي الـجـهـد الـعـسـكـري الأمـــيـــركـــي وإمــــــا الــتــمــســك بـــحـــيـــاد تـتـآكـل صـــدقـــيـــتُـــه. ولــــقــــد بـــلـــغـــت هــــــذه الـــضـــغـــوط ذروتــــهــــا أخـــيـــرا مـــع تــصــريــحــات الــرئــيــس دونالد ترمب الذي شّدد على أن «الحماية الأميركية ليست خدمة مجانية»، مطالبا الــحــلــفــاء بــتــأمــن إمــــداداتــــهــــم بـوسـائـلـهـم الخاصة. في استجابة رسمية، صرّحت رئيسة الــــــوزراء الـيـابـانـيـة ســانــاي تـاكـايـشـي بـأن طوكيو ستلتزم بما هو «ممكن دستورياً» فـقـط، ملمحة إلـــى تـقـديـم دعـــم لوجيستي مـــحـــدود لــتــجــنّــب الانــــخــــراط فـــي مـواجـهـة عسكرية مـبـاشـرة مــع إيــــران. أمـــا الرئيس الـــكـــوري الـجـنـوبـي لـــي جـــاي مــيــونــغ، فقد حــــذّر مـــن أن سـحـب المــنــظــومــات الـدفـاعـيـة الأميركية يخلق «فجوة أمنية» تستدعي مــن سـيـول تـسـريـع امــتــاك قــــدرات دفاعية أكـــثـــر اســتــقــالــيــة. ولــلــعــلــم، كـــانـــت كــوريــا الجنوبية قـد تعرّضت لقلق إضـافـي حين علمت بنقل واشنطن البطاريات الأميركية المـــــضـــــادّة لـــلـــصـــواريـــخ مــــن أراضـــيـــهـــا إلـــى منطقة الـشـرق الأوســــط، الأمـــر الـــذي يُــعـزّز الشعور بــأن واشنطن مستعدة لتهميش حــلــفــائــهــا فــــي شـــــرق آســـيـــا مـــتـــى اقـتـضـت مصالحها الآنية ذلـك. وهـذا التأثير ليس وهما أو مبالغة؛ بل ينعكس على حسابات الـردع الإقليمية، ويُعمّق الشك في صلابة الضمانات الأميركية الممتدة. أما اليابان فتجد نفسها أمام معضلة هـــويـــة لا مــعــضــلــة ســيــاســيــة فـــحـــســـب؛ إذ إن هـــذه الــبــاد الـتـي عـانـت ويـــات الـدمـار ، تحمل فــي دسـتـورهـا 1945 الــنــووي عـــام و«هويتها الجمعية» التزاما راسخا بنبذ السلاح الـنـووي وترسيخ سيادة القانون الدولي. وبـــــالـــــتـــــالـــــي، مــــــن شـــــــأن الــــتــــداعــــيــــات الحاصلة تعميق التوتر القائم بين الولاء للحلف مع واشنطن والانسجام مع المبادئ التأسيسية التي قامت عليها هوية اليابان فــي مـرحـلـة مــا بـعـد الـــحـــرب، مُــربــكــة بذلك النخب السياسية والرأي العام معاً. الباحث الفرنسي بونداز، من جانبه، لا يرى في موقف اليابان وكوريا الجنوبية «مجرد تردد ظرفي»، بل يُشخّصه على أنه «أزمـة ثقة بنيوية في منظومة التحالفات الأمـــيـــركـــيـــة». ويـلـفـت الـخـبـيـر المتخصص بـــالـــشـــأن الــــكــــوري إلــــى أن نــقــل مـنـظـومـات الـدفـاع الـجـوي مـن شبه الـجـزيـرة الكورية شكّل ضربة لمبدأ الاطمئنان الاستراتيجي الـــــــذي طــــالمــــا أبــــقــــى الـــحـــلـــفـــاء الآســـيـــويـــن فـــي المــــــدار الأمـــيـــركـــي، مُــضـيـفـا أن كــــا من طوكيو وسـيـول بـاتـت تُعيد رســم خرائط تحالفاتها الاستراتيجية بصمت، بعيدا عن الإعلان الرسمي. فـــي الـــوقـــت عــيــنــه، ولـــكـــن مـــن مـنـظـور مـــغـــايـــر، يــــرى بـــاســـكـــال بـــونـــيـــفـــاس، مـديـر ،IRIS » «المــعــهــد الـــدولـــي والاســـتـــراتـــيـــجـــي أن «الـــغـــمـــوض الأمـــيـــركـــي الاســتــراتــيــجــي لــــم يـــعُـــد رادعــــــــا، بــــل أضـــحـــى مُــقــلــقــا حـتـى لأقرب الحلفاء وأكثرهم موثوقية». ووفق بــونــيــفــاس، فـــإن مـــا تـعـيـشـه مـنـطـقـة شـرق آسـيـا يُمثّل اخـتـبـارا حقيقيا لمــدى صمود نظام التحالفات الذي بنته واشنطن على مــدار سبعة عقود، مـحـذّرا من أن كل تردد أمـيـركـي يفتح الـبـاب أمـــام شـكـوك يصعب محوها. لقطة من اللقاء الأخير الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايشي في واشنطن (أ.ب) لـم تنتظر الأســـواق الآسـيـويـة طـويـا لتستوعب أبـعـاد ما جرى في الخليج، فبعد ساعات قليلة من انـدلاع حرب إيران أواخــر فبراير (شـبـاط)، هـوى مؤشر «نيكاي» الياباني أكثر مـن أربـعـة آلاف ومئتي نقطة فـي جلسة واحـــدة، وانـزلـق الين الياباني نحو مائة وستين مقابل الدولار. وفي سيول، سجّل (الكوري الجنوبي) أسوأ انهيار له COSPI » مؤشر «كوسبي 12 ، وبلغت نسبة التراجع 2008 منذ الأزمة المالية العالمية عام فـي المـائـة فـي يـوم واحـــد. فكانت الرسالة صريحة لا تحتمل التأويل: الحرب ليست حرب المنطقة وحدها، بل هي اختبار وجودي لأمن الطاقة والتوازن الاستراتيجي في آسيا بأسرها. وحقا يكشف النظر في أرقام الاعتماد النفطي لليابان وكوريا مارس 11 الجنوبية التي نقلتها مجلة «ذي ديبلومات» في عدد (آذار) المـنـصـرم، عـن هشاشة بنيوية عميقة؛ إذ إن اليابان في المائة من احتياجاتها النفطية 95 تستورد ما يزيد على في المائة منها على مضيق 70 من الخارج، وتعتمد في نحو هـرمـز. أمـا كـوريـا الجنوبية فتستورد كـل برميل تستهلكه تقريباً، وتعتمد على قطر ودولة الإمارات العربية المتحدة في في المائة من وارداتها من الغاز المسال. ولذا فإن 13 أكثر من إقـــدام إيـــران على إغـــاق مضيق هـرمـز، بــات يشكل تهديدا مباشرا لخُمس الإمــــدادات النفطية العالمية. وللعلم، فــإن ما في المائة من النفط والغاز المسال المشحون عبر 80 يزيد على إلى الأسواق الآسيوية، وتتصدّر 2024 هرمز كان موجها عام القائمة كل من الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان. وحين أصـابـت الـطـائـرات المـسـيّــرة الإيـرانـيـة منشآت قطر فـي رأس 25 لفان، قفزت أسعار الغاز المسال الفوريّة في آسيا لتتجاوز دولارا لكل مليون وحـدة حرارية، مسجّلة أعلى مستوياتها في ثلاث سنوات. بين هشاشة الطاقة وإعادة رسم المعادلات الاستراتيجية باريس: أنيسة مخالدي إعادة رسم خريطة النفوذ... ونهاية الغموض الاستراتيجي تــتــجــاوز تـــداعـــيـــات الـــحـــرب أبـــعـــادهـــا الـثـنـائـيـة مـــع إيــــران > لتطول بنية النظام الدولي برمته. فالانتشار العسكري الأميركي الهائل في الشرق الأوسط يُفرغ الالتزامات المُعلنة بالمحور الإندو باسيفيكي من مضمونها، ويمنح الـروايـة الصينية عن «الأفـول الأميركي» صدقية ميدانية إضافية. فـي المـائـة مـن السفن 40 لقد رصـد محللون أن مـا يزيد على الـعـمـلـيـاتـيـة لـلـبـحـريـة الأمــيــركــيــة بــاتــت مُــحــتــشــدة حــــول الــشــرق الأوســـط، ما يُقلّص الحضور الـــرادع في المياه الآسيوية بصورة مـــبـــاشـــرة. وفــــي هــــذا الإطــــــار، قــــال ســيــدريــك بـــيـــران، رئــيــس لجنة الـــشـــؤون الـخـارجـيـة فــي مـجـلـس الـشـيـوخ الـفـرنـسـي، إنــنــا نشهد «منعطفا جيوسياسيا تاريخيا لم يعرف العالم مثيله منذ سقوط جــدار بـرلـن»، مشيرا إلــى أن الصين والـيـابـان وكـوريـا الجنوبية ستسعى بسرعة إلى الضغط على واشنطن لوقف التصعيد. أما زميله كريستيان كامبون، عضو مجلس الشيوخ التابع لحزب الـجـمـهـوريـن اليميني، فــحــذّر مــن أن أي صـدمـة نفطية ستُلقي بظلالها بصورة كاملة على آسيا أكثر من سواها. في المقابل، كشفت الحرب عن حدود الدور الصيني بوضوح. فعلى الرغم من «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» التي أبرمتها ، واستثماراتها الضخمة ضمن إطار 2021 بكين مع طهران عـام «مـبـادرة الـحـزام والـطـريـق»، لـم تتدخل الصين لحماية إيـــران من الــضــربــات الأمـيـركـيـة الإســرائــيــلــيــة، مــا يــؤكــد نهجها الــحــذر في قـضـايـا الأمـــن الإقـلـيـمـي. وهـــذا مــا لـخّــصـه لـنـا الـبـاحـث الفرنسي أنطوان بونداز، عندما علّق بأن «الصين تخاطر بأن تبدو عاجزة عن نجدة حلفائها في أوقات الشدة، وهذا واقع يُقوّض رصيدها الجيوسياسي في المنطقة وخارجها. وبالتالي، بناء على هذه المعطيات ستحتاج كل من اليابان وكوريا الجنوبية إلى تسريع تطوير قدراتهما العسكرية، ولا سيما قدرات الضرب بعيد المدى وأنظمة الدرع الصاروخية المتعددة الطبقات، في مستقبل لم يعد فيه مجال للاتّكال على الضامن الأميركي». يُــفـاقـم هـــذا كـلـه أن الـنـظـام الإقـلـيـمـي فــي شـمـال شـرقـي آسيا يــعــانــي أصـــــا مـــن ضـــغـــوط بـنـيـويـة مــتــراكــمــة: كـــوريـــا الـشـمـالـيـة وبرنامجها النووي الذي لا يتوقف، والخلاف الصيني التايواني الذي ينتظر شرارة قد لا تُشبه سابقاتها. وهنا يحذّر بونداز من أن «خطر تأثير الدومينو نحو الـيـابـان وكـوريـا الجنوبية قائم فعلاً، إذا ما شكّكتا في الضمانات الأمنية الأميركية». وبالفعل هـذا الخطر بـات اليوم أكثر راهنية من أي وقت مــضــى، فـبـعـد الــضــربــات الأمــيــركــيــة عـلـى إيــــــران، بــاتــت كـوريـا الـشـمـالـيـة تـأخـذ الـتـهـديـد الأمــيــركــي المحتمل لـبـادهـا بجدّية بالغة، من دون التفكير بالتخلّي عن برنامجها النووي، بل على العكس مـن ذلــك. إذ يبدو الزعيم الـكـوري الشمالي كيم جونغ أون قــادرا على التوجه إلـى قياداته العسكرية بالقول: انظروا إيران كونها لا تمتلك القنبلة النووية ينتهى بها الأمر على هذا النحو، فكيف لا نمضي بقدراتنا النووية قدماً... فـي سـيـاق آخـــر، كـانـت سياسات الـيـابـان وكـوريـا الجنوبية تُـــدار منذ عـقـود وفــق منطق الـغـمـوض الاستراتيجي المحسوب: تحالف وثيق مع واشنطن، وعلاقات اقتصادية مع بكين، ومسافة حذرة من أي تصعيد. غير أن الحرب على إيران تُضيّق الآن هامش هذا الغموض يوما بعد يوم، وتطرح على دوائـر صنع القرار في طوكيو وسيول سؤالا ملحّاً؛ إلى متى سنستطيع الموازنة؟ مـا يمكن استخلاصه هـو أن ثّمة هشاشة مـادّيـة تسبق كل نقاش استراتيجي، إذ غدا معروفا أن اليابان وكوريا الجنوبية تــســتــوردان معظم احـتـيـاجـاتـهـمـا النفطية مــن الـخـلـيـج. وعليه، فمجرّد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز لأسابيع معدودة كفيل بـشـل إنـتـاجـهـمـا الـصـنـاعـي وإربـــــاك تــوقّــعــات نـمـوّهـمـا لـسـنـوات. وحقاً، دفع هذا الواقع البلدين إلى إعادة الاعتبار للطاقة النووية المدنية، لكن التوسّع في البنية النووية المدنية يُقصّر موضوعياً، المسافة إلى عتبة الامتلاك العسكري. وفي قراءته لمستقبل توجّهات كوريا الجنوبية، يرى الخبير الفرنسي أنطوان بونداز «أن قضية امتلاك أسلحة نووية مستقلة باتت تحظى الآن بتأييد شعبي واســـع»، معتبرا أن ذلــك «يمثل حسابات استراتيجية أكثر من كونه حماسة مؤقتة، وهذا في ظل شكوك متصاعدة حول صمود الضمانة الأميركية». أمـا بالنسبة لليابان، فتُلاحظ الدكتورة فاليري نيكيه «أن تـحـولاتـهـا الأمـنـيـة الأخـــيـــرة، رغـــم ضـخـامـتـهـا، تبقى رهــانــا على اســتــمــرار المـظـلـة الأمـيـركـيـة أكــثــر مــن كـونـهـا مــشــروع استقلالية حقيقية». وتتابع: «الأخطر في المشهد أن الصين لن تخسر شيئا من هذه الحرب، فانشغال واشنطن في الخليج يُخفف الضغط عن بكين في ملف تـايـوان، ويكشف محدودية القدرة الأميركية على الوفاء بالتزاماتها في جبهتين متزامنتين. هذا يجعل الحرب على إيران أكثر من نزاع إقليمي، لتغدو اختبارا لصمود النظام الأمني بأسره، وقد تكون نتيجته إعادة رسم خريطة الانتشار النووي في منطقة ظنّت نفسها بعيدة عن هذه المعادلات». ) JIIA الدكتورة فاليري نيكيه (معهد اليابان للشؤون الدولية - ASHARQ AL-AWSAT فرضت «حرب إيران» على طوكيو وسيول معادلة صعبة هي: إما الانخراط في الجهد العسكري الأميركي وإما التمسك بحياد تتآكل صدقيتُه
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky