issue17292

Issue 17292 - العدد Thursday - 2026/4/2 الخميس كتب BOOKS 17 مجموعة قصصية للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام يشكل الـسـرد على ضفاف زمــن قديم مرتكزا أساسيا فـي المجموعة القصصية «محكمة الـوحـي الإلـهـي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة. لا يــســتــدعــي المــــؤلــــف فــــي مـجـمـوعـتـه الــزمــن بـوصـفـه زمــنــا مـكـتـمـاً، بــل تـاريـخـا مــــتــــعــــثــــراً، لا ســـيـــمـــا حــــــن يــــرتــــبــــط بــحــق الاخــــتــــيــــار وســـــــؤال الــــعــــدالــــة، الــــــذي يــبــدو مـوضـع شـــك؛ «فـهـل للمسوخ أن تـخـتـار؟» كما يتساءل أحــد أبـطـال القصص، الذين يــقــفــون فـــي قـلـبـهـا تــائــهــن، يــفــتّــشــون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم. فــــــي هــــــــذا الأفـــــــــــق، لا تـــــبـــــدو ثـــنـــائـــيـــة الأب والابـــــــن مـــحـــض رابــــطــــة عـــائـــلـــيـــة، بـل بــنــيــة مـــركـــزيـــة يــعــيــد الـــكـــاتـــب اخــتــبــارهــا عـبـر قـصـصـه، بـوصـفـهـا واحـــــدة مـــن أكـثـر الـعـاقـات الإنسانية التباسا وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة. وســـــرعـــــان مــــا تــتــســع هـــــذه الــثــنــائــيــة لـتـتـحـوّل إلـــى ثـاثـيـة: أب، وابــــن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحيانا الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب. يــبــلــغ هـــــذا الـــتـــوتـــر ذروتـــــــه فــــي قـصـة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رســـالـــة طــويــلــة مُـــتـــوســـلـــة، طــالــبــا إســقــاط نسب ابنه عنه، مبرِرا ذلك بما يراه جحودا وعـــصـــيـــانـــا وفـــــق مــنــطــقــه الــــخــــاص، حـيـث يتحول تـمـرّد الابـــن إلــى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها. يـسـتـعـيـد الأب فـــي رســالــتــه الـطـويـلـة مـامـح بـــرّه بــوالــده الـتـي لـم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمرا إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً». ينقل الكاتب هــذه المـواجـهـة بـن الأب والابـــــن إلـــى مـسـتـويـات أكــثــر عـمـقـا، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الـــواقـــع، ويـلـتـقـيـان فــي فـــضـــاءات الأحــــام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجيا بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذات مرتبكة، هاربة إلى الوحي. هاجس الصوت لا ينفصل تـوتـر الـعـاقـة بـن نموذج الأب والابــــــن عـــن ســـــؤال الـــهـــويـــة، إذ نــرى البطل فـي قصة «صــدى الـصـوت» فـي فزع فـقـدان صـوتـه، يــطــارده هـاجـس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه لــه فــي الـطـفـولـة، وصــراخــه وتـوبـيـخـه، فلا يـــعـــود الــــصــــوت مـــحـــض وراثــــــــة، بــــل بـنـيـة قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن. فــي هـــذا الـسـيـاق، يفتح الـكـاتـب هـذا التماهي على أفــق فـانـتـازي، يـوّظـف فيه الأحلام بوصفها مساحة موازية لاختبار هـذه العلاقة ودفعها إلـى أقـصـاهـا: «قـال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كــــل عــصــيــانــي لــــه ســيــبــقــى مـــعـــي لـنـهـايـة عــــمــــري، وحـــتـــى فــــي الـــضـــفـــة الأخــــــرى مـن الــــنــــهــــر، ســـيـــتـــحـــول مـــــعـــــي، وســيـــســمــعـــه ابني، كل كلمات ستكون ملكا له، بكيت، وتـــوســـلـــت لــــه أن يــــتــــرك لــــي صــــوتــــي، لـم يـــتـــوقـــف، بـــــدأ يـــغـــنـــي، كــــل الأغــــانــــي الــتــي أحـبـهـا، كـل الكلمات الـتـي قلتها فـي يوم مـــن الأيــــــام تـــاهـــا عـــلـــيّ، حــتــى ضـحـكـتـي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت». من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مـفـتـوحـة عــلــى الـــدخـــول والــــخــــروج بـوعـي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة. وعـــلـــى امــــتــــداد هــــذه الــبــنــيــة، تـتـبـدى مـــــامـــــح عـــــالـــــم يـــحـــكـــمـــه تـــســـلـــســـل هـــرمـــي مُـــجـــحـــف، يـنـقـسـم فــيــه الــبــشــر إلــــى ســـادة وعبيد، ففي قصة «حــد الـسـمـاء»، يصبح الجسد ذاتـــه مـوضـع إدانــــة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مـادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعورا عـــارمـــا بــالـــذنــب تـــجـــاه الأب، كــــأن وجــــوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الـــزمـــان بـــيـــدي الـقـصـيـرتـن حــــد الـــشـــذوذ، وقدمي المقوّستين حد الضحك، ولا رأسي الكبير على جسد يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتف بأب عاش يحلم بذكر يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخ بعد خمس بنات». عناصر الطبيعة يــــوّظــــف الــــكــــاتــــب عـــنـــاصـــر الــطــبــيــعــة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى فـي الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال الـــقـــصـــص فــــي لـــحـــظـــات إنـــهـــاكـــهـــم كــهــدنــة مؤقتة داخـــل مـسـار مضطرب، سـرعـان ما تـنـكـشـف الــشــجــرة عـــن خـضـوعـهـا لـقـانـون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فـأحـد الأبــطــال يُــسـاق إليها كـالمُــسـيّــر: «مـر الوقت حتى وصلت إلـى شجرة جميز في قــريــة لا أعـــرفـــهـــا»، ويــتــكــرر هـــذا الـحـضـور أيضا في قصة «مـا دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظـل شـجـرة الجميز أمـــــــام بـــيـــتـــه، مـــنـــتـــظـــرا اصــــطــــحــــاب والــــــده الـضـريـر فـي رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات. إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقا موازيا تهيمن عليه مملكة الـــنـــبـــاتـــات، الـــتـــي تــجــمــع الأب والابــــــن في طـقـس يـومـي قـائـم عـلـى المـعـرفـة الحسية، قـبـل أن تـنـتـهـي إلـــى مــفــارقــة حـــــادة، حيث يفقد الابـن والــده في إحـدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقا بجثته، رافضا مغادرتها. بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخـر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والــــوراثــــة، فــأغــلــب شـخـصـيـات المـجـمـوعـة يـجـمـعـهـا الـــعـــمـــل فــــي الــــخــــزف، والـــنـــحـــت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم عـلـى الـلـمـس والـتـجـربـة، وتـصـبـح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشـــــيـــــاء، بــمــا يــشــكّــل مــنــظــومــة ســرديــة مـــوازيـــة، لا تـــــورّث عـبـر الــنــســب، بـــل يُــعـاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية. يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بـــمـــثـــابـــة مـــظـــلـــة ســــرديــــة تـــمـــنـــح الــقــصــص إيــقــاعــهــا المـــشـــدود بـــن المـــقـــدّس والــفــانــي، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات الـنـسـب والـــســـيـــرورة، فـفـي «هـــوامـــش على متون الأهـــرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تـتـرك للمسافر زادا فـي رحـلـة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده». القاهرة: منى أبو النصر البصل في التراث الشعبي المصري فـــي كــتــابــه «خـــربـــشـــات فـــي الـــتـــراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكــتــور محمد أحـمـد إبــراهــيــم عـــددا من المـــفـــردات الـخـاصـة بــالمــأكــولات المرتبطة بـــــــعـــــــادات قــــديــــمــــة وجــــــــــــذور تـــاريـــخـــيـــة ومـفـاهـيـم خـاصـة تجمع بــن الأسـاطـيـر الجمعية والـحـس الـطـريـف المبهج لدى المصريين. ومـــــــن أبــــــــرز تــــلــــك المـــــــفـــــــردات نـــبـــات البصل الـــذي يعد مـن أقـــدم الـخـضـروات الــتــي عـرفـهـا المــصــري الـقـديـم وقـدسـهـا، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت المــوتــى مــع الـجـثـث المحنطة لاعتقادهم أنـــه يـسـاعـد المــيــت عـلـى الـتـنـفـس عندما تعود إليه الحياة مــرة أخـــرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المــقــويــة الــتــي كــانــت تــــوزع عـلـى الـعـمـال الــــذيــــن عـــمـــلـــوا فــــي بــنــاء الأهـــــرامـــــات بــــل وصـــفـــوه بأنه مغذ ومنشط ومـدر للبول. وتـــــــشـــــــيـــــــر بــــعــــض الـــدراســـات إلـــى أن الاســم الأول للبصل كـان يعرف بــــــ«بـــــدجـــــر» أو «بــــصــــر» ثــــم قــلــبــت الــــــــراء إلـــــى لام فــــــي الـــــلـــــغـــــات الـــســـامـــيـــة والــــلــــغــــة الــــعــــربــــيــــة، كــمــا ارتــــــبــــــط اســـــمـــــه بــبــعــض الــــقــــصــــص والأســـــاطـــــيـــــر القديمة ومنها تلك الـتـي تـقـول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضا عجز الأطـبـاء والكهنة والسحرة فــــي عـــاجـــه حـــتـــى أقــــعــــده عـــــدة ســـنـــوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلــى وجـــود أرواح شـريـرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود. قـــام الـكـاهـن بـوضـع ثـمـرة ناضجة مــن الـبـصـل تـحـت رأس الـطـفـل الصغير فــي فــراشــه عـنـد غـــروب الـشـمـس بـعـد أن قــــرأ عـلـيـهـا بــعــض الــتــعــاويــذ ثـــم شقها إلــى نصفين ووضـعـهـا عند أنــف الطفل ليستنشق عـصـيـرهـا، كـمـا أمـــر الكاهن بـــتـــعـــلـــيـــق حــــــزم الـــبـــصـــل الــــــطــــــازج فـــوق الــســريــر وعــلــى أبــــواب الــغــرف وبــوابــات الــقــصــر وبــالــفــعــل شــفــي الــطــفــل وغــــادر فـــــراشـــــه وخــــــــرج لـــيـــلـــعـــب مـــــع غــــيــــره مـن الأطـــفـــال، وشــــارك الـشـعـب المــلــك أفــراحــه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة. وانـــتـــشـــرت فـــي أســـاطـــيـــر الـفـاحـن الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم الــبــعــض أنـــهـــا امــــــرأة جـمـيـلـة تـظـهـر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحورا ويتبع النداء إلـــى أن يـصـل إلـيـهـا وفـــي الــصــبــاح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن تــوضــع حــزمــة مــن الـبـصـل عـلـى بـاب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحــــا شـريـرة قـد تظهر فـي صـورة قــطــة تــغــري الـضـحـيـة بـكـنـز مـــن الــذهــب وبـالـفـعـل يـكـون الـكـنـز حقيقياً، ويـعـود به إلـى بيته فرحا مـسـروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل. وكـــــان لافـــتـــا أن حـــاكـــم مـحـمـد على بـــاشـــا الـكـبـيـر أنـــشـــأ فـــي الـــقـــرن الـتـاسـع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا الــــبــــصــــل»، حـــيـــث كـــانـــت تــتــجــمــع بــــه الــكــثــيــر مـن المـــــحـــــاصـــــيـــــل كــــالــــقــــطــــن والـبـصـل مــن محافظات مـــصـــر كــــافــــة لــتــصــديــره إلــى أوروبــــا، كما ارتبط الــــبــــصــــل بــــالــــكــــثــــيــــر مــن المــــــــــــرادفــــــــــــات الــــعــــامــــيــــة المصرية التي تطلق في بـــعـــض المـــنـــاســـبـــات مـثـل «بـيـقـشـر بــصــل» لـلـدلالـة عـــلـــى الـــفـــقـــر والإفــــــــاس، و«حـــــــــاشـــــــــر نــــفــــســــه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقا من حقيقة أن الــبــصــل يــدخــل فـــي الــعــديــد مـــن الأكــــات والوصفات كعنصر أساسي. أمــا على صعيد الأمــثــال الشعبية المصرية فـا يـوجـد نـبـات مـن النباتات أو الــــخــــضــــراوات احـــتـــل مـــكـــانـــة مـمـيـزة كــــالــــبــــصــــل، إذ يـــــوجـــــد مــــــا يـــــقـــــرب مــن مــائــة مـثـل تستشهد بــه وتــضــرب المثل ومــنــهــا «بــصــلــة المــحــب خـــــروف» كـنـايـة عــن الـتـقـديـر الـشـديـد لأي شـــيء يأتينا مـــن شـخـص نـحـبـه مـهـمـا كـــان بسيطاً. وهناك أيضا المثل الشعبي الذي لا يقل شــهــرة «لمـــا أمـــك الـبـصـلـة وأبـــــوك الــتــوم تجيب منين الريحة الحلوة يـا شـوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفـــق وتــيــرة منطقية ومــقــدمــات تــؤدي إلى نتائج. القاهرة: «الشرق الأوسط» في تقويض الهذيان اليميني الذي يصوره عنصرا غريبا الإسلام ليس ضيفا في أوروبا ثـــمـــة مـــفـــارقـــة تـــاريـــخـــيـــة حــــــادة تـسـكـن جـوهـر الــجــدل الـثـقـافـي المـعـاصـر فــي الـقـارة الـعـجـوز؛ فبينما يتباهى الـعـقـل الأوروبــــي بـــأنـــه وريـــــث «الأنــــــــوار» ومـــنـــجـــزات الــحــداثــة والــعــقــانــيــة، فــإنــه يـــمـــارس فـــي الـــوقـــت ذاتـــه نوعا من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام. فــــــي الـــــخـــــطـــــاب الـــيـــمـــيـــنـــي الـــشـــعـــبـــوي المـتـصـاعـد، يُــرســم الإســــام عـلـى أنـــه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصرا بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الـــثـــانـــيـــة، أو بــــقــــوارب الـــلـــجـــوء الـــتـــي عـبـرت المــتــوســط فـــي الـعـقـد الأخـــيـــر. هـــذا الاخـــتـــزال لـيـس مــجــرد خـطـأ لـنـاحـيـة قـــــراءة الــتــاريــخ، بـقـدر مــا أنـــه عملية تـشـويـه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرة مسيحية - يــهــوديــة مـــعـــزولـــة، لـــم يــطــأهــا «الآخــــــر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر». مــعــضــلــة الـــيـــمـــن الأوروبــــــــــي المــتــطــرف تكمن فـي أن الـتـاريـخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا )»، بأن الإسلام كان Muslim Europe( المسلمة مـيـاديـة، أي بعد 647 فــي أوروبــــا مـنـذ عـــام عاما فقط من وفـاة الرسول ﷺ. بمعنى 16 أن الإســـــام وصـــل إلـــى الـــقـــارة الــعــجــوز قبل أن تصل المسيحية إلــى مناطق واسـعـة في شـمـال وشـــرق أوروبـــــا بـــقـــرون. ومـــن قبرص إلــــى صــقــلــيــة، ومــــن مــلــقــة إلــــى لــشــبــونــة، لم يـكـن المـسـلـمـون ضـيـوفـا عــابــريــن، بـــل كـانـوا مـــجـــتـــمـــعـــات مـــســـتـــقـــرة؛ حــــاكــــمــــة، ومــنــتــجــة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الري المبتكرة، وارتفعت معايير المـعـيـشـة لتصبح الأعــلــى عـالمـيـا، لــدرجــة أن المــــلــــوك الــــنــــورمــــان الــــذيــــن غــــزوهــــا لاحـــقـــا لـم يجدوا بُدا من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم. وإذا كــــــان الـــيـــمـــن الــــغــــربــــي المـــتـــطـــرف يـــحـــاول مــحــو الـــتـــاريـــخ مـــن الـــكـــتـــب، فـــإنـــه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة الـقـوطـيـة الـتـي أبــدعــت كــاتــدرائــيــات بـاريـس ولـنـدن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي Stealing from ) قـديـم يطلق عـلـى المـسـلـمـن » - ليست في جوهرها الهيكلي the Saracens والجمالي سوى صـدى للعمارة الإسلامية. لــقــد انـتـقـلـت «الـــعـــقـــود المـــدبـــبـــة» والـتـقـنـيـات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الـــشـــاهـــقـــة مــــن الــــحــــواضــــر الإســــامــــيــــة عـبـر صـــقـــلـــيـــة والأنـــــــدلـــــــس، لـــتـــمـــتـــزج بــالــنــســيــج الـــعـــمـــرانـــي الأوروبـــــــــــي، وتـــصـــبـــح جــــــزءا مـن هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يـتـأمـل «نــــوتــــردام» إنــمــا يـتـأمــل، فــي حقيقة الأمر، تجليا من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم. أمــــا عــلــى جـبـهـة الــســيــاســة والـــقـــانـــون، فــالــجــدل الــثــقــافــي غــالــبــا مـــا يـسـقـط فـــي فخ تـــصـــويـــر المـــســـلـــم بـــوصـــفـــه كـــائـــنـــا «مــــــا قـبـل حــداثــي». لكن الباحثين فـي تـاريـخ البلقان وشـــــــرق أوروبــــــــــا (المــــــؤرخــــــة إمـــيـــلـــي غــريــبــل مــــثــــاً) يــعــلــمــون بـــــأن المــســلــمــن لــــم يــكــونــوا مـــجـــرد بــقــايــا لإمـــبـــراطـــوريـــة مـنـسـحـبـة، بل كــانــوا فـاعـلـن أصـلـيـن فــي صـيـاغـة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المـجـتـمـعـات المـسـلـمـة فـــي الــبــلــقــان ســجــالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبـيـة» من منظور تـعـددي؛ مما أسهم على نحو كبير فـي تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية الــتــي يـفـاخـر بـهـا الـــغـــرب الـــيـــوم. وبـــذلـــك، لم يكن المسلم مشكلة طــرأت على الـحـداثـة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة. لا تتوقف السردية عند حـدود الأطلال الأندلسية أو الـروايـات التاريخية القديمة، بـل تمتد لتشكل النسيج الـحـيـوي لأوروبـــا الــــيــــوم. لــــذلــــك؛ تـــصـــطـــدم مــــحــــاولات الـيـمـن لـــتـــصـــويـــر المـــســـلـــمـــن عــــالــــة عــــلــــى «الـــــرفـــــاه الأوروبـــــــي» بـــواقـــع إســهــامــاتــهــم الـجـوهـريـة عبر مختلف المـجـالات الحيوية. ففي أروقـة المختبرات العلمية، يقف علماء مـن أصـول إسـامـيـة فــي طليعة الابــتــكــار؛ ولـعـل المـثـال الأنـــصـــع فـــي الـــذاكـــرة الـقـريـبـة هـــو الـــزوجـــان أوزلـــيـــم تــوريــجــي وأوغــــــور شـــاهـــن، الـــلـــذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلـــى إســهــام الـعـقـل المـسـلـم فــي صـلـب العلوم الدقيقة. أمـا لناحية المجالين الثقافي والأدبــي، فلم يـبـق المسلم موضوعا للكتابة فحسب، وإنــمــا صـــار الــكــاتــب الـــذي يسهم فــي إعـــادة تـعـريـف الأدب الأوروبـــــي المـعـاصـر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جـــلـــون، وصـــــولا إلـــى المــبــدعــن فـــي السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بــدمــاء جــديــدة تـكـسـر الــرتــابــة وتـفـتـح آفـاقـا لأسئلة الهوية والوجود. اقـــتـــصـــاديـــا، يـمـثـل المــســلــمــون فـــي مــدن كـبـرى، مثل برلين ولـنـدن وبـاريـس، جــزءا لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابــــتــــكــــار الــــرقــــمــــي، مــســهــمــن بـــمـــلـــيـــارات الـــــيـــــوروات فــــي الـــنـــاتـــج المـــحـــلـــي الإجـــمـــالـــي. إنـهـم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المـعـونـات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون لـــلـــضـــرائـــب، وبــــنــــاة مـــؤســـســـات، ومـــبـــدعـــون فـي الفلسفة والـسـيـاسـة والــريــاضــة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الـــدولـــيـــة. وحـــضـــورهـــم الـــيـــوم هـــو اســتــمــرار طبيعي لتلك السلسلة التي بـدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء. ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لـــــدى مـــحـــاولـــتـــه الــــهــــروب مــــن اســتــحــقــاقــات الـعـولمـة، ينكفئ نـحـو هـويـة متخيَّلة ثابتة ومــغــلــقــة، مــــحــــاولا ســلــب المــســلــم الأوروبــــــي - ســــــواء أكــــــان مــــن أصــــــول تـــتـــريـــة بــولــنــديــة أم بــوســنــيــة أم ســلــيــل أســــــرة مـــهـــاجـــرة مـن الجيلين الـثـالـث أو الــرابــع - حقه التاريخي فـي «الأصـــالـــة». إن استحضار شـهـادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميرا لويلز) ضمن ، يـضـعـنـا أمـــام 1993 خــطــابــه الــشــهــيــر عــــام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تـاريـخـنـا المــشــتــرك»، وتـجـاهـلـه لـيـس سـوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها. مـــــن هــــــذا المــــنــــظــــور يــــكــــون الـــــدفـــــاع عـن الــــحــــضــــور الإســـــامـــــي فـــــي تـــــاريـــــخ أوروبــــــــا دفــاع عـن الحقيقة التاريخية ضـد التزييف السياسي وليس حِجاجا عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصـولـهـا، وإمـــا تظل أسـيـرة صـــورة مشوهة مــــذعــــورة رســـمـــهـــا يـــمـــن إقـــصـــائـــي يـخـشـى مـــواجـــهـــة الـــتـــاريـــخ. فــــالإســــام لـــم يـــــأت إلــى أوروبـــــا فــي قــــوارب الــلــجــوء؛ لـقـد كـــان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءا بنيويا من هويتها التي لن تكتمل يوما من دونه. ندى حطيط الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky