issue17292

، يـواجـه 2026 ) ونـحـن فــي بــدايــة أبــريــل (نـيـسـان الخليج واقعا أمنيا معقدا يتجسد في حـرب هجينة تـــتـــجـــاوز الـــــحـــــدود الــتــقــلــيــديــة ومـــفـــاهـــيـــم الاشـــتـــبـــاك الكلاسيكي. نحن أمام مشهد تتداخل فيه الصواريخ الباليستية والمــســيّــرات مــع الـهـجـمـات المـوجـهـة نحو منشآت الـطـاقـة الـحـيـويـة، وتنشيط شبكات الـوكـاء الإقــلــيــمــيــن. هــــذه المــعــطــيــات تـــفـــرض مـــقـــاربـــة مـتـزنـة تتجاوز التحليل العسكري البحت، لفهم طبيعة هذه المواجهة التي لا تسعى إلـى احتلال الجغرافيا بقدر مــا تـهـدف إلـــى إضــعــاف تـمـاسـك الـــدولـــة الـوطـنـيـة من الـــداخـــل، عـبـر مــزيــج مـكـثـف مــن الـضـغـوط العسكرية والاقتصادية والاجتماعية. إن كــان لـهـذه الـحـرب الــدائــرة حسنة تـذكـر، فهي الوضوح التام لخفوت الخطاب الطائفي في وسائل الإعلام العربية بشكل ملحوظ. فالإعلام بشكل عام بات يتعامل مع الأزمـة بوصفها أزمـة سياسية وعسكرية ذات امتدادات وآثار اقتصادية، بعيدا عن الاصطفافات المــذهــبــيــة الـــتـــي طـــالمـــا أرهـــقـــت المــنــطــقــة. ومــــن المــرجــح أن تـكـون الآثــــار الاجـتـمـاعـيـة فــي معظم دول الخليج العربي إيجابية، حيث نلاحظ زيـادة الوعي الوطني وتنامي الشعور بالامتنان لكون الدولة الوطنية قوية وقادرة على إدارة شؤون مواطنيها بكفاءة في أوقات الأزمات. هذا التماسك يعكس نضجا مجتمعيا يدرك أهمية الالتفاف حول مؤسسات الدولة المركزية. على الجانب الآخــر، تبرز استثناءات في بعض الــــدول الإقليمية الـتـي تـعـانـي أصـــا مــن شـــرخ عميق في مشهدها السياسي. هـذا الشرخ تسرب بقوة إلى المشهد الاجتماعي، مما أدى إلى تعزيز الاصطفافات الطائفية والحزبية. في هذه الساحات الرخوة، تجد التدخلات الخارجية بيئة خصبة لتحويل الاختلافات الطبيعية إلــى انـقـسـامـات حـــادة تـهـدد الـسـلـم الأهـلـي وتـجـعـل مـــن المــواطــنــن أدوات فـــي مــشــاريــع لا تـخـدم أوطانهم. تـعـتـمـد هـــذه الـــحـــرب الـهـجـيـنـة عـلـى الـجـمـع بين العناصر التقليدية والتكتيكات غير المتماثلة، مثل توظيف الوكلاء المسلحين واستغلال خطوط الصدع الاجـتـمـاعـيـة الـجـاهـزة لـاحـتـكـاك. وفـــي هـــذا الـسـيـاق، يبرز نموذج العراق كتجربة تحذيرية بالغة الأهمية. ، أدى استغلال الانقسامات الطائفية 2003 فبعد عـام إلـــــى تــفــكــيــك عــمــيــق لــهــيــاكــل الـــــدولـــــة، حـــيـــث تـحـولـت الــــولاءات المذهبية والعشائرية إلــى أدوات فاعلة في صــراعــات الـــوكـــاء، مـمـا أضـعـف المـؤسـسـات الوطنية وفـتـح الـبـاب واسـعـا أمـــام تـدخـات خارجية مستمرة وممنهجة. وتؤكد تجارب مشابهة في لبنان واليمن أن هذا النمط من الصراع يحول التنوع الاجتماعي من مصدر إثراء ثقافي إلى مصدر هشاشة بنيوية يهدد بقاء الكيان الوطني. في التراث السوسيولوجي، وتحديدا في منظور مـاكـس فيبر، ترتكز الــدولــة الحديثة على احتكارها الاســتــخــدام المـنـظـم لـلـقـوة داخــــل نـطـاقـهـا الـجـغـرافـي. وعـلـى النقيض مـن هــذا المـفـهـوم، فــإن الـتـدخـات عبر الوكلاء تخلق كيانات مسلحة موازية تنازع الدولة في قـرارات السلم والحرب، متناسية أن المجتمع بأسره - بغض النظر عن انتماءاته الفرعية - سيدفع ثمن تلك السلطات الموازية. هذا التحدي البنيوي هو ما تحاول الحرب الهجينة فرضه على عموم المنطقة. فــــي المـــشـــهـــد الـــخـــلـــيـــجـــي، تــتــجــلــى خــــطــــورة هـــذا التصعيد من الجانب الإيراني في الضربات الموجهة نــحــو الـبـنـيـة الـتـحـتـيـة الــحــيــويــة مـــن مــنــشــآت نفطية ومــــوانــــئ وخــــطــــوط شـــحـــن، إلـــــى جـــانـــب الـــتـــهـــديـــدات المستمرة للممرات المائية الاستراتيجية مثل مضيق هــــرمــــز. يـــتـــرافـــق ذلـــــك مــــع مــــحــــاولات خــبــيــثــة لإحـــيـــاء ولاءات فرعية على حساب الهوية الوطنية الشاملة. تلك المـحـاولات تأخذ طريقين: الأول عن طريق شحن من يؤمنون بولاية الفقيه العابرة للحدود للتعاطف مع إيران وإن كان ذلك ضد مصلحة أوطانهم، والآخر عــن طــريــق أولــئــك الــذيــن يــصــطــادون فــي المــــاء الـعـكـر، ويــحــاولــون الـتـألـيـب عـلـى أبــنــاء أوطــانــهــم عــن طريق خطابات التخوين. إن ما تمر به المنطقة اليوم ليس مجرد تصعيد عـــســـكـــري عــــابــــر، بــــل هــــو مـــحـــاولـــة مــــدروســــة لإرهـــــاق الاقــتــصــاد وزرع الــشــك فــي قــــدرة الـــدولـــة عـلـى حماية مواطنيها ومـــواردهـــا. الـحـرب الهجينة هنا لا تدمر المنشآت بالقصف المــادي فقط، بل تسعى إلـى إحـداث تـآكـل بـطـيء فــي الـثـقـة بـالمـؤسـسـات وتفكيك النسيج الاجتماعي الرابط بين الفرد ودولته. يـــــطـــــرح هـــــــذا المــــشــــهــــد ســــــــــؤالا ســـوســـيـــولـــوجـــيـــا وسياسيا أعمق: كيف نحمي الدولة الوطنية عندما يـجـد المـــواطـــن نـفـسـه أمــــام ضــغــوط إعــامــيــة ونفسية تجعله يزن بين ولائه الوطني وانتماءاته الفرعية التي يتم استغلالها ببراعة؟ التجربة العراقية المذكورة آنفا تظهر بوضوح أن الفراغ الأمني والسياسي يحوّل هذه الانقسامات إلى أدوات فعالة وسريعة لإضعاف الدولة المركزية وإسقاط هيبتها، مما يؤدي في النهاية إلى تصدع التراتبية الاجتماعية، وخلق طبقات مستفيدة من اقتصاديات الحرب على حساب الأغلبية الصامتة. أمـــــام هــــذا الــــواقــــع المـــعـــقـــد، يــقــف الــخــلــيــج أمـــام خـــيـــاريـــن اســتــراتــيــجــيــن مـــتـــازمـــن لا ثـــالـــث لـهـمـا: الـــــردع الــفــعــال، والــحــفــاظ عـلـى الـتـمـاسـك الــداخــلــي. يتطلب الــــردع تـعـزيـز الـــقـــدرات الـدفـاعـيـة المشتركة، وبناء تنسيق استخباراتي خليجي محكم، ونشر مـــنـــظـــومـــات حـــديـــثـــة قــــــــادرة عـــلـــى حـــمـــايـــة المــنــشــآت الحيوية من الهجمات غير التقليدية. أما التماسك الـــداخـــلـــي فـيـعـتـمـد بـشـكـل أســـاســـي عــلــى سـيـاسـات اجتماعية تعزز الهوية الوطنية الشاملة. وفـي هـذا الصدد يقف النموذج السعودي مثالا حــيّــا عــلــى الــتــمــاســك الـــوطـــنـــي، حــيــث لا صــــوت يعلو على صوت الوطن وأمنه، سواء على مستوى الإعلام الــتــقــلــيــدي أو حــتــى وســـائـــل الـــتـــواصـــل الاجــتــمــاعــي. فالنضج الــذي وصـل إليه السعوديون يعكس نجاح فــي حـمـايـة الـجـبـهـة الـداخـلـيـة مــن الـتـأثـر 2030 رؤيــــة بالأزمات الإقليمية. على الصعيد الدبلوماسي، يجب أن تتجاوز أي تسوية سياسية مستقبلية مجرد الوصول إلى وقف مـؤقـت لإطـــاق الــنــار. ينبغي أن تشمل أي تفاهمات مستقبلية مــع إيــــران خـريـطـة طــريــق واضــحــة لعلاج الأزمة، وتجنيب دول الخليج أي آثار لمعارك مستقبلية ليس لها يد فيها. لقد أثبتت تجارب الماضي في الشرق الأوســط أن التسويات الناقصة لا تنهي الـصـراع، بل تؤجل الأزمة فقط لتنفجر لاحقا بأدوات أشد سوءاً. خـتـامـا، يـجـب الـتـأكـيـد عـلـى أن الـــدولـــة الوطنية لـيـسـت مــجــرد كــيــان ســيــاســي وإداري، بـــل هـــي إطـــار مجتمعي جـامـع يـتـجـاوز كــل الـــــولاءات الـفـرعـيـة. في زمــــن الــــحــــروب الــهــجــيــنــة، الـــطـــرف الـــــذي يـنـتـصـر هو الــدولــة الـتـي تمتلك ثـقـة شعبها أولاً، قـبـل أن تمتلك ترسانتها مـن الأسلحة. إن دول الخليج، بما تملكه من موارد وقدرات بشرية ومادية، قادرة على تحويل هذا التحدي الأمني إلى فرصة تاريخية لإعادة تشكيل نظام أمن إقليمي أكثر قوة واستقلالية. لكن تحقيق ذلــك يتطلب عـمـا جماعيا مشتركا بـن دول مجلس التعاون يضع في الاعتبار أزمات بهذا المستوى. إنها معركة وعـي وبـنـاء، بقدر مـا هـي معركة دفــاع وردع، ودول الخليج قادرة على الانتصار في هذه المعركة. خلال مكالمات عدة مع سودانيين في مصر خلال الأيـــام القليلة المـاضـيـة، سمعت منهم عـن توقعاتهم بـتـسـارع وتــيــرة الــعــودة إلـــى الـــســـودان، الـــذي غـــادروه بسبب ظروف الحرب. يأتي ذلك بالتزامن مع الإعلان عن تدشين جولة جديدة من برنامج العودة الطوعية، الــذي تـوفـره الحكومة السودانية وبعض المؤسسات ورجال الأعمال مجانا للراغبين. هذه التوقعات لا تأتي من فراغ، بل من معطيات حقيقية جـعـلـت كـثـيـريـن يـتـوصـلـون إلـــى قـنـاعـة بـأن العودة أصبحت خيارهم، رغم كل الظروف والتحديات. فحياة المهاجر التي طالت أكثر من توقعاتهم أصبحت تكلفتها فـوق طاقتهم، وطاقة من كانوا يساعدونهم من المغتربين الذين يواجهون بدورهم ظروفا معقدة، في ظل تداعيات الحرب الإيرانية وتداعياتها الواسعة عـلـى دول المنطقة واقـتـصـاداتـهـا، بــل عـلـى الاقـتـصـاد العالمي كله. وكـانـت السلطات بـولايـة الـخـرطـوم قـد ذكـــرت أن مــايــن نــــازح ولاجــــئ عــــادوا إلـــى الــولايــة، 3 أكــثــر مــن أكثرهم ممن كانوا قد غـادروا إلى الولايات المجاورة، وإلـى بورتسودان. ووفقا للتقديرات، فـإن عـدد سكان ملايين، 8 الولاية بمحلياتها المختلفة وصل إلى نحو نسبة كـبـيـرة منهم فـي محلية كـــرري الـتـي استقبلت أعـــــدادا كـبـيـرة مـــن الــنــازحــن خـــال الـــحـــرب، ولا تـــزال تـسـتـقـبـل أعــــــدادا مـــن الــعــائــديــن الـــذيـــن يـــجـــدون فيها ظــروف حياة أفضل مـن مناطق أخــرى فـي العاصمة، لا تزال تعاني من آثار دمار الحرب، وتعطل الخدمات الضرورية. هذه العودة ليست مجرد رقم بلا معنى، بل علامة تـحـمـل قــــدرا مــن الأمــــل نـحـو تــســارع وتــيــرة اسـتـعـادة الحياة في العاصمة وضواحيها، وفي ولايـات أخرى عانت من آثار تمدد «قـوات الدعم السريع» فيها، قبل إجبارها على الانسحاب منها. صـحـيـح أن الــتــحــديــات والـــصـــعـــوبـــات مـــوجـــودة مــع آثـــار الــحــرب الـتـي تـدخـل بـعـد أيـــام عـامـهـا الــرابــع. لـكـن مـــا يــحــدث الـــيـــوم يـعـكـس إرادة قــويــة لـــدى كثير من السودانيين في العودة إلـى ديـارهـم، وإعــادة بناء حياتهم مـن جديد فـي الــولايــات التي أصبحت آمنة. فالعودة، في جوهرها، ليست انتقالا جغرافيا فقط، بل تعبير عن رفض الاستسلام لواقع النزوح واللجوء، وعن التمسك بالوطن والانتماء. هناك بالتأكيد من يحاولون تثبيط همم الراغبين في الـعـودة وثنيهم عن ذلـك لأسباب سياسية، لأنهم يرون العودة «انتصاراً» للحكومة، وهي نظرة ضيقة تعكس حجم التسييس والصراع الذي طال كل شيء، ولـم تبق فيه حـدود تراعي الوطن أو المـواطـن. وهناك أيضا من يحاولون التبرير لأنفسهم، لأنهم لا يريدون العودة وترك حياة يرونها مريحة مقارنة بالصعوبات الـــتـــي ســتــواجــهــهــم فـــي الــــســــودان، وهــــــؤلاء يـفـضـلـون المغامرة بترك بيوتهم عرضة للنهب والـخـراب، الذي يزداد كلما بقيت البيوت فارغة بلا حياة. فــي ظــل هـــذه الأجـــــواء يـنـشـر الـبـعـض الـشـائـعـات أو يضخمون القصص الـتـي تـرمـي لـبـث الـشـكـوك في أذهــان الذين يفكرون في الـعـودة. لذلك حـرص رئيس الــوزراء كامل إدريـس مع عدد من الــوزراء والمسؤولين على التوجه هــذا الأسـبـوع إلــى معبر أشكيت بــوادي حلفا لتفقد الخدمات للعائدين من مصر، وللنظر في ما تردد عن مخالفات وفرض «جبايات» غير قانونية. ومــن هـنـاك أعـلـن رئـيـس الــــوزراء ووزيـــر الـعـدل ووالــي الولاية الشمالية ومدير الجمارك عدم وجود أي رسوم أو ضرائب على العودة الطوعية، مؤكدين أن الأمتعة الشخصية لـلـعـائـديـن مـشـمـولـة بــالإعــفــاء الـجـمـركـي، وذلـــك ردا على مـا انتشر عـن أن الـعـائـديـن يواجهون تعقيدات في المعابر وتُفرض عليهم رسوم مرهقة بلا أي سند رسمي. لماذا تبقى العودة ضرورية رغم الصعوبات؟ قد تبدو العودة خيارا غير سهل لأن البلد ما زال يجاهد مـن أجــل اسـتـعـادة الـحـيـاة فـي ظـــروف الحرب المستمرة. لكن عند التعمق في واقـع كثيرين، تتضح حقيقة أسـاسـيـة: الــعــودة ليست رفـاهـيـة، بـل ضــرورة تـفـرضـهـا عـــوامـــل إنـسـانـيـة واقــتــصــاديــة واجـتـمـاعـيـة معقدة. أول هـــذه الــعــوامــل هــو الـبـعـد الإنــســانــي العميق المرتبط بالانتماء، وبنزعة الاشتياق للجذور وللوطن الـــذي يمنح الإنــســان الإحــســاس بالهوية والاسـتـقـرار النفسي. سنوات النزوح الطويلة لا تسرق الاستقرار فقط، بل تمزق الروابط الاجتماعية وتضعف تماسك الأســـرة، وتـدفـع بكثيرين للعيش فـي أوضـــاع لا تليق بكرامتهم. من هنا، تصبح العودة محاولة لاستعادة شـكـل مــن أشــكــال الـحـيـاة الطبيعية، حـتـى إن لــم تكن مكتملة. إلـــــى جــــانــــب ذلـــــــك، يــــفــــرض الـــــواقـــــع الاقـــتـــصـــادي نـفـسـه بـــقـــوة. فـالـحـيـاة فـــي الـــنـــزوح أو الــلــجــوء غالبا مــا تــكــون مكلفة وغــيــر مـسـتـقـرة، مــع فـــرص مــحــدودة للعمل والدخل. كثير من الأسـر استنزفت مدخراتها، وأصبحت عاجزة عن تلبية احتياجاتها الأساسية أو الاستمرار في دفع تكاليف المعيشة المتزايدة مع واقع يصبح أكثر صعوبة. لــكــن أهــمــيــة الــــعــــودة لا تــقــف عــنــد حـــــدود الــفــرد والأســــــرة، بـــل تـمـتـد إلـــى مـسـتـوى الـــدولـــة والمـجـتـمـع. فـــإعـــادة الإعـــمـــار لا يـمـكـن أن تــتــم فـــي غـــيـــاب الـسـكـان أنفسهم. فالمنازل لا تُبنى لتظل فارغة، والخدمات لا تُستعاد دون مجتمع يستفيد منها ويطالب بها. من هـنـا، لا تصبح الــعــودة دعـمـا للوطن فـقـط، بـل شرطا ضروريا لتعافيه. بدايةً، نستسمح الأديب الروسي الأشهر لــيــو تــولــســتــوي فـــي اســـتـــعـــارة عـــنـــوان المــقــال الــشــبــيــه بـــعـــنـــوان روايــــتــــه والمـــلـــحـــمـــة الأدبـــيـــة المـعـروفـة «الــحــرب والــســام» وبـعـدهـا نغوص في محاولة معرفة العلاقة الخاصة بين سلعة الــنــفــط والــــحــــروب. تــنــاقــلــت وســـائـــل إعـامـيـة عالمية مختلفة ما صرح به رجل المال المصري الأميركي محمد العريان، الذي قال فيه: «أغلب الـنـاس لا تــدرك تحديدا حجم هـذه الصدمة»، كانت هذه الجملة الأكثر تكرارا في اجتماعات حضرتها، ومقابلات رأيتها واستمعت إليها، ومناقشات كنت طرفا فيها، والحديث هنا عن الارتـــفـــاع الـهـائـل فــي أســعــار الـنـفـط وآثــــار ذلـك على الاقتصاد الدولي والنظام المالي العالمي بشكل عـــام. مما يعني أن الـعـالـم لـم يــر سوى رأس جــبــل الـجـلـيـد المــغــمــور تــحــت المـــــاء، وأن القادم أصعب. كلمات في غاية الأهمية صادرة مـن خبير مالي محترم على الصعيد الدولي يــؤكــد فـيـه مـــجـــددا أن الــعــالــم لا يــــزال معتمدا بـل ومدمنا بشراهة على الـزيـت الأســـود وأنـه السلعة الأهم اقتصاديا والأشد تأثيرا من دون استثناء. هـــنـــاك مـــؤســـســـات مـــالـــيـــة ضــخــمــة بــــدأت توصي عملاءها بالاستعداد لواقع اقتصادي دولار 200 جديد يكون سعر برميل النفط فيه أميركي، وهـذا سيكون مسألة باهظة التكلفة على اقتصاد العالم، لأنه وقتها سيبلغ معدل التضخم مستويات خطيرة ومرعبة للغاية. والــــــواضــــــح أن هــــنــــاك فـــــزاعـــــة تــســتــخــدم لإشـــاعـــة الـــذعـــر مـــن رفـــع أســـعـــار الـنـفـط بشكل مـبـالـغ فـيـه، فـأسـعـار الـنـفـط كـانـت «منخفضة جداً» قبل انطلاقة الحرب الأخيرة إلا أن ذلك لم يمنع من وصـول التضخم إلى معدلات مقلقة ومؤلمة اقتصادياً. وأصــــبــــح ربـــــط انـــخـــفـــاض أســــعــــار الـنـفـط بــالــصــالــح الاقـــتـــصـــادي الــعــالمــي حــالــة ذهـنـيـة مطلقة حتى لو طال التضخم وارتفاع أسعار كل السلع الأخرى من دون استثناء إلا أن النفط يجب أن يبقى مستثنى أو هـكـذا يـــراد لنا أن نتصوره. يــــرى دانــــيــــال يـــرغـــن، المــــــؤرخ الــــبــــارز في مجال الطاقة، أن العلاقة بين النفط والحروب هـــي عــاقــة عــضــويــة واســتــراتــيــجــيــة؛ فالنفط ليس مجرد وقـــود، بـل هـو «الـجـائـزة» الكبرى الـتـي تـحـرك الـسـيـاسـة الـعـالمـيـة وتــحــدد مسار النزاعات العسكرية. والنقاط الجوهرية لهذه العلاقة، حسب تحليلات يـرغـن، تكمن فـي مسائل مهمة، إذ يـؤكـد يـرغـن أن الـحـرب العالمية الأولـــى كانت نقطة التحول التي جعلت النفط «دم المعركة». ومـــنـــذ ذلــــك الـــحـــن، أصـــبـــح تـــأمـــن الإمـــــــدادات مــســـألــة أمـــــن قـــومـــي لا يــمــكــن الـــتـــنـــازل عـنـهـا، مما دفـع الــدول الكبرى للدخول في صراعات للسيطرة على منابعه. ويــصــف يــرغــن الــحـــرب الـعـالمـيـة الـثـانـيـة بأنها احتوت على «حرب نفط» داخلها. ويرى أن هزيمة ألمانيا واليابان كانت حتمية بسبب فشلهما فـي الـوصـول إلــى حـقـول النفط (مثل باكو في الاتـحـاد السوفياتي)، بينما انتصر الحلفاء لأنهم «طفوا إلى النصر على بحر من النفط». ،)The Prize( » في كتابه الشهير «الجائزة يوضح يرغين كيف أن السيطرة على خطوط الإمــداد والمضائق المائية (مثل مضيق هرمز) أصـبـحـت سببا مـبـاشـرا لــلــحــروب، كـمـا حـدث في حرب الخليج، حيث كان منع احتكار مورد واحــــد (مــثــل صــــدام حــســن) لإمــــــدادات الـطـاقـة العالمية دافعا رئيسيا للتدخل الدولي. وهـــنـــاك الــســيــنــاريــو الـــكـــابـــوســـي: يـحـذر يرغين في تحليلاته الحديثة من أن أي صراع إقــلــيــمــي فـــي الـــشـــرق الأوســـــــط، خــصــوصــا مع إيــــران، قــد يـــؤدي إلـــى انـقـطـاع الإمــــــدادات، مما يــســبــب صـــدمـــة اقـــتـــصـــاديـــة عــالمــيــة تـــفـــوق أثــر المعارك العسكرية نفسها. تـغـيـر المـــوازيـــن بـسـبـب الـنـفـط الـصـخـري: يــشــيــر إلــــى أن «ثــــــورة الــنــفــط الـــصـــخـــري» في أمـيـركـا غـيـرت قــواعــد الـلـعـبـة، حـيـث قللت من ارتهان الولايات المتحدة للنزاعات الخارجية لـتـأمـن طـاقـتـهـا، مـمـا أعــــاد تشكيل الخريطة الجيوسياسية للحروب المحتملة. باختصار، يرى يرغين أن التاريخ المعذّب للقرنين العشرين والحادي والعشرين هو في جوهره قصة صـراع على القوة التي يمنحها الـنـفـط لمــن يـمـلـكـه. والـــيـــوم يشهد الـعـالـم على فصل جديد لذلك. Issue 17292 - العدد Thursday - 2026/4/2 الخميس OPINION الرأي 14 تبدو العودة خيارا غير سهل لأن البلد ما زال يجاهد من أجل استعادة الحياة يرى يرغين أن هزيمة ألمانيا واليابان كانت حتمية بسبب فشلهما في الوصول إلى حقول النفط في زمن الحروب الهجينة المنتصر هو الدولة التي تمتلك ثقة شعبها أولا قبل أن تمتلك ترسانتها من الأسلحة عثمان ميرغني حسين شبكشي عبدالله فيصل آل ربح العودة للسودان: خيار الضرورة لا الرفاهية الحرب والنفط! الخليج بين الردع والاستقطاب

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky