يستيقظ الـرئـيـس الأمـيـركـي دونــالــد تـرمـب صـبـاح كل يوم، ويطلب تقارير عن مواقف عواصم أوروبـا تجاه حربه الأميركية الإسرائيلية مع إيــران، فـإذا طالعها فإنه يضعها إلى جانبه، وهو أقرب إلى اليأس منه إلى الرجاء. يفعل ذلك وكأنه يزيحها من أمامه، ولسان حاله: حتى أقـرب الحلفاء هذا هو موقفهم؟ الطعنة تـكـون أكـثـر إيـامـا عندما تـأتـي مـن الأصـدقـاء المقربين. فــلــيــس غــريــبــا بـالـنـسـبـة لــلــرئــيــس الأمـــيـــركـــي أن تـقـرر وزارة الدفاع الإسبانية إغلاق المجال الجوي الإسباني أمام الطائرات الأميركية التي تشارك في الحرب مع إيــران. فمن قبل كان هناك قرار إسباني شبيه بهذا، وكان يقضي بمنع الأميركيين مـن استخدام القواعد العسكرية الإسبانية في هذه الحرب، وبالتالي فليس قرار إغلاق المجال الجوي سوى تحصيل حاصل. والقراران في الحقيقة امتداد لسياسة إسبانية تعارض صـــراحـــة مـــا تــمــارســه الــــولايــــات المــتــحــدة مـــن ســيــاســات في الشرق الأوســط، ولا يـزال بيدرو سانشيز، رئيس الحكومة في مدريد، ينفرد بين الساسة الأوروبيين بموقف معارض وقوي لسياسات ترمب، وقد بلغ في معارضته، ثم في قوة هذه المعارضة من جانبه، إلى حد أنه لا يقف ضد سياسات الإدارة الأميركية في الشرق الأوسـط وحـده في العموم، ولا فـــي الـــحـــرب عـلـى غـــزة بــالــخــصــوص، ولـكـنـه يـــعـــارض كـذلـك وبــقـوة، مـا يتبعه سيد البيت الأبـيـض مـن سياسات تجاه أوروبا، بل وفي غير أوروبا باتساع العالم. وعندما دعا الرئيس ترمب قـادة أوروبــا إلى أن يرتفع الإنــفــاق الـعـسـكـري لـديـهـم إلـــى خمسة فــي المــائــة مــن الناتج المحلي الإجمالي، لم يملكوا جميعا إلا أن يستجيبوا تحت وطأة تهديداته، إلا سانشيز الذي وقف وقال: لا! ولــم تكن «لا» السانشيزية جملة عـارضـة فـي سياسة الحكومة الإسبانية، ولكنها كانت جملة في سياق متصل لا يختلف أوله عن آخره، ولا يجد فيه ترمب ما يسعده أو حتى يريحه، وكـان سانشيز ولا يـزال يقف أمـام سياسات الإدارة الأميركية بلهجة عالية، ووتيرة مستمرة، ونهج يشير إلى نَــفـس طــويــل، لا إلـــى مـجـرد رغـبـة فــي إبــــداء الاعـــتـــراض على شيء هنا أو آخر هناك. وفي لحظة بدا الموقف الإسباني المتسق، وكأنه عدوى تنتشر في أنحاء الـقـارة الأوروبــيــة، فلا تعترف بحدود في طريقها، ولا توقفها قيود أو سـدود. وكـان من علامات ذلك إعلان إيطاليا عدم موافقتها على هبوط الطائرات الأميركية في صقلية الإيطالية! وحـــــن حـــــدث ذلــــــك، فــــا بــــد أن الـــرئـــيـــس الأمـــيـــركـــي قـد استغربه جــدا ولــم يستوعبه، فهو يعد جورجيا ميلوني، رئــيــســة الــــــــوزراء الإيـــطـــالـــيـــة، الأقــــــرب إلـــيـــه مـــن بـــن رؤســــاء الـحـكـومـات الأوروبـــيـــة، وقـــد كـــان ذلـــك واضــحــا مـنـذ أن ربـح السباق الرئاسي إلى البيت الأبيض وقبل أن يدخله. كانت هـي تقريبا الـوحـيـدة مـن بـن ساسة أوروبـــا التي زارتـــه في منتجعه الـشـهـيـر فــي فــلــوريــدا عـنـد انـتـهـاء الــســبــاق، وكــان يراهن عليها لتكون أقرب ما تكون إلى كعب أخيل في أوروبا، لولا أن قرار حكومتها بعدم الموافقة على هبوط طائراته في صقلية قد أفسد هذا الرهان. ومن إيطاليا إلى ألمانيا، حيث أعلن البرلمان الألماني أن الحرب التي يقودها ترمب تخالف القانون الدولي، فجاء ذلك مُخيبا لآمال الرئيس الأميركي الذي كان يعقد آمالا عريضة على المستشار الألماني فريدريش ميرتس. وعندما وصف الرئيس الأميركي فرنسا بأنها لم تقف مع بلاده في الحرب، وأن واشنطن لن تنسى ذلك أبـداً، فإنه مـن دون أن يـــدري كــان يضع فرنسا مـع ألمـانـيـا مـع إيطاليا مـــع إسـبـانـيـا فـــي مــربــع واحـــــد. ولا يـخـفـف مـــن وقـــع المـوقـف الـفـرنـسـي لـــدى الإدارة الأمــيــركــيــة، مــا اشــتــهــرت بــه بـاريـس على مدى تاريخ علاقتها مع واشنطن. فلقد عاشت باريس ترى نفسها مختلفة عن بقية عواصم القارة، وعاشت ترسم لنفسها ما تـراه سياسة مستقلة عما تمشي عليه الولايات المتحدة، وكانت في ذلك ترى أنها ند للولايات المتحدة، وأن ما وراءهـا من تاريخ، وثقافة، وفنون، وآداب، إنما يؤهلها لذلك ويكفيها. أمـــا مــوقــف بـريـطـانـيـا فـهـو كــــوم، بـيـنـمـا مـــواقـــف بقية عــــواصــــم الــــقــــارة كـــــوم مــخــتــلــف، لأن مــــا بــــن الــبــريــطــانــيــن والأميركيين على شاطئي المحيط الأطلنطي، ليس كما بين الــولايــات المـتـحـدة وأي بلد أوروبــــي آخــر مُــطـل على المحيط نـفـسـه أو بـعـيـد عـــن المــحــيــط. فـلـقـد عــاشــت أمــيــركــا تــــرى أن بريطانيا هـي الأقـــرب إليها فـي أوروبـــا، ولـم يكن ذلـك وليد الأمس القريب، ولا أول من أمس، ولكنه كان ممتدا إلى زمن الحرب العالمية الثانية، وكان يسير على هذا الأساس إلى ما قبل عودة ترمب للبيت الأبيض بيوم واحد، فلما عاد وخلط كل الأوراق كما يـرى كل متابع، لم تكن الأوراق الأميركية - البريطانية استثناءً! ولا بـــد أن الــرئــيــس الأمــيــركــي لمـــا سـمـع أن الـسـيـر كير ســتــارمــر، رئــيــس الـحـكـومـة الـبـريـطـانـيـة، يــقــول عــن الـحـرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران إنها ليست حرب بلاده، قد صاح صيحة يوليوس قيصر قديماً، ثم راح بينه وبين نفسه يهتف: حتى أنت يا ستارمر! لا تـهـدر الـصـن وقـتـهـا. فبينما انشغل الـعـالـم الأسـبـوع المـــــاضـــــي بــــحــــرب شــــــعــــــواء، يـــتـــحـــســـب ويــــحــــتــــاط لــنــتــائــجــهــا الاقتصادية القاسية، كانت الصين تحيي أحد أهم مناسباتها التكنولوجية الـسـنـويـة، الـتـي تـعـرض خـالـهـا تـفـوقـهـا. آلاف دولــــة، 100 الــبــاحــثــن والمـــطـــوريـــن ورواد الأعـــمـــال الآتــــن مـــن » في بكين الذي 2026 شاركوا في «منتدى تشونغقوانتسون إنـجـازا تقنيا رائـــداً، تحت 21 تم في يومه الأخير الكشف عن شعار «الانـدمـاج الكامل بين الابتكار التكنولوجي والابتكار الصناعي». ومــــن أهــــم مـــا كــشــف عــنــه تــمــكُــن الـصـيـنـيـن مـــن تصنيع معدن ثنائي الأبعاد، شديد الرقة، بسماكة ذرّة واحدة، يوصل مــرات من المعدن الـعـادي، سيحدث 10 الكهرباء بكفاءة أعلى ثـــورة فــي عـالـم الــتــرانــزســتــورات فـائـقـة الـصـغـر والـحـواسـيـب، والرقائق الإلكترونية. قفزة نوعية تفتح الباب لإنتاج أجهزة أصغر بطاقة أقل. الاختراعات غطت مجالات متعددة، من بينها الروبوتات الـتـي بــات بمقدور أحـدهـا أن يصبح عـامـا كـامـل المواصفات وراء البار لخدمة الزبائن، وآخر يجيد تحضير طبق طعام في نسخة من آلاف الوجبات، وهذا كله تطوير لما كنا نعرفه. أما الجديد فروبوتات بمقدورها إجراء عمليات جراحية عن بعد. مرة داخل الصين، 1500 وقد قامت بالفعل بالتدخل الجراحي بفضل شبكة الجيل الـخـامـس. حيث يتم إرســـال خطة مسار الجراحة من بكين مثلا إلـى روبــوت في تيانجين، مع تحديد لمــواقــع الـجـراحـة والــخــطــوات المـطـلـوبـة بالتفصيل. ولا يبقى سوى التنفيذ الآلي الذي يفترض أن يأتي دقيقاً. هكذا يصبح بالإمكان تقديم الخدمة الطبية، بالكفاءة نفسها فـي أقصى الريف كما في مدينة كبرى. غـــرامـــا فـــقـــط، تـمـكـنـنـا من 49 ومـــمـــا عُـــــرض نـــظـــارة تــــزن الحصول على ترجمة فورية للغة التي نريد ببطارية تعيش ساعات، مع ميزة تعرف صوتي ذكي، يدعم ضعاف السمع 8 ويساعدهم على التنقل باستقلالية في الأماكن العامة. وقبل أن نتعرف إلى كامل إمكانات الجيل الخامس، بدأت الصين العمل بالجيل السادس الذي سيكون له ما بعده. لا يبدو كـل اخـتـراع بمفرده ثــورة تقلب المــوازيــن، لكنها حــن تـصـبـح مـعـا جــــزءا مــن الــحــيــاة الـعـمـلـيـة، بـالـسـرعـة التي يحرص عليها الصينيون، فإن التأثير يأتي ملموساً. خذ مثلا مجهرا فائق القدرة مكّن العلماء من رؤية ما لم يكن مرئيا لهم، بفضل أشعة سينية، ولك أن تتخيل، إذ يقال إنها أكثر سطوعا بمليون مرة من أشعة الشمس، ما يسمح باكتشاف وفحص أدق التفاصيل مثل الشقوق الصغيرة في الإطارات أو الأجزاء الداخلية لمحركات الطائرات التي كانت تؤدي إلى كوارث بسبب عدم القدرة على اكتشافها. هذا المجهر يمكن العلماء من معرفة الشكل الدقيق لكل فيروس، وخلية عصبية، وتصميم الـدواء المـنـاسـب، مـا يساعد على تطوير أدويـــة لأمـــراض مستعصية كالسرطان أو الألزهايمر والباركنسون. المنتدى هذا هو مجرد واجهة سنوية لوادي السيليكون الصيني أو «تشونغقوانتسون»، في قلب بكين الـذي تتمركز فيه آلاف الشركات التكنولوجية الصينية والعالمية، ويشكل رمزا للزهوة التي تعيشها البلاد. وإن كان الحي لا يحظى بعد بالشهرة التي يستحقها، فهذا ربما مما تفضله الصين. بدأ تأسيسه من سبعينات القرن الماضي، يوم رجع عالم الفيزياء تشن تشونشيان من أميركا، راغبا في أن يكون لبلاده معادل لـــــوادي الـسـيـلـيـكـون. وبــالــفــعــل أخـــــذت تــلــك المـنـطـقـة المـحـيـطـة بجامعة بيكين وتسينغهوا في النمو تدريجياً، وتبدأ الشركات الصغيرة بالتنامي وتشكيل ما عرف بـ«شارع الإلكترونيات». وفي نهاية الثمانينات قررت الحكومة اعتبارها منطقة وطنية لـتـطـويـر الــصــنــاعــات الــتــكــنــولــوجــيــة، ومــــن ثـــم مـنـحـتـهـا اســم «حديقة تشونغقوانتسون للعلوم والتكنولوجيا»، وجذبت الاستثمارات وكبرت فيها «بيدو» و«لونوفو» وتمركزت «أبل» و«مايكروسوفت» وغيرها من كبار الشركات. ومـــن يـــزور وادي السيليكون يـــرى الـــهـــدوء الـــذي يعمه، وهجرة الحركة منه، ويطل على تشونغقوانتسون بحيويته الـصـاعـدة، يـــدرك الـفـرق بـن عـالمـن. مـيـزة القطب الـجـديـد، أن الصلة ديناميكية، سـريـعـة، ونشطة بـن الـجـامـعـات ومـراكـز الابــــتــــكــــار الـــتـــكـــنـــولـــوجـــي، وشـــــركـــــات الأعـــــمـــــال، والمـــؤســـســـات الـحـكـومـيـة. تـلـك مـيـزة هـائـلـة تجعل كــل فـكـرة تـجـد امـتـدادهـا ودفـــق دمــائــهــا، فــي المــكــان الـــذي تـحـتـاجـه. فـكـل مــا يـخـرج من المختبرات يمكن أن يجد ترجمته الصناعية والإنتاجية بيسر. هــذه المــراكــز على تـواصـل مـع الابــتــكــارات الأمـيـركـيـة، بــل على تعاون وثيق معها على عكس ما يتصور. الابتكارات التكنولوجية الصينية تركز على الاختراقات الـصـغـيـرة، ذات الـتـأثـيـر والـفـاعـلـيـة. والـــرؤيـــة الـكـامـلـة ليست متروكة للمبادرة الفردية، أو شهوة الربح وتوظيف رأس المال فقط. بل يتحدث الصينيون عن رأس المـال الصبور والنتائج المضمونة. فـا يمكن لـ«مصنع الـعـالـم» أن يستمر مـن دون تركيز على الابتكارات القوية. لكن الأهم هو أن الابتكار التكنولوجي يتم تحويله إلى جزء من المنتجات الجديدة في السوق، وبهذا يتم توظيف كل جديد في الفضاء والطب، والاقتصاد. أي أن الاخــتــراع المـهـم، ليس بـالـضـرورة على طريقة إيـلـون ماسك وضـــع شـريـحـة فـــي رأس الإنـــســـان، تـحـولـه إلـــى آلــــة، ومـسـخ بشري، بل هي مجموعة اختراقات توظف في تحسين الحياة الإنسانية بالتدريج. هــــذا تـعـقـيـب عــلــى مــقــالــة لأســتــاذنــا الدكتور جاسر الحربش، خصصها لنقد حـالـة الـتـشـاتـم فــي زمـــن الــحــرب، بــن من يفترض أنهم إخوة، تجمعهم الجغرافيا والـتـاريـخ واللغة والـديـن والمصلحة. ثم وســـع الـــدائـــرة قـــائـــا إن قـريـبـك هـــو «مـن يتوافق معك في حس العدالة والحقوق الإنــســانــيــة». وواضــــح أن هـــذا أوســـع من الروابط المذكورة. وفــــي مــقــالــة الـــحـــربـــش مـــن الـحـكـمـة مـــا يـسـتـحـق الـــتـــأمـــل، فـــي هــــذه المـنـاسـبـة وكـــــل مـــنـــاســـبـــة، فـــهـــو يـــذكـــرنـــا بــخــيــر مـا فـــي الإنـــســـان، أي الـعـقـانـيـة والــتــواصــل والتسامح والوداد. وقد ذكرني كلامه هذا برؤية مماثلة لـلـفـيـلـسـوف الـــهـــنـــدي المـــعـــاصـــر أمــارتــيــا سن، دوّنها في كتابه «الهوية والعنف» الـــــذي تــرجــمــه أســـتـــاذنـــا الـــدكـــتـــور حـمـزة المـــزيـــنـــي. وأرى هــــذا الـــكـــتـــاب واحــــــدا من أهـــم الأعـــمـــال الــتــي عـالـجـت تــــأزم الـهـويـة وعلاقتها بالعنف. وقد وضع على ضوء تأملات المؤلف في الصراعات الدائرة في المجتمع الهندي، الذي يحوي عشرات من الهويات المتباينة. يـجـادل «ســن» بـأن العنف لا ينفجر فـجـأة ولا يـولـد مــن الــعــدم، بــل هــو نتاج لتقلص الــهــويــة الإنـسـانـيـة الــرحــبــة إلـى انـــتـــمـــاء ضــيــق واحــــــد. يــفــتــرض أن يـبـدأ الإنـــــســـــان بــفــهــم ذاتــــــه بــصــفــتــه إنـــســـانـــا، تجمعه صفات الإنسانية بجميع البشر عـــلـــى امـــــتـــــداد الــــكــــرة الأرضـــــيـــــة. ثـــــم، فـي دائـــرة أضـيـق، تجمعه لغته أو ديـنـه مع المـنـتـمـن لـلـغـة نـفـسـهـا أو الـــديـــن نـفـسـه، ثـــم تـضـيـق فـتـجـمـعـه مـــع أهــــل مـهـنـتـه أو تـــيـــاره الــفــكــري أو طـبـقـتـه الاجـتـمـاعـيـة، ثـــم يـــأتـــي دور الانـــتـــمـــاء إلــــى قـبـيـلـتـه أو مدينته، وأخيرا يجمعه انتماؤه العائلي مــــع أقــــاربــــه وأهــــلــــه. هـــــذه الـــــدوائـــــر كـلـهـا تـجـتـمـع فـــي لـحـظـة واحــــــدة تــحــت مظلة الوطن، فتحتمي بالقانون الوطني الذي يحترمها ويضمن حرية التعبير عنها. في هذه الحالة ستكون الهويات العديدة مـــؤشـــرات عـلـى الـتـنـوع والـــثـــراء الثقافي وسعة الأفق. فـــــــإذا تــقــلــصــت الـــهـــويـــة الإنـــســـانـــيـــة الرحبة إلى انتماء ضيق، أي بات الانتماء الـــديـــنـــي مـــزاحـــمـــا لـــلـــهـــويـــة الـــوطـــنـــيـــة أو القبلية أو القومية، أو تعارض الانتماء الوطني مع الدين أو المذهب أو القبيلة، أو رأى مـــذهـــبـــه أو قــبــيــلــتــه أو عـائـلـتـه فــوق الجميع، عندئذ سينقلب المجتمع الإنــســانــي إلـــى جـــزر منفصلة مـتـنـافـرة، بدلا من بستان متنوع الأشجار والثمار. يرى سن أن تضخم الهوية وتأزمها، قـــد يــأتــيــان تـبـعـا لانـــــزلاق المـجـتـمـع نحو التصارع الداخلي أو الصراع مع الغير، صراع تحركه دوافع سياسية أو مصالح مـــاديـــة. لـكـنـه بــعــد ذلــــك، يـلـبـس عــبــاءات مختلفة، وطنية أو دينية أو قومية أو آيــديــولــوجــيــة، غـرضـهـا تـسـقـيـط الـطـرف المـــقـــابـــل وتـــبـــريـــر الـــــعـــــدوان عـــلـــيـــه. حـن تطلق على الطرف المقابل صفة الكافر أو المتخلف أو الـجـاهـل، أو أي صفة تحمل مضمونا تحقيرياً، فأنت تمهد – بقصد أو من دون قصد – للعدوان عليه، وإيذائه لفظيا أو مادياً. في هذا الإطار يستحضر سن حكمة أو Matsyanyaya هـنـديـة قـديـمـة تـسـمـى قـــانـــون الــبــحــر، لـتـعـريـف حــالــة المجتمع حين تغيب القيم الإنسانية المشتركة، أو تـنـحـدر قيمة الإنـــســـان (بـوصـفـه إنسانا قبل أن يكون مسلما أو مسيحياً، عربيا أو أعجمياً، امـــرأة أو رجـــاً، أســود اللون أو أبيض... إلخ). «قانون البحر» يطابق ما نسميه «قانون الغاب»: السمك الكبير يأكل الصغير، من دون أن يتوقف لحظة فـيـسـأل نفسه إن كـــان يفعل الـــصـــواب أم العكس. هذا ما يحصل تماما في الصراعات والحروب: يبادر كل فريق لتجريد الفريق الآخـــــر مـــن الـــصـــفـــات الــطــيــبــة، ويــعــرضــه كـــمـــســـتـــحـــق لـــلـــويـــل والــــثــــبــــور وعـــظـــائـــم الأمـــور، فتصنع الأخـبـار ويـجـري تدوير القصص وإحـيـاء مـا نسي منها وإعــادة توجيهها لتشويه صـــورة الآخــــر، حتى يسهل الـعـدوان عليه من دون أن يتحرك ضـمـيـر أو يــتــســاءل أحــــد: هـــل مـــا نفعله صواب أو نحن نرتكب الإثم، حتى لو كان الطرف الثاني منافسا لنا أو غريماً؟ تـــســـتـــخـــرج الـــــحـــــروب أســـــــوأ مــــا فـي الإنسان، من غرائز العدوان والتلذذ بألم الآخرين والشماتة بضعفهم. ثم تستبعد الهويات الإنسانية الواسعة، وتحصرها فـــي هــويــة وحــــدة صـلـبـة كــالــحــجــر. هــذه الـهـويـة الضيقة المتصلبة تـوفـر الحجة الــــتــــي تـــجـــعـــل «قـــــانـــــون الـــبـــحـــر» مــوضــع ترحيب في لحظات الجنون الجماعي. OPINION الرأي 12 Issue 17292 - العدد Thursday - 2026/4/2 الخميس ابتكارات وادي السيليكون الصيني حتى أنت يا ستارمر قانون البحر وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com توفيق السيف تستخرج الحروب أسوأ ما في الإنسان من غرائز العدوان والتلذذ بألم الآخرين والشماتة بضعفهم سوسن الأبطح سليمان جودة
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky