10 تحقيق FEATURES Issue 17292 - العدد Thursday - 2026/4/2 الخميس لا يتوقف الاستقطاب على الطلاب... ففيما يفقد الأساتذة الحكوميون رواتبهم ووظائفهم تلتزم مدارس الحوثيين صرف الرواتب ASHARQ AL-AWSAT مدارس الحوثيين في اليمن... معسكرات تجنيد مبكّر تــــرافــــق انــــتــــشــــار المــــــــــدارس الـــخـــاصـــة بالحوثيين، بالسطو على الكثير من أبنية المدارس الحكومية وتحويل أسمائها إلى الاسم الجديد، كمدرسة كمران في إب مثلا التي تحولت إلى مدرسة «شهيد القرآن»، إلى جانب استبدال بأسماء مدارس أخرى أسماء قيادات ورموز مرتبطة بالجماعة، في خطوة عدّها تربويون محاولة لإحلال هـــويـــة تــعــلــيــمــيــة جــــديــــدة مـــحـــل الـتـعـلـيـم الرسمي. ولــــــم يـــقـــتـــصـــر الأمــــــــر عـــلـــى المــــــــدارس الـحـكـومـيـة، بـــل امــتــد أيــضــا إلـــى عـــدد من المــــســــاجــــد المـــهـــمـــة كـــالـــجـــامـــع الـــكـــبـــيـــر فـي ذمــــــار ومـــــا يـــعـــرف بـــالمـــدرســـة الـشـمـسـيـة، وكــذلــك جـامـع الـــفـــردوس فــي حــي سـعـوان بالعاصمة صنعاء، وغيرها من الجوامع التي تحولت إلى مراكز حوثية تحت الاسم نفسه: «مدرسة شهيد القرآن». في ظرف ثلاث سنوات فقط، أصبحت هناك وفرة من المدارس تحت هذا العنوان عــــلــــى امــــــتــــــداد المــــحــــافــــظــــات والمـــــديـــــريـــــات الخاضعة لسيطرة الجماعة. تلك المدارس هي من الانتشار والتوسع بحيث لم تعد مقتصرة على المــدن وعـواصـم المحافظات فحسب، خصوصا أنـهـا تعتمد مشروعا تـــعـــبـــويـــا مـــغـــلـــقـــا. فـــيـــعـــيـــش الـــــطـــــاب فــي بيئة داخـلـيـة تـوفـر لهم السكن والمعيشة والمـسـتـلـزمـات، وفـــي الــوقــت نفسه تغرس فـيـهـم هــويــة فــكــريــة مـرتـبـطـة بـالـجـمـاعـة، وهـو مـا يتجلى فـي انتقاء هـذا المصطلح «شهيد القرآن» المرتبط بمؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي. من خبر عابر إلى ظاهرة مقلقة ، أعـلـنـت 2024 ) مــــــارس (آذار 3 فــــي سلطات الحوثيين عـن تـخـرج ثـاثـة آلاف طـالـب مـن شبكة مـــدارس «شهيد الـقـرآن» الداخلية. قد يبدو الخبر للوهلة الأولى عادياً، لكن إذا ما تم الأخذ بعين الاعتبار مسألة أن هذا العدد (ثلاثة آلاف طالب) هو نتاج سـنـتـن فـقـط مـــن الـعـمـل المـغـلـق للجماعة داخــــل تـلــك المــــــدارس، فــإنــه سـيـبـدو كبيرا جدا مقارنة بالمدة الوجيزة التي لا تتعدى ثلاث سنوات من مشروع تأسيس المدارس .2022 الذي بدأت ملامحه تتضح في عام وتتحدث وسائل إعـام الجماعة عن ،2022 أن تـأسـيـس هـــذه المــــدارس بـــدأ عـــام بمدرسة واحـدة في العاصمة، ثم مدرسة فـــي كـــل مــحــافــظــة، قــبــل أن تـنـتـشـر بـوقـت قياسي خصوصا في العاصمة صنعاء. وبــــحــــســــب بــــعــــض المــــعــــطــــيــــات، فــــإن الـــتـــجـــربـــة اســـتـــلـــهـــمـــت مـــــن «حــــــــزب الـــلـــه» اللبناني ومنظومته التعليمية في لبنان، وإن كـــانـــت جــمــاعــة الــحــوثــي لا ينقصها هـذه الأفـكـار لتأسيس مدارسها الخاصة كسلطة مطلقة تعمل على عقول الناشئة. ويــمــكــن الــعــثــور فـــي خــطــابــات مـؤسـسـهـا حــــســــن الــــحــــوثــــي عــــلــــى أفـــــكـــــار تــتــضــمــن مـــشـــروعـــا تـعـلـيـمـيـا، كــمــا أن تـصـريـحـات عـدد من مسؤولي الجماعة تؤكد أن هذه المــــدارس «تُــعـد جـــزءا مـن مـشـروع الشهيد القائد السيد حسين بــدر الـديـن الحوثي، وتهدف إلى تخريج أجيال واعية بالقرآن وقادرة على مواجهة التحديات الثقافية». هياكل إدارية غير معلنة اتــــخــــذت الـــجـــمـــاعـــة الاســـــــم الـــرســـمـــي لمدارسها (مــدارس شهيد القرآن الثانوية لــلــعــلــوم الـــشـــرعـــيـــة)، دون الإفـــــصـــــاح عـن المــزيــد مــن المـعـلـومـات حـــول قــــرار الإنــشــاء والجهة الناظمة. ورغم الغموض المتعمد فـي عـدم ذكـر أي تفاصيل، يمكن للمتابع أن يستشف قدرا لا بأس به من المعلومات المغلوطة التي تمنح تـصـورا واضـحـا عن تلك المنشآت. فـــعـــلـــى ســـبـــيـــل المــــــثــــــال، يـــشـــيـــر أحــــد الإعـــانـــات الــــذي ورد فـــي صـفـحـة الإدارة الـــتـــعـــلـــيـــمـــيـــة لمـــــديـــــريـــــة الــــســــبــــعــــن عــلـــى «فيسبوك» عـن «قـــرار جـمـهـوري» بإنشاء تلك المـدارس. ولكن عند مقاطعة المعلومة مع مصادر أخـرى وما إذا كان هناك قرار جــمــهــوري فـــعـــاً، يـتـبـن أن لا مـعـلـومـات دقيقة. أيـضـا هـنـاك أخـبـار أن لـهـذه المـــدارس مجالس إدارة، وورد ذلك في الخبر الذي تداولته وسائل إعلام الجماعة عن تدشين مـدارس شهيد القرآن بمحافظة حجة من قبل وزير التربية والتعليم حينها يحيى بـدر الـديـن الحوثي وعضو مجلس إدارة مدارس شهيد القرآن ثائر الرازحي. وبالمثل يمكن العثور على معلومات تـتـعـلـق بـتـلـك المــــــدارس فـــي الإعـــــان الـــذي أوردتــــه ثـانـويـة الـعـلـوم الشرعية التابعة لــجــامــعــة دار الـــعـــلـــوم الــشــرعــيــة عـــن فتح باب التسجيل لطلاب المرحلة الأساسية. فثانوية العلوم الشرعية هذه هي نفسها مدرسة شهيد القرآن. أيضا هناك «الإدارة العامة للمدارس الـثـانـويـة لـلـعـلـوم الـشـرعـيـة»، الـتـي يبدو أنــهــا إدارة مـسـتـجـدة فـــي وزارة الـتـربـيـة ويـــديـــرهـــا الـــقـــيـــادي فـــي الــجــمــاعــة محمد الطوقي ولها علاقة بتلك المـــدارس، حيث ستكون هـذه الإدارة حاضرة في عـدد من الفعاليات الخاصة بمدارس شهيد القرآن. ومع ذلك لا يمكن الجزم بأنها فعلا تتبع تـلـك الإدارة، حـيـث قــد يـبـدو الأمـــر شكليا هنا وهناك. وفــــوق كـــل ذلـــك يــأتــي اســـم «الـتـعـبـئـة العامة»، وهي جهاز استحدثته الجماعة، وظـــيـــفـــتـــه الأســـــاســـــيـــــة تـــعـــبـــئـــة المـــجـــتـــمـــع واستقطاب الشباب والمـوظـفـن، وتنظيم دورات عـسـكـريـة وآيـــديـــولــوجـــيـــة، ويـتـبـع مباشرة قيادة الجماعة، ويعمل بالتنسيق مع وزارة الأوقـاف والجهات الدينية. هذا الـجـهـاز حـاضـر بـقـوة أيـضـا فــي المــــدارس، حـيـث عــــادة مـــا تـتـم الإشـــــارة إلـــى حـضـور مسؤول التعبئة في هذه الفعالية أو ذلك الـتـدشـن. وذلـــك نمط معتمد لــدى كـل من «حــزب الـلـه» اللبناني والفصائل الموالية لإيـــران فـي الــعــراق كما أنــه نـمـوذج عملت عليه إيران نفسها داخليا لسنوات طويلة. لا رقابة رسمية يقول أحد أعضاء الهيئة التدريسية، ويـــعـــمـــل فــــي إحـــــــدى مــــديــــريــــات مـحـافـظــة صـــنـــعـــاء، وتــــحــــدث لـــــ«الــــشــــرق الأوســــــط» مفضلا عدم الكشف عن اسمه، إن مدارس شهيد القرآن لا تخضع لأي رقابة تربوية أو إشــراف مؤسسي رسمي، كما لا تُنشر مناهجها أو برامجها التعليمية للعلن، ما يجعل طبيعة المحتوى محاطة بالغموض وغير قابلة للتقييم. وبــحــســبــه، فــــإن إدارة هــــذه المـــــدارس مــرتــبــطــة بــمــكــاتــب أنـــصـــار الـــلـــه الـثـقـافـيـة والــــتــــربــــويــــة، ولـــيـــســـت خـــاضـــعـــة لــلــرقــابــة التعليمية التقليدية. كذلك تتلقى مــدارس «شهيد القرآن» دعــــمــــا مــــبــــاشــــرا مـــــن جـــمـــاعـــة الـــحـــوثـــيـــن «أنــــصــــار الــــلــــه» عـــبـــر مــكــاتــبــهــا الــثــقــافــيــة والــتــربــويــة. أمـــا المـــصـــادر المـحـتـمـلـة لـذلـك الـــدعـــم فــهــو مــــــوارد الــجــمــاعــة (جـــبـــايـــات، دعـــم داخـــلـــي)، ومــســاهــمــات إجــبــاريــة من شخصيات أو مؤسسات مرتبطة بها. وبينما لا تـوجـد بـيـانـات شفافة عن حجم التمويل أو مصادره، يشير الخطاب الإعلامي إلى أن تمويل هذه المدارس يأتي مـــن صـــنـــدوق الـــزكـــاة ومـــن الـهـيـئـة الـعـامـة لـلـتـعـبـئـة، مــــا يــعــكــس طـبـيـعــة ارتــبــاطــهــا المـبـاشـر بـالمـؤسـسـات الـعـقـائـديـة والمـالـيـة للجماعة. شروط القبول والاستقطاب مـع بـدايـة كـل عــام دراســــي، وتحديدا من بداية السنة الهجرية التي اعتمدتها الـجـمـاعـة مـوسـمـا دراســـيـــا ضــاربــة عـرض الـــحـــائـــط بـــشـــيء اســـمـــه المـــوســـم الـــدراســـي الـشـتـوي المعتمد عـالمـيـا، يـتـم الإعــــان عن فـتـح بـــاب الالــتــحــاق لـلـطـاب الــذيــن أنـهـوا المـــرحـــلـــة الأســــاســــيــــة، بـــشـــرط أن تـــتـــراوح عاماً، وأن يجتازوا 17 و 15 أعمارهم بين مـــقـــابـــات شــخــصــيــة واخـــــتـــــبـــــارات قــبــول دقـيـقـة تتضمن معايير تتعلق بـالالـتـزام الــعــقــائــدي، والاســـتـــعـــداد لـلـتـفـرغ الـكـامـل لعامين كاملين دون انقطاع. وتـــعـــد المـــمـــيـــزات المـــعـــروضـــة لـلـطـاب إحدى أهم أدوات الاستقطاب: تكفّل كامل بالمعيشة، سكن داخلي، وجبات، ملابس، رسوم دراسية مجانية، إلى جانب برامج وأنـــشـــطـــة يـــومـــيـــة مــكــثــفــة تُـــــعـــــرّف بــأنــهــا «عقائدية وإيمانية». وتضم مرافق سكن طلابي متكامل، مطابخ، فصولا دراسية، جامعاً، وقـاعـات مخصّصة للمحاضرات والبرامج الدينية المكثّفة. فــــي الــــوقــــت الـــحـــالـــي تــعــمــل مـــــدارس «شـــهـــيـــد الـــــقـــــرآن» أســــاســــا عـــلـــى مـسـتـوى التعليم الـثـانـوي (ثـــاث ســنــوات)، وليس عــلــى مــرحــلــتــي الابـــتـــدائـــي أو الإعـــــــدادي، لــكــنــهــا مــــشــــروع يـــتـــوســـع تـــدريـــجـــيـــا وقـــد أعـلـنـت الـجـمـاعـة نـيـتـهـا أن يـشـمـل لاحـقـا مراحل دراسية أخرى. ويـمـنـح الــطــاب المـتـخـرجـون فــي تلك المـــــــــدارس شـــــهـــــادات اعـــــتـــــراف مـــبـــاشـــر مـن «الأكاديمية العليا للقرآن الكريم وعلومه» (وهــــي مــؤســســة تــابــعــة أيــضــا لـلـجـمـاعـة) ويمكن أن يلتحقوا في تخصّصات تشمل: الإعــــــام، الإدارة، الــــدراســــات الإســامــيــة، الــشـــريــعــة والــــقــــانــــون، إضــــافــــة إلـــــى قــبــول خـــريـــجـــيـــهـــا فـــــي الــــجــــامــــعــــات الــحــكــومــيــة والأهلية، وفي الكليات العسكرية والأمنية التابعة للجماعة. برنامج صارم وترغيب للأساتذة عـــلـــى الـــــرغـــــم مـــــن غــــيــــاب المـــعـــلـــومـــات التفصيلية وعــــدم وجــــود بــرنــامــج مُعلن يوضح آلية التعليم داخـل مــدارس شهيد الــــقــــرآن، فــــإن تــصــريــحــات مـــديـــري بعض الـفـروع تكشف ملامح يــوم دراســـي مُنهك يـمـتـد مـــن ســـاعـــات الــفــجــر الأولــــــى وحـتـى المساء. يـــــقـــــول أحـــــمـــــد الــــكــــرشــــمــــي، المــــشــــرف الـــثـــقـــافـــي فــــي مــــدرســــة شــهــيــد الــــقــــرآن فـي بــنــي الـــحـــارث – صــنــعــاء، إن الـــيـــوم يـبـدأ عند الساعة الـرابـعـة فـجـراً، حيث يتجمع الــطــاب لأداء طـقـوس الاسـتـغـفـار وصــاة الـفـجـر جــمــاعــة، ثــم يـجـلـسـون فــي حلقات لـــــقـــــراءة الـــــقـــــرآن الـــكـــريـــم حـــتـــى الـــســـادســـة صــــبــــاحــــا. بــــعــــدهــــا يــــتــــنــــاولــــون الإفـــــطـــــار ويصطفّون لحضور الإذاعة المدرسية قبل بـدء الحصص الـدراسـيـة الروتينية حتى الساعة الواحدة والنصف ظهراً. وبعد فترة راحة قصيرة حتى الثالثة عــصــراً، يـبـدأ الـبـرنـامـج الـعـقـائـدي المكثّف الـــذي يشمل دراســـة «المـلـزمـة الأسبوعية» لملازم حسين بدر الدين الحوثي، وحضور المحاضرات الدينية اليومية، إضافة إلى مشاهدة أفـــام وبـرامـج وثائقية تُنتجها الـــجـــمـــاعـــة كــــجــــزء مــــن عــمــلــيــة «الــتــثــقــيــف الإيــمــانــي» المـسـتـمـر. ويـمـتـد هـــذا الإيــقــاع الصارم لسنتين كاملتين داخل بيئة مغلقة ومـعـزولـة عـن الأســـر، باستثناء الإجـــازات الـــطـــويـــلـــة، فــــي إطــــــار مــنــظــومــة تـعـلـيـمـيـة تـــهـــدف إلــــى إعــــــادة تـشـكـيـل وعــــي الــطــاب وترسيخ الولاء العقائدي. لا يتوقف الاسـتـقـطـاب عند الـطـاب؛ ففي وقت يفقد فيه المعلمون الحكوميون رواتـــبـــهـــم وفـــــرص عــمــلــهــم، يـلـجـأ الـعـديـد منهم إلى العمل في مـدارس شهيد القرآن بعدّها الجهة الوحيدة التي تلتزم بصرف الرواتب. وبعد قبولهم، يخضع المعلمون لـبـرامـج تثقيفية عـقـائـديـة تـشـمـل دورات في «التنشئة التعبوية» لضمان توافقهم مــع تـوجـهـات الـجـمـاعـة قـبـل الـسـمـاح لهم بالتدريس. أنشطة وبرامج غير صفية تــكــشــف الأنـــشـــطـــة الـــتـــي تُـــنـــفَّـــذ داخـــل مــدارس شهيد الـقـرآن عن منظومة تعبئة طقسية ورمزية متكاملة، تتجاوز التعليم الديني التقليدي إلى بناء ارتباط مباشر بـن الـطـاب وقــيــادات الجماعة ورمـوزهـا العقائدية. إذ تُنظّم المدارس رحلات دورية لــــزيــــارة قــبــر حــســن بــــدر الـــديـــن الــحــوثــي فـــي مــــــران، وضـــريـــح صـــالـــح الـــصـــمـــاد في الحديدة، ومواقع أخرى مرتبطة بقيادات قُــتـلـت فـــي الـــحـــرب، وتُـــقـــدَّم هـــذه الـــزيـــارات للطلاب بوصفها «محطات إيمانية» تُعزز الولاء وتربطهم بتاريخ الجماعة. كما تحيي المدارس سنويا مناسبات عقائدية مثل «يوم الشهيد» وذكرى مقتل حسين بـدر الـديـن الحوثي، عبر فعاليات خـطـابـيـة ومـــســـيـــرات وعــــــروض مـسـرحـيـة يـــجـــسّـــد فـــيـــهـــا الـــــطـــــاب مـــشـــاهـــد قــتــالــيــة بـــاســـتـــخـــدام أســـلـــحـــة غـــيـــر حــقــيــقــيــة، فـي محاكاة درامـيـة لمعركة الجماعة، وبهدف ترسيخ فكرة «الجهاد» والولاية في وعي الطلاب. بــــحــــســــب مــــــديــــــر مـــــــدرســـــــة «شـــهـــيـــد الـــــقـــــرآن» فــــي أمــــانــــة الـــعـــاصـــمـــة عـــبـــد الــلــه سمينة، فَــإن «هـذه المدرسة تطبق نموذج المــدرســة الـداخـلـيـة؛ وإلـــى جـانـب تعليمِها للمواد الـدراسـيـة المعتمدة مـن قبل وزارة التربية والتعليم كالرياضيات والفيزياء والـكـيـمـيـاء والأحـــيـــاء والـلـغـة الإنجليزية والـــلـــغـــة الــعــربــيـــة تــهــتــم أَيْـــــــضـــا بــجــوانـــب التنمية الروحية والإيمَـانية للطلاب». ويقول أحد المعلمين السابقين الذين خـــرجـــوا مـــن المــــدرســــة، مــفــضــا عــــدم ذكــر اســـمـــه، إن الأنـــشـــطـــة فـــي المـــــــدارس ليست عــشــوائــيــة، بـــل جــــزء مـــن بــرنــامــج تـعـبـوي متكامل. وقال: «يتدرب الطلاب على الخطابة، والــــظــــهــــور أمـــــــام الــــكــــامــــيــــرا، ويــــشــــاركــــون فـــي تـمـثـيـل مـشـاهـد قـتـالـيـة، ويـخـضـعـون لأنـــــشـــــطـــــة أمـــــنـــــيـــــة مـــــثـــــل لـــــعـــــبـــــة (كــــشــــف الــجــاســوس)... كـل شــيء فـي المــدرســة كان يهدف لتشكيل الولاء قبل التعليم». من الفصل إلى العرض العسكري للتدريبات العسكرية حصة وازنة إذ يتم من خلالها تعريف الطلاب على أنواع الأســـلـــحـــة، كــمــا يـــحـــدث أن تـنـظـم مــدرســة مـــا عــرضــا عـسـكـريـا لـطـابـهـا، كـمـا فعلت مـــدرســـة شـهـيـد الـــقـــرآن لـلـعـلـوم الـشـرعـيـة فبراير (شباط) 12 بمحافظة ريمة بتاريخ .2025 وتمتد التعبئة إلى الفضاء البصري لـلـمـدرسـة نفسها، حـيـث تمتلئ الفصول والـــــســـــاحـــــات بــــصــــور قـــــيـــــادات الـــجـــمـــاعـــة وشـــعـــاراتـــهـــا وعــــبــــارات طـائــفـيــة مـرتـبـطـة بــالـــهـــويـــة الإيـــمـــانـــيـــة، مــــا يــجــعــل الــطــالــب مـحـاطــا بـشـكـل دائــــم بــالــرمــوز والــرســائــل الـــتـــي تــســعــى الــجــمــاعـــة إلـــــى غـــرســهــا فـي وعيه. ويشير المعلم ذاته إلى أن «المدرسة ليست مؤسسة تعليمية، بل مكان لتشكيل الطالب فكريا وروحياً». طلاب ينسحبون تحت الضغط صــــادق (اســــم مــســتــعــار)، أحـــد طـاب تلك المــدارس في محافظة صنعاء، اضطر لترك الدراسة بطلب من والده المغترب بعد معرفته بـــأن التعليم فــي منطقته أصبح «عقائديا بـالـكـامـل». تـحـدّث إلينا صـادق عبر تسجيلات خاصة عن بعض ما يجري داخل مدرسته، موضحا أن اليوم الدراسي لــــم يـــعـــد قـــائـــمـــا عـــلـــى ســــت حـــصـــص كـمـا يفترض، بل لا تُدرّس سوى ثلاث حصص، بينما تُخصَّص الساعات المتبقية لبرامج تــتــضــمــن «مــــحــــاضــــرات تــثــقــيــفــيــة» داخــــل مسجد مستحدث في المدرسة، تستمر بين ساعة وثلاث ساعات يومياً. يقول صادق: «بعد المحاضرة يسألنا المشرف عن مضمونها، وإذا لم يعرف أحد الـطـاب الإجــابــة يضربه ضـربـا شــديــداً... كثير من الطلاب توقفوا عن الحضور». ويضيف أن أغلب الدروس التي تُقدّم للطلاب تتمحور حول «الهوية الإيمانية، الـصـبـر، الـجـهـاد، الـــولايـــة»، مـؤكـدا وجـود تـــــســـــرّب كـــبـــيـــر لـــلـــطـــاب بـــســـبـــب الــضــغــط النفسي والبرامج المفروضة. أجيال برؤى متناقضة وجـود هذه المـدارس يخلق ازدواجية بـن التعليم الرسمي (المعترف بـه وطنيا ودولــــــيــــــا) والـــتـــعـــلـــيـــم المـــــــــــوازي، مــــا يـضـع الطلاب في موقع هش إذا تغيرت الظروف السياسية. ينقل الإعلام الرسمي التابع للجماعة تـصـريـحـات ملقنة لـطـاب مـنـخـرطـن في تــلــك المـــــــدارس، وهــــي تــصــريــحــات تكشف مــــدى الـتـعـبـئـة الـــتـــي تــجــعــل مـــن المـــــدارس الأخـــرى متهمة فـي نظرهم بأنها لا تقدم عـلـمـا ولا وعــيــا حـقـيـقـيـن. هــــذه التعبئة مقصودة وتأتي في سياق القضاء تماما على التعليم الرسمي. كــأن يـقـول أحـدهـم مـثـا إن «المـــدارس الأخــــرى تبني جـيـا غـيـر متماسك وغير واع ومعرض للخطر والاستهداف». هذا التكوين العقائدي يجعل الطلاب الخريجين أقرب إلى كوادر آيديولوجية، لا مجرد طلاب علم، وهو ما يثير جدلا حول مستقبلهم الأكاديمي والمهني، وهو ثمن طويل الأمد سيترتب على اليمن كله. فــالــتــعــلــيــم الــــــذي يـــفـــتـــرض أن يــكــون فــضــاء للتفكير والـنـقـد وبــنــاء المستقبل، جــــرى اخـــتـــزالـــه بـمـنـصـة تــعــبــئــة، تُــقـصـي الآخـــر وتعيد هندسة وعــي الأجــيــال على مــقــاس مــشــروع عــقــائــدي، سـتـكـون كلفته باهظة على البلد ومستقبله. تلامذة يمنيون في طابور صباحي لمدرسة تحولت معسكرا (إ.ب.أ) في اليمن، عمدت جماعة 2014 منذ صعودها عام الـحـوثـي «أنــصــار الـلـه» إلــى ترسيخ أقـدامـهـا فـي البنية التعليمية وإحداث تغيير واسع شمل المناهج الدراسية وأسـمـاء المـــدارس واعتماد أنشطة موجهة واستحداث نظم تعليمية خاصة، بحيث تحوّل التعليم ساحة صراع على الهوية وتشكيل للوعي، ومكانا لاستقطاب الناشئة لتجنيدهم. وبينما عمدت الجماعة إلى إهمال المدارس الحكومية ومحاربتها بكل ما أوتيت من قـوة، شرعت فـي إنـشـاء نظام يعتمد على فكرة تحويل المـدرسـة أو المؤسسة التعليمية إلى معسكرات، واعتماد مؤسسات جـديـدة تحمل اســم «مـــدارس شهيد الــقــرآن»، منظومة بديلة. نظام تعليمي مواز لإعادة تشكيل وعي الأجيال جدّة: عاصم الشميري
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky