issue17291

الثقافة CULTURE 18 Issue 17291 - العدد Wednesday - 2026/4/1 الأربعاء ميرزا الخويلدي الخليجيون والعرب... «لماذا خذلونا؟» مع انهمار القذائف الإيرانية على دول الخليج العربية، في ذروة الحرب المستعرة حاليا فـي المنطقة، افتقد الخليجيون كثيرا مـن التضامن العربي والإسلامي، خصوصا من النخب الثقافية والشعبية والفئات غير الرسمية. على النقيض، بعضها وقفت موقفا سلبيا من اعتداءات طالت البنية التحتية وهددت التنمية والاقتصاد، وروّعت السكان، وعرضت الأمن للخطر! لـذلـك يـتـردد فـي الخليج عـتـاب مــر تـجـاه أخـــوة الـعـروبـة والــديــن، يرافقه شعور عميق بالخذلان، وشعور آخر بانكسار «العقد الأخلاقي» الذي يربطنا بالمحيط. هذه الخيبة لا تفُرق كثيرا عما حدث في تسعينات القرن الماضي؛ )، حين انقسم العالم العربي رغم وضوح 1990( فترة الغزو العراقي للكويت المشهد الـى فسطاطين؛ أغلبهم صفقوا للعدوان المقيت الــذي غـزا بلدا عربيا وهجر أهلها. في تلك الفترة، كما اليوم، كانت أعين المثقفين العرب وجمهورهم مصوّبة «كما يقولون» نحو «الـشـعـارات الـكـبـرى»، وأمــا معاناة الخليجيين فـلـم تـكـن ســـوى «أضــــرار جـانـبـيـة»! حـيـث يـــرى بـعـض «الأشـــقـــاء» أن أي ضـرر يصيب دول الخليج (اقتصادياً، أمنياً، وسياسياً) هو «ثمن مقبول» أو «تأثير جانبي» ضروري للحفاظ على الشعارات العروبية (الوحدة العربية، مقاومة الإمبريالية، دعم فلسطين... وغيرها). أساس هذه الرؤية هي نظرة «الاستعلاء الثقافي» التي لا ترى في الخليج سوى مخازن للموارد، ومناطق نفوذ يجب تطويعها لخدمة «المعركة الكبرى»! وأن هــذه المنطقة هـي مجرد «أطــــراف» غنية بالنفط لكنها فقيرة بالشرعية القومية، ناهيك عن ارتهان النخبة للخطاب الشعبوي. منذ نصف قرن يجادل المثقف الخليجي بأن بلاده تمتلك عمقا حضاريا وثقافيا وإنسانيا شبيها بما لدى الآخرين، وأنها ليست «مدن الملح» كما في بعض التصور القومي، أو «بيوت الـزجـاج»، كما في السردية الحديثة التي تجردها من المحتوى والفاعلية. الكاتب الكويتي د. محمد الرميحي في كتابه «الخليج ليس نفطاً» حاول أن يلفت انتباه المثقفين العرب إلى أن في الخليج إنسانا وأرضا وتاريخا سبق ظهور النفط، وسيبقى بعد النفط. وبعد صدور الكتاب بنحو نصف قرن، أصبحت شواهد التقدم والتنمية والأداء الخليجية شاخصة، لكن ما زلنا في كل منعطف مضطرين إلى أن نذكّر الأشقاء بأن هذا الخليج ليس نفطاً! «لمــاذا خـذلـونـا؟»... هـذا هو السؤال الخطأ، الـذي يتردد صـداه في عموم الـخـلـيـج، يـقـابـلـه الـــســـؤال الـصـحـيـح: مــــاذا كـنـا نــتــوقــع؟ ومـــا قَـــــدر مـــا يُحسن «الأشـــقـــاء» تـقـديـمـه لـنـا فــي هـــذا الـــصـــراع الــكــبــيــر...؟ أخـشـى أنـنـا كـنـا ننتظر وابـا من القصائد والكلمات الرنانة التي تشجب العدوان وتمطرنا بكلمات التضامن والتأييد... لذلك لا جدوى من العتاب، وليس صحيحا أن تسفر هذه الأزمة عن مزيد من الخسائر والتضحيات برصيدنا المعنوي، سواء في حفظ وصيانة مجتمعاتنا من الداخل، أو علاقاتنا العربية، أو أن تستبد بنا مشاعر الثأرية والانتقام. علينا أيضا أن نبذل جهدا فـي التعريف بأنفسنا، وبـعـدالـة مـا نطرحه ) خاض الدكتور 1990( ونجادل فيه، نتذكر هنا أنه خلال فترة غزو الكويت غــازي القصيبي معركتين طاحنتين ضد طوفان الوعي الـزائـف الــذي اجتاح العالم العربي، وأخذ يعّمي على جريمة العدوان بشعارات زائفة. المعركة الأولى: ضد المرجفين في الداخل مفندا خطاب التبرير وتزوير الوقائع، وتمزيق وحدة المجتمع فـي مواجهة اعــتــداءات الـخـارج، وسجلها فـي كتابه «حتى لا تكون فتنة»، والمعركة الأخـرى ضد سردية الخطاب العربي التي سوّقت للاحتلال تحت شعارات قومية، وجمعها في كتابه «في عين العاصفة»، وهو كتاب يمثّل «مانيفستو» العتب الخليجي على المثقف العربي. يقول القصيبي في هذا الكتاب: «الحياد فضيلة عندما تكون المعركة بين شر وشر، ولكنه رذيلة عندما تكون المعركة بين حق وبـاطـل.. الحياد ذكــاء عندما يكون الـصـراع بين ظالم وظالم، ولكنه حمق عندما يكون الصراع بين ظالم ومظلوم». مدينة في البادية السورية بين تدمر والفرات قصر الحير الشرقي تحوي البادية السورية سلسلة من المواقع الأثـريـة تُــعـرف الـيـوم بالقصور الأمــويــة، منها موقعان يحملان اسم «قصر الحير»، شُيّدا في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شـــمـــال شـــرقـــي تـــدمـــر، ويُــــعــــرف بــقــصــر الـحـيـر الـشـرقـي، ويتميّز بضخامة أسسه المعمارية. فـــي المــقــابــل، يـقـع الـقـصـر الآخــــر جــنــوب غـربـي تـدمـر، ويُــعـرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بــــثــــراء حــلــلــه الـــتـــي تــجــمــع بــــن فـــنـــون الـنـقـش والـــنـــحـــت والــــرســــم والـــتـــلـــويـــن. صـــمـــدت أطـــال القصر الشرقي، وظلّت ماثلة أمام الأعـن، كما شهد الـرحـالـة الـذيـن مـــرّوا بها وأشــــاروا إليها منذ القرن السابع عشر. مهّدت هذه الشهادات لاستكشاف الموقع في العقود الأولى من القرن الـعـشـريـن، غـيـر أن أعــمــال المـسـح والتنقيب لم ، حــن شرعت 1964 تنطلق فعليا إلا فــي عـــام بعثة أميركية تابعة لجامعة ميشيغان بإجراء حملة أولـى فيه، تبعتها سلسلة من الحملات .1972 استمرت حتى بـويـع هـشـام بــن عـبـد المـلـك بـالـخـافـة في ، وكان 724 دمشق بعد وفاة أخيه يزيد في عام سنة. حسب رواية نقلها 34 عمره يوم استُخلف الطبري في «تاريخ الرسل والملوك»، كان هشام يومها «بالزيتونة، منزله في دويرة له هناك»، فــركــب مـــن الــرصــافــة حـتـى أتـــى دمــشــق بعدما «جـــاءه البريد بالعصا والـخـاتـم، وسُــلّــم عليه بـالـخـافـة». وحسبما سجّله يـاقـوت الحموي فــي «مـعـجـم الــبــلــدان»، «الـزيـتـونـة مـوضـع كـان ينزله هشام بن عبد الملك في بادية الشام فلما عمّر الـرصـافـة، انتقل إليها فكانت منزله إلى أن مــــات». انـطـاقـا مــن هـــذه الـشـواهـد الأدبــيــة، حــاول علماء الآثـــار تحديد موقع قصر هشام في المنطقة التي عُرفت قديما باسم الزيتونة، واختلفت آراؤهـــم فـي هـذا المـجـال. فبينما رأى الـعـالـم الفرنسي جــان سـوفـاجـي أنـهـا المنطقة التي يقع فيها قصر الحير الشرقي، رأى زميله دانــــيــــال شــلــومــبــرغــر أن المـــوضـــع الـــــذي سكنه الـخـلـيـفـة الأمـــــوي الــعــاشــر قــبــل أن يـنـتـقـل إلــى الرصافة في شمال سوريا على الفرات، ما هو إلا موضع قصر الحير الغربي. كـــان الـقـصـر الـشـرقـي خــربــة مـائـلـة وسـط الـصـحـراء، وأول مـن أشـــار إليها كــان الرحالة الإيطالي بيترو ديللو فاللي في مدوّنته التي تحت عـنـوان «رحـــات»، 1667 نُــشـرت فـي عــام وفيها ذكر أن هذا البناء الضخم يُعرف محليّا بـــاســـم «الـــحـــيـــر»، وأضـــــاف مـتـهـكّــمـا أن سـكـان المنطقة ينسبونه إلى النبي سليمان. بعدها، ألمح عالم الخرائط الألماني كارستن نيبور إلى هـذا القصر حـن رافــق البعثة الدنماركية إلى الجزيرة العربية وسوريا ومصر، وجاءت هذه .1774 الإشــــارة المقتضبة فـي تقرير نُــشـر عــام بـــدوره، مــر الـرحـالـة البريطاني سير آيــر كوت بهذا القصر، وقدّم وصفا سطحيا له، نُشر في ، في مقالة تناولت الرحلة التي قام 1860 عـام ». مهّدت هذه 1780 بها «من بصرا إلى حلب في الشهادات لدراسة علميّة أولى قام بها القنصل في 1808 الفرنسي جـاك روســو، ونشرها عـام كتابه «رحلة من بغداد إلى حلب». خرج قصر الحير الشرقي من الظلمة إلـى النور، وقصده ، وقدّم وصفا له 1893 المستعرب الدنماركي في .1895 في مقالة علمية نُشرت في عــاد جــاك روســـو مـن قصر الحير حاملا معه نقشا فُقد أثره لاحقا للأسف، وهذا النقش بــالــغ الأهــمــيــة، إذ يــذكــر اســـم صــاحــب القصر وتـــاريـــخ بــنــائــه، ونـــصّـــه: «بـــســـم الـــلـــه الـرحـمـن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رســول الله، أمـر بصنعة هـذه المدينة عبد الله هشام، أمير المؤمنين، وكان هذا ممّا عمل أهل حـمـص عـلـى يــد سليمان بــن عبيد سـنـة عشر ومــائــة». اتّضحت هـويّــة البناء فـي زمــن سبق استكشاف سلسلة القصور التي شيّدها خلفاء بني أمـيّــة فـي بـــوادي بــاد الـشـام، وأسـهـم هذا الإيضاح في انطلاق الدراسات الخاصة بقصر الـحـيـر الـشـرقـي مـنـذ ذلـــك الــتــاريــخ. زار العالم ،1925 ) الــفــرنــســي المـــوقـــع فـــي أبـــريـــل (نـــيـــســـان وزاره ثانية في مايو (أيار)، وقدّم مقالة علمية . توالت الاكتشافات 1927 خاصة به نُشرت في الأثـــريـــة الأمـــويـــة فـــي الــســنــوات الــتــالــيــة، وبـــرز قـصـر الـحـيـر الـشـرقـي بضخامته الـتـي جعلت منه أشبه بـ«مدينة»، كما جاء في النقش الذي ، تولّت 1964 حمله معه جــاك روســـو. فـي عــام البعثة الأمـيـركـيـة التابعة لجامعة ميشيغان مهمّة أعمال المسح والتنقيب في الموقع تحت إدارة الـعـالـم الـفـرنـسـي أولــيــغ غـــرابـــار. تـوالـت ، ونُشرت 1972 حملات هــذه البعثة حتى عــام نـتـيـجـة أبــحــاثــهــا فـــي كـــتـــاب أصـــدرتـــه جـامـعـة ، تـحـت عــنــوان «مـديـنـة في 1978 هـــارفـــارد فــي الصحراء». 729 وعـام 728 شُيِّد هـذا القصر بين عـام لــلــمــيــاد فـــي الـــبـــاديـــة، فـــي مـنـتـصـف الــطــريــق بين تدمر والـفـرات، وترتفع أطلاله اليوم على كيلومترا شمال قرية السخنة شرقاً، 30 بعد وتــشــكّــل مـجـمـعـا ضـخـمـا يــتــكــوّن مـــن بـنـاءيـن لا تـــزال جـدرانـهـمـا قـائـمـة، يحيط بـكـل منهما سـور مربع الشكل. أحـد هذين الحرمين كبير، والآخــــر صـغـيـر، ومـــن هـنـا جــــاءت تسميتهما بالقصر الكبير والقصر الصغير. يبلغ أطول مـتـراً، وتحد 70 أضـــاع القصر الصغير نحو زوايــــــــاه أربــــعــــة بــــــروج مـــســـتـــديـــرة، وبــــابــــه بـن بــرجــن فـــي وســــط الــجــانــب الـــغـــربـــي. تـتـوسّــط هذا البناء باحة تحيط بها سلسلة من الغرف بُنيت بحجر الآجرّ، تشكّل على الأرجح القصر المـلـكـي، ومــا بقي مـن زيـنـة هــذا القصر بضعة نـقـوش تظهر على أعـلـى بـرجـي مدخله وعلى بعض جدرانه. في المقابل، يبلغ طـول أكبر أضـاع سور برجاً، منها 28 متراً، ويحدّه 160 الحرم الكبير بـــرجـــان يــحــمــان نــقــوشــا تـــذكـــر اســــم الخليفة هـشـام عـبـد المــلــك. ولــهــذا الـبـنـاء أربــعــة مـداخـل يـقـع كـــل منها فــي منتصف كــل جــانــب، تشكّل أربعة أبــواب متناظرة، وفـي زاويته الجنوبية الشرقية مسجد لا تزال أسسه قائمة. يبدو هذا الـبـنـاء أشـبـه بمدينة صـغـيـرة تـحـوي وحـــدات سـكـنـيـة، مـنـهـا سـتـة بــيــوت كـبـيـرة ومـجـمـوعـة مـــن الـــبـــيـــوت الـــصـــغـــيـــرة، ومـــنـــشـــآت صـنـاعـيـة، ومعصرة زيتون، إضافة إلـى حمام، ومبنيين تتوسّط كلا منهما ساحة مركزية. لم يقف استكشاف هـذه المدينة عند هذا الــحــد. اســتــمــرّت أعــمــال الـبـحـث، وقــامــت بعثة ســـوريـــة ســويــســريــة مــشــتــركــة بــمــســح منطقة سـكـنـيـة أخــــرى مـــن المـــوقـــع لـجـهـة الــشــمــال بين ، وأدت هذه الحملات إلى 2010 وعام 2007 عام العثور على قطع من النقوش تشكّل مجموعة مـــن مــجــمــوعــات المــــيــــراث الأمـــــــوي. بــعــض هــذه القطع زخرفي يجمع بين العناصر الهندسية والعناصر النباتية المــحــوّرة، والبعض الآخـر تـــصـــويـــري، ويــعــكــس جــانــبــا آخــــر مـــن جــوانــب الميراث الأموي الخاص بهذا الميدان. قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي محمود الزيباوي المعماري يحوّل الخيال واقعاً... والكاتب يحوّل الواقع إلى خيال الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما لم يكن الكتاب الأخير للفيلسوف الفرنسي »L’amour des lieux تييري پاكو: «حب الأمكنة )، إلا حلقة في سؤال فكري ممتد 2025 ، (باريس عــن صـلـة الـعـمـق الفلسفي لـلـعـمـران ومـــا يـولـده مــن رهــــاب ويستتبعه مــن خـــرائـــب، بـاحـتـمـالات الفهم والـتـأويـل الـروائـيـن للأمكنة، التي مثلت إحــدى أهــم ركـائـز الـوعـي الأوروبــــي بالجغرافيا وبـتـحـولات المـــدن والأريــــاف فـي الــقــارة العجوز، وهــــو الــفــهــم الـــــذي جــعــل تــيــيــري پـــاكـــو يــــرى في الانـــتـــمـــاء إلـــــى «مــــكــــان مــــــا»، الأســـــــاس المــرجــعــي للأحاسيس المستثمرة في بلاغة الأدب، ما دام كل مكان لا يمكن ترجمته إلا بمقدار ما يمثله من صدمات، أو ما يفتقر إليه من مزايا، أو ما يولده من نشوة وحبور. سرعان ما تتحول مختلف فصول وفقرات كتاب «حب الأمكنة» إلى مساحة غنية بالإحالات الروائية الممتدة من «بـروسـت» إلـى «آنــي إرنـو» إلــــى «كــريــســتــيــان بـــوبـــان» ومــــن «بـــــول أوســـتـــر» إلــى «فليب تــوســان»، وآخـــريـــن... للبرهنة على جوهرية وجـود هذا الـ«مكان مـا»، من حيث هو كيان متعدد، يؤوي طيفا كاملا من المشاعر، بيد أن أحدها يهيمن في النهاية ويصبغ المجموع بنبرته الخاصة. وينتج في النهاية ما يسميه تييري پاكو بـ:«إيكولوجيا التعبير الأدبي» التي تستدعي إلـى الـذهـن: «كيف صاغت الأمكنة من الكائن ما صار عليه، على نحو يجعل وجـوده، وعـــاقـــاتـــه بـــالآخـــريـــن وبــــــــالأرض، قـــابـــا للفهم .)13 والإدراك» (ص وبــــنــــاء عـــلـــيـــه يـــتـــحـــول الــــعــــمــــران إلـــــى عـلـة لهندسة التخييل، بالمقدار ذاتـه الـذي يكون فيه الـــدمـــار قـــاعـــدة لـــ«تــبــيــئــة» الـــوجـــود الـشـخـصـي، وبـــيـــان تـعـلـقـه بـــالمـــدن الـــتـــي يـنـتـسـب لـــهـــا، ومــا تحتويه من شــوارع وساحات وحدائق ومرافق صــــمــــدت أو انــــمــــحــــت أو تــــحــــولــــت إلـــــــى أطـــــال مـــهـــجـــورة. حـــتـــى المـــنـــفـــي، والمُــــهــــجّــــر، والمــــشــــرد، والسجين، والمريض في المستشفى، لديهم أيضا «مــكــان مـــا»؛ يـحـنـون إلــيــه، أو يبحثون عـنـه، أو يبنون صرحه في مخيلاتهم، مزيجا بين «ما هو فِــطـري/أصـلـي» و«مــا هـو كـونـي»، بـن «الـوطـن» و«المكان الذي نصير فيه ما نحن عليه». والـظـاهـر أنـــه حــن كـتـب الـــروائـــي المـغـربـي، الفرنكوفوني، محمد خير الدين روايته الأولـى «أغادير»، فقد استهدف تركيب ملامح «ما صار عـلـيـه شـخـصـه» فــي مـديـنـة هــدهــا الـــزلـــزال؛ كـان ثمة تلال من أنقاض عمارات ودور قضى أهلها، وانتصبت الهياكل وبقايا الـجـدران المشروخة، والأتـــربـــة، والـــروائـــح العفنة للجثث المتفسخة، في «أمكنة ما» من شوارع المدينة المنكوبة، وكان زلـــزالا رهيبا محا معالم المـديـنـة، ولحقه خـراب إنساني بعد نهب ما تبقى منها، من قبل آفاقيين وافدين لسلب ما تحت الأنقاض. وعبر التاريخ ظلت الــــزلازل والــحــروب والفيضانات هـي التي تـعـيـد تقليب مـصـائـر الــتــوق الـعـمـرانـي لـلـمـدن، وتخطط انزياحاتها وارتكاساتها وقطائعها؛ أغادير بعد الزلزال، وبرلين بعد اجتياح الحلفاء، وبغداد بعد حرب الخليج الثانية، وبيروت بعد الحرب الأهلية، ثم الموصل وحلب، ومدن عربية عديدة...، ولعل هذا الخراب هو ما يدفع الروائي للوقوف دوما ضد الحروب وتخطيطات المحو، لأنـــه مصير يلغي الــدعــامــات الحسية المبرهنة على ما صار عليه في وجوده. تــشــيــد الـــــروايـــــة دومــــــا مــــا يــســمــيــه تـيـيـري باكو بـ«المحل الوجداني» الذي توحي به الكلمة الـعـصـيـة عـلــى الـتـرجـمـة، die Heimat الألمــانـــيـــة والتي تعني في آن واحد: «الوطن، وأرض الميلاد، والمـكـان الــذي نصير فيه مـا نحن عليه، والمــاذ، ). فــفــي الـــروايـــة 12 والمـــهـــد، وبـــلـــد الأصـــــل» (ص نعثر دوما على هندسات لشتى أصناف «المحل الوجداني» داخـل الشوارع والمقاهي والعمارات والــحــدائــق ودور السينما والمـكـتـبـات والــبــارات والمــــطــــاعــــم...، كــانــت ذات يــــوم تـنـبـض بـالـحـيـاة قــبــل أن يـخـلـدهـا الـــســـرد والـــشـــخـــوص المنتمية إلــى «مـكـان مــا» داخـلـهـا، لتغدو تدريجيا مدنا مـتـخـيـلـة، تنتمي لـــذاكـــرة وزمــــن وطــــراز عــمــران، ولذوق وقيم اجتماعية، ولنمط عيش، واقتصاد مـــالـــي؛ لـيـسـت «ســــان بــتــرســبــورغ» المـنـبـثـقـة من روايــــــات دوســتــيــوفــســكــي، هـــي لـيـنـيـنـغـراد زمــن الــــثــــورة والــــحــــرب الــعــالمــيــة الــثــانــيــة، والــحــصــار الـــــخـــــرافـــــي، ولا هـــــي المــــديــــنــــة الــــتــــي اســـتـــعـــادت اسمها الأول بعد لفظ التجربة الشيوعية، هي طـبـقـات مـــدن اسـتـوطـنـت الــــروايــــات، وانـتـصـبـت كتخطيطات روائية للذاكرة، لا تلوح إلا أطيافها اليوم. فــــــي رســــــالــــــة لإمـــــيـــــل زولا إلــــــــى صــحــيــفــة «لــوســيــمــافــور» بـمـرسـيـلـيـا، حــــول مـــا جــــرى في ،1871 أحـد أيـام حصار «كومونة باريس» سنة نـشـرت ضـمـن كـتـاب «الأســـبـــوع الـــدامـــي»، يـقـول: «هـــــذه المـــقـــاومـــة الــيــائــســة، هــــذا الــقــصــف الـبـشـع لباريس، وحين يضيع الوطن، يشكل من وجهة نظري، أكبر الجرائم التي لا يزال يرتكبها أولئك البائسون الذين يوسخون المدينة منذ شهرين... عـلـى الـتـمـرد أن يُــسـحـق فــي مــهــده بـمـونـمـارتـر. وحين يُمحى هذا الحي المنفّر بضربات المدفعية، سيكون حفنة من الباريسيين من يبكون عليه... تدميره ضـــروري بشكل مطلق مـن أجــل خلاص .)34 باريس» (ص ولا يمكن أن نـقـرأ رسـائـل إمـيـل زولا تلك، المـنـاهـضـة لــخــراب بـــاريـــس، بـمـا هــي دلــيــل على مـعـاداة الــروائــي، رائــد المـوجـة الطبيعية، للروح الــثــوريــة، هــو الــــذي لــم يــزعــم يــومــا أنـــه يــســاري، كــان يتحدث بضمير الباريسي الحريص على روح عمارة عصية على التكرار أو الاستنساخ، ويرى في خرابها انهيارا لذاكرة رمزية، تتخطى منطق الصراع السياسي حول المناطق، لهذا كان الحي الحاضن لما تبقى من الكومونة الباريسية الـــثـــوريـــة، جـــديـــرا بـالمـحـو إن كـــان ذلـــك سيعصم العاصمة من الخراب. خلد إميل زولا باريس كما لم يخلدها كاتب مـــن مــعــاصــريــه، كـــان يـنـقـل الـطـبـقـات الـاحـسـيـة للعمران، المنطوي على ألغاز مسترسلة، وكشأن أغـــلـــب واقـــعـــيـــي روايــــــة الـــقـــرن الـــتـــاســـع عــشــر في فــرنــســا، يـهـنـدس الــنــص عـبـر تـافـيـف الـعـمـران المــــديــــنــــي، أســــمــــاء شــــــــوارع وأزقـــــــــة، وســــاحــــات، وكــــاتــــدرائــــيــــات، ومـــصـــانـــع، ومـــحـــات تــجــاريــة، وجسور، ودور سكنية، تطل كلها عبر تفاصيل بشرية ومسارات حياتية وتحولات وقائع، إنها الغاية التمثيلية ذاتها التي سعت إليها روايات مـا بعد الأحـــداث الـتـي سميت بالربيع العربي، حيث تنهض المــدن الروائية لتستعيد المنمحي والمـــنـــذور لـلـغـيـاب، مـــن الـــرقـــة إلـــى المـــوصـــل ومـن حلب إلى عـدن. وبعدها بسنوات قليلة تواترت روايــــات الــحــروب الأهـلـيـة المتناسلة مــن الـعـراق إلى ليبيا ومن سوريا إلى اليمن، لتعيد هندسة الانـــتـــمـــاءات إلــــى «المـــحـــل الـــوجـــدانـــي» (بـتـعـبـيـر تييري پـاكـو) فـي خريطة عمائر المـــدن المنزاحة إلى اليباب. قبل عـقـد، أو يـزيـد قليلاً، احتضن متحف «سرسق» في بيروت حوارا نظمه «المركز العربي لـلـعـمـارة» و«بــيــت الـكـتـب»، بــن الـــروائـــي إلـيـاس خـــوري والمـهـنـدس جــاد ثـابـت، نشر مـادتـه فـواز طـرابـلـسـي ضـمـن أحـــد أعـــــداد مـجـلـة «بـــدايـــات»؛ دار الـحـوار عـن المدينة المـدمـرة وتاريخها الـذي طمرته الـحـرب قبل أن تمحوه جـرافـات السلام، كـــان لـحـظـة مـــن لـحـظـات المــقــاومــة الــتــي اصـطـف فـيـهـا المـــعـــمـــاريـــون والــــروائــــيــــون مــعــا فـــي جبهة واحـدة لاستعادة «المكان ما» من مشروع إنشاء مـديـنـة نقيضة، هندسها الــرأســمــال المـتـوحـش، بعد أن مهدت الحرب الأهلية الطريق إليها، وكان الحوار بمثابة بديل عن المدينة المتلاشية، حيث استعاد الكلام الذكريات والأسماء والصور التي انتفت لـأبـد، وبـــات التذكير بما تـرمـز إلـيـه من روح ومعنى لحظة جديدة في صراع مسترسل، ومـن ضمن فـقـرات ذلـك الـحـوار نقف على مقطع لإلياس خوري يختصر كل شيء. يقول: «نحن نعيش في عالم ملموس رسمه خيال مـهـنـدس، وفـــي هـــذا الــعــالــم، ســـواء أكـــان بيتا أم مقهى أم شـارعـا، نحول هـذا الـواقـع إلـى متخيل تصنعه أحلامنا. المعماري يحول الخيال واقعاً، بينما يـقـوم الـكـاتـب بتحويل الــواقــع بعناصره البشرية والمادية إلى خيال. عملان يفترقان في الهدف لكنهما يلتقيان عند نقطة يتقاطع فيها المتخيل بالمتخيل، بحيث تصير العمارة كتابا نــعـيــش بـــن ســــطــــوره، وتــصــيــر الــــروايــــة عــمــارة نعيش بـن أبطالها الـذيـن يصبحون حقيقيين في وعينا». انفجار مرفأ بيروت شرف الدين ماجدولين

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky