issue17291

«حــــرب الـخـلـيـج الـــرابـــعـــة»، كـمـا هــي الــحــال مع كل الحروب الأخــرى، هي من ناحية تصادم عنيف ومـقـصـود بــن طـرفـن تستخدم فـيـه أدوات العنف وفق التكنولوجيا السائدة في العصر، ومن ناحية أخـــرى هـي السعي نحو تحقيق المصالح الحيوية للأطراف من خلال أساليب أخرى، وما يُكسب على طـــاولـــة المـــفـــاوضـــات والمـــســـاومـــات لـــن يـــكـــون بـعـيـدا عـــن اســـتـــخـــدام الــــســــاح... وفــــي وقــــت الــــحــــرب، فـــإن الــســيــوف والـــرمـــاح مــشــهــرة؛ والــطــلــقــات والــذخــائــر المستخدمة، والبشر كذلك، يلعبون أدوارا رئيسية. وقبل أسبوع، كان الأسبوع الرابع للحرب قد وصل إلـى منتصفه، وظهرت روايـتـان متضاربتان: أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أن إيـران تخوض مفاوضات مع الولايات المتحدة وتبدي رغبة قوية فـــي الــتــوصــل إلــــى اتـــفـــاق. وفــــي المـــقـــابـــل، قــــال وزيـــر الـخـارجـيـة الإيـــرانـــي، عـبـاس عـراقـجـي، إن إيــــران لم تـــجـــر أي مـــفـــاوضـــات مـــع الــــولايــــات المـــتـــحـــدة حتى الآن، مشيرا إلــى أن مـا جــرى بـن طـهـران والجانب الأمـيـركـي هـو «تــبــادل رســائــل» فـقـط، وأن «الجانب الأميركي أرسـل رسائل كثيرة عبر الــدول الصديقة خلال الأيام القليلة الماضية». يـــأتـــي هــــذا فـــي ظـــل تـــــوارد أنـــبـــاء عـــن أن إيــــران شــروط لوقف الـحـرب، تشمل: «وقــف كامل 5 تضع لاســـتـــهـــداف المـــســـؤولـــن الإيـــرانـــيـــن، ووضــــع آلــيــات مـلـمـوسـة لــضــمــان عــــدم إعــــــادة فــــرض الـــحـــرب على إيــــــران، ودفــــع تــعــويــضــات لــهــا عـــن أضـــــرار الــحــرب، وإنـــــهـــــاء الــــحــــرب عـــلـــى جـــمـــيـــع الـــجـــبـــهـــات وجــمــيــع جماعات المـقـاومـة المـشـاركـة فـي كـل أنـحـاء المنطقة، والاعتراف الدولي والضمانات المتعلقة بحق إيران السيادي في ممارسة السلطة على مضيق هرمز». كانت الولايات المتحدة قد أعلنت شروطها أو لإنهاء الحرب والتي تطلب فيها من 15 «نقاطها» الـ إيران التخلي عن صواريخها وحلفائها في معسكر «المقاومة والممانعة»، والتوقف النهائي عن السعي إلى إنتاج السلاح النووي، ومعه تسليم كل ما تملك من «اليورانيوم» المخصب، وفتح مضيق هرمز، مع الكف عن إيذاء جيرانها في الخليج. الإعــان من جانب طرفي الحرب في حد ذاتـه، ورغــــم الاســتــحــالــة المـضـمـونـة عـلـى الــجــانــب الآخـــر، يمثل خطوة خـارج إطـار الحرب، وهي تضع قائمة لاستحالتها أمام «الوسطاء» أو الطرف الثالث الذي تهيأت له الـظـروف لكي يكون مقبولا من الطرفين؛ والذي يخشي بالطبع آثار الحرب المستعرة. «الطرف الثالث»، الذي شاع اسمه في منتصف الأسبوع الماضي كان باكستان، التي بعد أن أعلنت عن استعدادها لاستضافة الطرفين من أجل وضع نــهــايــة لــلــقــتــال، ومــعــهــا إنـــقـــاذ الاقـــتـــصـــاد الــعــالمــي ومستقبل الـطـاقـة فــي المنطقة والــعــالــم، وجـــدت أن الأمر فيه كثير من العقبات مستحيلة الحل. الرئيس الأمـــيـــركـــي، دونـــالـــد تـــرمـــب، يــتــحــدث فـــي جـمـلـة عن إمـكـانـيـة الــتــفــاوض، وفـــي الـتـالـيـة عــن الـنـصـر الــذي حـقـقـه بـتـدمـيـر الـــقـــيـــادة الإيـــرانـــيـــة، ومــعــهــا الـبـنـيـة التحتية الإيرانية. في حروب سابقة كانت الولايات المتحدة لديها مـن الشخوص مـن يـقـودون العملية التفاوضية؛ من أول وزير الخارجية، إلى مستشار الأمن القومي، إلى نائب الرئيس... ولا يأتي الرئيس إلا مـــن خــــال خــطــاب عـلـنـي أمــــام الــكــونــغــرس، إمــا بإعلان الحرب وإما بنشر شروط السلام. الـرئـيـس تــرمــب أضــــاف إلـــى الــتــاريــخ عــــددا من الأمـــــور لـــم تــكــن مــعــروفــة مـــن قــبــل، أولـــهـــا أنــــه يـقـدم إنــذارات قاطعة بالزمان، فيضع مهلة محددة، ففي الإنـــذار الأول وضــع «يـومـن» للاستجابة للشروط 5 أو الانتقال إلى الجحيم؛ لكنَّه بعد ذلك مدّد المهلة أيام. والتهديد هو إطاحة محطات الطاقة الإيرانية. فـــي «حـــــرب الــخــلــيــج الـــرابـــعـــة» أســـعـــار الـنـفـط والسلع والبضائع توضع كلها في ميزان اقتصادات الدول والاقتصاد العالمي معاً. الــــحــــرب هـــكـــذا دخـــلـــت ســـاحـــة غـــيـــر مــســبــوقــة، ومعها عمليات التفاوض والمساومة. وفي كل ذلك، يبدو الدور الإسرائيلي غامضاً. القصة في كل ذلك تنتقل من الدراما إلى التراجيدية! فـــي زمـــن تـتـكـاثـر فـيـه الأزمــــــات وتــتــراجــع فيه حـكـمـة الــتــاريــخ أمــــام ضـجـيـج الـسـيـاسـة الـيـومـيـة، تبدو بعض الحكايات الصغيرة قــادرة على إعادة تــرتــيــب عـاقـتـنـا بـــالمـــاضـــي، لا بــوصــفــه عـبـئـا على الحاضر، بل باعتباره إمكانية للفهم واستخلاص المعنى، وربما للتقارب. من بين هذه الحكايات، ما يرويه الوزير الأول )، وسفير بـاده 2007 - 2005( الموريتاني الأسـبـق بعد ذلك في مدريد، سيدي محمد ولد بوبكر، عن دعــوة تلقاها مـن الجيش الإسباني للمشاركة في احتفالية عسكرية لم يكن يدرك في البداية معناها. ويـــضـــيـــف أنـــــه بـــعـــد وصــــولــــه إلـــــى مــــدريــــد فـي ، تلقى 2008 أحــــد أيــــام الــربــيــع الـجـمـيـلـة مـــن سـنــة مكالمة هاتفية من رئيس الأركــان العامة للجيوش الإسبانية الجنرال سانز رولـدان، الذي كان حينها الشخصية العسكرية الثانية في إسبانيا بعد الملك خوان كارلوس الأول القائد الأعلى للقوات المسلحة، حيث دعاه إلى تناول الشاي في مكتبه، مشيرا إلى أنها دعـوة شخصية لا تكتسي أي صبغة رسمية. وقـــد فـاجـأتـه الـــدعـــوة؛ إذ لــم تـكـن لــه مـعـرفـة سابقة بالرجل، ولم يكن على علم بوجود ملف من ملفات الـــتـــعـــاون الــعــســكــري بـــن الــبــلــديــن فـــي ذلــــك الــوقــت يستدعي مثل هذا اللقاء. ويتابع أنـه حين ذهـب إليه، استقبله بحفاوة في مكتبه الواقع على مقربة من شارع «الباسيو دي لا كاستيانا»، حيث يحلو جو العاصمة الإسبانية عندما تورق الأشجار وتتفتح الأزهار على جنبات شـوارع مدريد وميادينها الفسيحة. وهناك، وجد الجنرال قد نثر على طاولة مستديرة وسط مكتبه خـــرائـــط قــديــمــة لــقــريــة صــغــيــرة اســمــهــا «أقــلــيــش» كــيــلــومــتــرا عــــن مـــدريـــد، 90 )، تــبــعــد نــحـــو Uclés( مـوضـحـا أنـهـا مسقط رأســــه، وأن لـهـا خصوصية تاريخية هي سر هذه الدعوة. ثم أشـار إلى إحدى الخرائط قائلا إنه في هذا المكان بالذات، قبل تسعة ، دارت 1108 ) مايو (أيــار 29 قــرون، وبالتحديد في معركة فاصلة بـن المـرابـطـن والجيش الإسباني، )، التي انتهت بانتصار Uclés( هي معركة أقليش قــوات المرابطين في واحــدة من أبــرز مواجهات تلك المرحلة. لـــــم تـــكـــن الـــــدعـــــوة عـــــاديـــــة؛ إذ طـــلـــب الـــجـــانـــب الإسـبـانـي مـشـاركـة وحـــدة مــن الـجـيـش المـوريـتـانـي فــي إحــيــاء ذكــــرى مـعـركـة تــعــود إلـــى قــــرون بـعـيـدة. بـدا الأمـــر، فـي ظـاهـره، أقــرب إلـى مفارقة تاريخية: كيف يُدعى جيش من جنوب الصحراء للمشاركة في إحياء ذكــرى معركة جـرت على الضفة الأخـرى من المتوسط؟ غير أن الإجابة التي تلقاها السفير مــن قــائــد الـجـيـش الإســبــانــي كــانــت كفيلة بتغيير زاوية النظر بالكامل: «إنها إحدى المعارك التي كان النصر فيها لجيشكم». فـــي تـلـك الـلـحـظـة، لـــم يـعـد الأمــــر مــجــرد دعـــوة بـروتـوكـولـيـة، بــل تـحـول اســتـدعــاء لــذاكــرة عميقة، تختلط فيها الجغرافيا بالتاريخ، وتتشابك فيها الـسـرديـات بـن ضفتي المـتـوسـط. عــاد السفير إلى كــتــب الـــتـــاريـــخ، لا بـــدافـــع الــتــشــكــيــك، بـــل رغـــبـــة في الفهم، بعيدا عن مجاملات اللحظة الدبلوماسية. وحــن حضر الاسـتـعـراض الـعـسـكـري، ورأى العَلم المـــوريـــتـــانـــي ضــمــن تـشـكـيـل رســـمـــي فـــي احـتـفـالـيـة إسبانية، أدرك أن التاريخ، مهما بدا بعيدا أو مثقلا بالصراعات، يمكن أن يُعاد توظيفه ليصبح منتجا للغة مشتركة. هــــذه الـــقـــصـــة، فـــي ظـــاهـــرهـــا، بــســيــطــة. لـكـنَّــهـا تكشف عــن طـبـقـات عميقة مــن الـعـاقـة بــن شمال أفريقيا وشبه الجزيرة الآيبيرية. فالأندلس ليست مجرد فصل مـن المـاضـي الإسـامـي فـي أوروبـــا، بل هي أيضا ذاكـرة ممتدة في الوعي المغاربي، تحمل مــعــانــي الــفــقــد بـــقـــدر مـــا تـحـمـل إشــــــارات الـحـضـور المستمر. وما زالت هذه الذاكرة، رغم توالي القرون، قـــادرة على التحرك فـي وجـــدان المجتمعات، وعلى التأثير في قــرارات تبدو، للوهلة الأولــى، سياسية أو بروتوكولية. غــيــر أن الـــافـــت فـــي هــــذه الـــواقـــعـــة لــيــس فقط اســتــدعــاء الــتــاريــخ، بــل الـطـريـقـة الــتــي تــم بـهـا ذلـك الاسـتـدعـاء. فإسبانيا الكاثوليكية، الـتـي خاضت حروبا طويلة مع المسلمين في الأندلس، اختارت أن تستحضر اليوم لحظة انتصار «الآخـر»، لا لتأكيد الهزيمة، بل لتكريس نوع من المصالحة مع الماضي. وهــــو اخـــتـــيـــار يـعـكـس تـــطـــورا جـــوهـــريـــا فـــي قــــراءة التاريخ، من كونه سجلا للصراع، إلى كونه مساحة للاعتراف المتبادل. في المقابل، فإن استجابة موريتانيا السريعة لــلــدعــوة تـكـشـف بـــدورهـــا عـــن عــمــق هــــذا الارتـــبـــاط الـــــرمـــــزي بــــالأنــــدلــــس. فـــمـــوريـــتـــانـــيـــا، رغـــــم بــعــدهــا الجغرافي النسبي، ظلت جــزءا من المجال الثقافي والعلمي الذي كان يتغذى من الأندلس، سواء عبر العلماء أو الرحلات أو شبكات المعرفة. ولذلك؛ لم تـكـن المــشــاركــة مـجـرد حـضـور عـسـكـري، بــل كـانـت، في جوهرها، تعبيرا عن انتماء حضاري يتجاوز الحدود الحديثة. هـــنـــا تــــبــــرز مـــفـــارقـــة لافــــتــــة: فــبــيــنــمــا تـنـشـغـل الـسـيـاسـات الـراهـنـة فـي كثير مــن الأحــيــان بـإغـاق الــــحــــدود وتـــشـــديـــد الــــرقــــابــــة، يــفــتــح الــــتــــاريــــخ، فـي لحظات معينة، نوافذ غير متوقعة للتواصل. بل إن هذه النوافذ قد تكون أكثر صدقا من الخطابات الرسمية؛ لأنَّها تستند إلـى ذاكــرة مشتركة، لا إلى مصالح ظرفية عابرة. لكن هــذه الــقــدرة على تحويل الـتـاريـخ جسرا لــلــتــواصــل، بـــدل أن يــكــون ســاحــة لــلــصــراع، ليست تلقائية. فهي تتطلب شجاعة فكرية فـي مواجهة المــاضــي، واســتــعــدادا لـاعـتـراف بتعقيداته، بعيدا عــن الــســرديــات الأحـــاديـــة. كـمـا تتطلب أيـضـا وعيا بأن الذاكرة ليست ملكا لطرف واحـد، بل هي نتاج تفاعلات متعددة، قد تحمل في طياتها الألم، لكنها تحمل أيضا إمكانات الفهم. فـــي هــــذا الـــســـيـــاق، يـمـكـن قـــــراءة هــــذه الــواقــعــة كـــدرس فــي الـدبـلـومـاسـيـة الثقافية الـتـي لا تعتمد فـــقـــط عـــلـــى الاتـــفـــاقـــيـــات والمـــصـــالـــح المــــبــــاشــــرة، بـل تستثمر أيضا في الرموز والمعاني. فدعوة وحدة عسكرية موريتانية للمشاركة في احتفال إسباني بـحـدث تـاريـخـي ليست مـجـرد حــدث عـابـر، بـل هي رسالة تقول إن الماضي، مهما كان مثقلا بالصراع، يمكن أن يُعاد تأويله بطريقة تخدم الحاضر. ولعل الأهـم في هذه القصة هو ما تكشفه عن مــوقــع الإنـــســـان فــي كــل هــــذا. فـالـسـفـيـر، وهـــو يقف شـــاهـــدا عــلــى الاســـتـــعـــراض، لـــم يــكــن مـــجـــرد ممثل لدولة، بل كان أيضا فردا يواجه تاريخه الشخصي والجماعي في آن واحد. وفي تلك اللحظة، يتقاطع الــخــاص مــع الـــعـــام، ويـتـحـول الــحــدث مــن مناسبة رســمــيــة إلــــى تــجــربــة وجــــوديــــة، تـعـيـد طــــرح ســـؤال الانتماء. فـي نهاية المــطــاف، لا يـقـدم لنا الـتـاريـخ دومـا أجوبة جاهزة، لكنه بالمقابل يمنحنا أدوات للفهم. وإذا كــــان فـــي وســعــه أن يــكــون مـــصـــدرا لـلـنـزاعـات والـحـروب، فإنه قـادر أيضاً، كما في هـذه الحكاية، على أن يصبح جسرا غير مرئي، يربط بين ضفاف مـــتـــبـــاعـــدة، ويــمــنـــح مــعــنــى جــــديــــدا لــفــكــرة الـعـيـش المـشـتـرك، حتى لمـن دفعتهم الـغـربـة بـعـيـداً، إلــى ما وراء بحر الرمال. الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel OPINION الرأي 13 Issue 17291 - العدد Wednesday - 2026/4/1 الأربعاء عبد المنعم سعيد عبد الله ولد محمدي حرب الخليج الرابعة موريتانيا وإسبانيا... وقفة أمام اختبارات التاريخ

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky