يوميات الشرق يتعامل البرنامج مع الجسد بوصفه وعاء للذاكرة لا أداة فقط ASHARQ DAILY 22 Issue 17290 - العدد Tuesday - 2026/3/31 الثلاثاء في «وِرث»... تأهيل مصممين حركيين يقرأون الموروث بلغة معاصرة الفنون الأدائية... دبلوم جديد يعرِّف الحركة بوصفها هوية فـــي لــحــظــة ثــقــافــيــة تــتــقــاطــع فيها أسـئـلـة الــهــويــة مـــع رهـــانـــات المـسـتـقـبـل، يفتح المـعـهـد المـلـكـي للفنون التقليدية (وِرث) نـــافـــذة جـــديـــدة عــلــى أحــــد أكـثـر الـــفـــنـــون حــســاســيــة، وتـــعـــقـــيـــداً: «الأداء الـــــحـــــركـــــي» لــــيــــس مـــــجـــــرد رقــــــصــــــة، أو اســــتــــعــــراض، بــــل يـــعـــد خـــطـــابـــا بـصـريـا يحمل في طياته تاريخ المـكـان، وإيقاع الإنـــســـان، وذاكــــــرة الــجــمــاعــة. ومـــن هـذا الأفـــق يـأتـي إعـــان «دبــلــوم متوسط في تصميم الأداء الــحــركــي»، والــــذي يُــقـدِّم لأول مـــرة فـــي المـمـلـكـة مــشــروعــا ثقافيا مـــتـــكـــامـــا يــعــيــد تـــعـــريـــف الـــعـــاقـــة بـن الجسد والتراث، وبين الحركة والمعنى. من الفنون الشعبية إلى المختبرات الإبداعية في المملكة لم تكن الفنون الأدائية يـــومـــا مـــجـــرد تــــرف جـــمـــالـــي، بـــل كــانــت، كـمـا تكشف الـتـجـارب الـتـاريـخـيـة، أداة لـلـتـعـبـيـر عـــن الـــتـــحـــولات الاجــتــمــاعــيــة، ومـــرآة للبيئات المختلفة، من السواحل إلـــــــى الـــــجـــــبـــــال. وهــــــــذه الـــــفـــــنـــــون، الـــتـــي تـــوارثـــتـــهـــا الأجــــيــــال شــفــهــيــا وحـــركـــيـــا، تحمل شفرات ثقافية دقيقة تتجلَّى في الإيـــقـــاع، والـــلـــبـــاس، وحــتــى فـــي ترتيب الصفوف أثناء الأداء. مـــــن «الـــــعـــــرضـــــة» الــــتــــي وُلـــــــــدت مـن رحـــــم المـــــعـــــارك، إلـــــى «الــــســــامــــري» الــــذي يهمس بقصص الغزل، ومن «الخطوة» الـــجـــنـــوبـــيـــة إلـــــى «الـــــدحـــــة» الــشــمــالــيــة، يتشكل أرشيف حي من الحركات التي لا تُقرأ بالكلمات، بل تُفهم عبر الجسد نـــفـــســـه. وهـــنـــا تـــحـــديـــدا يـــأتـــي الـــدبـــلـــوم الـــجـــديـــد لـــيـــحـــوِّل هــــذا الإرث مـــن حـالـة التلقي إلى فضاء التحليل والإبداع. برنامج يعيد صياغة العلاقة بين التراث والحداثة يمتد البرنامج لعامين دراسيين (أربـعـة فـصـول)، ويُــقـدَّم حضوريا في مقر المعهد بحي الفوطة في الرياض، ضــــمــــن جــــــــــدول صـــــبـــــاحـــــي، وبـــشـــكـــل مـجـانـي لـلـمـواطـنـن الـسـعـوديـن، في خــطــوة تـعـكـس تـوجـهـا واضــحــا نحو دعم الثقافة، وإتاحتها. لـــكـــن الأهــــــــم لـــيـــس فـــــي المـــــــــدة، أو الــشــكــل، بـــل فـــي الـفـلـسـفـة الـــتـــي يـقـوم عليها البرنامج؛ إذ يهدف إلـى صقل مخيلة الـطـاب ليصبحوا مصممين حــركــيــن قـــادريـــن عــلــى إنـــتـــاج أعــمــال أدائـــــيـــــة مــــعــــاصــــرة، دون أن يـــفـــقـــدوا صلتهم بالجذور. المقررات لا تكتفي بتعليم تقنيات الحركة، بل تتجاوز ذلـك إلـى: تحليل الأساليب التقليدية والمعاصرة، وفهم الخصائص الثقافية للفنون الأدائية الـــســـعـــوديـــة، والــــدمــــج بــــن الارتــــجــــال والتجريب والبناء الحركي المـدروس، وإنــــتــــاج عـــــروض مــســرحــيــة مـتـكـامـلـة ضمن فرق فنية. وهي مقاربة تعليمية تجمع بين الــنــظــريــة والــتــطــبــيــق، وبــــن المـخـتـبـر والركح، والتراث بوصفه مادةً، والفن ًبوصفه ممارسةً. الجسد بوصفه أرشيفا حيا مــــا يــمــيــز هـــــذا الـــتـــوجـــه أنـــــه يـتـعـامـل مـع الجسد بوصفه وعــاء لـلـذاكـرة، لا أداة فقط. فكل حركة، كما يشير الباحثون في الـفـنـون الأدائـــيـــة، تحمل دلالـــة اجتماعية وثقافية، ويمكن قراءتها بوصفها وثيقة غير مكتوبة عن المجتمع. فـــي الـــفـــنـــون الــتــقــلــيــديــة الــســعــوديــة، تتجسد هــذه الـفـكـرة بـوضــوح؛ إذ تعكس طــــريــــقــــة الاصـــــطـــــفـــــاف فـــــي الــــعــــرضــــة قــيــم الــــتــــاحــــم، فـــــي حـــــن تـــكـــشـــف الإيــــقــــاعــــات الـــبـــحـــريـــة عــــن عــــاقــــة الإنـــــســـــان بــالــبــحــر، وتـــــحـــــكـــــي الأزيــــــــــــــــاء تــــفــــاصــــيــــل الــــبــــيــــئــــة، والاقتصاد، وأنماط الحياة. مـــــن هــــنــــا، يـــصـــبـــح «تـــصـــمـــيـــم الأداء الـــــحـــــركـــــي» عـــمـــلـــيـــة إعــــــــــادة قــــــــــراءة لـــهـــذا الأرشيف، ثم إعادة كتابته بلغة معاصرة. صناعة جيل جديد من المصممين الحركيين لا يـقـتـصـر طـــمـــوح الـــبـــرنـــامـــج على الــتــعــلــيــم، بـــل يـــتـــجـــاوزه إلــــى بـــنـــاء جيل جديد مـن «المصممين الحركيين»، وهو تـــخـــصـــص لا يــــــــزال فـــــي طـــــــور الــتــشــكــل مــحــلــيــا، يـــكـــونـــون قــــادريــــن عــلــى ابـتـكـار عروض أدائية حديثة، وتوظيف التراث فـــي ســـيـــاقـــات مـــعـــاصـــرة، ودعـــــم المـشـهـد الــثــقــافــي بـــعـــروض تـجـمـع بـــن الأصـــالـــة والابــــتــــكــــار. وهـــــي أهـــــــداف تــتــقــاطــع مـع التحولات الكبرى التي يشهدها القطاع الثقافي في المملكة، حيث تتزايد الحاجة إلى كوادر قادرة على إنتاج محتوى فني يعكس الهوية، ويواكب في الوقت نفسه المعايير العالمية. ما بين الذاكرة والمستقبل فـــــي الــــنــــهــــايــــة، لا يـــمـــكـــن قـــــــــراءة هـــذا الدبلوم بمعزل عـن السياق الأوســـع الـذي تعيشه المملكة ثقافياً؛ إذ لـم يعد الـتـراث مــــجــــرد مـــــــادة لـــلـــحـــفـــظ، بــــل أصــــبــــح مــــادة لــــإنــــتــــاج، ومـــــصـــــدرا لــــإلــــهــــام، ومـنـطـلـقـا لصناعات إبداعية جديدة. وبــيــنــمــا كـــانـــت الـــفـــنـــون الأدائــــيــــة في المـــــاضـــــي تُـــنـــقـــل مـــــن ســــاحــــة إلــــــى أخــــــرى، ومــن جيل إلــى جيل، هـا هـي الـيـوم تدخل قــاعــات الــــدرس، لـــتُـــدرَّس، وتُــحــلَّــل، وتُــعـاد صياغتها. إنــــــــه انـــــتـــــقـــــال مــــــن «الأداء بـــوصـــفـــه مــمـــارســـة» إلــــى «الأداء بــوصــفــه مــعــرفــة»، ومـن الحركة بوصفها عـــادةً، إلـى الحركة بوصفها علما وفنا في آن واحد. جدة: أسماء الغابري رقصة شعبية تعكس تراث المناطق الساحلية في السعودية (ورث) رقصة شعبية على إيقاع الطبول تعكس تنوع الفنون الأدائية في السعودية (ورث) رقصة شعبية جنوبية بالدفوف (ورث) المعرض تضمّن تماثيل لأخناتون وسيزيف وكفافيس «إلى العمق» يحتفي بالطقوس والأشكال الطوطمية في مصر القديمة يـــحـــتـــفـــي مـــــعـــــرض «إلـــــــــى الـــعـــمـــق» للفنان المصري ناثان دوس بالحضارة المصرية القديمة من خلال مجموعة من الأشــكــال الطقوسية، والطوطمية التي تعود إلـى فترة الأم الكبرى، تلك الفترة العتيقة التي كانت تتمركز حول الأرض بوصفها موئل الكائنات، ويتجلى ذلك في كثير من التماثيل التي تشير لميلاد البشر، والبذور، وحتى الأساطير. ويـتـضـمـن المـــعـــرض أيــضــا تماثيل مــــن خــــامــــات مــتــنــوعــة تــعــبــر عــــن أفـــكـــار شــتــى حــــول الـــخـــيـــر، والــــشــــر، والـــكـــفـــاح، والبحث عن الحقيقة، وضغط اللوائح، والـــــقـــــوانـــــن، والـــــشـــــرائـــــع عـــلـــى الــنــفــس البشرية منذ القدم، وكأننا أمام مشاهد يـــومـــيـــة تـــحـــتـــوي عـــلـــى فـــلـــســـفـــة كــامــلــة تعيد صياغة الفكر الإنـسـانـي، وترسم مستقبل البشر من جديد. ويـــضـــم المـــعـــرض الـــــذي تستضيفه 12 قـاعـة الـزمــالـك لـلـفـن، ويستمر حـتـى عملا كبيرا 20 أبريل (نيسان)، أكثر من بـــخـــامـــات مــتــنــوعــة مــــن الأحـــــجـــــار، مـثـل الـــكـــوارتـــز والــــديــــوريــــت، وهــــي مـــن أكـثـر الأحـــجـــار صـــابـــة، وخــــاض بــهــا الـفـنـان تجربة جديدة مليئة بالأفكار والرموز التي تعود للعصور القديمة حين كانت الأرض –الأم– الأنثى هي مركز الوجود. وعــــن هــــذه الــتــجــربــة يـــقـــول نـــاثـــان: «اســـتـــخـــدمـــت عـــــــددا مــــن الــــخــــامــــات فـي هــذا المــعــرض، فبالإضافة إلــى الـبـرونـز، هناك الكوارتز الـذي صنعت منه تمثال أخـــــنـــــاتـــــون، ولأول مــــــرة أقــــــــدم أعــــمــــالا مــــن الــــديــــوريــــت الــــــذي يـــعـــد مــــن أصــعــب الــخــامــات، وقــدمــت مــن خـالـه مجموعة كبيرة مـن الأشــكــال الـتـي تمثل طقوسا قـديـمـة، ورمــــوزا طـوطـمـيـة، تـتـحـدث عن فلسفة الخلق، والميلاد، والأرض الأم». ويضيف لــ«الـشـرق الأوســــط»: «من بــن الأعـــمـــال الــتــي قـدمـتـهـا بـالـديـوريـت تــــمــــثــــال صـــغـــيـــر لـــضـــفـــدعـــة تـــــرمـــــز إلــــى أســــطــــورة قــديــمــة مـــن أســـاطـــيـــر الــخــلــق، كما أنـهـا بالنسبة لـي تمثل قـفـزات في التعامل مع الخامات من البوليستر إلى الــغــرانــيــت، والـــبـــازلـــت، وغــيــرهــا، وأكـثـر خامة عملت عليها هي الديوريت». وعن علاقة هذا الضفدعة بنظريات الخلق الأولى يوضح دوس أن الأساطير المصرية القديمة تتحدث عن الإله خنوم، وهو يبدأ عملية الخلق على دولاب من الـفـخـار، ومــن كــان يشهد عملية الخلق ضفدعة سماها «حجت». وأكــــــــد أنــــــه خــــــاض تـــجـــربـــة الــعــمــل عــــلــــى الـــــديـــــوريـــــت بـــمـــجـــمـــوعـــة تـــتـــكـــون قــطــعــة، أطـــلـــق عـلـيـهـا مـجـمـوعـة 50 مـــن مـــــن الأدوات، والأشـــــــكـــــــال الـــطـــقـــســـيـــة، والـــطـــوطـــمـــيـــة. وفــــتــــرة الــــبــــدايــــة، أو مـا يسمونها في الأنثروبولوجيا والتاريخ الــقــديــم «فـــتـــرة الأم الــقــديــمــة»، تتضمن أشـــكـــالا مـتـنـوعـة لـلـمـرأة بـوصـفـهـا رمــزا لـلـخـصـوبـة، والـــــــولادة، وكـــذلـــك الأرض، والبذور التي تنبت فيها. ويتضمن المعرض تماثيل متنوعة لــشــخــصــيــات تـــاريـــخـــيـــة، ومـــألـــوفـــة، من بـيـنـهـا تــمــثــال «بــــورتــــريــــه» لأخـــنـــاتـــون، الملك المصري من الأسرة الثامنة عشرة، وصــــاحــــب دعــــــوة الـــتـــوحـــيـــد الـــشـــهـــيـــرة، وعــــــدّه الـــفـــنـــان تــحــيــة لافـــتـــتـــاح المـتـحـف المـــصـــري الـكـبـيـر، وإلــــى كـــل مـــن ينتصر لـــلـــهـــويـــة المــــصــــريــــة. كـــمـــا يــــوجــــد أيــضــا تمثال لأسطورة سيزيف، وهي أسطورة يونانية عن شخص يواجه لعنة أبدية تــجــعــلــه يــصــعــد بـــالـــصـــخـــرة فـــــوق جـبـل فــتــســقــط الـــصـــخـــرة مــــن الــــطــــرف الآخـــــر، ويــعــاد الــصــعــود بـهـا إلـــى مــا لا نـهـايـة، لـــكـــن نــــاثــــان دوس يـــضـــع ســـيـــزيـــف فـي قـالـب عــصــري، فـهـو يصعد بالصخرة، ويـثـبـتـهـا بـطـريـقـة بـدائـيـة فـــوق الـجـبـل، ويـحـمـل هـاتـفـا جـــــوالاً، ويـلـتـقـط صــورة «ســـيـــلـــفـــي» مــــع الــــصــــخــــرة، وكــــأنــــه أراد مشاركة معاناته مع الجميع. يـقـول نــاثــان: «أعـشـق الـفـن المصري القديم، وأعتبر نفسي امتدادا له»، وربما لهذا ظهرت لوحة جدارية ضخمة تصور الـفـنـان يـرتـدي مـابـس المـصـري القديم، وخلفه زوجته نيفين ناثان تؤازره وهو يــنــحــت تــمــثــال أخـــنـــاتـــون، هـــنـــاك أيـضـا تـمـثـال صـنـعـه الــفــنــان لــزوجــتــه الـفـنـانـة نـيـفـن نــاثــان مــن خــامــة الــغــرانــيــت، كما أهــدى إليها المعرض في مقدمة الكتاب التعريفي بـعـبـارة «إلـــى نيفين زوجـتـي التي أقتسم معها الحلم». ويــــضــــم المـــــعـــــرض تــــمــــثــــالا نـصـفـيـا لـــشـــاعـــر الإســـكـــنـــدريـــة الأشــــهــــر المـــصـــري اليوناني قسطنطين كفافيس، وحضر الـــســـفـــيـــر الــــيــــونــــانــــي فـــــي الــــقــــاهــــرة إلـــى المعرض مثنيا على التمثال، كما يضم المعرض أفكارا متنوعة عن فكرة الأرض، وعـاقـتـهـا بــالمــيــاد، فـهـنـاك جـنـن قابع فــي بـاطـن الأرض، وفــوقــه أو مــن خلاله تــخــرج نــبــاتــات خـــضـــراء، وهـــنـــاك أيـضـا الــعــديــد مـــن الـتـمـاثـيـل الــبــرونــزيــة الـتـي تجسد أفكارا فلسفية عن علاقة الإنسان بـــالـــطـــبـــيـــعـــة، وكــــفــــاحــــه لــــلــــوصــــول إلــــى الــجــوهــرة -الـحـقـيـقـة الـكـامـنـة فــي باطن الأرض. وعن فلسفة المعرض يقول ناثان إنه يسعى دائما لتقديم أعمال تحمل أفكارا تمس الإنسان وعلاقته بالواقع المعاش، ولكنه يبحث دائما عما وراء هذا الواقع مــــن تـــجــلــيــات، ورؤى، وأبــــعــــاد نـفـسـيـة قـد تسيطر على بعض الـبـشـر، وتحدد سلوكهم، وتؤطره، من هنا جاءت فكرة «إلــــــى الـــعـــمـــق» بــحــثــا عــــن مــعــنــى أعــمــق لـلـوجـود الـبـشـري. ومـــن الأعــمــال المهمة في المعرض وسـادة من الغرانيت ملقاة على الأرض وفوقها كل الأدوات تقريبا التي يحتاجها النحات، وكأنه يقول إنه وقـــت الـــراحـــة، ويـعـلـق عـلـى هـــذا الـعـمـل: «يـــنـــام المـتـعـب عـلـى وســـــادة مـــن الحجر ليستريح، أما الكسول فلن يجد الراحة ولو على وسادة من الريش». القاهرة: محمد الكفراوي تمثال سيزيف في المعرض (الشرق الأوسط) تمثال أخناتون تحية للمتحف المصري الكبير (الشرق الأوسط)
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky