issue17290

الثقافة CULTURE 18 Issue 17290 - العدد Tuesday - 2026/3/31 الثلاثاء أبو حيان التوحيدي حاول حرقه في نوبة يأس وإحباط «الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج يكشف كل من الكاتب والمــؤرخ المصري أحمد أمـن، والباحث أحمد زيـن، في مقدمة الـكـتـاب الـشـهـيـر «الإمـــتـــاع والمـــؤانـــســـة» لأبـي حيان التوحيدي عـن مفارقة حزينة تتمثل في حالة البؤس والشقاء التي انتابت المؤلف وسعى للتخلص منها عبر تأليف عـدد من المـؤلـفـات منها هــذا الـكـتـاب، إلا أنــه فشل في تـحــقـيـق غـــرضـــه رغــــم الـــطـــابـــع المــبــهــج الـــذي يشير إليه العمل، وزاد يأسه حتى أنه حاول التخلص من أعماله بحرقها في أواخر حياته ونجا الكتاب من تلك المحاولة بأعجوبة. نشأ التوحيدي يتيما في بغداد حيث ميلادية، 1023 حتى 922 عاش في الفترة من وفق أغلب المصادر التاريخية، وهو فيلسوف وأديــب موسوعي، يُعد من أبـرز أعـام القرن الــرابــع الـهـجـري، عـمـل فــي الـــوراقـــة، واشتهر بـ«فيلسوف الأدبـــاء وأديـــب الـفـاسـفـة»، كما امــــتــــاز بـــأســـلـــوب أدبــــــي رفـــيـــع وعـــمـــق فــكــري ومــســحــة صــوفــيــة، لـكـنـه عــــاش حــيــاة شقية مليئة بالصراعات التي انتهت بوفاته وحيدا بعد أن أحرق كتبه. كـــمـــا يـــذكـــر مـحـقـقـا الــــكــــتــــاب، الـــــــذي صــــدرت مـــنـــه طــبــعــة جــــديــــدة عـن «الهيئة المصرية العامة لـــقـــصـــور الـــثـــقـــافـــة»، ظـل طـــيـــلـــة حــــيــــاتــــه يـــجـــاهـــد ويــــكــــافــــح فـــــي الـــتـــألـــيـــف واحــــــــــــتــــــــــــراف الـــــــــوراقـــــــــة والنسخ وجــوب الأقطار حــــيــــث يــــقــــصــــد الأمــــــــــراء والوزراء لعلهم يكافئون عـلـمـه وأدبــــــه، فــلــم يحظ مــــــن وراء ذلـــــــك بـــطـــائـــل وعــــــــاش كــــمــــا يــــقــــول فــي بـــعـــض كــتــبــه عـــلـــى نـحـو أربــــــــعــــــــن درهـــــــــمـــــــــا، مـــع أنــــه، كـمـا يــقــول، رأى كل مــــن حـــولـــه مــــن الــعــلــمــاء والـــشـــعـــراء يــحــظــون من الأمــــــــــراء بـــــالمـــــال الــكــثــيــر والـــــحـــــظ الـــــوافـــــر ولـــيـــس أكـثـرهـم يـدانـيـه علما أو يجاريه أدباً. قـــصـــد الـــتـــوحـــيـــدي الـــــعـــــديـــــد مــــــن أصــــحــــاب الـــــــــــجـــــــــــاه والــــــســــــلــــــطــــــان فـــــــي عــــــصــــــره مـــــثـــــل ابـــــن العميد وابــن عباد وابـن شــاهــاويــه وابــــن سـعـدان وأبــــــــي الـــــوفـــــا المـــهـــنـــدس وغـــيـــرهـــم، ومــــــدح وأطـــــــرى وبـــكـــى واشــتــكــى وهــــدد وأوعــــد فـمـا نـفـعـه مــدحــه ولا ذمـــه ولا إطـــراؤه ولا هجاؤه في التخفيف مما عاناه رغـم عطائه الأدبـــي الكبير. ولعل أقــوم كتبه وأنفعها وأمتعها كتابه «الإمتاع والمؤانسة» الذي يقع في ثلاثة أجزاء. يـذكـر المـحـقـقـان أن أبـــا الــوفــاء المهندس كان صديقا لأبي حيان وللوزير أبي عبد الله العارض فقرب أبو الوفاء أبا حيان من الوزير ووصله به ومدحه عنده حتى جعل الوزير أبا حيان من سماره فسامره سبعا وثلاثين ليلة، كان يحادثه فيها ويطرح الوزير عليه أسئلة في مسائل مختلفة فيجيب عنها أبو حيان، ثم طلب أبو الوفاء من أبي حيان أن يقص عليه كل ما دار بينه وبـن الـوزيـر من حديث وذكره بفضله عليه في وصلة بالوزير مــع أنـــه، أي أبـــا حــيــان، لـيـس أهـــا لمصاحبة الـــــــــوزراء لــقــبــح هــيــئــتــه وســــــوء عــــادتــــه وقــلــة مرونته وتواضع ملبسه، لدرجة أنه هدده إن هـو لـم يفعل سيغض عنه ويستوحش منه ويوقع به عقوبته وينزل الأذى به. أجــــابــــه أبـــــو حــــيــــان ونـــــــزل عـــلـــى حـكـمـه وفــــضــــل أن يـــــــدون ذلــــــك فـــــي كــــتــــاب يـشـتـمـل على كـل مـا دار بينه وبــن الـوزيـر مـن دقيق وجليل وحلو ومر فوافق أبو الوفاء على ذلك ونـصـحـه بـــأن يـتـوخـى الــحــق فــي تضاعيفه وأثـــنـــائـــه، والـــصـــدق فـــي إيـــــــرداه، وأن يطنب فيما يستوجب الإطناب، ويصرح في موضع الـــتـــصـــريـــح، فـــكـــان مـــن ذلــــك كـــتـــاب «الإمـــتـــاع والمؤانسة». قـسـم أبـــو حـيـان كـتـابـه إلـــى لــيــالٍ، فكان يــــدون فـــي كـــل لـيـلـة مـــا دار فـيـهـا بـيـنـه وبـن الوزير على طريقة «قال لي وسألني» و«قلت له وأجبته» وكان الذي يقترح الموضوع دائما هو الوزير وأبو حيان يجيب عما يُقترح، فإذا أجاب أبو حيان على نحو أثار فكرا ومسائل عند الوزير فيستطرد إليها ويسأله عنها. وأحيانا يتخذ الكلام شكل حوار، فأبو حـيـان مـثـا يـــروي عـن الفيلسوف اليوناني ديــوجــانــيــس أنـــه سُــئــل مـتـى تـطـيـب الـدنـيـا، فقال: «إذا تفلسف ملوكها وملك فلاسفتها»، فلم يـرض الـوزيـر عن هــذا، وقــال إن الفلسفة لا تصح لمـن رفــض الدنيا وفـــرغ نفسه للدار الآخـرة فكيف يكون الملك رافضا للدنيا وهو مـحـتـاج إلـــى سـيـاسـة أهـلـهـا والــقــيــام عليها باجتلاب مصالحها ونفي مفاسدها، وأطال في ذلك. مـــوضـــوعـــات الـــكـــتـــاب مــتــنــوعــة تـنـوعـا ظـريـفـا؛ لا تخضع لترتيب ولا تـبـويـب إنما تــخــضــع لـــخـــطـــرات الـــعـــقـــل وطــــيــــران الــخــيــال وشــجــون الــحــديــث، حـتـى لـنـجـد فــي الـكـتـاب مـــســـائـــل مــــن كــــل عـــلـــم وفــــــن وأدب وفــلــســفــة وحــيــوان وأخـــاق وطبيعة وبـاغـة وتفسير وحــــديــــث وغــــنــــاء ولـــغـــة وســـيـــاســـة وتـحـلـيـل شخصيات فلاسفة العصر وأدبائه وعلمائه وتـــــــصـــــــويـــــــر لــــــلــــــعــــــادات وأحاديث المجالس وغير ذلك مما يطول شرحه. وقد خاف أبو حيان مـــــن بــــعــــض مـــــا ورد فــي الــــكــــتــــاب، حـــيـــث إنــــــه فـي حــديــثــه مـــع الـــوزيـــر عــاب أشــــخــــاصــــا مـــــن رجــــــالات الدولة الذين يستطيعون إيـــذاءه ، فرجا أبـا الوفاء أن يـــحـــفـــظ هــــــذا الـــكـــتـــاب ســـرا فــقــال: «وأنــــا أسـألـك ثـــــــانـــــــيـــــــة عـــــــلـــــــى طــــــريــــــق التوكيد كما سألتك على طـريـق الاقــتــراح أن تكون هــــــذه الــــرســــالــــة مــصــونــة مـــــن عــــيــــون الـــحـــاســـديـــن الـــــعـــــيـــــابـــــن بـــــعـــــيـــــدة عـــن تــــنــــاول أيــــــدي المــفــســديــن المـــــنـــــافـــــســـــن فــــلــــيــــس كـــل قائل يسلم ولا كل سامع يـنـصـف»، وقــد أنـجـز أبو حيان وعــده وأرســـل إليه الــــجــــزء الـــثـــانـــي عـــلـــى يـد غــــامــــه «فــــــائــــــق» أيـــضـــا، ثــــــم أرســـــــــل إلـــــيـــــه الــــجــــزء الثالث وهو الأخير وقال فــــي أولـــــه:«أرســـــلـــــت إلــيــك الــجــزأيــن الأول والـثـانـي وهـذا الجزء وهـو الثالث قد ألقيت فيه كل ما في النفس من جد وهزل وغث وسمين وشاحب ونضير وفكاهة وأدب واحتجاج واعتذار، ولأنه آخر الكتاب ختمته برسالة وصلتها بكلام في خاص أمري». ويـــعـــلـــق المـــحـــقـــقـــان بــــأنــــه أيــــــا مــــا كــــان، فالكتاب ممتع مؤنس كاسمه يلقي الضوء كـثـيـرا عـلـى الـــعـــراق فـــي الـنـصـف الــثــانــي من القرن الرابع، فهو يتعرض لكثير من الشؤون الاجتماعية في ثنايا حديثه فيصف الأمراء والوزراء ومجالسهم كابن عباد وابن العميد وابـــــــن ســـــعـــــدان ومـــحـــاســـنـــهـــم ومـــســـاوئـــهـــم، ويـصـف الـعـلـمـاء ويـحـلـل شخصياتهم ومـا كــان يـــدور فـي مجالسهم مـن حـديـث وجــدال وخــــصــــومــــة وشــــــــــراب، ويــــصــــف الـــــنـــــزاع بـن المناطقة والنحويين كالمناظرة الممتعة التي جـــرت بـــن أبـــي سـعـيـد الــســيــرافــي ومــتــى بن يـــونـــس الــقــنــائــي فـــي المــفــاضــلــة بـــن المـنـطـق اليوناني والنحو العربي، ورأي العلماء في الشعوبية والمفاضلة بين الأمم. يكشف الـكـتـاب عـن أسـلـوب أبــي حيان الأدبـــي الـراقـي كما عهدناه فـي كـل كتاباته، يحب الازدواج ويطيل فـي البيان ويحتذي حـــــذو الـــجـــاحـــظ فــــي الإطــــنــــاب والإطـــــالـــــة فـي تــــصــــويــــر الــــفــــكــــرة وتــــولــــيــــد المــــعــــانــــي مــنــهــا حـتـى لا يـــدع لـقـائـل بــعــده قـــــولاً، ولــكــن عـاب أســــلــــوبــــه فــــي هــــــذا الــــكــــتــــاب تـــعـــرضـــه كــثــيــرا لمسائل فلسفية عميقة قـد عــزّت على البيان ودقــــت عـــن الإيــــضــــاح، لـكـنـه حـــن يــخــرج عن هـــذه المــوضــوعــات الـدقـيـقـة إلـــى مـوضـوعـات أدبية كوصف فقره وبؤسه أو وصـف للكرم وفوائده أو وصف للسان والبيان، جرى قلمه وسال سيله وأجاد وأبدع. القاهرة: رشا أحمد «رواية الزعيم» و«نصوص فيصل»... الذاكرة ومقاومة النسيان تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية المـشـهـد الأخــيــر لـلـزعـيـم المـقـتـول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المـعـلـن، أو المُــشــار إلـيـه ضمنا فـي روايـــات عـراقـيـة كـثـيـرة كـانـت أنـمـوذجــا لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نـجـده مــن تـوصـيـفـات إيجابية، بـكـائـيـة فـــي حــــالات كــثــيــرة، أو مـــادحـــة أو متحسرة على مشهد «الإعـــدام» لـ«الزعيم المـحـبـوب»، إنـمـا تتقصَّد روايـــة «الـزعـيـم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفا مع مشهد الـــزعـــيـــم المــــقــــتــــول. أشـــهـــرهـــا روايــــــــة فــــؤاد الـتـكـرلـي الـشـهـيـرة «الــرجــع الـبـعـيـد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية مـن حكم الـزعـيـم، بـل وتــتــداول «أوصــافــا» تـحـقـيـريـة بـحـقـه مــثــل صــفــة «الـــخـــبـــل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفا مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت». هـــذه الــصــور المختلفة حـافـظـت على حـــــضـــــورهـــــا وفـــاعـــلـــيـــتـــهـــا حــــتــــى ظـــهـــرت «صـــورة» مـضـادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. ومـا بين «الـروايـة» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان. منطق سردي أيَّــا كـان موقف عالم الـروايـة، بالضد من الزعيم، أو مناصرا له، أو حتى محايداً، فـــإن هـنـاك منطقا ســرديــا لا تـتـراجـع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن الـسـرد يــقــاوم، بــضــراوة، الـنـسـيـان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غــالــبــا. وقـــد أقــــول إن إحــــدى الـخـصـائـص الـــســـرديـــة الأســـاســـيـــة فـــي هــــذا الـــنـــوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة الـعـوالـم المـنـسـيـة، وقـــد نـقـول المـقـصـيـة، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي. »، مــثــاً، 1980 : فـــي «الـــرجـــع الــبــعــيــد وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب الــــعــــراقــــي فـــــــؤاد الــــتــــكــــرلــــي، وقــــــد تــعــلَّــقــت عـوالمـهـا بالسنتين الأخــيــرتــن مــن العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كـلـهـا بـتـفـاصـيـلـهـا المـخـتـلـفـة. أفـــكـــر، هـنـا، بـالـحـوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الـخـاصـة، ربـمـا بمناطق بـغـداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضا أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه. وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات الـــعـــجـــائـــز فــــي الـــطـــابـــق الــــعــــلــــوي، مـثـلـمـا نــقــرأ الأشـــيـــاء والـشـخـصـيـات عـبـر صـوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نــهــائــيــة يـــجـــري تــقــديــمــه لــنــا عــبــر تقنية الـــراوي المـراقـب الــذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الــــحــــواري الـــجــامـــع بـــن مـــدحـــت وحــســن، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لــتــفــاصــيــل حـــكـــائـــيـــة تـــضـــطـــرب بـيـنـهـمـا: حــســن، زوج مـديـحـة، المـخـمــور دائـــمـــا، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مـتـرابـط عــن عــوالــم مختلقة، فـيـمـا يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غـارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الـروايـة بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مـدحـت بـاضـطـرابـات صبيحة الـثـامـن من ، حـــن جــرى 1963 فـــبـــرايـــر (شــــبــــاط) عــــام الانـــقـــاب الـبـعـثـي عـلـى حـكـم عـبـد الـكـريـم قـــاســـم، فــيــمــا يــبــقــى حــســن حــيــا وراغـــبـــا بكتابة مذكراته. فهل كــان هــذا شــأن عـوالـم الـسـرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: » لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم 1974 المـــخـــاض قـــد ضـبـطـت إيـقـاعـهـا سـرديـتـان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الــــذاكــــرة. لــكــن «الـــزعـــيـــم» يــظــل هـــو نفسه حــــاكــــم الــــســــرد ومـــمـــثـــلـــه الأوحــــــــــد، ربـــمـــا. يـــعـــود كـــريـــم داود لــــبــــاده، بــعــد ســنــوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حــــكــــايــــتــــه»، فــــا يـــجـــد ســــــوى «الـــزعـــيـــم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عـنـهـا. إنـــه مـنـطـق الــســرد الــتــشــردي الــذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقا في بغداد الـقـديـمـة. لـكـن الـــروايـــة لا تخفي التزامها بـــمـــنـــطـــق حـــكـــايـــة الــــزعــــيــــم؛ فـــهـــو الـــنـــاظـــم الأســـاســـي لـلـقـصـة كـلـهـا. وفـــي أثـــنـــاء ذلـك نستعيد عالما كاملا بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض. ثم إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمـــن شيطنة الـزعـيـم ذاتــــه، عـلـى منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: » لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءا 2024 مـــن ثــاثــيــة روائــــيــــة عـــراقـــيـــة تُــعــيــد قــــراءة الـتـاريـخ. فـي روايـــة بــدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الـزعـيـم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دورا مركزيا فـي تقدم الـروايـة واطـرادهـا، وتعمل بصيغة أرشـيـف ضخم لـأحـداث والعوالم المتصارعة. «نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية لحظة الملك فيصل الثاني، الـذي قتل ، هـــي عظة 1958 ) يــولــيــو (تــــمــــوز 14 فـــي ســــرديــــة أســـاســـيـــة فــــي الـــــروايـــــة الــعــراقــيــة الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبـــــديـــــة عـــلـــى كـــــل الأصــــــعــــــدة. فـــــا صـــــورة تـــراجـــيـــديـــة لـــزعـــيـــم مـــقـــتـــول وســـــط رفـــاقـــه الـخـلـص، ولا أرشــيــف يُــسـتـعـاد، بــل ليس هناك حتى حياة وعـوالـم تكتمل أمامنا. ثـــمـــة، إذاً، اســـتـــعـــمـــالات مـــتـــفـــردة لمــقــولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لـــــروايـــــة مــــا بـــعـــد الــــحــــداثــــة؛ فـــهـــي روايــــــة الــنــســيــان غــيــر المـــجـــدي؛ حــيــث الاقــتــصــاد بـكـل شـــيء، بالحكاية ذاتــهــا، بـحـيـاة تمر أمامنا سريعا كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهـو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصا مبشرا بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث : حـيـاة محتملة لـعـارف 1958« عــن روايــــة »، لضياء الخالدي، وهي 2018 : البغدادي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الـروايـة مـن الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دورا مركزيا في اقتراح روايـة معقولة تتجاوز إشـكـالـيـة الـــذاكـــرة ومـؤسـسـاتـهـا الـكـبـرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فردا بعينه وهــــي لـيـسـت خـــيـــارا جـمـاعـيـا بــعــيــدا عما تـقـبـل بـــه المــؤســســة الــحــاكــمــة لــلــســرد فــإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول. فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حــكــايــات وقـــصـــص؛ فــكــيــف، إذاً، يتحقَّق الــنــســيــان هـــنـــا؟ تــقــتــرح الــــروايــــة صـيـاغـة مـعـقـولـة تتجنب إشـكـالـيـة الــتــصــادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مــقــتــرحــة يـــجـــري فـيـهـا تــعــديــل «نــســيــان» أســــاســــي لــلــحــكــايــة الأصـــلـــيـــة؛ فــــبــــدلا مـن المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث نجد أن الــروايــة تُبقي 1958 المــركــزي عــام الأصــــــل كـــمـــا هــــو وتـــحـــافـــظ، بــنــســيــان مـا حـصـل، عـلـى الشخصيات الأسـاسـيـة من دون تـــصـــادم؛ فـالـزعـيـم «قـــاســـم» لا يـقـوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونـظـام حكامها ويُــعـدمـون. هـذه الصيغة المــــعــــدَّلــــة هـــــي إحــــــــدى مـــــواعـــــظ الـــنـــســـيـــان المـؤجـلـة لأجــل أن تمضي الــروايــة بعالمها المــتــخــيــل. وفــــي هــــذا الـــصـــدد لا يـــكـــون من شــــأن روايـــــة «حـــيـــاة مـحـتـمـلـة» أن تـقـتـرح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلا وجوديا لإشكالية الــذاكــرة المستعصية فـي تخيل عوالم رواية الزعيم. وقــــد يــفــســر اقــــتــــراح الــنــســيــان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الـكـبـرى لشخصيات تـطـمـح أو تـكـسـل أو حــتــى تــؤجــل كـــل شــــيء وتـــمـــارس ســرديــة الصمت المقاوم. تـكـرر روايــــة «ســاعــة فــي جـيـب المـلـك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المـنـتـمـيـة لــجــيــل أدبـــــي ســـابـــق، الـصـيـاغـة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نــصــوص فـيـصـل» اللاحقة سـتـتـخـلـى عـــن مــنــطــق «الــــــــراوي المـــراقـــب» وتـعـتـمـد تـقـنـيـة «الــــــراوي الــعــلــيــم». لمـــاذا؟ لأن الـــنـــســـيـــان تـــفـــرضـــه ســـلـــطـــة أســـاســـيـــة يمكنها أن تـفـرض على مجتمع الــروايــة. لـــكـــن روايــــــــة مـــيـــســـلـــون هـــــــادي ســتــحــافــظ على تيمة أسـاسـيـة فـي نـصـوص فيصل، وهـي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أســاســيــة تـتـولــى الــــروايــــة عــرضــهــا. نحن إزاء حـوارات موسعة بين نساء بغداديات كــــن، ومــــا زلـــــن، ربـــمـــا، عــلــى صــلــة مــؤكــدة وحميمية بعالم «فيصل». وفـي الحقيقة فـــإن التقشف هــو أحـــد الـــلـــوازم الأسـاسـيـة لــســلــطــة الـــنـــســـيـــان؛ فــــالأصــــل أن الــــروايــــة تقترح «النسيان» بصفته إجــراء أساسيا لمعالجة مشكلة وجودية. حمزة عليوي إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الروايات هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد صـدر حديثا عن دار نوفل - هاشيت أنطوان كتاب «على خشبة الحياة»، وهو سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد، «الذي استطاع أن يحوّل الخشبة مساحة حـــيّـــة لــلــســرد الإنـــســـانـــي والـــوطـــنـــي»، كما 356 جاء في كلمة الناشر. يقع الكتاب في صفحة، وفـيـه نـقـرأ عـن أبـــرز المحطات في حياته منذ طفولته في الريف الجنوبي، ثـــم مـجـيـئـه إلــــى بـــيـــروت لــــدراســــة المــســرح في الجامعة اللبنانية وانطلاقه في عالم المسرح. جـــاء فـــي كـلـمـة الــنــاشــر: «يُـــعـــد رفـيـق علي أحمد واحـــدا مـن أبــرز أعـمـدة المسرح الـلـبـنـانـي المـــعـــاصـــر، وفــنــانــا اســتــطــاع أن يـــــحـــــوّل الـــخـــشـــبـــة مــــســــاحــــة حــــيّــــة لــلــســرد الإنــــــســــــانــــــي والـــــــوطـــــــنـــــــي. عـــــلـــــى امــــــتــــــداد مـسـيـرتـه الـفـنـيـة، كــــرّس حـــضـــوره كممثل اسـتـثـنـائـي يـتـمـيّــز بــقــدرتــه الــفــريــدة على مزج الأداء التمثيلي بالتجربة الحياتية، مـقـدّمـا أعــمــالا مسرحية تنبض بـالـذاكـرة الـــجـــمـــاعـــيـــة وتـــعـــكـــس تــــحــــولات المــجــتــمــع اللبناني وتعقيداته. تميّز بأسلوب مسرحي خاص يجمع بين الحس الحكواتي والاحتراف الأدائي، فنجح في تقديم عروض مسرحية منفردة تـركـت أثـــرا عميقا لــدى الجمهور والـنـقّــاد عـلـى حـــد ســــواء، حـيـث اســتــطــاع أن ينقل تـــفـــاصـــيـــل الإنـــــســـــان الـــلـــبـــنـــانـــي وهـــمـــومـــه الـيـومـيـة بـلـغـة فـنـيـة صـــادقـــة وقــريــبــة من المتلقي. ولـم يقتصر تأثيره على الساحة اللبنانية، بـل امتد حـضـوره إلـى المسارح الــعــربــيــة، حــيــث شـــكّـــل نــمــوذجــا لـلـمـسـرح المــلــتــزم الــــذي يـجـمـع بـــن الـبـعـديـن الفني والإنـــســـانـــي. فـــي سـيـرتـه المـسـرحـيـة هـــذه، يفتح رفيق علي أحمد نافذة على تجربته الإبداعية والشخصية، مستعرضا رحلته فـي تحويل التجربة الفردية خطابا فنيا جــامــعــا ومــســيــرتــه مـــع المـــســـرح بـوصـفـهـا فعل مقاومة ثقافية وذاكـــرة حـيّــة، كاشفا عــن كـوالـيـس عمله المـسـرحـي الشخصي، ومانحا الـقـارئ المهتم بالمسرح اللبناني والعربي شـهـادة عـن عصر كامل برموزه من زملاء المهنة، والمدارس المسرحية التي انتموا إليها؛ ليكون الكتاب بذلك مرجعا مـــهـــمـــا لــــكــــل مـــهـــتـــم بــــالمــــســــرح، بـــالإضـــافـــة إلـــى كـونـه شــهــادة فنية وإنـسـانـيـة تـوثّــق مسيرة أحد أبرز الأصوات المسرحية التي أسهمت في صياغة هوية المسرح اللبناني والعربي المعاصر». بيروت: «الشرق الأوسط» يكشف الكتاب عن أسلوب أبي حيان الأدبي الراقي... يحب الازدواج ويطيل في البيان ويحتذي حذو الجاحظ في الإطناب والإطالة

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky