issue17290

يساورني قلق شديد حيال التأثير السلبي للهواتف الـذكـيـة ووســائــل الـتـواصـل الاجتماعي عـلـى الأطـــفـــال. فــي الـــواقـــع، ينبغي لـنـا جميعا أن نشعر بذلك. إلا أنه في الوقت نفسه أشعر بالقلق مـن أنـنـا فـي غـمـرة حماسنا لحماية الأطــفــال من هذه التأثيرات السلبية، قد نقع في انتهاك القانون وتقويض حرية التعبير. وهنا تكمن المشكلة. الأســبــوع المــاضــي، أصــــدرت هـيـئـات محلفين في ولايتين أميركيتين مختلفتين أحكاما بملايين الــدولارات ضد شركات التكنولوجيا الكبرى. من ناحية، أصــدرت هيئة محلفين في نيومكسيكو، مــلــيــون دولار، في 375 حــكــمــا بــتــعــويــض قـــــدره قـضـيـة رفـعـهـا المـــدعـــي الـــعـــام لــلــولايــة ضـــد شـركـة «ميتا»، متهما إياها بتسهيل الاستغلال الجنسي للأطفال. وفــي الـيـوم الـتـالـي، قضت هيئة محلفين في كاليفورنيا بـدفـع «مـيـتـا» و«يـوتـيـوب» تعويضا مــايــن دولار؛ بسبب 6 إجـمـالـيـا لـشـابـة، بقيمة ما يُزعم من خصائص الإدمــان والضيق النفسي الـنـاجـم عـن اسـتـخـدام الـتـواصـل الاجـتـمـاعـي، بما في ذلك التنسيق الخوارزمي وما يُسمى التمرير اللانهائي، مع تقديم التطبيق باستمرار محتوى جديد في أثناء التمرير لأسفل الصفحة. من جهتي، أدرك جيدا أنه من السهل الاحتفاء بـهـذه الأحـــكـــام؛ فـأنـا أب لـثـاثـة أبــنــاء، وقـــد رأيـــت بعيني ما يحدث عندما يسقط المراهق في شرك «الإدمــــــــان عــلــى الــــشــــاشــــات»، ويـــغـــرق فـــي هـاتـفـه الـــذكـــي، دقــيــقــة بــدقــيــقــة، وســـاعـــة بــســاعــة. وعـلـى مستوى المجتمع من حولي، رأيــت الانفصال عن الواقع، والانجذاب لنظريات المؤامرة، والحركات الاجتماعية والسياسية المتطرفة. وبصفتي مواطنا مُهتما بـشـؤون مجتمعه، قرأت كتاب جوناثان هايدت المؤثر «جيل القلق»، وعاينت بقلق بـالـغ كيف تـــوارت قضايا الجنس والمخدرات وموسيقى «الروك» - التي لطالما شغلت بال الأجيال السابقة من الآباء والأمهات - بثلاثية مُرعبة من القلق والاكتئاب والأفكار الانتحارية. أضـــف إلـــى مــا سـبـق أنــنــي مُــسـتـهـلـك يتملكه الغضب، بعدما اطلعت على وثائق داخلية تُظهر أن شركات التكنولوجيا الكبرى، رغم خطاباتها المُنمقة حول جعل العالم مكانا أفضل والامتناع عن فعل الشر، فإنها في الواقع لا تقل جشعا ولا طمعا عـن غيرها مـن شـركـات أخــرى بقطاعات لا تُحصى. نــعــم، إنــهــا ضــــرورة مـلـحّــة أن نــبــدأ جميعا - ولـيـس الأطــفــال فحسب - بالابتعاد عـن هواتفنا والانـــخـــراط مــجــددا فــي الـعـالـم الحقيقي حـولـنـا، مع جيراننا ومجتمعاتنا. علينا أن نفكر بإبداع فـي سـيـاسـات وعــــادات تُــسـاعـد على الابـتـعـاد عن الهواتف. ومع ذلك، لا يجب أبدا أن يأتي ذلك على حساب القانون والحق في حرية التعبير. الـحـقـيـقـة، أن مـــواقـــع الـــتـــواصـــل الاجـتـمـاعـي لـيـسـت زجـــاجـــة كــحــول أو ســيــجــارة. إنــهــا ليست وسيلة لتوزيع المخدرات، وإنما وسيلة للتعبير. بعض الأحيان، يكون هذا التعبير سخيفا وغير مـــؤذٍ، وأحـيـانـا يـكـون سـامـا وضـــاراً. وفــي أحايين أخــرى يكون تثقيفيا أو ملهماً. إلا أنـه فـي نهاية المطاف يظل تعبيراً، وفـي أميركا، لا يُمكن حظر التعبير أو فـرض رقـابـة عليه أو تنظيمه، إلا في أضيق الظروف. التشهير، والتهديدات الحقيقية، والفحش، ومواد الاعتداء الجنسي على الأطفال، والتحريض المــــبــــاشــــر عـــلـــى الـــعـــنـــف - كـــــل هــــــذه الأشـــــكـــــال مـن التعبير يُمكن حظرها والمعاقبة عليها؛ لأنها لا تندرج تحت مظلة «حرية التعبير»، التي يكفلها الدستور. قد تخضع الخطابات التجارية - كالإعلانات عن الأدوية الموصوفة أو ملصقات الأطعمة، مثلا - لرقابة مشددة. إلا أنه عند تجاوز هذه الفئات - لا سيما عندما يتعلق الأمر بخطاب ذي قيمة فنية أو سياسية أو ثقافية أو دينية - تـبـدأ الحماية الشاملة التي يكفلها القانون بالظهور. ويــعــد الـحـكـم الـــصـــادر فــي لـــوس أنـجـلـيـس، رغــم انـخـفـاض قيمة الـتـعـويـضـات، الأكـثـر إثـــارة لــلــجــدل. لـــم تـــــدّع صــاحــبــة الـــدعـــوى، الــتــي بـــدأت اســــتــــخــــدام وســــائــــل الــــتــــواصــــل الاجـــتـــمـــاعـــي فـي ســـن الـــســـادســـة، أنـــهـــا تـــضـــررت مـــن خـــطـــاب غير قانوني؛ فلم تتعرض للتهديد أو التشهير، على سبيل المثال. إلا أنها ادّعت أن شركات التواصل الاجــــتــــمــــاعــــي جـــعـــلـــتـــهـــا مــــدمــــنــــة عــــلــــى شـــبـــكـــات الـتـواصـل الاجـتـمـاعـي، وأن استهلاكها القهري لــهــذه الـشـبـكـات تـسـبـب لـهـا فـــي تــشــوه جـسـدي، وأثار لديها أفكارا بإيذاء النفس. وتُعد هذه الدعوى واحـدة من آلاف الدعاوى المماثلة المعلقة فـي جميع أنـحـاء أمـيـركـا. المؤكد أن المـدعـيـة فـي هــذه القضية عـانـت طـفـولـة مؤلمة، لـكـن الـــخـــاف الـحـقـيـقـي تــركــز حـــول مـــا إذا كـانـت وسائل التواصل الاجتماعي السبب الرئيس لتلك الصدمة. وكما ذكـرت وكالة «أسوشييتد برس»، عـلـى سبيل المــثــال، أدلـــت المـدعـيـة بشهادتها بـأن والدتها أساءت معاملتها جسديا ونفسياً. ومع ذلك، وكما ذكر مايك ماسنيك في موقع «تـيـك ديــــرت»، مـوقـع يُغطي (مــن بـن أمـــور أخـرى كثيرة) الصراعات الدائرة حول حرية التعبير على الإنــتــرنــت: «واجـــهـــت هيئة المـحـلـفـن ســــؤالا حـول مـا إذا كـان إهـمـال الشركات (عـامـا جوهرياً) في إحــداث الضرر. ليس العامل الوحيد، ولا العامل الأساسي، بل عاملا جوهرياً». لـيـس مــن الـصـعـب فـهـم المــخــاطــر الــتــي تُــهـدد حـــريـــة الـتـعـبـيـر؛ فـــــإذا عـــانـــى شــخــص مـــا ضـائـقـة نفسية نتيجة ما يــراه على الإنترنت، هل يجعل ذلـك من المنصات، التي تُقدم هـذا المحتوى، هدفا مباحا للهجوم لمجرد أنها تُنسقه وتُقدمه بطريقة جذابة؟ في الواقع، السعي لجذب انتباه الشخص والـحـفـاظ عليه يُــعـد عنصرا أسـاسـيـا فـي مفهوم حرية التعبير في المجمل. مـن المُحتمل جــدا أن تُنقض هــذه الأحـكـام أو تُـــعـــدل بـشـكـل كـبـيـر عــنــد الاســـتـــئـــنـــاف، لــكــن هــذه العملية قــد تـسـتـغـرق ســـنـــوات. فــي غـضـون ذلــك، مــن شـبـه المــؤكــد أن تُــعـقـد المــزيــد مــن المـحـاكـمـات، وستصدر المزيد من الأحكام، التي ستخلق مزيدا من الضغوط على شركات التواصل الاجتماعي، كي تعزز رقابتها وسيطرتها على حرية التعبير على الإنترنت. في مواجهة المشكلات الاجتماعية الحقيقية، يــــكــــون مـــــن المـــــغـــــري دومــــــــا الـــتـــخـــلـــي عـــــن الـــقـــيـــود الـدسـتـوريـة. نـخـوض هــذه المـعـركـة ضـد الجريمة بـــاســـتـــمـــرار. عــلــى ســبــيــل المــــثــــال، تـــــؤدي مــوجــات الجريمة حتما إلى دعوات لشن حملات قمع، لكن تبقى هناك طرق دستورية وأخرى غير دستورية (ناهيك عن طرق معقولة وغير معقولة) لمكافحة الجريمة. وبـــــالمـــــثـــــل، هـــــنـــــاك طــــــــرق دســـــتـــــوريـــــة وغـــيـــر دستورية للتخفيف من أضــرار وسائل التواصل الاجتماعي؛ فالمدارس الخالية من الهواتف، على سبيل المثال، تتيح للطلاب التركيز على التعليم - واجبهم الأساسي الواضح خلال ساعات الدوام المدرسي، فضلا على أنه يُساعدهم على التواصل الاجتماعي وجها لوجه. كـــمـــا يُــمــكــنــنــا مــحــاســبــة مـــنـــصـــات الـــتـــواصـــل الاجـــتـــمـــاعـــي عــلــى خــطــابــهــا، تــمــامــا كــمــا يُــمـكـنـنـا محاسبة أي شخص أو شركة أخـرى إذا انخرطت في التشهير أو التحرش أو التهديدات أو أي نشاط تعبيري آخـــر، يــنــدرج ضـمـن الـفـئـات الكلاسيكية للتعبير غير القانوني. * خدمة «نيويورك تايمز» شــــــاء حــــظ لـــبـــنـــان أن يـــقـــع بــــن عـــواصـــف الجغرافيا، وأمــــواج الـتـاريـخ، وأن يـتـحـوَّل إلى ساحة تتقاطع فيها مشاريع متعارضة، وقوى إقـلـيـمـيـة ودولـــيـــة جـعـلـت مـنـه مــيــدانــا لتصفية الـحـسـابـات، فـي حـن كــان يفترض بـه أن يكون فضاء للحياة، والثقافة، والصحافة، والإبـداع، ومـنـتـجـا لــأفــكــار، والـــرمـــوز الــعــابــرة لـلـحـدود، كعادته التاريخية. لكن مسار الواقع كان أقسى من التوقعات، فـــقـــد جــــــاءت الــــقــــوى الـــخـــارجـــيـــة -بــحــمــولاتــهــا السياسية والعقائدية الصلبة- لتزاحم الدولة على قرارها، وتعيد تشكيل توازناته الداخلية وفق منطق الصراع العقائدي، والمذهبي، وليس منطق الدولة، فكان لبنان في كل مرة يدفع ثمن موقعه قبل أن يحصد معنى وجوده. وإذا نـظـرنـا إلـــى الـتـجـربـة الـلـبـنـانـيـة، في امـتـدادهـا الـحـديـث، فسنكتشف نسيجا معقدا مــــن الأزمـــــــــات، والـــــحـــــروب، والــــتــــحــــولات، حـيـث تتداعى إليه ارتــدادات الجوار، كما تتسلَّل إليه حسابات القوى البعيدة، حتى غدا بلدا يخوض حـروبـا لا يملك قـرارهـا، ويـفـاوض على سِــلْــم لا يملك مفاتيحه، في ظل انقسام دائم حول معنى الــــدولــــة، وحـــــدود الـــســـيـــادة، ووظــيــفــة الـــســـاح، وشرعية القرار. وهنا تبرز الأسئلة الجوهرية: لماذا يتعثر القرار اللبناني في الحرب كما في السِلْم؟ ولماذا يـتـنـازع الــداخــل والـــخـــارج عـلـى تمثيل إرادتــــه؟ ولمـــــاذا تــتــحــول أرضـــــه فـــي لــحــظــات الأزمـــــة إلــى ســاحــة مـفـتـوحـة لـتـقـاطـع المــشــاريــع الإقـلـيـمـيـة، بــــدلا مــن أن يــكــون وطــنــا نـهـائـيـا قــابــا للحياة المستقرة؟ إن مــأســاة لـبـنـان العميقة تـخـتـزل أولا في الاعـتـداءات الإسرائيلية المتكررة، ومـا تتركه من ضغط دائــم على حـــدوده، وسيادته، وتمتد إلى البنية السياسية الـداخـلـيـة الـتـي لــم تنجح في ترسيخ مفهوم الــدولــة الوطنية الـكـامـلـة، حيث ظلت قوى متعددة -بعضها سياسي، وبعضها مسلح، وبعضها عقائدي- تنازع الدولة احتكار الـــقـــرار، وتضعف قـدرتـهـا على احــتــواء المجتمع تحت سقف واحـــد، وعلى رأس هـذه القوى يقف «حزب الله» بارتباطاته العقائدية بإيران البعيدة. لــقــد جـــــرَّب لــبــنــان عــلــى مــــدى قــــرن تـقـريـبـا صيغا متعددة من التوازنات، والتحالفات، منذ اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية، لكنَّه لم يغلق كل نوافذ الصراع، وهناك من يرى أنَّه أعــاد تنظيمه داخــل الــدولــة، بــدلا مـن أن ينهيَه بشكل جذري، فبقيت الهشاشة كامنة في البنية السياسية، والمؤسساتية، ومع كل اختبار كبير كــان يظهر أن الــدولــة لـم تستعد كـامـل مركزها بعد. وفـــــي الــــســــنــــوات الـــاحـــقـــة جـــــــاءت حــــروب وأزمـــات متتالية أعـــادت إنـتـاج الاضــطــراب، من ،2019 ، إلى الانهيار الاقتصادي منذ 2006 حرب ، والذي شكّل 2020 إلى انفجار مرفأ بيروت في لحظة انهيار رمزي للدولة، ومعه تكرس شعور عام بأن لبنان يعيش على حافة العجز الدائم، وأن القرار الوطني موزع بين أكثر من مركز قوة. ومع ذلك لم يفقد لبنان قدرته على الحياة، ولا طــاقــتــه الاجــتــمــاعــيــة، والــثــقــافــيــة، فــقــد ظــل مجتمعا نابضا رغــم الانـهـيـار، وظـلَّــت بيروت -رغــم الــجــراح- مـركـزا لـإعـام، والـفـكـر، والجدل السياسي، وظلت الطوائف على اختلافها جزءا مـــن نـسـيـج اجـتـمـاعـي مـعـقـد يـحـتـاج إلـــى دولـــة وطنية لجميع أبنائها. وفـي مـــوازاة ذلـك يظل الاقتصاد اللبناني شـــــاهـــــدا عـــلـــى عـــمـــق الأزمـــــــــــة، حـــيـــث تـــراجـــعـــت المـؤسـسـات، وانــهــارت العملة، وتقلصت فرص العمل، وهاجر الشباب، بينما ازدادت الفجوة بــن المجتمع والـــدولـــة، حـتـى بـاتـت فـكـرة الثقة نـفـسـهـا مــوضــع اخــتــبــار يـــومـــي، فـــي ظـــل غـيـاب إصـــــــاح جــــــــذري، يـــعـــيـــد بــــنــــاء الـــنـــظـــام المــــالــــي، والسياسي على أسس شفافة، وعادلة. الـــيـــوم تـــعـــود الأســـئـــلـــة بــشــكــل أكـــثـــر حـــدة: أي لبنان نريد؟ هل نريد وطنا نهائيا مكتمل الــســيــادة، ويـحـتـكـر فـيـه الـــقـــرار لـلـدولـة وحـدهـا وفـــــق مـــؤســـســـات واضـــــحـــــة، وقــــضــــاء مـسـتـقـل، وجــــيــــش مــــوحــــد، أم نــــريــــده ســــاحــــة مــفــتــوحــة تتنازعها القوى الداخلية، والخارجية، وتـدار بـالـتـوازنـات بـــدلا مـن الـدسـتـور، وبالاصطفاف بدلا من القانون؟ إن اســــــتــــــعــــــادة لــــبــــنــــان لــــــذاتــــــه لا تـــكـــون بــالــشــعــارات، وإنــمــا بـــإعـــادة بــنــاء فــكــرة الــدولــة نفسها، دولة تتقدم على كل ما سواها، وتعيد تعريف علاقتها بـالـقـوة، والــســاح، والــحــدود، والــــســــيــــاســــة، بـــحـــيـــث لا يـــبـــقـــى الــــوطــــن مـــجـــالا لــاســتــنــزاف الـــدائـــم، بـــل نــدعــو إلـــى أن يـتـحـوَّل لمــــشــــروع حـــيـــاة مـــســـتـــقـــر، وقـــــــادر عـــلـــى حــمــايــة مــواطــنــيــه، وصــــون مـعـنـاه فـــي زمـــن الانـكـشـاف الكبير الذي يعيشه الإقليم بأسره. وفــــي قــلــب هــــذا الــــســــؤال يــقــف لـــبـــنـــان بين احــتــمــالــن: إمَّــــا أن يـــواصـــل الــــــدوران فـــي دائـــرة الاســـتـــنـــزاف المـــفـــتـــوح، وإمـــــا أن يـــخـــتـــار لحظة تـأسـيـس جــديــدة تعيد الاعــتــبــار لـفـكـرة الـدولـة الــوطــنــيــة الـــكـــامـــلـــة، والـــتـــي تـنـتـظـم داخـــــل عقد جامع، يضع حدا لسيولة القرار، ويمنح البلاد فــرصــة حقيقية لـلـنـجـاة، والاســـتـــمـــرار، ويعيد للبنان صورته كدولة، وليس ساحة مخطوفة من قبل حـزب، أو جماعة، أو دولـة مـجـاورة، أو بعيدة. جمال الكشكي *ديفيد فرنيش OPINION الرأي 14 لبنان فضاء الحياة والإبداع لا الحروب شركات التكنولوجيا الكبرى في عين العاصفة Issue 17290 - العدد Tuesday - 2026/3/31 الثلاثاء لبنان ضحية عدوان مزدوج لا أحـــد يــعــرف كـــل مــــآلات حـــرب إيـــــران الــتــي دخـلـت شهرها الثاني، خصوصا مع القول بتدخل بري. بـــالمـــقـــابـــل، لا نـــهـــايـــة قـــريـــبـــة لـــلـــحـــرب الإســرائــيــلــيــة على لـبـنـان. صحيح أن طـهـران بـدأتـهـا بـقـرار ألـزمـت به وكيلها: «حـــزب الـلـه» مهمة «إســنــاد» نظامها، وتدفيع اللبنانيين الـفـاتـورة... لكن الرعونة في هـذا الـقـرار فات على مرتكبيها أن نتنياهو كان ينتظر الفرصة لـ«إكمال المهمة»، فمنحه «حـزب الله» التوقيت، لكي يخوض في لبنان انتخاباته: يُبيد الحياة ويقتلع البشر والحجر فيهجر أكثر من مليون مواطن ويقدم نفسه رجل الأمن للناخب الإسرائيلي! وبـيـنـمـا تـعـلـن طـــهـــران بـلـسـان وكـيـلـهـا أن «الـكـلـمـة لــلــمــيــدان»، يـسـتـعـيـد الـــنـــاس ذكـــريـــات مُــــرة مـــن الـتـاريـخ القريب وهم يتابعون الترهات الجارية، ورفض تسليم الــســاح لــلــدولــة. والـــســـؤال: لمــن «المـــيـــدان» ولمـــن الكلمة؟ نقاط فأصبحت 5 كـان لبنان يــرزح تحت وطــأة احـتـال واستحالت رؤوس جسور. ويجاهر العدو بمخطط 20 كلم، 124 كلم وبطول يفوق الـــ 8 إقامة حـزام أمني بعمق في المائة من البلد. وإن أخذنا في الاعتبار 10 أي احتلال أنه إلى تطويق مدينة صور، تتوالى الأخبار الإسرائيلية عـن تـوغـل لـن يتأخر لاخـتــراق الليطاني واحــتــال قلعة شقيف أرنــون شماله. وهـي حصن يُمَكِّن الإسرائيليين مـن إمـسـاك مـجـرى النهر والهيمنة بـالـنـار على منطقة النبطية التي طالها التدمير والتهجير شبه الجماعي، فـي المـائـة مـن الأرض فيما 15 لتلامس السيطرة نسبة بقية لبنان تحت الاستباحة! تـــدرك طـهـران ووكيلها أنـهـم أضـعـفـوا لبنان فبات أشبه بـ«بيت عنكبوت»، ويعرف النظام الإيراني ووكيله حقيقة لا تقبل الجدل: اللبنانيون، رغـم جهود السلطة لاحتضان أبنائها، متروكون لمصيرهم. ولا يُقلِق حكام طـهـران ووكيلها وقـــوف أكـثـريـة ساحقة مـن اللبنانيين ضد حرب مفروضة تهدد الوجود والكيان. ولا يرف لهم في 53 جفن أمام تكرار سيناريو غزة، التي أُبيدت فبات المائة من مساحتها حزاما أمنياً، وتـم حشر ناسها في الـخـيـم، وهـــي الــيــوم قضية منسية مـؤجـلـة أمـــام ويــات حـرب إيــران وتداعياتها على الإقليم والعالم. بالتأكيد آلاف نازح، 10 لا تُطلق الصواريخ، التي يكلف كل منها وفق توصيف رئيس الحكومة نواف سلام، بوهم القدرة على وقـف الاحـتـال وتحرير الأرض التي كانت محررة حتى مصيبة حـرب «إسـنـاد» غـزة. ولا وقـت لـدى «حزب الـلـه» ومُــشـغِّــلـه لـإنـصـات إلــى المــبــادرة الـرئـاسـيـة لوقف الحرب وبدء التفاوض لوقف الهزيمة عند الحدود التي بلغتها. فما يجري ينبغي أن يخدم مصالح دولة الولي الفقيه التي ينتمي إليها الحزب، وعلى اللبنانيين تحمل التكلفة! يحتل الإسـرائـيـلـيـون الآن الأرض، ويــوســعــون من نطاق الاحـتـال والعنوان شطب أي إمكانية مستقبلية لتكرار «طـوفـان» السنوار من أي بقعة محيطة بالدولة الـــعـــبـــريـــة. وواقـــعـــيـــا يــتــم وضــــع رؤيـــــة «جــابــوتــنــســكــي» فــــي الــتــنــفــيــذ بـــمـــا تـقـتـضـيـه مــــن أحــــزمــــة أمـــنـــيـــة وأرض مـحـروقـة، لـفـرض مـا يـائـم مصالح الـعـدو مـن تسويات أمنية وسياسية. أمـا دولــة الـعـدوان الإيـرانـي، من خلال وكيلها وقيادتها المـبـاشـرة، التي حــددت وظيفة لبنان بالدفاع عن الجمهورية الإسلامية، فهي توجه رسالة، إلى الأميركيين خصوصاً، بأنها تحتل القرار في لبنان بما يـخـدم مصالحها عندما يحين مـوعـد المـفـاوضـات. إنها وراء التهديد بالحرب الأهلية وسياسة التخوين لمنع تسليم السلاح اللاشرعي؛ لأن له وظيفة أخـرى في الـــداخـــل يـبـدأ بـحـمـايـة حـصـص «الـثـنـائـي المــذهــبــي» في الحكم بعضها فُـــرض بـقـوة الأمـــر الــواقــع، والتحكم في البلد على طريق الانفراد بالحكم واستكمال الاستتباع كهدف نهائي ارتبط بتأسيس «حزب الله»! واجــــب الـسـلـطـة وحـــق الـلـبـنـانـيـن المـطـالـبـة بـوقـف النار، ووقف العدوان المـزدوج: احتلال الأرض واحتلال القرار. وفي ذلك أولوية وطنية وهذا ما يفسر الذهاب إلـــى مـجـلـس الأمــــن والمــحــافـــل الــدولــيــة لإدانـــــة الـــعـــدوان والمطالبة بوقفه، وكي تتاح الإمكانية لمعركة سياسية دبـلـومـاسـيـة عـنـوانـهـا الانــســحــاب الإســرائــيــلــي. وبـهـذا السياق ينبغي النظر إلى القرارات التاريخية للحكومة الـــتـــي قـــضـــت بــحــظــر الـــنـــشـــاطـــات الــعــســكــريــة والأمــنــيـــة لـــ«الــحــزب»، وكـذلـك إلـــزام الإيـرانـيـن بتأشيرة مسبقة، وإعــان رئيس الحكومة قــرارا بإجلاء ضباط «الحرس الـــثـــوري» الــذيــن يـــقـــودون الـعـمـلـيـات الـحـربـيـة. مضيفا أن الــلــبــنــانــيــن «ضـــحـــايـــا حــــرب فـــرضـــت عــلــيــنــا، لا هم استشيروا فيها ولا كـان لهم قــرار الـدخـول فيها. فهي حرب الآخرين على أرضنا بامتياز». إن ألفباء طريق إنقاذ المتبقي يتطلب استبعاد أي طـــرح فـئـوي أو اسـتـعـراضـي، والالــتــفــاف حـــول المصالح الوطنية التي تعبر عنها السلطة. فـي حماية الـقـرارات الـقـاضـيـة بــنــزع الــســاح الــاشــرعــي، والــضــغــط لتفكيك البنى الأمنية والعسكرية والكشفية، مسار إنهاء حالة «مقاولة» شاذة نفذت إملاءات مشغليها بقتل السوريين والـيـمـنـيـن وتـفـجـيـر لــبــنــان مــــــراراً، ووضـــعـــه بـــقـــرار من طــهــران، فـي مـواجـهـة مفتوحة مـع الــعــدو، ومنصة ضد العرب، وعلى اللبنانيين الموجوعين تحمل التكلفة. لــقــد انــتــفــى زمــــن كــانــت فــيــه المـــقـــاومـــة لـلـمـحـتـل هي الخيار الوحيد في غياب الدولة، كما عرف لبنان ذلك في . اليوم استعيدت الدولة، وأيا كانت الملاحظات 1982 عام عـلـى أداء الـسـلـطـة، فــالأولــويــة تـفـتـرض وضـــع حـــد لــزج البلد في أتون حرب تقررت من الخارج ضاربة بالمصالح الـوطـنـيـة عـــرض الــحــائــط، ولا يـمـلـك بـلـد مـحـطـم أيـــا من أدوات التحكم في مسارها... والقرارات الحكومية ينبغي استكمالها، فما عــاد مقبولا زمــن الإفـــات مـن الحساب والعقاب، وبـأي حال انطوى إلى غير رجعة، زمن اليوم الأغبر الذي سُمي زورا بـ«اليوم المجيد»! حنا صالح

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky