issue17290

الـعـاقـات بـن أميركا وأوروبــــا حاليا تـبـدو وكأنها تدخل منعطفا ضيقا وخطراً؛ إذ لم تعد الخلافات تُناقش خلف الأبواب المغلقة، بـل إن المـوقـف الأخـيـر مـن الـحـرب ضـد إيـــران وضــع هذه الــتــبــايــنــات تــحــت الأضــــــــواء، وعـــلـــى مــنــصــات وقــــنــــوات الإعــــام الدولية. ووصـل الأمـر إلى حد تصريح الرئيس الأميركي ترمب بالانسحاب من حلف «الناتو»، احتجاجا على رفض دول أوروبا المشاركة بقطع بحرية لفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية. من جهة أخــرى، فـإن العلاقات الأميركية - الأوروبـيـة مرت بمنعطفات كثيرة قبل المنعطف الحالي، وتمكنت من تجاوزها وصـمـدت. والعلاقة بينهما، فـي رأيـــي، تشبه زواجـــا قائما على المصلحة؛ قد يشهد بـرودة في العواطف، لكنه لا يحتمل نقاش فكرة الانفصال أو الطلاق، بسبب ما يواجه الطرفين من تهديدات وتحديات مشتركة من الصين وروسيا. هل يعني ذلك أن الخلافات الحالية قد تفضي إلى استقلالية أوروبا واستغنائها عن مظلة الحماية النووية الأميركية؟ على ضوء المعطيات المطروحة أمامنا، فإن الجواب بالنفي هو الأسهل والأقرب للواقع الفعلي؛ ذلك أن بناء الدفاعات الأوروبية «نووياً» باستقلال عن أميركا يحتاج إلى سنوات طويلة وأمـوال طائلة، وسيكون ذلك على حساب أولويات أخرى. هـل يمكن إعـــادة بـنـاء الثقة بـن الـطـرفـن؟ بـالاسـتـنـاد إلى وقـائـع تاريخية سـابـقـة، ومــع مــراعــاة الــفــروق، فـــإن الإجــابــة هي «نعم». المثال الأول: أزمة سحب الرئيس الفرنسي شارل ديغول بـــاده مــن الهيئة العسكرية لحلف «الــنــاتــو»، وطـــرد قــواتــه من الـــقـــواعـــد الــعــســكــريــة، ونــقــل مــقــر الـــقـــيـــادة إلــــى بـلـجـيـكـا. والمــثــال الثاني: أزمة رفض رئيس الحكومة البريطانية هارولد ويلسون الاستجابة لدعوة الرئيس الأميركي ليندون جونسون لإرسال قوات بريطانية إلى فيتنام - ولو كتيبة واحدة رمزية مكونة من فرقة موسيقية عسكرية - لمنح التدخل الأميركي غـطـاء دولياً. على 2009 لاحقاً، عادت فرنسا إلى الهيئة العسكرية للحلف عام يد الرئيس نيكولا ساركوزي، كما تجاوزت بريطانيا أزمتها مع واشنطن سريعاً، وعادت الأمور بينهما سمنا على عسل. بناء على ما سلف، نجد أن العلاقة الأميركية - الأوروبية ليست مجرد تحالف عسكري عابر، بل هي «بنية تحتية» للنظام الغربي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، يصعب تفكيكها دون حـدوث انهيار للطرفين معاً. ومـع ذلـك، فـإن العودة إلـى سياسة الوئام التام كما في الماضي قد لا تكون بنفس السهولة هذه المرة. لمـــــــاذا يــخــتــلــف المـــنـــعـــطـــف الـــحـــالـــي عــــن مــنــعــطــفَــي ديـــغـــول وويلسون في الستينيات؟ يكمن الفرق الجوهري في أن أزمات المــاضــي كــانــت تــــدور، حـسـب آراء المـعـلـقـن، حـــول «كـيـفـيـة إدارة الــصــراع» مـع الـعـدو المشترك (الاتــحــاد السوفياتي سـابـقـا). أمَّــا الخلاف اليوم، فيتمحور حول ما يمكننا أن نطلق عليه «أولويات العداء» وجــدواه؛ إذ ترى أوروبــا في الصين شريكا اقتصاديا لا غنى عنه، وفي إيران جارا مزعجا يجب احتواؤه لا محاربته، في حين تراهما إدارة الرئيس ترمب تهديدين يجب كسرهما. الــتــلــويــح الأمـــيـــركـــي بــالانــســحــاب مـــن «الـــنـــاتـــو»، أو فــرض العقوبات والرسوم الجمركية دون تفريق بين عدو وصديق، دفع القادة الأوروبـيـن - لأول مـرة منذ الحرب العالمية الثانية - إلى التفكير بجدية في «السيادة الاستراتيجية». لكن هـذا الطريق مكلف جـــدا ولـيـس مـفـروشـا بـــالـــورود؛ فـالمـعـروف أن المـيـزانـيـات الأوروبــــيــــة مـنـهـكـة لا تـسـتـطـيـع تـحـمـل تـكـلـفـة اســـتـــبـــدال المـظـلـة الـنـوويـة الأمـيـركـيـة أو الـــقـــدرات الاسـتـخـبـاراتـيـة واللوجيستية الضخمة التي توفرها واشنطن. فهل نحن، إذن، شهود عيان على حالة طلاق بين الحليفين، أو أننا نشهد إعادة ترتيب أوراق بهدف صياغة جديدة للعقد؟ الحلف التاريخي لم يصبح ماضيا بعد، وقد لا يصبح كذلك أبداً، لكن يمكن وصفه بأنه بصدد دخول مرحلة تحوّل من حالة «عقد إذعان» تقوده واشنطن منفردة منذ تأسيس التحالف، إلى حالة «شراكة نِدّية»، لكنها شراكة قلقة. عودة الثقة بين الشركاء والحلفاء عموما بعد أزمة حادة لا تتم سريعا وآليا بمجرد طي الصفحات، وكأن شيئا لم يكن، بل تحتاج إلى زمن وإلى سلسلة من الخطوات الإيجابية المتبادلة. والـنـتـيـجـة الـنـهـائـيـة قـــد لا تـعـيـد الــعــاقــة تـمـامـا كـمـا كــانــت في السابق، بل ستكون الثقة في حالة عودتها موسومة بالحذر، وقد تبدو في بعض مناحيها «ثقة مرغمين»؛ تفرضها الضرورة والمـــصـــلـــحـــة، بــاعــتــبــار أن الـــصـــن وروســــيــــا هــمــا المـسـتـفـيـدتـان الوحيدتان إذا ما قرر الحلفاء المضي في طريقين منفصلين. فـي نهاية المــطــاف، فـي رأيـــي، سيظل الحلف الأميركي - الأوروبــــي صـامـداً؛ لأن تكلفة الانـفـصـال بالنسبة لأوروبـــا تـعـرّضـهـا لانـكـشـاف أمــنــي، وبالنسبة لأمـيـركـا تضعها في عزلة دولية. ثــمــة ســـبـــبـــان بــديــهــيــان لامـــتـــاك الـــســـاح الــــنــــووي؛ الأول هــو الهيمنة عـلـى الـجـيـران غـيـر المسلحين نــوويــا أو ترهيبهم، وإجـبـارهـم على الـخـضـوع خشية مـواجـهـة الــدمــار الـشـامـل، أما الـثـانـي فهو دفـاعـي بـحـت، ويتمثل فـي ردع عــدو أكـثـر قــوة عن مهاجمتك، وإقناعه بأن ثمن انتصاره سيكون باهظا إلى درجة لا يمكنه تحملها. الحرب الأميركية والإسرائيلية ضد إيران مدفوعة بالخوف من السيناريو الأول؛ أي إعادة تشكيل الشرق الأوسط عبر ابتزاز نووي إيراني. بيد أن الصراع القائم حتى الآن جعل السيناريو الثاني أكثر ترجيحاً؛ إذ أثبتت إيران أنها تمتلك بالفعل نوعا من الردع «شبه النووي»، وهو تهديد موثوق بدمار شامل قد يضع حدودا لما يمكن لخصومها المخاطرة به منطقياً. وعـلـى نقيض كـوريـا الشمالية، لا يمتلك النظام الإيـرانـي تـرسـانـة مــن الـــــرؤوس الــنــوويــة لــــردع أمــيــركــا؛ لـكـنَّــه يمتلك قـوة تصعيدية لـم تكن متاحة لـصـدام حسين أو معمر الـقـذافـي في صراعاتهما المصيرية مع الولايات المتحدة. ويعد إغلاق مضيق هـرمـز، ومـا يترتب عليه مـن أضـــرار فـي أســـواق الطاقة العالمية، أولى الخطوات التصعيدية الكبرى. أما التهديد الثاني، فيتمثل في السعي لتدمير البنية التحتية الأوسـع في الخليج العربي، من المصافي إلـى محطات تحلية المـيـاه؛ وهـو خيار لا يُستخدم إلا فـي أقصى حــالات الــضــرورة، بوصفه فعلا مـن أفـعـال «القتل الانـــتـــحـــاري»، لـكـنـه يـظـل تـهـديـدا قــويــا مــن نــظــام يــواجــه هزيمة وجودية. تــكــمــن المــشــكــلــة الـــجـــوهـــريـــة فــــي الاســـتـــراتـــيـــجـــيـــة فــــي أنــهــا وضـعـت الحكومة الإيـرانـيـة فـي ذلــك الـنـوع مـن المــواقــف المـهـددة وجـوديـا بالضبط؛ وذلـــك عبر حملة اغـتـيـالات صُممت لإحــداث تغيير في النظام، من دون أن تـؤدي بعد إلى الثورة السياسية المـنـشـودة. ومـا دام النظام بقي صـامـدا واستمرت الـحـرب، فإنَّه بإمكان الحكومة الإيـرانـيـة إطــاق تـهـديـدات كارثية بمصداقية غير معهودة؛ لأننا نحن مـن وضعناهم فـي موقف تصبح فيه التحركات الكارثية خيارا عقلانياً. ولـم تكن هـذه هـي الـحـال فـي الضربات الأميركية السابقة ضـــد الــبــرنــامــج الـــنـــووي الإيــــرانــــي، كـمـا لـــن تــكــون كــذلــك لــو أنـنـا اكتفينا بضرب بنيتها التحتية العسكرية فحسب. لكنها نتيجة حتمية لتصدر جهود اغتيال القيادات للمشهد الراهن، مما يترك للنظام المستهدف كل الحوافز اللازمة لاتخاذ خطوات متطرفة، بل وبحجم الكارثة النووية، وهي خطوات قد تبدو غير عقلانية في سياقات أخرى. بالطبع، هناك حــدود لهذه المقارنة الـنـوويـة؛ فـقـدرة إيـران على إحداث الفوضى لا تعتمد على سلاح واحد يُستخدم للدمار الفوري، وإنما على مجموعة من القدرات الموزعة ذات التأثيرات المتراكمة، بدءا من منصات إطلاق الصواريخ اللازمة لاستهداف جــيــرانــهــا فـــي الــخــلــيــج، وصــــــولا إلــــى الــســيــطــرة المــيـــدانـــيــة على الأراضي المحيطة بمضيق هرمز. إن ســــاح «هــــرمــــز» يــســتــغــرق وقـــتـــا لـيـظـهـر أثــــــره، كــمــا أن منصات إطــاق الصواريخ معرضة للضربات الجوية، ومـن ثم فإن فاعلية الردع الإيراني يمكن تقليصها من خلال الاستنزاف، فمن الممكن تدمير الأسلحة والسيطرة على الأراضي، وعند نقطة معينة، يمكن لمزيج من التحركات العسكرية «غير الوجودية» أن يجعل التهديد الوجودي أكثر قابلية للسيطرة عليه نظرياً، مما يُخفف من الضرر الاقتصادي المحتمل ويُحد من قوة إيران التصعيدية (كـل ذلـك مع الإبقاء على بصيص أمـل في أن يؤتي تغيير النظام ثماره خلال هذه المسيرة). هــذا هـو نــوع الـحـرب الــذي يطمح بعض «الـصـقـور» فـي أن تخوضه إدارة ترمب، عبر الزج بالقوات البرية ووحدات التدخل السريع لتحقيق مكاسب تدريجية لما لا يمكن إنـجـازه سريعاً. ومن المثير للاهتمام، وجود تقارب في الرؤى بين هؤلاء الصقور وبــعــض مـنـتـقـدي الـــحـــرب، الـــذيـــن يـــجـــادلـــون بــأنــه إذا لـــم تـخـتَــر الولايات المتحدة القتال بهذه الطريقة - أي إذا لم يسيطر مشاة البحرية الأميركية على الأراضي المحيطة بالمضيق، وإذا لم نقض نهائيا على التهديد الإيراني بإحراق الخليج العربي - فسيتعين علينا حينئذ قبول هزيمة تاريخية تبرز فيها إيــران بوصفها قوة إقليمية مهيمنة جديدة، تماما مثل شخصية بول آتريديس في رواية «الكثيب»، الذي أصبح إمبراطورا بعد تهديده بتدمير توابل كوكب «أراكيس» وتقويض حضارة المجرة. بيد أنني أشكك نوعا ما في أن إيران بصدد عيش لحظة بول آتريديس الخاصة بها؛ فلا يوجد زعيم إيراني يجسد شخصية «المُخلّص» ذي القدرات الخارقة (على حد علمي)، كما أن القوات التقليدية الإيرانية ليست بالجيش الذي لا يُقهر، فضلا على أن الجيوسياسة لا تسير عادة وفق حبكة روايات الخيال العلمي؛ فالجميع يعلم أن كيم جونغ أون يملك القدرة على إشعال حرب شاملة في منطقته، لكن ذلك لم يجعل منه «إمبراطوراً» محتملا لآسـيـا، وإنـمـا جعل مـن مهاجمة الـنـظـام الــكــوري الشمالي أمـرا عسيرا للغاية فحسب. وبالمثل، إذا تراجعت الولايات المتحدة عن حملة الاغتيالات وعــــــادت إلــــى المـــســـار الـــدبـــلـــومـــاســـي، فـــــإن الـــتـــهـــديـــدات الإيـــرانـــيـــة للمنطقة وللاقتصاد العالمي، ستكون أقل مصداقية مما هي عليه الآن، وهي في موقف بالغ الحرج. إن التفوق العسكري التقليدي الأميركي سيستمر، مما يعني القدرة على إلحاق أضرار متجددة بإيران، إذا حاولت جعل الابتزاز الاقتصادي نهجا دائماً. كما أن رغبة إيران في التهديد بـ«يوم القيامة» ضد جيرانها، من المرجح أن تزيد من عزلتها طويلة الأمد، بدلا من تشجيع هؤلاء الجيران على الانضواء تحت لواء الجمهورية الإيرانية. وهذا لا يعني أن خفض التصعيد سيكون بلا ثمن بالنسبة لـلـولايـات المـتـحـدة، أو أن هـدنـة لا تفضي إلــى تغيير الـنـظـام لن تمثل هزيمة مـحـدودة للقوة الأمـيـركـيـة. ولـكـن، وخـافـا لبعض المـتـشـائـمـن، فـــإن الـــولايـــات المـتـحـدة قـويـة ومحصنة بـمـا يكفي لاستيعاب خيبة أمل استراتيجية. وقد يكون السماح للرئيس دونـالـد ترمب بتسويق هـذا النوع من الإخـفـاق على أنَّــه «نجاح باهر»، أمرا مقبولاً، إذا كان البديل ليس الانقلاب الذي كان يأمله بوضوح، وإنَّما حرب برية في آسيا تُخاض تحت ظلال انهيار اقتصادي عالمي. * خدمة «نيويورك تايمز» هــــل أصـــبـــحـــت أفـــريـــقـــيـــا فـــعـــا أكـــثـــر صلابة مما كانت عليه في الماضي؟ حسب مــــــارس/ آذار 21( » «ذي إيــكــونــومــيــســت )، فقد غـدت أقــوى مما كنا نظن، إذ 2026 تستقطب اسـتـثـمـارات تـفـوق فـي قيمتها حجم المـسـاعـدات، وهـو مـا يعكس تحولا فـي نمط نـمـوهـا، الـقـائـم على الاستثمار الخارجي وتعاظم دور الفاعلين المحليين. ورغـــــم الــتــحــديــات الــكــبــيــرة الـــتـــي لا تـــزال قائمة، فقد باتت القارة تُعد وجهة اقتصادية استراتيجية، خاصة في عالم يتسم بعدم اليقين وعدم الاستقرار. الإطار السردي واضح: أفريقيا تتقدم، ولكن تحت الوصاية الفكرية والسردية للغرب. فالمقال يؤكد على صلابة أفريقيا، لكنه يحافظ على إطـار مُضمَر تُقيَّم فيه الـقـارة وفق معايير خارجية، مثل الاستثمار الأجنبي، والأسواق، والديون، وصندوق النقد الدولي. وهكذا، يُقاس نجاحها بمدى تدفق الاستثمارات الأجنبية، ورضا الأسواق المالية، وموقف المستثمرين الغربيين منها. من هذا المنظور، لا تُقدَّم أفريقيا بوصفها فاعلاً، بل بوصفها حالة اقتصادية خاصةً، موضوعا يُقاس ويُراقَب، لا كذات تُعرّف مسارها بنفسها. في هذا الإطار، لا تُقرأ أفريقيا كما هي، بل كما يريدها الآخرون أن تكون. إن غلبة الاستثمار على المساعدات حقيقة لا يمكن إنكارها، لكنها تبسيط مخلّ، وتحمل في الوقت نفسه شحنة آيديولوجية زائدة. فما لا يقوله المقال هو أن الاستثمار قد يكون ذا طابع استخراجي بحت، أي موجها أساسا نحو استخراج الثروات، دون أن تستفيد منه الساكنة المحلية. كما أن بعض الاستثمارات المباشرة قد تُنتج شكلا جديدا من التبعية، حيث تبقى سلاسل الإنتاج خاضعة للتحكم الخارجي. وهكذا، لا يتم تجاوز التبعية، بل يُعاد تشكيلها: من تبعية للمساعدات إلى تبعية لرأس المال. فالتحول في الأدوات لا يعني بالضرورة تحولا في طبيعة العلاقة. يـعـتـرف المــقــال بـــأن أفـريـقـيـا ليست وحـــدة متجانسة، لكنه يستمر، رغـــم ذلـــك، في الـحـديـث عنها وكـأنـهـا كـيـان اقـتـصـادي مــوحــد، مـمـا يعيد إنــتــاج الــتــصــورات النمطية القديمة حول «أفريقيا». فهو يخلط بين حالات مختلفة مثل المغرب، ومنطقة الساحل، ونيجيريا، ودول الجنوب الأفريقي؛ مما يؤدي إلى طمس النجاحات الخاصة بكل دولة أو منطقة. هذا الاختزال ليس جديداً، بل هو امتداد مباشر لسرديات غربية ترسخت منذ الحقبة الكولونيالية. طغيان المنطق المالي واضـح في مقاربة الغرب لأفريقيا، إذا اعتبرنا، افتراضاً، أن «ذي إيكونوميست» تمثل هــذا التفكير. فالتحليل يعتمد أسـاسـا على مــؤشــرات مثل الـسـنـدات، والأســـــواق، والاسـتـثـمـارات المـبـاشـرة، ومــعــدلات الـنـمـو، لكنه يتجاهل تماما التحولات الاجتماعية، ونوعية الحكامة المحلية، والرأسمال البشري الحقيقي، وأشكال الابتكار غير المهيكلة، وهـي عناصر تُــعـد مـن الخصوصيات الأفريقية الــبــارزة. فما لا يُقاس بمنطق السوق يُستبعد ببساطة من التحليل، وكأنه غير موجود. وكأن القيمة لا تُختزل إلا فيما يمكن تسعيره. ينتقد المقال الفساد، والاستبداد، وانسداد الأفق السياسي، وهي قضايا واقعية، غـيـر أن هـــذا الـنـقـد يـظـل سطحيا وانـتـقـائـيـا. إذ يغيب عـنـه تحليل الــنــمــاذج الأفـريـقـيـة المختلطة، ومفارقة الاستقرار في مقابل الديمقراطية المستوردة، فضلا عن دور الدول ذات الثقل الاستراتيجي مثل رواندا، والمغرب، وإثيوبيا وغيرها. كل ما لا ينسجم مع النموذج الغربي يُختزل في خانة الخلل أو الانحراف. كما يتضمن المقال استغلالا جيوسياسيا مُضمَراً؛ إذ يشير إلى أن أفريقيا أصبحت أكثر جاذبية لأن بقية العالم يعيش حالة من اللااستقرار. الترجمة الفعلية لهذا الطرح هي اختزال أفريقيا في «ملاذ آمن» ضمن أزمة عالمية. وهــذا يعكس نظرة انتهازية أكثر منها تشاركية، حيث تُختزل الـقـارة فـي مجرد متغير ضمن معادلة تقييم عالمية، لا كفاعل مستقل يمتلك دينامياته الخاصة ورؤيته التنموية. ما لا يريد الغرب أن يراه هو أن التَّحول الكبير الذي تعيشه أفريقيا ليس اقتصاديا فـقـط، بــل هــو أيـضـا تـحـول ســــردي، يـتـجـلَّــى فــي إعــــادة الـتـأكـيـد عـلـى الانــتــمــاء الأفـريـقـي والسيادة. وهو كذلك تحول مؤسسي، يقوم على أقطاب فعالة، وتحول جيوسياسي، حيث لا ترغب أفريقيا في الانخراط ضمن قطبية واحدة، بل تسعى إلى تعددية قطبية. غير أن المقال يعجز عن تمثّل هذه التحولات أو تحليلها. إنه انتقال من موقع التكيّف إلى موقع إعادة تعريف قواعد اللعبة نفسها. وهكذا، فالمقال - ومعه جزء من الخطاب الغربي - يعترف بأن أفريقيا لم تعد قارة في حاجة إلى المساعدة، لكنَّه يظل حبيس برمجية قديمة، تقيس أفريقيا بمنطق الأسواق وتدفقات الرساميل والنظرة الخارجية. وعندما يتم استبدال الاستثمار بالمساعدة، دون التساؤل عن طبيعة هـذا الاستثمار، فـإن ذلـك لا يعني التحرر من التبعية، بل استبدال تبعية بأخرى. أمــــا الـــتـــحـــول الأفـــريـــقـــي الــحــقــيــقــي، الـــقـــائـــم عــلــى الـــســـيـــادة الـــســـرديـــة والمــؤســســيــة والاستراتيجية، فلا يزال خارج أفق هذا التحليل. وليست المشكلة في أن أفريقيا لا تُفهم، بل في أن الأدوات التي يُراد فهمها بها لم تعد صالحة. OPINION الرأي 12 Issue 17290 - العدد Tuesday - 2026/3/31 الثلاثاء وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com *روس دوثات جمعة بوكليب لحسن حداد أميركا وأوروبا... شراكة القلق خيار إيران «النووي» إعادة النظر في السردية الاقتصادية لأفريقيا

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky