issue17289

بــــــدايــــــة ســـــــوف أخــــــاطــــــر بــــالأطــــروحــــة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبرا على الــتــعــويــض عـــن ذلــــك بـــشـــيء آخـــــر. بــمــا أنــه حـــرم الـــقـــراء الــعــرب وغــيــر الــعــرب مــن متعة الــوزن والقافية وكـل الطرب العظيم الناتج عـنـهـمـا، فــإنــه مـضـطـر لافـــتـــراع صـــور شــاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاخـــتـــراع مـــجـــازات إبــداعــيــة خــارقــة تـعـوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضا في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شـاذة، ولكن ممتعة وناجحة جــداً، بغية التعويض عن متعة الـشـعـر الـعـمـودي الـــذي حـرمـونـا منه بعد أن تـركـوه وهــجــروه ومـلـوا مـنـه. أو قل إن التاريخ العربي ذاتــه هـو الــذي تعب من حاله، ويئس، ووصـل إلى الجدار المسدود. ولــــذلــــك لـــيـــس مــــن المـــبـــالـــغـــة الــــقــــول إن أهـــم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهـي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر. هـل تـريـدون أمثلة على ذلــك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط: «سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!». للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لــنــا هـــو المـــثـــال الأعـــلـــى الـــــــوردي الــســمــاوي الأبـعـد مـا يـكـون عـن الجيفة المـرعـبـة. ولـولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قـــد فــشــل تـــمـــامـــا، وأســـقـــط فـــي يــــده ويـــدنـــا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لـم تنقدح ولـم تحصل أبـــداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعرا فاشلاً، بل ورديئا من الدرجة العاشرة. وهــــــذا يــثــبــت صـــحـــة أطــــروحــــة الــنــاقــد الـــفـــرنـــســـي جـــــان كـــوهـــن الــــــذي أتـــيـــحـــت لـي مقابلته فــي بــاريــس يـومـا مــا أيـــام زمــــان... وهــــو فـــي رأيـــــي أهــــم نـــاقـــد نــفــذ إلــــى أعــمــاق الــشــعــر، إلـــى كـيـمـيـاء الـلـغـة الـشـعـريـة حيث تغلغل إلـــى ســر أســـرارهـــا. انــظــروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثـم «اللغة العليا»، أي لــغــة الـــشـــعـــر، أي الــلــغــة الـــتـــي تـعـلـو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولا بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولا بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فـــج وصــــــادم ومـــزعـــج ولا مــــســــؤول. الـشـعـر هـو اغـتـصـاب بالمعنى الـحـرفـي للكلمة: أي اغــتــصــاب مـنـتـظـم ومــقــصــود لمـعـانـي اللغة الــعــاديــة الــتــي نـعـرفـهـا. ولـكـنـه فـــي الـحـركـة الــثــانــيــة يـخـفـف مـــن حــــدة هــــذا الانـــتـــهـــاك أو الاغــتــصــاب عــن طــريــق إضــافــة كـلـمـة أخــرى تـــقـــلـــص مـــنـــه أو تـــخـــفـــف مــــنــــه، وبـــالـــتـــالـــي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهـذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المـؤسـف هـو أن العديد مـن شـعـراء الحداثة الـعـربـيـة لا يستطيعون تقليص الانـتـهـاك الـلـغـوي الـحـاصـل. إنـهـم ينتهكون المعاني ويـغـتـصـبـونـهـا عــلــى مـــــدار الــســاعــة ظـانـن أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فـــاشـــلـــة لا تــعــطــي أي نـــتـــيـــجـــة. ولا تــــؤدي إلــــى انـــقـــداح الــلــغــة الــشــعــريــة أو الـشـحـنـات الــــشــــعــــريــــة. وبــــالــــتــــالــــي فـــهـــنـــاك انـــتـــهـــاكـــات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعـلـى الــســمــاوات، وهـنـاك انـتـهـاكـات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قـدح الـشـرارة الشعرية. لا داعــي لضرب الأمثلة لأن عـشـرات الـدواويـن مـلـيـئـة بــهــذه المــــجــــازات المــيــتــة. ولـــذلـــك قلت لأحــــدهــــم مـــــــرة: رجـــــــاء لا تُــــهــــدِنــــي ديــــوانــــك الــجــديــد، ولا حـتـى الــقــديــم. رجــــاء ارحـمـنـي وأشـفـق عـلـيّ. إنـي فـي حالة يُــرثـى لها. إني أكره الشعر كره النجوس. أعــود إلـى المـاغـوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»: «ولكن أي وطن هو الذي يجرفه الكنَّاسون مع القمامات في آخر الليل؟ تشبث بموتك أيها المغفل ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب فما الذي تريد أن تراه؟ وعكازك أصبح بيد الوطن أيها التعس في حياته وفي موته قبرك البطيء كالسلحفاة لن يبلغ الجنة أبداً». ظـــاهـــريـــا يـــبـــدو وكـــــأن المــــاغــــوط يهجو الـــســـيـــاب ويـــقـــرّعـــه، بـــل ويـــشـــن عــلــيــه حملة شـعـواء. ما هـذا الـرثـاء؟ ما هـذه الفضيحة؟ ولـــكـــن فـــي الــــواقــــع هــــذا أجـــمـــل رثـــــاء وأقــــوى رثــاء، لأنـه استخدم لغة جنونية ومجازات اعـتـبـاطـيـة وصــــورا عـبـثـيـة. وأنــتــج قصيدة شعرية حقيقية. وهـــذا هـو المـهـم فـي نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية الــــتــــراثــــيــــة والمــــعــــانــــي المـــنـــطـــقـــيـــة المـــحـــتـــرمـــة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً. لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حـيـاتـي كـلـهـا مــتــوزّعــة بـشـكـل مـــتـــراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماما مثل طـــه حــســن. (اســمــحــوا لـــي بــهــذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُل من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها 1908 عام مــــرة وإلا كـــــدت أمـــــوت مـــن الــضــحــك، تـمـامـا كــمــا حــصــل لـــي مـــع المــــاغــــوط، وربـــمـــا أكــثــر؛ مـــا قــرأتــهــا مـــرة إلا وكــــدت أمــــوت مـــن الـفـرح والانــــشــــراح والابـــتـــهـــاج. أكـــــاد أقـــــوم وأقــعــد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً: «كــــان فــحــم الــســمــاء قــريــبــا جــــدا إلــــى درجـــة أنـي خفت مـن اضـطـرابـه ولهبه. وكــان على وشك أن يـحـرقـنـي... كـانـت هـنـاك حـيـوانـات مـتـنـافـرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطا أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصيا القهقرى. وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافا مضاعفة. والقطيع الـذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقـتـادونـي إلـى قصر وقتلوني تسعا وتسعين مرة»... إلخ. مـــا هــــذا الــعــبــث؟ مـــا هــــذا الـــجـــنـــون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المـنـطـق فــي هـــذه الـقـصـيـدة؟ أيـــن هــو العقل المــتــمــاســك؟ ولـــكـــن هـــل الــشــعــر بــحــاجــة إلــى مـنـطـق وعــقــل مـتـمـاسـك أم أنـــه بـحـاجـة إلـى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبيا للوهلة الأولــــى يـتـحـول إلـــى مـيـزة إيجابية خــارقــة. تـكـاد تــقــول: يعيش الـشـعـر، يموت الشعر! ولـــكـــن جـــنـــون الـــشـــعـــر لا يــبــلــغ ذروتـــــه الــــعــــلــــيــــا إلا عــــنــــد ذلــــــــك الــــــوحــــــش الــــهــــائــــل المــــدعــــو لــــوتــــريــــامــــون. لـــقـــد تــــجــــاوز رامـــبـــو بــأضــعــاف مـضـاعـفـة مـــن حـيـث الانـتـهـاكـات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عــــديــــدة لا أســتــطــيــع ذكــــرهــــا مــــن «أنـــاشـــيـــد مــــــالــــــدورور». ولــــو قــطــعــوا رأســـــي لـــن أذكـــر منها حرفا واحداً. وأصلا لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع: «عــــقــــدت حــلــفــا مــــع الـــســـاقـــطـــات بــغــيــة زرع الـفـوضـى فــي الــعــائــات. أتــذكــر جــيــدا الـلـيـلـة التي سـبـقـت هــــذا الــتــحــالــف الـشـيـطـانـي الــخــطــر. رأيـــت أمـامـي قـبـراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمـر الأعلى ليس صـادرا عني. رأيـت أمامي نورا وهَّاجا ساطعا بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتا ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ. «العديد من شعراء الحداثة العربية ينتهكون المعاني على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً» الثقافة CULTURE 18 Issue 17289 - العدد Monday - 2026/3/30 الاثنين بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله ثــمــة شــــيء مـثـيـر خــفــي فـــي فـــن بـابـلـو ) هـــــو مـــــا يـــدفـــع 1973 - 1881( بـــيـــكـــاســـو بالمتاحف العالمية لإقـامـة مـعـارض سنوية لأعــــمــــالــــه. وبـــغـــض الـــنـــظـــر عــــن المــنــطــلــقــات الـــنـــظـــريـــة لمــنــســقــي تـــلـــك المـــــعـــــارض والـــتـــي يـــحـــاولـــون مــــن خـــالـــهـــا صـــنـــع مــنــاســبــات، لـكـي تتخطى المـتـاحـف أزمـاتـهـا المـالـيـة من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤيـة واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سببا لمـــتـــعـــة جـــمـــالـــيـــة لا تــــوصــــف. ومـــنـــهـــا عـلـى سبيل المـثـال الـوقـوف أمـــام لـوحـة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حاليا في «تيت مــــــوديــــــرن» بـــلـــنـــدن تـــحـــت عــــنــــوان «مـــســـرح بــيــكــاســو». فـــي تــلــك الـــلـــوحـــة الـــتـــي رُســمــت والمُــعـارة من متحف بيكاسو في 1930 عـام باريس، يتحوَّل جسد بلا جنس مُحدد إلى لغز مُعقَّد، ساق تنبت في الظهر، رأس مُغلق العينين، ساق أخرى مُستقرة على الأرض، مــتــوازنــة بـــــذراع تـعـمـل يــدهــا كــقــدم، بينما تنحني الـــــذراع الأخـــــرى، بـقـبـضـة مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأســــا عـلـى عــقــب، وشـــوَّهـــه بـشـكـل لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبية وإنـــســـانـــيـــة وعـاطـفــيـة. المــــخــــتــــرع وهــــــو الــلــقــب الـــــــــذي رافــــــقــــــه لــــــم يــكــن مقتنعا بطريقة النظر الـتـقـلـيـديـة إلـــى صـــورة الإنـــســـان كـمـا هـــو. ذلـك مـــا دفـــعـــه إلــــى اخـــتـــراع صـور جديدة تتناسب مـــــع وظــــيــــفــــة الإنـــــســـــان وتـــنـــســـجـــم مــــع مـــزاجـــه وتــــــعــــــبِّــــــر عـــــــن حــــالــــتــــه الـــــروحـــــيـــــة، بـــاعـــتـــبـــاره لـغـزا يمكن الـنـظـر إليه من جهات مختلفة وإعــادة تشكيله كما لو أنـه لـم يتخذ هيئته النهائية بعد. مـن بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انـــفـــرد ابــــن مــالــقــة بـتـلـك الــصــفــة المـتـوحـشـة الـتـي تـذكـر بولعه بمصارعة الـثـيـران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فنا واستحضره في لوحاته. سليل فنانين مسرحوا العالم لم يعتمد منسقو المعرض سياقا زمنيا يـمـكـن أن يُــهـتـدى بــه تـاريـخـيـا. فـكـرتـهـم عن بيكاسو باعتباره رجـل مسرح أيضا كانت هـــي الأســـــــاس. وهــــي لــيــســت فـــكـــرة جـــديـــدة. هـــنـــاك مـــعـــرضـــان ســبــقــا هـــــذا المــــعــــرض كـــان الـــغـــرض مـنـهـمـا تـسـلـيـط الـــضـــوء عــلــى تلك يــــوم صمم 1917 الـــعـــاقـــة الـــتـــي بـــــدأت عــــام الـــرســـام الـــشـــاب ســـتـــارة وأزيــــــاء وديـــكـــورات بــالــيــه كــتــبــه صــديــقــه الـــشـــاعـــر جــــان كـوكـتـو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام وكان بيكاسو يومها حيا والثاني في 1960 . وإذا ما كـان صاحب 2006 فرانكفورت عـام غـورنـيـكـا قـــد اسـتـمـر فـــي عـمـلـه المــبــاشــر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نـقـاد الـفـن الــذيــن تـخـصـصـوا بفنه يـصـرون على أنه كان مسرحيا في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحا تجري عليه الوقائع التي يصورها ويـتـخـذون مــن «غـورنـيـكـا» و«حــــرب كـوريـا» و«الـــــــراقـــــــصـــــــات الــــــثــــــاث» وأعــــــمــــــال كـــبـــيـــرة وصغيرة أخـرى أمثلة على صحة نظريتهم الـتـي تـقـول «إن بيكاسو كـــان يـرسـم وعينه على المـسـرح» وفـي الـعـودة إلـى سيرته التي تـتـخـلـلـهـا طــريــقــتــه فــــي تــصــفــيــة حــســابــاتــه مـع الفنانين الـذيـن أُعـجـب وتـأثـر بهم يمكن الـــقـــول إن الــبــعــد المــســرحــي فـــي أعــمــالــهــم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسـامـان ارتبط بــهــمــا بـــصـــداقـــة عـمـيـقـة هــمــا هـــنـــري روســـو وجـورج بـراك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بـــالمـــســـرح حــــــاول بــيــكــاســو أن يـــتـــفـــوق عـلـى الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلا الذي كـان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحا لفنه وحياته معاً. الشقاء الإنساني في صورة لا أتــذكــر عـــدد المــــرات الـتـي رأيـــت فيها «المــــــــــرأة الـــبـــاكـــيـــة» الــــلــــوحــــة الــــتــــي رســمــهــا وهــــي الــســنــة نفسها 1937 بــيــكــاســو عــــام التي رسـم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الـــرغـــم مـــن أنــهــا لــوحــة صــغــيــرة ولا يـخـرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لــــدورا مــــار، المـــصـــورة وصــديــقــة الــفــنــان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والـفـنـي. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضـــعـــت الـــبـــلـــدة الإســـبـــانـــيـــة الـــتـــي قصفها الــنــازيــون عـلـى خـريـطـة الـشـقـاء الإنـسـانـي. ولأن جـلـب غـورنـيـكـا بـاعـتـبـارهـا مـحـاولـة لمـسـرحـة حـــدث مـــأســـاوي إلـــى لــنــدن لتكون جزءا من المعرض كان صعبا فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المــعــرض وهـــم يـسـعـون إلـــى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلابا جذريا في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي العالم مسرحاً، وهـو ما 1907 رسمها عـام سيلقي بـظـالـه عـلـى الاحــتــفــالات المـتـكـررة بعبقريته. وقـــد يـكـون مـفـيـدا هـنـا أن أقــول إن الــــوقــــوف أمـــــام لـــوحـــة «المـــــــرأة الــبــاكــيــة» يــــمــــكــــنــــه أن يـــعـــطـــيـــنـــا فـــكـــرة مــهــمــة مـــزدوجـــة عـــــــن قــــيــــمــــة بـــيـــكـــاســـو عـلـى المـسـتـويـن الفني والإنــســانــي. فمن جهة تــقــنــيــة يـــمـــكـــن اعـــتـــبـــار تــــلــــك الــــلــــوحــــة واحـــــــدة مـن أهـم اللوحات التي أعلنت الـحـداثـة الفنية فـــيـــهـــا عـــــن واحـــــــــدة مـن أهــم لحظات قطيعتها مـــع المـــاضـــي مـــن خــال ابــتــكــار طـريـقـة جـديـدة فــي الـنـظـر إلـــى الــوجــه الــبــشــري. فــي الـوقـت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني الـتـي انـطـوت عليها اللوحة ستكون دائما بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو. سر بيكاسو في غموضه «جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المـعـادلـة الـتـي لا تـــزال تـضـع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لـم يترك منسقوها مرحلة مـــــن مــــراحــــلــــه الأســــلــــوبــــيــــة المــــتــــعــــددة إلا وسلطوا عليها الـضـوء، وهـو مـا يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يـغـوص مـن خلالها فـي عمق المعاني الخالدة للحياة. ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يـعـد مــــرآة لـعـصـره فـحـسـب، بـــل اتـسـع أيضا للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تـــتـــعـــرض لــلــكــثــيــر مــــن الانــــقــــابــــات الــتــي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يـكـمـن ســـر مــقــاومــة أعـــمـــال بـيـكـاسـو من خـــال عـــدم تـعـرضـهـا لاهـــتـــزازات مـعـادلـة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائما لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله. فــــــي مـــــعـــــرض «مــــــســــــرح بـــيـــكـــاســـو» هـنـاك لــوحــات تـعـود إلـــى مــراحــل وأزمـنـة مـخـتـلـفـة. المــرحــلــة الــــزرقــــاء الـــتـــي تـرتـبـط بــالــســنــوات الأولــــــى مـــن الـــقـــرن الـعـشـريـن وهــــي الـــســـنـــوات الـــتـــي قــضــاهــا بـيـكـاسـو فـــي بـــاريـــس جــائــعــا. المــرحــلــة التكعيبية . وأخــــيــــرا مـرحـلـة 1912 الـــتـــي بـــــدأت عــــام ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لـوحـتـه الـشـهـيـرة غـورنـيـكـا. تـلـك مرحلة خصبة كـان بيكاسو فيها غزير الإنتاج مــتــعــدد الأســـالـــيـــب والمــــوضــــوعــــات، وهــو مـا أغـــرى المـتـاحـف العالمية بــأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن .2018 عام فاروق يوسف النص الكامل على الموقع الإلكتروني رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية صــدرت خـال الأيـــام القليلة الماضية عـــن دار «سـيـثـيـسـيـون فـــيـــرلاغ» الألمــانــيــة الـسـويـسـريـة المــعــروفــة باهتمامها بنشر الأدب الــعــالمــي الـــحـــديـــث، تــرجــمــة لـــروايـــة «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والـــــي، الــتــي أنـجـزتـهـا المـتـرجـمـة الألمـانـيـة إيـــمـــكـــه آلـــــف فـــــن. الـــــروايـــــة الـــتـــي صــــدرت طبعتها الأولــى عن دار شرقيات القاهرة وطبعتها الثانية عـن دار الرافدين 1997 ، وهي 2018 فـي بـغـداد - كــان بـيـروت عــام تــــاســــع روايـــــــــة تــــصــــدر لـــــه مـــتـــرجـــمـــة إلـــى الألمانية. وتـــدور أحـــداث الــروايــة فـي المنتصف الثاني من أعوام السبعينات. عشية الحرب العراقية الإيرانية، في ، ينفصل صالح 1980 أواخــــر صـيـف عـــام سلطان، مــدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجـتـه، وهي ناشطة شيوعية سـابـقـة، ويــغــادر بغداد هربا من السجن. كان يأمل في بدء حياة جـــديـــدة فـــي الـــبـــلـــدة الــصــغــيــرة «كــمــيــت»، الـواقـعـة جـنـوب الــعــراق. وعـنـدمـا يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عـــشـــر عــــامــــا، الـــتـــي انـــضـــم شــقــيــقــهــا رعـــد إلـــى صــفــوف الأنـــصـــار الـشـيـوعـيـن، تـبـدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة. الفتاة الشابة تنجذب إلـى الرجلين؛ إلــــــى صــــالــــح لـــكـــونـــه ضـــعـــيـــفـــا، حـــســـاســـا، مثقفاً، وكئيباً، يـذكـرهـا بأخيها الـهـارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحديا مثيرا لـاهـتـمـام، وحـمـايـة لأهـلـهـا مــن التعرض للملاحقة. كـانـت ذكــريــات طفولته الجميلة مع جـــدتـــه، مـــاتـــيـــنـــراد، الـــتـــي لا تـــــزال تعيش فــــي كــمــيــت وتـــكـــســـب رزقــــهــــا مــــن صـنـاعـة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغــم أنـه لم ينضم إلــــى حــــزب الــبــعــث، فــقــد وقّـــــع عــلــى تـعـهـد بالابتعاد عن السياسة في الـريـف. إلا أن كميت لم تعد مـاذا ريفيا هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود. وســـبـــق أن صـــــدرت تــرجــمــة فـرنـسـيـة أنـــجـــزتـــهـــا 1999 لــــلــــروايــــة نـــفـــســـهـــا عــــــام المستعربة الفرنسية مـاريـانـا، وستصدر ترجمتها إلـــى الانـجـلـيـزيـة الـتـي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل. برلين: «الشرق الأوسط» يبتدئ أولا بخرق نظام اللغة المعتاد جنون الشعر أو شعر الجنون هاشم صالح محمد الماغوط لوتريامون

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky