Issue 17289 - العدد Monday - 2026/3/30 الاثنين الإعلام 17 MEDIA د. ياسر عبد العزيز قوى اليمين المتطرف تقود حملة ممنهجة على «الصحافة التقليدية» ترند «السوشيال ميديا» لا تعكس حقيقة الرأي العام العربي هل ما نطالعه على شاشاتنا كل يوم، من منشورات ومواقف تحمل توقيع أسـمـاء عـربـيـة، يعكس حقا نبض الـــرأي الـعـام في هذه المساحة الممتدة من الخليج إلى المحيط؟ وإلى أي حد يمكن لوسائط «التواصل الاجتماعي» أن تكون مرآة صادقة لاتجاهات الشعوب وهواجسها؟ يظل هذا السؤال يُلح عند المتابعة اليومية للمشهد الرقمي، خاصة حين نجد أنفسنا أمام سيل جارف من الخطابات المُتشنجة، التي توحي بـأن المجتمعات العربية لم تعد تعرف سـوى الفرقة والتنابذ، وأنها تغرق في بحر من الكراهية والإقصاء المتبادل. غـيـر أن الـــذي يـتـعـمّــق فــي طبيعة هـــذه الــوســائــط، مُتسلحا بمناهج الـبـحـث العلمي الـرصـيـنـة، ســرعــان مــا يكتشف أن هـذا الانـطـبـاع ليس ســوى وهْـــم خـــادع، وأن هــذه الـشـاشـات لا تعكس حقيقة الـــرأي الـعـام بـقـدر مـا تـحـوّلـت إلــى أدوات فاعلة فـي لعبة الانقسام المُمنهج. إن الشعور بأن الفضاءات الافتراضية العربية باتت مجالا مُستباحا للكراهية المتبادلة، ليس تجسيدا لواقع حتمي، بل هو نـتـاج عمليات مُمنهجة، إنــه نـتـاج مـا يمكن تسميته بـ«صناعة الاســتــقــطــاب». فـمـن يُــمـعـن الـنـظـر فــي طـبـيـعـة المــحــتــوى المــتــداول لا يلبث أن يلحظ أنــه غالبا مـا يُنتج وفــق أجـنـدات لا عـاقـة لها بحاجات الـنـاس ومواقفهم الحقيقية، أو بأسئلتهم المصيرية، بل محاولة لتعميق الانقسامات، واستنزاف الطاقة في صراعات وهمية. ولعل السبب الجوهري في أن هذه الوسائط لا تنهض دليلا على الرأي العام العربي الفعلي، يعود إلى أن فضاء «السوشيال مـــيـــديـــا»، بـديـنـامـيـاتـه وخـــوارزمـــيـــاتـــه، يُــنــتــج فـــي الــغــالــب واقــعــا افتراضيا يعيش في فقّاعات معزولة. فاستطلاعات الرأي الموثوقة الــتــي تـسـتـهـدف قــيــاس الـــــرأي الـــعـــام الــعــربــي، تُــظـهـر أن المـشـاعـر السائدة لـم تكن متطرّفة بقدر مـا كانت إيجابية أو محايدة في غالبيتها، مما ينفي تلك الصورة النمطية عن مجتمعات منقسمة إلى حد التمزق. فكيف يمكن، إذن، لمنصّات تقوم على خوارزميات تهدف بالأساس إلى الربح عبر تعزيز التفاعل، وليس إلى تمثيل التنوّع الحقيقي، أن تكون مقياسا دقيقا لاتجاهات الـرأي العام المُعقدة؟ إن الخوارزميات تخلق غرف الصدى، التي تحبس بدورها المستخدم داخــل دائــرة من المحتوى المُتطابق مع ميوله، وتقطع صلته بآراء المخالفين، مما يضخّم الأصوات المتطرفة على حساب التيار الهادئ الأوسع، بل إن الأمر يتعدّى ذلك إلى وجود تدخّلات مُمنهجة تهدف إلـى تزييف الوعي الجمعي، من خـال ما يُعرف بظاهرة «الذباب الإلكتروني»، والحسابات الآلية، التي تعمل وفق برامج مُصمّمة مسبقا لنشر الشائعات والأخـبـار المزيفة والآراء الحادة، بهدف توجيه النقاش العام، أو حتى قلبه رأسا على عقب. وفي ظل بيئة إقليمية متوتّرة، لم تعد هذه الظواهر مجرد ممارسات هامشية، بل تحوّلت إلى واحدة من أدوات الحرب غير التقليدية. فالحسابات المزيّفة والمـمـوّهـة، التي تستعين أحيانا بالذكاء الاصطناعي لـ«فبركة» الصور وتزييف الحقائق، تعمل عـلـى تهييج المــشــاعــر، وتـأجـيـج الــصــراعــات الـقُــطـريـة والمـذهـبـيـة والطائفية، واستغلال الأزمـات الإقليمية الراهنة لتمرير أجندات سياسية ضيقة. إنـهـا حـمـات منظمة تعمل عـلـى تضخيم بـعـض الأصـــوات وإخفاء أخرى، مما يجعل من المستحيل الاعتماد على هذا الفضاء الفوضوي كمؤشر صادق. والدليل الأكثر إقناعا على هذه الفجوة، يتجلّى عندما نقارن ما يظهر على الشاشات بأساليب القياس العلمية التي هي أكثر جدية. فبينما تقدم وسائل التواصل صورة من الاستقطاب الحاد حول قضايا السياسة الخارجية والعلاقات العربية البينية، نجد أن استطلاعات الرأي الجادّة تُظهر واقعا أكثر تعقيدا وتوازناً؛ إذ يشير المواطنون إلى تمسكهم بقيم قومية جامعة، رغم الانتقادات الحادة لأداء النخب السياسية، بل إن هذه الاستطلاعات تؤكد أن اعتماد الناس على هذه الوسائط لا يعني بالضرورة مصادقتهم على كل ما يُبث فيها، بل يصاحبه قلق متزايد من خطر التضليل وإشاعة الشقاق. إن ما نــراه، إذن، لا يعكس حقيقة الجماعة بقدر ما يعكس توجهات مُشوّهة لما يريده لاعبون سياسيون أصحاب أجندات خاصة. فالفضاء الافتراضي، الـذي كـان يُظن أنـه سيكون ساحة للتحرر والتعبير الديمقراطي، تحول في سياقنا العربي إلى أداة بيد مشاريع سياسية وأمنية تسعى إلـى السيطرة على العقول وتفتيت المجتمعات. وفي خضم هذه المعركة الوجودية على تشكيل الإرادات، تبرز الـحـاجـة المــاسّــة إلــى يقظة شـامـلـة؛ فـالأمـر لا يتعلق فقط بفضح ممارسات التضليل، بل بوضع آليات رادعة تحد من هذه الأدوار المشبوهة، التي تستهدف النسيج الاجتماعي العربي في أضعف لحظاته. إننا بحاجة إلـى إجـــراءات صارمة تلاحق صناعة التضليل والفتن الإلكترونية، وإلى تعزيز الوعي النقدي لدى المستخدمين، كـــي لا يــكــونــوا مـــجـــرّد مـــروّجـــن لـانـقـسـامـات المُــصــنّــعــة. كـمـا أن القياسات العلمية الـجـادة لرصد الــرأي الـعـام، التي تعتمد على منهجيات المـسـح المـيـدانـي المـبـاشـر والاسـتـقـصـاء العميق، يجب أن تحظى بالدعم والانتشار لتصبح البديل الموثوق عن أكاذيب المنصّات. «يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين أطــلــقــت مـنـصـة «يـــوتـــيـــوب» أدوات جــديــدة تـسـتـهـدف تـنـظـيـم الــعــاقــة بـــن صُـــنـــاع المـحـتـوى والمـــعـــلـــنـــن، عــــن طـــريـــق تــســهــيــل إبـــــــرام صـفـقـات الــعــامــات الــتــجــاريــة ودمــــج الــطــرفــن فـــي منصة واحـدة، ما يسهل عملية اكتشاف فرص التعاون وبناء الروابط بين الطرفين. وذكــرت «يوتيوب» أن هـذا المسار سيضمن حـقـوق الــطــرفــن، ويــعــزز الـــوصـــول إلـــى المحتوى المناسب، وكذلك حماية المعلنين من الـتـورط مع «محتوى مزيف أو عنيف» يضر بعلامتهم. يذكر أن «يوتيوب» كانت قد أعلنت عبر بيان صحافي صادر عن الشركة المالكة - أي «غوغل» - بنهاية مـارس (آذار) الحالي، عن تحديث شامل لبرنامج «شـراكـات منشئي المحتوى»، من خلال عـــرض فـــرص الــتــعــاون المـحـتـمـلـة عـلـى الـعـامـات التجارية بـنـاء على مقاطع الفيديو ذات الصلة والمـــؤهـــلـــة الـــتـــي يـنـشـرهـا المــنــشــئــون، مـؤسـسـات أو أفــــــراد. وفــــي المـــقـــابـــل، يـعـمـل «مـــركـــز شـــراكـــات المنشئين» على تجميع فــرص المـحـتـوى المـدعـوم كـــافـــة والمـــشـــاريـــع الــــجــــاري تـنـفـيـذهـا فـــي منصة واحدة للمنشئ. خـبـراء حـاورتـهـم «الـشـرق الأوســـط» رأوا أن المنصة تتيح فرصا جـديـدة أمــام الناشرين، من خـــال تـسـهـيـل الــتــواصــل مـــع المـعـلـنـن الـبـاحـثـن عن محتوى موثوق وقيم، كما أنها توفر فرصة للناشرين كمصدر مستدام وواضح للربح. وأفـــاد حـاتـم الـشـولـي، المـشـرف على تحرير الإعـــــــام الـــرقـــمـــي فــــي قـــنـــاة «الــــشــــرق لـــأخـــبـــار»، قــــال إن «يـــوتـــيـــوب» بـشـكـل عـــــام، ومــــن قــبــل هــذه الــخــطــوة، تــدعــم المــحــتــوى الــطــويــل عـلـى حـسـاب المحتوى السريع، وهي فرصة لصُناع المحتوى. وأضـاف: «تعتمد سياسة يوتيوب الربحية على وقـت المشاهدة، لكن فكرة (المحتوى الجاد) فهي موضوع نسبي، إذ لا يوجد لدى المنصة تعريف واضــــح. أمـــا إذا تكلمنا عــن المـحـتـوى الإخــبــاري، مـــثـــاً، فــــ(يـــوتـــيـــوب) تـــدعـــم بـــقـــوة المــحــتــوى الـــذي يناقش الأخــبــار، أكـثـر مـن الأخــبــار ذاتـهـا كونها آنية وتتغير مع الوقت، أي تميل إلى التحليلات والنقاشات المطولة نسبياً». في سياق متصل، وفقا لبيان «يوتيوب» فإن المنصة ستعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي في طرح توصيات البرنامج، «وهـذه التوصيات ســـتـــقـــدم لـــلـــعـــامـــات الــــتــــجــــاريــــة مـــقـــتـــرحـــات عـن المحتوى المناسب لها، وفي الوقت نفسه تضمن مـــدى مـــاءمـــة المــحــتــوى لـلـعـامـة، بـحـيـث لا تقع فـــي فـــخ الـتـزيـيـف أو المــحــتــوى الـعـنـيـف الــــذي قد يـضـر بــاســم الـجـهـة المـعـلـنـة».وهـنـا تعليقا على مـــدى نــجــاح الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي بـالـتـمـيـيـز بين المحتوى الأصلي والمزيف، قال الشولي إن «الذكاء الاصـــطـــنـــاعـــي يُــمــكــن أن يــلــعــب دورا فـــي تنقيح المحتوى الملائم للعلامات التجارية، لكن لا يمكن الاعـــتـــمـــاد عـلـيـه بـشـكـل كـــامـــل». وأوضــــــح: «مــثــا يستطيع كشف المشاهد العنيفة وخطاب الكراهية والــتــزيــيــف الـعـمـيـق إلــــى حـــد مــــا، لأنــــه الآن بــات متاحا من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي ذاتها التي تنتج المحتوى مثل (جيميني) من (غوغل)... فهو يصمم المحتوى بالذكاء الاصطناعي وأيضا يكشف كل ما هو بالذكاء الاصطناعي». غير أن الشولي حذَّر من أن «هناك محتوى من الصعب تصنيفه، حتى مع المراجعة اليدوية الذاتية. وهـذه معضلة تواجهها (يوتيوب) منذ ســـنـــوات، لا سـيـمـا وأن بــعــض الــفــيــديــوهــات قد تتماشى مع طرف، بينما تختلف مع طرف آخر... وعليه من الصعب إيجاد قاعدة واضحة لتصنيف مقاطع الفيديو تحت تسميات مثل (الإرهـاب) أو (خدش الحياء)، وهو ما تحاول (يوتيوب) دوما عـدم البت فيه، لترك مجال لصُناع المحتوى من جهة، وخيار التحكم بالمحتوى من جهة أخرى». القاهرة: إيمان مبروك في مسعى للحد من التدخلات والاختراقات خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية تــنــعــم وســـائـــل الإعــــــام فـــي بـــلـــدان الاتـــحـــاد الأوروبـــي منذ سـنـوات بـدرجـة عالية مـن الحرية والاســتــقــالــيــة. وتــنــشــط فـــي أجـــــواء تــكــاد تـكـون مثالية لممارسة مهنة الصحافة، الـتـي تحميها «ترسانة» من التشريعات والقوانين المخصّصة لـــلـــدفـــاع عـــن حـــريـــة الــــــرأي والــتــعــبــيــر، والــحــفــاظ على حـقـوق الصحافيين، وســرّيــة المــصــادر التي يستقون منها معلوماتهم. ولكن خلال السنوات الأخيرة، أصبح الإعلام الأوروبي أحد الأهداف المركزية لما يسمّى «الحرب الهجينة» التي تشنّها الأطـــراف الخارجية التي تسعى لتقويض «المشروع الأوروبـي»، أو إبعاده عـــن مـــســـاره الــتــأســيــســي، أو الــتــأثــيــر فـــي مـجـرى أحــداثــه السياسية والاجـتـمـاعـيـة، خـدمـة لتوجّه جــيــوســيــاســي مـــعـــنّ. وفــــي هــــذا الــســبــيــل، بـاتـت تـسـتـعـن - بـشـكـل أســـاســـي لـتـحـقـيـق أهـــدافـــهـــا - بالفرص اللامحدودة التي تتيحها التكنولوجيا الـــرقـــمـــيـــة، ومــــا طــــرأ عـلـيـهـا مـــن تــــطــــوّرات هـائـلـة توّجها أخيرا الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ يُحدِث ثورة عميقة في النشاط الصحافي، وطرائق عمل وسائل التواصل الاجتماعي والمنصّات الرقمية. تدخلات واختراقات... روسية وأميركية وحقاً، تفيد دراسـات عدة، وضعتها أجهزة «الاتـــــحـــــاد الأوروبــــــــــي» ومــــؤسّــــســــات خـــاصـــة فـي الــــدول الأعـــضـــاء، بـــأن مـعـظـم الــبــلــدان الأوروبـــيـــة تــــتــــعــــرّض مـــنـــذ ســــنــــوات لاخــــتــــراقــــات مـمـنـهـجـة وموجهة عن طريق وسائل التواصل والمنصات الــرقــمــيــة والمــــواقــــع الـشـبـكـيـة الــوهــمــيــة. وتــهــدف هـــــذه الاخــــتــــراقــــات إلـــــى نـــشـــر مـــعـــلـــومـــات كـــاذبـــة وأخـبـار مزيّفة للتلاعب بنتائج الانتخابات، أو الـتـحـريـض عـلـى اضـــطـــرابـــات، وأحــيــانــا لـزعـزعـة الأمن والاستقرار في الاتحاد الأوروبي. أيضاً، تشير هذه الدراسات إلى أن روسيا، بمؤسساتها الرسمية وأجهزتها الاستخباراتية، تــــقــــف وراء قــــســــم كـــبـــيـــر مــــــن هــــــــذه الــــتــــدخــــات والاخــتــراقــات. وأيـضـا تنشط منظمات وهيئات أمـــيـــركـــيـــة خــــاصــــة، تـــــــدور فــــي فـــلـــك «المـــحـــافـــظـــن الـــجـــدد»، عـــن طــريــق الـتـمـويـل المـــمـــوّه لمـؤسـسـات إعلامية ومنصّات رقمية، تملكها كليا أو جزئياً. ويـــســـتـــفـــاد مـــــن دراســـــــــــة وضـــعـــهـــا «المــــركــــز الأوروبــــــــــي لـــخـــدمـــات وســــائــــل الإعـــــــــام» الـــتـــابـــع لمـفـوضـيـة «الاتـــحـــاد» أن الــتــطــورات الاجـتـمـاعـيـة والـسـيـاسـيـة المــتــســارعــة الــتــي تـشـهـدهـا الـبـلـدان الأعــــــضــــــاء، وخــــاصــــة بـــعـــد الــــحــــرب الــــــدائــــــرة فـي سنوات، والحرب في غزة، أحدثت 4 أوكرانيا منذ تغييرا ملحوظا في نمط استهلاك المعلومات عبر وسائل الإعـام التقليدية والرقمية على السواء. وكـــذلـــك، فـــإن «ظـــاهـــرة تـــرمـــب» بــاتــت تـلـعـب دورا كبيرا في هـذا التغيير، نظرا للحضور الإعلامي الـطـاغـي لـلـرئـيـس الأمــيــركــي دونـــالـــد تــرمــب على المنصات الرقمية، وتصريحاته اليومية المثيرة للجدل حول مسائل أمنية وسياسية واقتصادية على جانب كبير من الأهمية. صعود التطرف ومـع تفاقم المخاطر الناجمة عن التدخلات الــتــي يـتـعـرّض لـهـا المـشـهـد الإعـــامـــي الأوروبـــــي، مثل صعود الأحـزاب والقوى اليمينية المتطرفة، ووقوف التيّار الذي يقوده الرئيس ترمب خصما لـ«الاتحاد الأوروبــي»، شرع «الاتحاد» في وضع خـــطـــة شـــامـــلـــة لــتــحــصــن المـــؤســـســـات الإعـــامـــيـــة فـــي وجــــه الـــتـــدخـــات، وتــعــزيــز شـفـافـيـة مــصــادر تمويلها، وضـمـان صدقية المعلومات والأخـبـار التي تنشرها. وبـــعـــد سـلـسـلـة مـــن المـــــشـــــاورات المــكــثــفــة مع الـــدول الأعــضــاء، ومـنـاقـشـات مـديـدة فـي البرلمان الأوروبــــــــي، دخـــلـــت الــخــطــة حـــيّـــز الـتـنـفـيـذ مطلع العام الحالي، تحت إشراف النائب الأول لرئيسة الـــبـــرلمـــان الأوروبــــــــي الألمـــانـــيـــة ســـابـــن فـيـرهـيـن، المكلفة مراقبة تطبيق «القانون الأوروبي لضمان حرية وسائل الإعلام». فـــي أول تـعـلـيـقـات لـهـا حـــول الــنــقــاش الـــذي دار فــي الــبــرلمــان الأوروبـــــي حـــول الــقــانــون، قالت فيرهيين إنها شعرت بخيبة كبيرة لدى سماعها الحجج الـتـي ساقتها بعض الـقـوى السياسية، مـتـجـاهـلـة المــخــاطــر المُــحــدقــة الــتــي تــتــعــرّض لها المـــنـــظـــومـــة الإعـــامـــيـــة الأوروبـــــيـــــة مـــنـــذ ســـنـــوات، والـــوســـائـــل الــتــي يـسـتـخـدمـهـا خــصــوم المــشــروع الأوروبــــي مـن أجــل الانـقـضـاض عليه وتقويضه عـبـر المــنــصــات الـرقـمـيـة الــتــي أصـبـحـت المـنـافـس الرئيسي لوسائل الإعلام على المداخيل الإعلانية. وانتقدت تعتيم هذه المنصات على بعض الأخبار الـــتـــي لا تـــصـــب فـــي مـصـلـحـة الـــقـــوى والـــتـــيـــارات السياسية التي تقف وراءها. مــن نـاحـيـة أخــــرى، قـالـت رئـيـسـة المفوضية أورســــولا فـــون در لايـــن، خـــال تقديمها مـشـروع القانون أمـام البرلمان الأوروبـــي: «الهدف من هذا الـقـانـون، الــذي يُــعـد التشريع الأول مـن نوعه في الاتحاد الأوروبي، هو الدفاع عن مهنة الصحافة وتعددية الوسائل الإعلامية، وتمكين المواطنين الأوروبــــــيــــــن مــــن اتــــخــــاذ قــــراراتــــهــــم عـــلـــى بــيّــنــة موضوعية من الوقائع والأحداث وأوضاع النظم الديمقراطية التي يعيشون في كنفها». ما يذكر أن من المستجدات التشريعية التي يتضمنها هـذا القانون الــذي يسري على جميع الدول الأعضاء في الاتحاد: - تعزيز التدابير الرامية إلى حماية وسائل الإعلام من التدخل الخارجي. - إلـزامـهـا الشفافية الكاملة حــول ملكيتها الــفــعــلــيــة ومـــداخـــيـــلـــهـــا الـــنـــاجـــمـــة عــــن الإعــــانــــات الرسمية. - فرض رقابة صارمة على المنصّات الرقمية الــكــبــرى فـــي تـعـاطـيـهـا مـــع المـــــواد الـــتـــي تنتجها المؤسسات الإعلامية. - حــمــايــة مـهـنـة الــصــحــافــة مـــن الــتــهــديــدات الخارجية التي تؤثر على استقلاليتها. - مـــتـــابـــعـــة أداء الــــوســــائــــل الـــرســـمـــيـــة فـي تغطيتها لأنشطة السلطة السياسية. - حظر التجسس على الصحافيين أو أفراد عائلاتهم، وحماية مصادرهم. بــــعــــض الــــــــــــدول الأعـــــــضـــــــاء فــــــي «الاتــــــحــــــاد الأوروبي»، في طليعتها المجر وتشيكيا، مدعومة مــــن الأحــــــــزاب الــيــمــيــنــيــة المـــتـــطـــرفـــة فــــي إيــطــالــيــا وفـــرنـــســـا وألمـــانـــيـــا وإســـبـــانـــيـــا، أبــــــدت اعـــتـــراضـــا شــديــدا عـلـى عـــدد كبير مــن أحــكــام هـــذا الـقـانـون، وحاولت عرقلة إقـراره في البرلمان. ومعروف عن هـــذه الــقــوى أنــهــا تــقــود حـمـلـة ممنهجة عـلـى ما تسميه «الصحافة التقليدية»، المكتوبة والمرئية، وتتّهمها بالكذب والتحيّز، وتدافع عن المنصات الرقمية التي تعتبرها مصدر الأخـبـار الموثوقة والموضوعية. ومـــن جـهـة أخـــــرى، يــقــول كـــارلـــوس آغــيــار، رئيس اللجنة الأوروبية للخدمات الإعلامية، إن «المفترض بهذا القانون أن يكون خشبة الخلاص لــوســائــل الإعــــــام، الــتــي مـــا زالــــت تـجـهـد لتقديم مواد إخبارية وتحقيقات موثوقة، والتي تواجه صعوبات مالية تهدد استمراريتها بعد التراجع المطّرد في مداخيلها الإعلانية لحساب منصات الــــتــــواصــــل الــــرقــــمــــيــــة». ويــــاحــــظ أن المـــنـــاظـــرات السياسية والمناقشات الفكرية، التي كانت سمة رئيسية في مضامين وسائل الإعــام الأوروبـيـة، تـــتـــراجـــع بـــاســـتـــمـــرار أمــــــام الإقــــبــــال الــكــبــيــر عـلـى المنصّات الرقمية التي تــروّج لــآراء والمعلومات المـجـهّــزة بعناية، مـن غير إتـاحـة المـجـال للنقاش أو الجدال. خطر إدمان المحتويات ويـنـبّــه آغــيــار إلـــى أن الـخـطـورة الأسـاسـيـة لـــلـــمـــنـــصـــات الـــرقـــمـــيـــة تـــكـــمـــن فـــــي الإدمــــــــــان عـلـى محتوياتها، التي تولدها خـوارزمـيـات متطورة جـــــــداً، وأنـــــــه مــــن المــســتــحــيــل فــــي الــــوقــــت الــــراهــــن الــتــصــدي لــهــا بـسـبـب جــهــل هــــذه الــخــوارزمــيــات أو تــــعــــذّر الـــحـــصـــول عــلــيــهــا، وهــــــذا أمـــــر يــشــكّــل أحـــد مــحــاور الــجــدل الـكـبـرى بــن بــلــدان الاتــحــاد الأوروبــــي والــولايــات المـتـحـدة الـتـي تضغط على الأوروبــيــن، بفرض مزيد من الـرسـوم الجمركية والــتــهــديــد بــعــواقــب أخـــــرى، لمـنـعـهـم مـــن إخـضـاع المـــنـــصـــات الـــرقـــمـــيـــة الـــكـــبـــرى لـــضـــوابـــط الاتـــحـــاد وقواعده التجارية والأخلاقية. فـي المقابل، أشــد المدافعين عـن هـذا القانون الأوروبــــي الجديد كـانـت مجموعة دول الشمال، أي السويد وفنلندا والـدنـمـارك، التي حــذّرت من التأثير المتعاظم للمنصّات الرقمية فـي تشكيل الــرأي العام الاجتماعي والسياسي، وفـي نتائج الانتخابات التي تتراجع نسبة المشاركين فيها على امتداد بلدان «الاتحاد». ويـــاحـــظ بـيـتـر يــورغــنــســن، عـضـو الـبـرلمـان الأوروبـــي عـن الـحـزب الديمقراطي الـسـويـدي، أن دونالد ترمب فاز بولايته الرئاسية الثانية بعد حـمـلـة انـتـخـابـيـة لــم يـحـصـل خـالـهـا ســـوى على تغطية إيجابية من وسائل الإعلام التقليدية، لم في المائة، فيما لم يكن يكف عن مهاجمة 5 تتجاوز تلك الوسائل والصحافيين الذين يعملون فيها، ويصفهم بالكذبة والخونة وأعداء الوطن. أيضاً، من أهـم المستجدات في هـذا القانون «ســـجـــل الــشــفــافــيــة» الـــــذي يُـــلـــزم جــمــيــع وســائــل الإعــام المكتوبة والمسموعة والمرئية، والمنصّات والمـــواقـــع الـرقـمـيـة، بـالـكـشـف عــن هــويــة مالكيها ومـداخـيـلـهـا مــن الإعـــانـــات الـرسـمـيـة والـخـاصـة. ويلحظ عـقـوبـات مالية وتشغيلية فـي حـق تلك الــتــي تـتـخـلّــف عــن ذلــــك، أو تـتـاعـب بـالمـعـلـومـات التي تقدمها. ومـــــن الأدوات الـــتـــي يــســتــحــدثــهــا الـــقـــانـــون )، وهـــي منصة Chat Europe( » «تــشــات يـــــوروب رقــــمــــيــــة جـــــديـــــدة مـــخـــصّـــصـــة لــــعــــرض الأحــــــــداث الأوروبــــيــــة وشــرحــهــا بــواســطــة مـــــواد صـحـافـيـة ) مولّد بالذكاء chatbot( » تقليدية، و«تشات بوت الاصــطــنــاعــي، وقـــــادر عـلـى الإجـــابـــة عـــن الأسـئـلـة والاستفسارات التي يطرحها عليه المستخدمون. وتـــــغـــــذّي هــــــذه المـــنـــصـــة تـــحـــقـــيـــقـــات وتـــحـــلـــيـــات وأشرطة فيديو تنتجها وسائل الإعلام المنضوية فـــي هــــذا المــــشــــروع الـــــذي تــتــولــى تـنـسـيـقـه وكــالــة الـــصـــحـــافـــة الـــفـــرنـــســـيـــة (أ.ف.ب)، ويــــهــــدف إلـــى مساعدة المواطنين في بلدان الاتحاد على متابعة أنشطة المؤسسات والأجـهـزة الأوروبـيـة ومعرفة طرائق عملها، وكيف تؤثر قراراتها على حياتهم اليومية. أورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب) بروكسل: شوقي الريّس سابين فيرهيين (أ.ف.ب) النص الكامل على الموقع الإلكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky