أن تغلق إيـــران مضيق هـرمـز كــان احـتـمـالا متوقعا ومـــوجـــودا فــي كـــل سـيـنـاريـو حـــرب محتملة مـعـهـا. فقد كانت هناك سابقة بإغلاقه في الثمانينات عندما قامت إيــــران بـــزرع الألـــغـــام واســتــهــداف الـسُّــفـن وتـهـديـد المـــرور الـــبـــحـــري. عُـــرفـــت بـــاســـم «حـــــرب الـــنـــاقـــات»، اسـتـخـدمـت فيها إيران الصواريخ والـزوارق السريعة. ولهذه الحرب أهمية تاريخيّة أن إيران هي من تسبَّبت وجلبت التَّدخل البحري الخارجي وأسَّست لوجود عسكري أميركي دائم في الخليج. قبل هجوم إيران على النقل البحري لم يكن للأميركيين قواعد وبوارج في الخليج. المـعـركـة الأولـــى كـانـت فـي أتـــون حــرب الــعــراق إيـــران. حينها كان العراق يهاجم كذلك ناقلات النفط الإيرانية. لــم تكتف طــهــران بمهاجمة قـــوات الـــعـــراق الـبـحـريـة، بل هاجمت أيضا سفن دول الخليج البحرية، كما تهاجم جاراتِها الخليجية اليوم. عندما دخل الأسطول الخامس المنطقة أصيبت بارجة أميركية بلغم بحري إيراني. تلك الحادثة غيَّرت قواعد الاشتباك، حيث أصبحت الولايات المـتـحـدة طـرفـا فـاعـا فـي الأزمــــة، ونشبت مـعـارك بحرية هي الأولى منذ الحرب العالمية الثانية. استهدفت إيران ناقلات بترول الكويت، وضربت منشآت بحرية خليجية، لـهـذا طـلـبـت الـكـويـت الــدعــم وتـــم رفـــع الأعــــام الأميركية على الناقلات ورافقتها قطع بحرية أميركية. مع تدويل الـــحـــرب، تــــم تــدمــيــر قــــــدرات إيــــــران الــبــحــريــة الـعـسـكـريـة ومنصات بترولها. كانت تلك جولة قتال مهمة اختتمت الحرب الطويلة لاحقا بهزيمة إيران وقبلت وقف إطلاق النار. حرب اليوم مكملة لسلسلة حروب واشتباكات منذ الثمانينات 2026 تعبّر عن نوايا وسياسات إيران. من الشروط ِالتفاوضية الخمس، التي يُقال إن إيران طـرحـتـهـا عـبـر بـاكـسـتـان، اشـتـراطـهـا إخـــاء المـنـطـقـة من القواعد العسكرية الأميركية. هـذا الشرط غير الواقعي تقابله قائمة الشروط الأميركية الخمسة عشر، ورغم عدم تأكيد البيت الأبيض صحتَها إنَّما تبدو منسجمة مع التصريحات الرسمية. لوقف الـحـرب تشترط واشنطن على إيــران أن تتخلَّى عن قدراتِها العسكرية الهجومية كبرامج ومنظومات ومخازن واعتماد آلية تنفيذية. هنا لـو قبلت إيــــران ذلــك يصبح الـحـديـث عـن إنـهـاء الـقـواعـد الأميركية مـعـقـولاً، لأنَّــهـا بُنيت أسـاسـا ضـد التهديدات الإيـــرانـــيـــة، رغـــم أكـــاذيـــب دعـــايـــة نــظــريــات المـــؤامـــرة الـتـي تزعم أن للقواعد دوافـــع خفيَّة بالاستيلاء على الخليج والمنطقة. الـثـقـة فــي نــظــام ايـــــران مــفــقــودة، ومـــن الـصـعـب بناء ثقة تسمح بالتخلّي عـن الـقـواعـد الأمـيـركـيـة على الأقـل فـي الـوقـت المـنـظـور. الـنّــظـام قـد يغيّر سياستَه فـي زمن لاحـق بشكل إيجابي أو يتغيّر، وهــذا شـأن آخـر حينها سـيـسـتـوجـب إعــــادة الـنـظـر فــي اسـتـراتـيـجـيـات مـواجـهـة الخطر الإيراني. الحديث عن المستقبل متروك عندما تتغيّر الظروف، أمَّـــا الـيـوم فنحن نعيش الـتـاريـخ الـقـديـم. فـحـرب إغــاق مضيق هرمز تكرار لحرب الناقلات في الثمانينات، مما يؤكد صعوبة الثقة بنظام إيـــران الــذي يعيد استنساخ نفسه رغم تبدلات اللاعبين وسـوق النفط ومـرور نصف قرن. كانت تلك الحرب بين صدام العراق وخميني إيران، اليوم بين إسرائيل وإيران. كان البترول والغاز ولا يزالان اليوم سلعتين استراتيجيتين لاقتصاد العالم. إيـــران الثمانينات هـي إيـــران الـيـوم، تنشر الفوضى والإرهاب. نظامُها هو آخر الأشقياء الواقفين، بعد أن تم القضاء على صدام والقذافي والأسد. إنَّــمـا الـنّــظـامُ، وإن كـــان يـبـدو متماسكا وواقـفـا على قدميه في الحرب الحالية، لكنَّه ليس النظام نفسَه الذي خاض حرب الثماني سنوات وحرب النَّاقلات، وقتَها كان في عز شبابِه وذروة شعبيتِه. اليوم شاخ وفقد شعبيتَه، خاصة بين الأجيال الجديدة الواعية لسياساته، الرافضة لتبديد ثـــروات بـادِهـا على الـحـروب في سوريا ولبنان والعراق واليمن وأفريقيا وأميركا الجنوبية. مـضـيـق هــرمــز مــمــر لــم يـعـد شــأنــا أمـيـركـيّــا بــل يهم بالدرجة الأولى الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان التي يعتمد عليه اقتصادُها. هذه الدول المستوردة ستجد نفسَها مـضـطـرة مستقبلا لحماية سفنِها مـن سياسة طــهــران الـتـي تـسـتـخـدم المـضـيـق والمــنــشــآت كــســاح ضـد جيرانها، وصارت اقتصادات القوى العالمية «الجديدة» في خطر نتيجة نزعة إيران العدوانية. الولايات المتحدة هذه المرة المحارب الأساسي لكنَّها لن تدافع عن مصالح هذه الدّول لاحقاً، كمَا قال الرَّئيس دونالد ترمب. طهران استخدمت المضيق رهينة ضد دول الخليج، وكذلك ضد شريكاتِها مثل الصّين والهند. إقليمياً، إيران قوة عسكرية لا أحد ينكرُها، وهذا من أسباب نشوب الحرب الاستباقية لوقف تعاظم قدراتِها النووية والصاروخية. مصانعُها تنتج آلاف الصواريخ والمــــســــيــــرات الـــتـــي لــــم تـــكـــن عـــمـــا تـــجـــاريـــا، بــــل مـــشـــروع سياسي إقليمي هدفُه زعزعة المنطقة. الحرب كشفت أن إيــران كانت تخطّط لاستخدام ترسانتِها في مشروعِها الــتَّــوســعــي، الــتــي نـشـاهـد نـشـاطَــهـا الــتــدمــيــري المـحـمـوم يضرب ست دول خليجية والعراق والأردن، ووصـل إلى عـــرض المـحـيـط الــهــنــدي والــبــحــر المــتــوســط، إضـــافـــة إلـى قواعدِها من ميليشيات اليمن ولبنان والـعـراق. النوايا تدل عليها الأفعال وليست الأقوال. في حال تعهُّد إيران والتزمها أنَّها لن تعود لتطوير قدراتها العدوانية العسكرية سترحل القواعد الأميركية والــبــريــطــانــيــة والــفــرنــســيــة لأنَّــــهــــا نــتــيــجــة لــلــتــهــديــدات الإيرانية، وليست التهديدات الإيرانية ردا على وجودها. لا يشبه أسلوب دونالد ترمب أساليب أسلافِه؛ لا فِي الصَّداقات ولا فِـــي الــــعَــــداوات، ولا فِـــي إدارة الـــحُـــروب. جـــنـــرال يــديــر المـعـركـة شخصيا عبر الشَّاشات ووسـائـل التَّواصل والهَاتف. تعابيرُه لا علاقة لها بالدبلوماسية التقليدية والقفازات الحَريرية. تهديداتُه لـ«حلف الناتو» غير مَسبوقة. احتفالاتُه بمحو جـزء من القيادة الإيرانية في الضَّربة الأولى غريبة هي الأخرى. يضرب بشدة ثم يشير إلى طاولة المفاوضات. لا يتوقَّف طويلا عند طبيعة من يخاطبه. يتحدَّث مثلا عن استسلام إيران متجاهلا أن نظامَها الذي لا يملك القدرة على كسب هذه الحربِ، عاجز أيضا عن إعلان الاستسلام أو الاعتراف بالخسارة. قاموس إيران مختلف عن قاموس الـدَّولـة العادية. إنَّها ثـورة رفضت اعتناق مواصفات الدولة وشروطِها والتزاماتِها حيال جيرانِها والعالم. في الحديث عن الحرب الحالية تطل أدوار ثلاثة رجـال. اسم الأول الجنرال قاسم سليماني القائد السَّابق لـ«فيلق القدس». كان سليماني يتصرَّف وكأن الحرب الحاسمة مع إسرائيل آتية لا ريب فيها. وكان يعتقد أن إزالة إسرائيل ليست مستحيلة وإن استلزمت سلسلة حــروب. قـال أمـام أكثر من شخص من محور الممانعة، إن «الضربة الكبرى» التي ستغرق إسرائيل تحت نـيـران الصواريخ والمسيرات الوافدة من خرائط متعددة، ستُفقد إسرائيل صورتَها وحصانتَها وثـقـة الإسرائيليين بـهـا، وستطلق مـوجـة كـبـرى من الهجرة المـضـادة. كـان سليماني يتحدَّث أيضا عن تغيير المنطقة عبر قطع «الخيط الأميركي» الذي يحول بنظره بين عدد من الدول العربية والـحـلـم الإيــرانــي بتصدير الــثــورة. مـن هـنَــا جـــاءت خطة تطويق إسـرائـيـل والـــدول العربية المستهدفةِ، بـحـزام مـن الأنـفـاق والصواريخ والمسيرات. كـــان مـن بـن مـهـمـات سليماني الـكـبـرى زعــزعــة الـنّــظـام الـذي أقامَه الأميركيون في العراق بعد اقتلاع نظام صدام حسين. وتمَّت الــزعــزعــة بـالمـشـاركـة فــي الــنّــظــام عـبـر الـحـلـفـاء وتـجـويـفِــه وإنـشـاء جـيـش رديـــف. وبـعـد إطــالــة «داعــــش»، نجح سليماني فـي بـلـورة «الحشد الشعبي» ودعـمِــه، ثم تحويله قــوة شرعية مع أعلى قدر من الاستقلالية. وكــــان مــن بــن مهماته إخــــراج «حـــزب الــلــه» اللبناني ونـظـام الرئيس الـسـوري بشار الأســد من العزلة التي أَحـدقـت بهما، بعد اتـهـامِــهـمـا بـالـضـلـوع فــي اغــتــيــال رئــيــس الـــــوزراء الـلـبـنـانـي رفيق بين «حـزب الله» وإسرائيل هذا 2006 الحريري. وقد حقَّقت حرب الهدف ورافقها سليماني من الميدان اللبناني نفسِه. على مدى سنواتٍ، نجح سليماني في بناء ما يسميه البعض «جيوش سليماني» في لبنان وسوريا والعراق واليمن، وتمكَّن من إرجـاء اختراق المحور عبر خاصرتِه السورية حين أقنع فلاديمير بوتين بالتَّدخل المشترك لإنقاذ نظام بشار الأسد. وكانت بصمات سليماني واضحة من غزة إلى صنعاء. حــــاولــــت إيــــــــران عـــلـــى مـــــدى ســــنــــوات طـــويـــلـــة، قـــطـــع «الــخــيــط الأمــيــركــي» مــن دون الانـــــزلاق إلـــى مـواجـهـة مـبـاشـرة مــع الــولايــات المتحدة. وكـان الصّحافي الزائر يسمع في طهران «إنَّــك تسأل عن الحرب التي لن تقع»، و«إن إيران تصل إلى حافة الهاوية مع أميركا لكنَّها لا تقع فيها لأنَّها تدرك قدرة أميركا على إعادتها عقودا إلى الوراء». يناير 3 طبَّقت إيران سياسة تفادي الانزلاق حين أمر ترمب في ، باغتيال سليماني قرب مطار بغداد. اكتفت 2020 ) (كانون الثاني برد شكلي رغم الجرح الذي أصـاب المرشد علي خامنئي باغتيال الرَّجل الأقرب إلى عقله وقلبه. لا مبالغة فـي الـقـول إن تـرمـب قـلـب مـسـار الــنــزاع بـن أميركا وإسـرائـيـل. لـم يـجـرؤ أسـافُــه على اتـخـاذ قـــرار مـن قماشة اغتيال قائد «فيلق الـقـدس» ومهندس «الجيوش المـوازيـة». قــرار اغتيالِه كـــان أخــطــر بكثير مــن اغـتـيـال أســامــة بــن لادن، ذلـــك أن سليماني كـان يستند إلـى دولــة إقليمية كبرى تنتشر «جيوشُها الصغيرة المتحركة» في خرائط عدة. بعد عودة ترمب إلى البيت الأبيض، زار واشنطن رجل كان منصبُه أتاح له لقاء المسؤولين الأميركيين والإيرانيين على مدى ســـنـــوات. بـعـد عـــودتِـــه سـمـعـت مـنـه أن جـــنـــرالات تــرمــب يحملون مشروعا لمحاسبة إيـــران على طموحاتها الـنـوويـة وتحرشاتها بـــالـــقـــوات الأمــيــركــيــة وتــهــديــداتِــهــا لـــــدول الاعــــتــــدال ومـحـاولـتـهـا الإمــســاك بمفاتيح الطاقة والمنطقة. وقتَها قـــال الـرجـل إن إدارة ترمب لن تتردّد في تنفيذ انقلاب واسع على الانقلاب الذي نفذته إيران في المنطقة. في هذا السياق يمكن تفسير احتضان أميركا للتَّغيير الذي حصل فـي سـوريـا، والـــذي أدَّى إلــى قطع الـتـواصـل بـن «جيوش سليماني». ويبرز هنا دور الرَّجل الثاني؛ وهو بنيامين نتنياهو الذي نجح في إقناع ترمب بأن إيران الحالية و«جيوش سليماني» خطر داهم على أميركا، وليس فقط على إسرائيل. يمكن الحديث اليوم عن ثلاثة أخطاء كبرى ارتكبتها القيادة الإيـــرانـــيـــة. الـخـطـأ الأول هـــو الانــــــزلاق إلـــى مــواجــهــة مــبــاشــرة مع أقوى جيش في التاريخ على حد قول ترمب. الخطأ الثاني كشف نواياها العدوانية حيال دول الخليج العربي والأردن بعد إمطارِها بصواريخ ومسيّرات فاقت بمرات تلك التي أطلقت على إسرائيل. الخطأ الـثـالـث اعتبارها مضيق هـرمـز رهينة تتحكم فـي أنفاس الاقــتــصــاد الــعــالمــي، خـصـوصـا إذا ضــمَّــت بــــاب المـــنـــدب إلـــى لائحة الرهائن. إنَّنا في بداية الشهر الثاني من حرب كبرى. إذا أدَّت الغارات الأميركية والإسرائيلية إلى تدمير قدرات إيران الهجومية والدفاعية ومعها قدرتها على تهديد جيرانها والمـضـائـق، فستجد المنطقة نفسها أمـام مشهد جديد في إيــران وعموم الإقليم، خصوصا في الدول التي تتحرَّك فيها «جيوش سليماني». خسارة إيران لقدرتِها على توجيه رسائل النار إلى دول الإقليم، ستعني عمليا تغييرا في نظامِها وموقعِها وميزان القوى بينَها وبين جيرانها. لا مبالغة فـي الـقـول إن ترمب «أخـطـر الـجـنـرالات» على إيــران و«جـيـوش سليماني». نجاح الانـقـاب الــذي يـقـودُه على الانقلاب الإيـرانـي الطويل سيغيّر مـامـح المنطقة وتـوازنـاتِــهـا والـتـوازنـات الـــدولـــيـــة فــيــهــا. الـــظّـــل الأمـــيـــركـــي بــــدا حــاســمــا فـــي مــصــيــر الــحــرب والمنطقة، في حين بدت روسيا غارقة في بلاد زيلينسكي، وفضَّلت الصين سياسة الحكمة وتفادي إحراق الأصابع. الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel OPINION الرأي 13 Issue 17289 - العدد Monday - 2026/3/30 الاثنين غسان شربل عبد الرحمن الراشد إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب متى يمكن إخراج القواعد الأميركية؟
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky