issue17288

الثقافة CULTURE 17 Issue 17288 - العدد Sunday - 2026/3/29 الأحد الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام الكتابة في زمن الحرب فــــــــي مـــــلـــــف خــــــــــاص نـــــشـــــرتـــــه صـــحـــيـــفـــة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مـواجـهـة الــحــرب فــي الــشــرق الأوســـــط»، يقول الـــروائـــي والـــقـــاص طــالــب الــرفــاعــي: «الـكـتـابـة صارت عبئا لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آن واحــد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة». وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شـريـف مـجـدلانـي بـشـهـادة تستعيد مـا كتبه ، يوميات الانهيار» 2020 في يومياته «بيروت (الـــــصـــــادرة عــــن دار أكـــــت ســـــود الــفــرنــســيــة). يــقــول: «إن الــحــرب لا تُـــدمّـــر المـبـانـي وحــدهـا، بل تُــدمّــر ما هو أشـد هشّاشة، ذلـك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخا سياسياً، بـل كـان يُــحـاول إنـقـاذ «الـسـرديـات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصـوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية الـتـي تثبت بطريقتها المفجعة أن الـحـيـاة لا تزال تدور...». ولـــفـــهـــم عـــمـــق هــــــذه المـــعـــضـــلـــة، الـــكـــتـــابـــة والـــحـــرب، لا بــد مــن الــوقــوف عـنـد الفيلسوف الألمـــانـــي فــالــتــر بــنــيــامــن، الــــذي كــتــب مقالته أي فـــي خــضــم صـعـود 1936 «الـــــــــراوي» عــــام الــفــاشــيــة الأوروبــــيــــة وعـــلـــى مـــشـــارف الــحــرب العالمية الـثـانـيـة. ولاحـــظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقرا فـي الـقـدرة على نقلها». وقـد رأى الفيلسوف الألمـــانـــي فــي ذلـــك أزمــــة حـضـاريـة عـمـيـقـة، لأن الــحــضــارة لا تـقـوم عـلـى المــؤســســات وحـدهـا، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلا بـعـد جـيـل، فـحـن تُـــدمّـــر الــحــرب هـــذه الــقــدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الــذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاما يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف فـي ثـــوانٍ، ومــع ذلــك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّة على الرواية. تتجلى هـذه المعضلة فـي أقــوى صـورهـا عند الشاعر الفلسطيني الـراحـل محمود درويـش 2002 الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام وهـــــو يــعــيــش حـــصـــار رام الــــلــــه، حــــن كــانــت الـــدبـــابـــات تـــطـــوّق الـــبـــيـــوت، فـــي تــلــك الـلـحـظـة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الـزمـن. صـاغ درويـــش عبارته الأكــثــر دلالــــة: «كـــن حــاضــرا فــي غـيـابـك» وهـي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجـوديـة يصنعها الـحـصـار: أن تكون جسدا حاضرا في مكانك بينما يتعامل معك المــحــاصِــر عـلـى أنـــك مـــعـــدوم، غـيـر مـــرئـــي، بلا حقوق ولا اسـم ولا روايـــة. وقـد وثّــق الـروائـي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هـذه الحالة بيومياته الــتــي نــشــرت مقتطفاتها صـحـف «نــيــويــورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبـادة في غــــزة»، إذ ظّـــل خمسة وثـمـانـن يـومـا فــي غـزة يُـــــدوّن قــوائــم الـضـحـايـا ورحــــات الـبـحـث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتا يسير في قرية من الأموات» هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة فـي سـنـوات الــحــرب: الـكـاتـب يكتب كـي يُثبت لنفسه أولا أن الزمن السّردي لم يتوقف. وفــي أوكـرانـيـا، تـأخـذ المسألة بُــعـدا آخـر. فـــالـــشـــاعـــر والــــــروائــــــي ســـيـــرهـــي جـــــــادان أبــــرز أصــــوات الأدب الأوكـــرانـــي المـعـاصـر والـحـائـز على جوائز دولية عديدة، لم يكتف بالكتابة انـــخـــرط طـوعـا 2024 عـــن الــــحــــرب، فــفــي عــــام فــي الـخـدمـة الـعـسـكـريـة ضـمـن لـــواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنودا من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثـر جـــادان أن يكون شـاهـدا بجسده لا بقلمه وحده، حاملا سلاحا بيد وقلما بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الـذي يملؤنا الـــيـــوم هـــو ضــعــفــنــا: كـــلـــي، مــــؤلــــم... لا نـهـايـة لـــه، فــي زمـــن الــحــرب تصبح الـكـلـمـات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف». أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح فـــي حــــوار مـــع مـجـلـة «بـولـيـتـيـس» الفرنسية بــــعــــنــــوان: «الــــحــــرب هــــي حـــيـــاتـــي الآن» بــأنــه تحول إلى صحافي ونسي عمله الـروائـي، إذ لـم يتمكّن خــال سنتين إلا مـن كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبرا عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الــحــرب، لأن هــذه الحقبة تتطلب مـن الكاتب أن يــكــون راويـــــا لـلـشـهـادة بـــدل كــونــه مبتكرا للقصّص». وقـــــــد جــــــــاءت حـــــــرب إيــــــــــران فـــــي فـــبـــرايـــر لتُضيف فصلا جديدا ومؤلماً. 2026 ) (شباط ففي ملف لوموند المشار إليه سابقا تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الـــــصـــــورة، حـــيـــث تـــقـــول لــيــلــى أعـــظـــم زنــكــنــه، وهـي كاتبة فرنسية من أصـل إيـرانـي: «حرب إيـــران وضـعـت أبـنـاء الـشـتـات أمـــام نــوع فريد مــــن الـــتـــمـــزق، نـــحـــن مــــن نـــكـــتـــب، ولا أحـــــد مـن الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفي لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفا مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...». وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة روايـــــــة «أن تـــقـــرأ لـــولـــيـــتـــا فــــي طـــــهـــــران» عـلـى صفحات «لوموند» أيضا ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....». تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مـشـتـركـا عـمـيـقـا يـجـمـع الـــكـــتّـــاب فـــي ســنــوات الـــحـــرب رغــــم تــبــايــن لـغـاتـهـم وجـغـرافـيـاتـهـم: كـلّــهـم يُــشـيـرون إلـــى أن الــحــرب تُــهــدّد قـبـل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كـــــان هــــــذا، وعــــــاش هــــــؤلاء وحــــــدث ذاك، هـــذه الـقـدرة، وإن بـدت عـاجـزة أمــام حجم الكارثة، فهي الـحـد الـفـاصـل بـن الــذاكــرة والمــحــو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بـهـا وأعــيــش لـهـا» وربــمــا كـانـت هـــذه الجملة البسيطة فـي ومضتها الإنـسـانـيـة الخالصة أكثر دقة من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة فـي زمــن الـحـرب ليست مُتعة ولا رفـاهـيـة ولا نـــضـــالا بــالمــعــنــى الــكــبــيــر، إنـــهـــا بــبــســاطــة ما يُبقي الـــروح قـــادرة على الاسـتـمـرار، وهـو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب. عاطف أبو سيف آذر نفيسي شريف مجدلاني باريس: أنيسة مخالدي آذر نفيسي: الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء الجذر في الحالتين واحد نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف فبراير (شباط) 24 نشرت صفحة «ثقافة وفـنـون» بتاريخ مــقــالا للشاعر الـنـاقـد شـوقـي بـزيـع تــنــاول فـيـه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتف المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشـار إلى أن النرجسية ليست ظـاهـرة عـابـرة، بـل تكاد تكون عنصرا مكوِّنا فـي طبيعة الشاعر ذاتـه. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه نـاقـا مـحـايـداً، وإنـمـا يتكلم مـن داخــل مـركـز ذاتــي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة. استكمالا للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفا موضوعيا للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لـغـويـة، بـل إعـانـا عـن حـضـور مـركـزي تُبنى حـولـه الـرؤيـة كلها. الــذات هنا هي محور تــدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلــى إيمان عميق بـأن ما يُقال يستحق أن يُــقـال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة. كــل نــص شـعـري كبير يـفـتـرض ضمنا أن صـاحـبـه يضيف شيئا إلى العالم، وأن نبرته ليست تكرارا لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حـدود التعالي، لكنها تظل شرطا لـإبـداع، لا علامة على خلل بالضرورة. النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حبا لـلـذات بقدر ما هي شعور طـاغ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الـذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاسا لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت. هـذه البنية لا تتوقف عند حـدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلا أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة. ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الـفـلـسـفـي عــــرف مـــشـــروعـــات حـــاولـــت أن تــضــم الـــوجـــود والـعـقـل والتاريخ في حركة واحــدة مترابطة. في مثل هـذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حـدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صــورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالا بــارزا على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كلي لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصرا ثابتاً، بـل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات. هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباه مباشر، بل في التماهي بين الــذات والنسق. حــن يشعر المـفـكـر أن تــصــوره يمثل اللحظة الأكــثــر نضجا في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صـورة الحقيقة ذاتها. في هـذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم. ومــــــع أن الـــــجـــــذر فـــــي الـــحـــالـــتـــن واحـــــــــد، فــــــإن الـــــفـــــارق بـن الـنـرجـسـيـتـن جـــوهـــري. نـرجـسـيـة الــشــاعــر جـمـالـيـة وصـوتـيـة، تتمحور حــول التفرد فـي التعبير. الشاعر يضخم ذاتــه ليقول «أنــا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه ســـواه. أمــا نرجسية الـفـيـلـسـوف فــهــي مـعـرفـيـة وبــنــيــويــة، تـتـمـحـور حــــول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعـتـراف بسلطته المعرفية. خطر الأولـــى يبقى فـي دائـرة الـذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي. وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كــل اخــتــاف مـعـه خـطـأ، وكـــل نـقـد لــه ســـوء فـهـم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالبا لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماما مع مشروعه، فلا يرى حـدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها. في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حرا في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فـــإذا تحولت إلــى معيار شـامـل، فإنها تميل إلــى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه. ومع ذلـك، لا يمكن تصور إبـداع حقيقي من دون قدر من الـجـرأة الداخلية الـتـي تضع الـــذات فـي مـركـز الــرؤيــة. الـسـؤال ليس في وجـود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنــا حـدودهـا، تصبح قـوة دافـعـة للخلق والاكـتـشـاف، وحين تـنـسـى تـلـك الـــحـــدود، تـتـحـول إلـــى مــــرآة مـغـلـقـة لا تـعـكـس إلا صـاحـبـهـا. بــن هــذيــن الـحــديـن تـتـحـدد قـيـمـة الــشـاعـر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضا مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته. * كاتب سعودي * خالد الغنامي أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة يــســتــشــهــد الــــبــــاحــــث ســـلـــيـــم كـــتـــشـــنـــر فـي كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الـــصـــادر عــن الـهـيـئـة الــعــامــة لـقـصـور الـثـقـافـة، بـوصـف كـــارل ســاجــان، عـالـم الفلك الأمـيـركـي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتا إلى أن تأكيد المـوسـوعـة البريطانية بــأن أغـلـب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخـلـفـاء الإسـكـنـدر الأكـبـر فـي مصر فـي القرن الثالث قبل الميلاد. ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامـل الإسكندر الأكبر في دراسـتـه على يـــد أرســـطـــو فـــي مـــدرســـة المــشــائــن الـفـلـسـفـيـة، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجما كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كـــرمـــوز»، بـعـيـدا عــن شـاطـئ الـبـحـر المتوسط الــــذي شــيــدت المــديــنــة عـلـى ضـفـافـه وأصـبـحـت تلقب بـ«عروس المتوسط». جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإســكــنــدريــة مــن المـخـطـوطـات الــنــادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفـــيـــس عــلــى الأرجـــــح هـــو أول أمــــن للمكتبة وكــــــان عـــلـــى رأس الأشــــخــــاص الــــذيــــن خـــدمـــوا بـالمـكـان ديـمـتـريـوس فـالـيـروس بــدايــة مــن عـام قبل الميلاد. 284 وكـانـت لفائف الـبـردي فـي المكتبة تغطي مــــوضــــوعــــات ومـــــجـــــالات الــــقــــانــــون والأخـــــــاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونـثـر وقـصـص وروايــــات ومـسـرحـيـات، فضلا عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم. وتـــــــعـــــــددت فـــــــــروع الـــــعـــــلـــــوم فــــــي المـــكـــتـــبـــة لـــشـــمـــل الـــــريـــــاضـــــة والــــهــــنــــدســــة والمـــيـــكـــانـــيـــكـــا والــطــب والـتـشـريـح والــجــراحــة وســائــر العلوم الـبـيـولـوجـيـة وعـلـم الـنـبـات والــحــيــوان وعـلـوم الـطـبـيـعـة والـكـيـمـيـاء، إلـــى جــانــب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها. نـجـح ديــمــتــريــوس فــالــيــروس فـــي اقـتـنـاء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف ألـف لفافة، ولكنه كان 200 العلوم بلغت نحو يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هـذا الأمـل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكــــل إلــيــه بـطـلـيـمـوس الــثــانــي مـهـمـة توسيع المــكـتــبــة وتـــزويـــدهـــا بــالــكــتــب الـــجـــديـــدة وعـمـل الـفـهـارس لـهـا فبلغ عـــدد لـفـائـف الــبــردي فيها ألــــف واســـتـــمـــرت مـقـتـنـيـات المـكـتـبـة 490 نــحــو من المخطوطات في الازديـــاد حتى وصلت مع ألف لفافة 700 نهاية العصر البطلمي إلى نحو بردية. ومـن أبـرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الـريـاضـيـات الشهير، ومــن كتبه «المعطيات»، و«عــن القسمة»، و«الـبـصـريـات»، و«الـظـواهـر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الـذي ترك إرثـــا كـبـيـرا مــن الـعـلـوم الـطـبـيـة، وكـــان أول من أثــبــت أن المـــخ ولــيــس الـكـبـد أو الـقـلـب هــو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون ولـيـسـت الأرض، كـمـا أن الــكــواكــب تـــدور حـول الشمس، سابقا في ذلـك كـا من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي. ومــــــن أبـــــــرز عـــلـــمـــاء مــكــتــبــة الإســـكـــنـــدريـــة القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو عـلـم وظـــائـــف الأعــــضــــاء»، والـــــذي كـــان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحـــســـاس. وهــنــاك أيـضـا «أرشــمــيــدس» الــذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور الــقــديــمــة والمـــلـــقـــب بـــــ«أبــــو الـــهـــنـــدســـة» وأعــظــم اكتشافاته قـانـون طفو الأجـسـام داخـــل المـيـاه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس. القاهرة: «الشرق الأوسط»

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky