بــــــدأ الأســــــبــــــوع فـــــي وســـتـــمـــنـــســـتـــر بـــتـــحـــذيـــر لا بمفاجأة. في اجتماع الكتلة البرلمانية لحزب العمال يـــوم الاثـــنـــن، اسـتـمـر وزيـــر الـطـاقـة إد ميليباند في انـــدفـــاعـــه نــحــو «صـــافـــي الـــصـــفـــر». ســيــاســة لـــم تعد طــمــوحــا، بـــل أثـــــارت انــتــقــاد عــــدد مـــن نــــواب الـعـمـال، ووصفت بـ«آيديولوجية» أقرب إلى الهوس السياسي الذي يتجاهل الواقع. تــذمــر نــــواب الـحـكـومـة فـــي الــصــفــوف الخلفية، مثل النائب الاسكوتلندي إيـان مــوراي، الـذي تحدَّى الوزير مباشرة، وكرَّر موقفه في وسائل الإعلام: كيف ترفض بريطانيا استخراج الـغـاز مـن بحر الشمال، بينما تستورده من النرويج من الحقل الجيولوجي نفسه؟ ســـــــؤال بـــديـــهـــي أصــــبــــح خــــطــــرا ســـيـــاســـيـــا عـلـى حكومة كير ستارمَر. بريطانيا لا تـزال تعتمد على إلى 35 في المائة من الإنتاج محلي، و 40 الغاز: نحو فــي المــائــة يـأتـي مــن الــنــرويــج، وقـــد يـتـجـاوز ذلـك 40 فـي الـشـتـاء، والـبـاقـي مستورد كغاز مسال مـن قطر والـــولايـــات المــتــحــدة، عـبـر المـحـيـطـات بتكلفة مالية وبيئية مرتفعة. لكن المشكلة لا تقتصر على الاستيراد. فبالتوازي مع تقليص الإنتاج في بحر الشمال، تراجعت أيضا قدرة التخزين الاستراتيجي للغاز، مما جعل البلاد أكثر عرضة لتقلبات السوق والأزمات الدولية. ولذلك فتخفيض الإنتاج المحلي لا يقلل الاعتماد على الغاز، بل يزيد الهشاشة في تأمينه. أي إن بــريــطــانــيــا لــــم تــقــلــص اعـــتـــمـــادهـــا عـلـى الغاز، بل نقلت مصدره إلى الخارج، وغالبا بتكلفة كربونية أعلى وبمخاطر استراتيجية أكبر. ميليباند مـصـر عـلـى رفـــض تـراخـيـص جـديـدة لاســـتـــخـــراج الــــغــــاز مــــن بـــحـــر الـــشـــمـــال، ولا تـوسـيـع للإنتاج المحلي، مع دفع التحول الطاقي مهما كانت تكلفته الاقـتـصـاديـة. سـيـاسـة جعلها الـتـنـاقـض مع التجربة العملية أقرب إلى قناعة آيديولوجية منها إلى حسابات واقعية تؤمن الطاقة. الــــقــــلــــق يـــتـــســـع داخـــــــــل حــــــــزب الـــــعـــــمـــــال. نــــــواب اسـكـوتـلـنـدا يــــرون تــهــديــدا مــبــاشــرا لـقـطـاع الـبـتـرول والــــغــــاز، والـــنـــقـــابـــات تُـــحـــذِّر مـــن تـــداعـــيـــات ذلــــك على العاملين في القطاع، فيما يمنح هذا النهج خصوم الحزب مــادة سياسية جـاهـزة، ويعزز الانطباع بأن الحكومة أصبحت بعيدة عن الاقتصاد الحقيقي. وهـــي سـيـاسـة ينتقدها الـزعـيـم الأســبــق توني بلير بقوله إن بريطانيا ستحتاج إلى الغاز لعقود، والأجـدى إنتاجه محليا بدلا من استيراده. غير ذلك ليس استراتيجية، بل موقف آيديولوجي رمزي. وبحلول الأربعاء، انتقل الجدل إلى قاعة مجلس الـــعـــمـــوم. فـــقـــد خــصــصــت زعـــيـــمـــة المـــعـــارضـــة كـيـمـي بـيـدنـوك أسئلتها الستة فـي جلسة مـسـاءلـة رئيس الحكومة لمـوضـوع الـطـاقـة بوصفه سببا فـي زيــادة تكلفة المعيشة. فأسعار الغاز تحدد فواتير الكهرباء والتدفئة، وتنعكس على أسعار الغذاء والنقل ومعظم السلع. ومع تداعيات الحرب ضد إيران واحتمالات اضطراب الإمـــــدادات، يصبح الــســؤال الأول لــدى الناخبين عن تكلفة الحياة اليومية. طُــرحـت هــذه الـنـقـاط مـــرارا داخـــل الــقــاعــة... لكن رئـيـس الــــوزراء سـتـارمـر لـم يُــجِــب مـبـاشـرة. بـــدلا من ذلـــك، لـجـأ إلـــى مــســاره المـــألـــوف: مهاجمة المـعـارضـة، واسـتـحـضـار مـلـف إيـــــران، وتـــكـــرار اتــهــام المحافظين وحــزب «ريـفـورم» بدعم الـحـرب، وهـو موضوع يعلم جــيــدا أنـــه غـيـر شـعـبـي لـــدى الــنــاخــبــن، فـــي مـحـاولـة لتغيير مسار النقاش. وعـــنـــدمـــا اقـــتـــربـــت الأســـئـــلـــة مـــن صــلــب سـيـاسـة الـطـاقـة، لجأ إلــى حجة قانونية، مشيرا إلــى قضايا مـرتـبـطـة بــالــطــاقــة والانـــبـــعـــاثـــات، ومــســتــخــدمــا ذلــك لتبرير التردد في منح تراخيص جديدة في وقت كان فيه وزير الطاقة نفسه طرفا رئيسيا في هذا التوجه. وعـــلـــى مــســتــوى الأداء الـــســـيـــاســـي، بــــدا رئـيـس الـــــــــوزراء مـــــرة أخــــــرى وكــــأنــــه يــخــتــبــئ خـــلـــف وزيــــــره، مستخدما ميليباند كــ«مـتـراس» يحميه مـن قذائف بيدنوك البلاغية. لكنها أصرت على طرح السؤال: من يضع السياسة؟ ومـن يقود الحكومة فعلياً، أهـو أم ميليباند؟ هـــذا الــجــدل لــم يـعـد تـقـنـيـا، بــل أصــبــح اخـتـبـارا لـــقـــدرة الـــحـــزب عــلــى الــتــوفــيــق بـــن الــطــمــوح الـبـيـئـي والواقع الاقتصادي وأمن الطاقة. وزادت الـشـكـوك فــي الأيــــام الأخـــيـــرة قـبـل عطلة عيد الـفـصـح. فـجـدل تعيين بيتر مـانـدلـسـون سفيرا في واشنطن مستمر، بينما أثــارت «سرقة» تليفون كبير موظفي مكتب ستارمر السابق، الـذي يحتوي عــلــى رســـائـــل مــهــمــة، تــــســــاؤلات واســــعــــة، خـصـوصـا بعد مطالبة البرلمان بالكشف عنها، وعـن «توقيت» السرقة. ثم، ومع تصاعد الضغوط، غادر رئيس الوزراء إلـــى قـمـة الــقــوة الـدفـاعـيـة فــي فـنـلـنـدا، ضـمـن تحالف عسكري تقوده بريطانيا. النمط يتكرر: ضغط داخلي، أسئلة بلا إجابات، ثم الهروب إلى السياسة الخارجية. في المقابل، تبقى الحقيقة واضحة. بريطانيا ستواصل اسـتـخـدام الـغـاز لسنوات. والــســؤال ليس هــل، بـل مـن أيــن وبـــأي تكلفة؟ إنتاج محلي يوفِّر وظائف ويقلِّل الانبعاثات... أم استيراد مكلف، أعلى كربونياً، وأكثر اعتمادا على الخارج مع الاكتفاء بإرسال إشارات رمزية عن البيئة. هذه ليست استراتيجية انتقال، بل تناقض. ومع ارتفاع الفواتير، بدأ الناخبون يتساءلون: هل هذه سياسة طاقة... أم مسرحية تجاهل الواقع؟ وبـيـنـمـا كـانـت طــائــرة سـتـارمـر تُــحـلِّــق نـحـو فنلندا، كان صدى التليفون «المفقود» لا يـزال يـرن في أروقة وستمنستر. Issue 17288 - العدد Sunday - 2026/3/29 الأحد فــــي خـــضـــم مــــا يـــثـــور مــــن «اضــــطــــراب قرب آبار النفط» حسب توصيف أستاذنا الـدكـتـور محمد الـرمـيـحـي، يتجدد تــداول أقـــاويـــل قــديــمــة عـــن الــســعــوديــة والـخـلـيـج والأردن، بـــغـــيـــة تــــوريــــطــــهــــم فـــــي جـــنـــون الـــحـــرب الـعـسـكـريـة والإعـــامـــيـــة... مـصـدر تلك الأقـاويـل كـل مـن ينظر إليهم مـن ثقب فكرة صدئة وأحكام مسبقة عافها الزمن؛ وفــي الـوقـت عينه يـتـوق إلــى الانـتـفـاع من العلاقات الطيبة معهم سواء كان عربيا أو غير عربي! أجـــدى ردود الـفـعـل والــقــول عـلـى تلك المـــصـــادر جـمـيـعـا، ومــــن يـتـشـفـى ويـشـمـت راقــصــا عـلـى طــبــول الـــحـــرب، أيـــن تـجـدهـا؟ لن تجدها على منصات وسائل التواصل / الــتــنــاحــر الاجـــتـــمـــاعـــي، بـــل فــــوق مـسـرح الــحــيــاة الــكــبــيــر، حــيــث تـــــؤدي الـسـعـوديـة وأشـــقـــاؤهـــا فـــي الــخــلــيــج والأردن، الــــدور المــــأمــــول بــاعــتــبــارهــا قــــوى اعــــتــــدال مـتـزنـة لا تـنـحـرف بوصلتها أو ينجر حاملوها بسهولة إلـى هـوة التهور والتدهور، إنما إلـى مسارعة تلافي الـوقـوع فيه ومحاولة التفادي المبكر. حــــن يـــتـــهـــور مَــــــن حــــولــــك وتـــتـــدهـــور أحــــــــوال مـــحـــيـــطـــك، مــــن الـــعـــقـــل ألا تــتــهــور وتجعل نفسك مـن عـوامـل الـتـدهـور... ذاك ديدن ومبدأ «الفاعل العاقل» وسط محيط مضطرب. الـــســـعـــوديـــة ودول الــخــلــيــج والأردن بكل جــدارة أثبتوا «أن هناك طرفا أصيلا فــي الـخـلـيـج والــعــالــم الــعــربــي والإســامــي يــــقــــوم بــــــــــدوره، ولــــــه نـــصـــيـــب فــــي تــحــريــك الأحداث...» وفق قراءة وتشخيص الكاتب الراحل الأستاذ أحمد بهاء الدين، في مقال م) تـطـرق إلى 1980( » عـنـوانـه «الـامـعـقـول احـتـمـالـيـة الانــتــحــار الإيـــرانـــي أول الـحـرب الإيــرانــيــة - الــعــراقــيــة؛ إذ «يُــفــضِّــل (بعض قـــــادتـــــه) أن يــســتــشــهــد ولـــــو دمــــــرت إيـــــران كلها على أن يعيش مع هزيمة مـا»؛ كذلك «يَعمد في حالة اليأس والشعور بالحصار والاختناق إلى عمل انتحاري يائس، ينشر الحرب والدمار خارج إطاره الحالي». ماضيا حـاولـوا ذلــك، وحسبكم تذكر قــــــدرات هــــذه الــــــدول عــبــر تـنـسـيـق الـــدفـــاع الـخـلـيـجـي المــشــتــرك أثـــنـــاء حــــرب الـخـلـيـج حزيران (يونيو) 5 الأولــى، وما جرى يوم م مــن حـــرب جـويـة سـعـوديـة إيـرانـيـة 1984 سـرعـان مـا انتهت بـانـدحـار الأخــيــرة أمـام قوات الرياض الجوية. وحــــالــــيــــا يـــــحـــــاولـــــون «نــــشــــر الــــحــــرب والـدمـار خــارج إطــاره الحالي» في الضفة الأخــــرى مــن الـخـلـيـج، بـــاعـــتـــداءات الــقــوات الإيــرانــيــة وميليشياتها عـلـى الـسـعـوديـة ودول الــخــلــيــج والأردن، الــــذيــــن تـتـجـلـى مــســؤولــيــتــهــم تـــجـــاه بــــادهــــم بــاســتــمــرار الــحــيــاة الـطـبـيـعـيـة فـيـهـا مـــن خـــال تـأمـن المـــواطـــنـــن والمــقــيــمــن وإجـــــــــراءات الـــدفـــاع وصـــد الاعــــتــــداءات والـــهـــجـــمـــات... والـفـعـل الدبلوماسي. عدم انجرار الرياض وبقية العواصم مــــعــــهــــا إلــــــــى الـــــــحـــــــرب، والاكــــــتــــــفــــــاء بــصــد الاعـــــتـــــداءات الإيـــرانـــيـــة -الـــتـــي لـــم تـسـتـثـن أقــــرب أصـدقـائـهـا وجــيــرانــهــا- لا يـعـنـي أن مَن لم يقرر الدخول ليس الأقدر على الرد؛ فـــمـــؤشـــرات تــســلــح هـــــذه الـــــــدول واضـــحـــة، ومقدرة جيوشها وقواتها فائقة، وتنفيذ مـــن مــيــثــاق الأمـــــم المـــتـــحـــدة حــق 51 المــــــادة متاح، لكن منع الانزلاق وحفظ السلام رغم التصعيد، هو القرار والخيار الأجدر... «الفاعل العاقل» يثير الإعـجـاب بأنه صـامـت إزاء مــا يـقـال عـنـه لا يلقي لــه بــالا ويــبــقــى يـنـفـع بــــاده ومــواطــنــيــه ورعـــايـــاه بـــدفـــع الـــضـــر عـــنـــهـــم، وفـــــي خـــطـــى الـــواثـــق يــمــضــي تـــجـــاه الـــســـام والـــتـــهـــدئـــة لإطــفــاء نـيـران المنطقة، وإحــــراز الأمـــن والاسـتـقـرار الأثمن من كل سلعة يتفانون بسببها. مـــع مـطـلـع الـــعـــام الــحــالــي، بــــدأت المـــؤشـــرات تـوحـي بقرب انهيار الاقتصاد الروسي؛ إذ ترنحت البلاد تحت وطـــــأة ضـــغـــوط الـــحـــرب والـــعـــقـــوبـــات الـــدولـــيـــة، فـشـهـدت الإيـرادات تراجعا حاداً، وتقلصت معدلات الإنتاج، فيما أصيبت الحركة التجارية بالركود. ومع تصاعد الرسوم الجمركية، بــات الحصول على الائـتـمـان مكلفا للغاية، وصار الاقتراض شبه مستحيل، ما أنذر بموجة وشيكة مــن الإفــــاس بــاتــت تــلــوح فــي الأفــــق. وفـــي أواخــــر يناير (كــانــون الـثـانـي)، وجـــدت روسـيـا نفسها مضطرة لبيع دولارا فقط 22 النفط إلى الهند بسعر زهيد لم يتجاوز للبرميل، وهو ما يعادل ثلث سعر السوق تقريباً؛ ليكون هـذا أقــوى دليل على عـدم قــدرة الاقتصاد الـروسـي على الصمود في ظل تلك الظروف. اســتــمــع الـــرئـــيـــس فــاديــمــيــر بـــوتـــن إلــــى مــثــل هــذه الشكاوى طوال فترة الحرب. ومع ذلك، ووفقا للمحيطين به، فقد اختار إلى حد كبير عدم الإصغاء. مـــن جـانـبـهـم، أدرك المـــســـؤولـــون وقـــــادة الأعـــمـــال أن اسـتـمـرار الـحـرب يمثل أولـويـتـه الـقـصـوى، وأن الوضع الاقتصادي للبلاد لم يكن ذا أهمية تذكر لديه. لكن في فبراير (شباط)، طرأ تحول ما. إذ بدأ السيد بوتين فجأة فـي الالـتـفـات إلــى الاقـتـصـاد المتعثر، بـل وظـهـرت بــوادر تشير إلــى احـتـمـال تغييره لـرأيـه بـشـأن المـفـاوضـات مع أوكرانيا، وربما البحث عن مخرج من الصراع. ثم جاءت الحرب في إيران، وفي لمحة بصر، انقلبت ظروف التهدئة رأسا على عقب. ففي ظل انتعاش أسعار الـنـفـط، والانـقـسـام الـغـربـي، والـتـدخـل الأمـيـركـي المـفـرط، انحسر الضغط على بوتين للتوصل إلـى تسوية. وفي مفارقة تاريخية عجيبة، أسفر انــدلاع الحرب في إيـران عن وأد فرص إنهاء الحرب الأوكرانية، وذلك في اللحظة ذاتها التي بدا فيها السيد بوتين مستعدا للنظر في هذا الأمر. وفــــي فـــبـــرايـــر، بــــدا بـــوتـــن مـتـأهـبـا لـتـغـيـيـر مــســاره وإعادة هيكلة فريقه التفاوضي. إذ ترددت أنباء عن قرب إقـالـة كيريل ديميترييف، المـبـعـوث الرئيسي للكرملين الــــذي يُــنـظـر إلــيــه عـلـى نــطــاق واســــع بـوصـفـه شخصية هامشية تفتقر لـلـصـاحـيـات الحقيقية. وكـــان المـرشـح الأبرز لخلافته هو إيغور سيتشين، رئيس شركة النفط الحكومية العملاقة «روسـنـفـت». وبـعـدّه الـــذراع اليمنى لبوتين، سبق لسيتشين الإشـــراف على عـاقـات روسيا مع أميركا اللاتينية، فضلا عن توطيد روابط وثيقة مع الرؤساء التنفيذيين لشركات النفط الأميركية؛ وكان هذا مؤشرا على أن بوتين قد يبدأ في التعاطي مع المحادثات بجدية. وفـــي الأثـــنـــاء ذاتـــهـــا، بــــدأت الإشـــاعـــات تــتــردد حـول تعديل واسع النطاق ووشيك في الحكومة الروسية. فإذا أراد السيد بوتين الانخراط بصفة جدية في المفاوضات والسعي لتحقيق الـسـام مـع أوكـرانـيـا، فسيتعين عليه إعادة بناء هيكل السلطة بالكامل. ووفقا لمصادر مقربة من الكرملين، قد يشمل ذلـك إقالة الحكومة الحالية؛ إذ شـرعـت الغيوم تتلبد بالفعل فـي سـمـاء رئـيـس الـــوزراء ميخائيل ميشوستين، بعدما صار مقربون منه متهمين في قضايا جنائية مؤخراً. 28 ولن نعرف أبدا ما الذي كان يمكن أن يحدث. ففي فبراير، اغتيل آية الله علي خامنئي في هجوم أميركي إسـرائـيـلـي مــشــتــرك، ثــم تـغـيـر كــل شـــيء فــي الأيــــام التي دولار 100 تلت ذلــك. فقد قفزت أسـعـار النفط لتتجاوز للبرميل، وفـــي تـحـول جــــذري، رفـعـت الـــولايـــات المتحدة الـعـقـوبـات المــفــروضــة عـلـى الـنـفـط الـــروســـي، كـمـا ارتـفـع الطلب على الأسمدة الروسية مع ترنح العالم تحت وطأة الاضطرابات في إمدادات الغذاء. وفجأة، بدا أن المشكلات الاقتصادية التي كانت تؤرق روسيا قد تلاشت. عـاوة على ذلـك، تعمقت الانقسامات بين الولايات المتحدة وحلفائها في حلف الناتو، الذين رفضوا إرسال سفن إلى مضيق هرمز، الأمر الذي وصفه الرئيس ترمب بأنه «خطأ فـادح». وبالنسبة للسيد بوتين، الذي بُنيت سياسته الخارجية على رعاية الفوضى في الغرب، كان هـذا أمــرا مُرحبا به للغاية. وبالقدر نفسه من الأهمية، جـــاء انــشــغــال أمــيــركــا بــالــشــرق الأوســـــط لـيـدفـع بقضية أوكرانيا بعيدا عن صدارة الاهتمامات. ولم يقتصر الأمر على تشتيت الانـتـبـاه فحسب، بـل إن الــولايــات المتحدة بـدأت تستنزف الأسلحة والذخائر التي كـان من الممكن إرسالها إلى أوكرانيا. ويلمح الكرملين فرصة سانحة في أميركا أيضاً. إذ ليس من الصعب رؤية كيف يمكن لصراع مطول مع إيران أن يـنـال مــن المـكـانـة السياسية للسيد تـرمـب ويُضعف الــــحــــزب الـــجـــمـــهـــوري، مــــا يــجــعــل انـــتـــخـــابـــات الــتــجــديــد النصفي المقبلة محفوفة بالمخاطر بصفة خاصة، ويُعزز قناعة بوتين بشأن الطبيعة المؤقتة للسياسة الأميركية. فالسيد تـرمـب، مثله مثل أي رئيس أميركي، شخصية مـؤقـتـة، وســـوف تـأتـي إدارة جــديــدة فــي نـهـايـة المـطـاف، وربــمــا تتبنى نـهـجـا مختلفا تـمـامـا إزاء روســـيـــا. ومـن هـذا المنظور، تصبح التنازلات بشأن أوكرانيا منعدمة الجدوى. تُــــعــــد كــــل هـــــذه المـــكـــاســـب غـــنـــائـــم لا يـــســـتـــهـــان بـهـا للكرملين. غير أن الأمـــوال التي تتدفق الآن إلــى روسيا لا تضمن بأي حال من الأحــوال قـدرة السيد بوتين على الاستمرار في الحرب إلـى ما لا نهاية. بل على العكس، يعتقد بـعـض المـقـربـن مــن الـحـكـومـة أن الــوضــع الـراهـن سيكون قصير الأمـد. إذ يتوقع كثيرون في موسكو أنه بحلول مايو (أيـــار) المقبل، قـد تنتهي الـحـرب فـي إيـران وتُعاد الأمور إلى نصابها بفرض العقوبات على روسيا مجدداً، فالاقتصاد الروسي المأزوم لا يجد خلاصا دائماً. أما الأوضـاع الداخلية في روسيا، فقد بدأت تتسم بالاضطراب هي الأخـــرى. فقبيل الانتخابات البرلمانية المـقـررة هـذا الخريف، يعيش الكرملين حالة من الترقب المــشــوبــة بـالـقـلـق، إذ يــتــأرجــح فـــي خـطـطـه لمـــلء الـبـرلمـان بـالمـحـاربـن الـقـدامـى، ويتعامل بقسوة مـع مـــدون مــوال للنظام انقلب علانية على بوتين. كما تحركت السلطات لحجب منصة «تلغرام»، منصة المراسلة الأكثر استخداما في البلاد، في حين أصبحت انقطاعات الإنترنت متكررة بــصــورة مـتـزايـدة فــي مـوسـكـو وســانــت بـطـرسـبـرغ، ولـم تخفت حـــدة الإشـــاعـــات حـــول إجــــراء تـعـديـات حكومية شاملة. لقد أضحى مستوى الاستياء الشعبي - الـذي كان حـتـى وقـــت قـريـب ضـربـا مــن الـخـيـال - جـــزءا مــن الحياة الـيـومـيـة. ويــبــدو أن الـسـيـد بـوتـن سيضطر قـريـبـا إلـى اتـخـاذ قــرار مصيري: إمـا الموافقة على شكل مـن أشكال خــفــض الـتـصـعـيـد فـــي أوكـــرانـــيـــا، بــمــا قـــد يـشـمـل إنــهــاء الـــحـــرب، وإمـــــا المــضــي قــدمــا فـــي الاتـــجـــاه المــعــاكــس عبر تشديد الـرقـابـة على الأصـعـدة كـافـة، وصـــولا إلــى إعـان تـعـبـئـة جـــديـــدة. ومــــن المـسـتـحـيـل الـتـنـبـؤ بـــالـــقـــرار الـــذي سيتخذه بــوتــن، لـكـن الـعـامـل الأكــبــر سيكمن فــي مـدى استمرار أميركا في حربها الخاصة. * خدمة «نيويورك تايمز» من المستحيل التنبؤ بالقرار الذي سيتخذه بوتين منع الانزلاق وحفظ السلام رغم التصعيد هو القرار والخيار الأجدر لطفي فؤاد نعمان *ميخائيل زيغار عادل درويش OPINION الرأي 14 روسيا بين حربي أوكرانيا وإيران الفاعل العاقل بريطانيا... سياسة الطاقة و«التليفون المسروق» مع ارتفاع الفواتير بدأ الناخبون يتساءلون: هل هذه سياسة طاقة أم مسرحية تجاهل الواقع؟
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky