ثـــــاثـــــة عـــــشـــــر شـــــهـــــرا تـــفـــصـــل فــــرنــــســــا عـــــن مـــعـــركـــة الانتخابات الرئاسية. يوم الأحـد الماضي انتهت الجولة الثانية والأخيرة من الانتخابات البلدية (عمداء المدن). الانـتـخـابـات -كـمـا هـو مـتـوقـع- أبــــرزت، اسـتـنـادا إلى المـعـلـقـن، مـشـهـدا سـيـاسـيـا متشظيا وأكـــثـــر تـعـقـيـدا من الانتخابات التشريعية السابقة، يعكس بشكل كبير حالة التيه التي يعيشها الناخب الفرنسي، قبل عام واحد من معركة انتخابات رئاسية. الانـــتـــخـــابـــات شـــهـــدت نــســبــة مـــشـــاركـــة مــتــدنــيــة مـن الناخبين. وبالتالي فإن النتائج لا تعكس «تيه الناخب» بقدر ما تعكس «لا مبالاة الناخب» حسبما يقول المعلقون. النتائج النهائية للانتخابات أوضحت -بما لا يترك مجالا لشك- أن الخاسر الأكبر كان حزب الرئيس إيمانويل ماكرون. المعلقون الفرنسيون يرون أن فشل الحزب طيلة سنواته العشر الماضية في بناء قاعدة شعبية في الأقاليم جعلته في وضـع انتخابي هـش جــداً، مما اضطره لدعم مرشحي اليمين التقليدي (الجمهوريين) أو الوسطيين، لمنع فوز اليمين المتطرف أو اليسار الراديكالي؛ الأمر الذي يعني واقعيا ذوبان شخصية الحزب المستقلة. لعل أفـضـل التفاسير لفشل الـحـزب مـا ذكـــره بعض المـعـلـقـن، وهـــو أن الــحــزب «صُــمــم كــ(مـاكـيـنـة انتخابية) للرئاسيات، وليس حزبا قاعدياً. الفشل في البلديات ليس مفاجئاً؛ بل هو طبيعة بنيوية في الأحـــزاب (الوسطية) التي تعتمد على كاريزما الزعيم؛ لا على الـولاء الحزبي في الأقاليم». الــيــمــن المـــتـــطـــرف مــمــثــا فـــي «الــتــجــمــع الــوطــنــي» بقيادة مارين لوبان، حقق نصرا في مدينة نيس، وهي مـديـنـة مــشــهــورة، ولـكـن الــفــوز بـــدا نـاقـصـا؛ لأن المـرشـح الفائز بمنصب عمدة المدينة ينتمي لحزب يميني آخر. الحزب حقق نجاحات عدة في مدن أخرى صغيرة في الأرياف، ولكن الناخبين في المدن الكبيرة؛ خصوصا فـــي مـديـنـتـي مــارســيــلــيــا، ثـــانـــي أكـــبـــر المـــــدن الـفـرنـسـيـة، وليون، اختاروا التصويت إلى أحزاب معتدلة من اليمين واليسار. الــعــاصــمــة بـــاريـــس (الـــجـــائـــزة الـــكـــبـــرى) ظــلــت على ولائها للاشتراكيين، بالتصويت إلى نائب عمدة المدينة السابقة آن هـيـدالـغـو. فشل اليمين المـتـطـرف يـعـود إلى تـحـالـف انـتـخـابـي ضمني بــن أحــــزاب الـيـمـن والـيـسـار والوسط، أطلق عليه اسم «الجبهة الجمهورية» بهدف قطع الطريق على المتطرفين اليمينيين. الأحــزاب المتطرفة في العادة تبرز في استطلاعات الــرأي الـعـام، وتتقدم القوائم؛ لكنها تفشل في اكتساح صناديق الانتخابات في المـدن الكبرى. هـذه القاعدة لا تخلو من استثناءات. المــدن الكبرى ليبرالية تاريخياً. واسـتـنـادا إلــى آراء معلقين، فــإن صـمـود أحـــزاب اليسار (الاشـتـراكـيـن والـخـضـر) فـي المـــدن الـكـبـرى، هـو تحالف ضــــرورة، ولـيـس اسـتـعـادة لشعبية مـفـقـودة. يمكن في هـذا السياق الاستشهاد بما حـدث في مدينتي باريس وطــولــون. فـي الأولـــى تـوحـدت أحـــزاب الـيـسـار، وتمكنت مـــن الاحــتــفــاظ بـالـسـيـطـرة عـلـى الــعــاصــمــة. فـــي طـولـون حدث العكس؛ حيث أصر حزب فرنسا الأبية الراديكالي على عدم الانضمام لقائمة اليسار، ودخول الانتخابات وحــــــده، فـبـقـيـت المـــديـــنـــة فـــي قـبـضـة الــيــمــن الـتـقـلـيـدي. الانـــقـــســـام الـــيـــســـاري ســـهَّـــل مـــن مــهــمــة الـــيـــمـــن، وفــــازت مرشحتهم، حائلة دون فـوز التجمع الوطني اليميني المتطرف بعمودية المدينة. الانتخابات الأخيرة جاءت نتائجها لتؤكد أن فرنسا سـيـاسـيـا أضــحــت فــرنــســات. وبــــات الانــقــســام الـجـغـرافـي واضــحــا: مــدن كـبـرى يـسـاريـة ليبرالية، ومـــدن متوسطة وأرياف تتجه بقوة نحو اليمين المتطرف، ووسط سياسي (ماكروني) يتلاشى تدريجياً. الانـتـخـابـات أبــانــت كـذلـك أن الـنـاخـب الـفـرنـسـي في البلديات فضَّل الاستقرار المحلي من خـال حرصه على إعـــــادة انــتــخــاب الـــعُـــمَـــد الــحــالــيــن، بــــدلا مـــن الـــتـــورط في تجربة اليمين المتطرف في الإدارة. وبالطبع، هذا لا يعني بالضرورة أنه سيصوِّت بالطريقة نفسها في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. الانـتـخـابـات الأخــيــرة عـــززت مــن الــــرأي الـقـائـل بـأن الناخب الفرنسي لا يزال -عموماً- غير واثق في الأحزاب المــتــطــرفــة يـمـيـنـا والـــراديـــكـــالـــيـــة يـــســـاراً. حــــزب التجمع الشعبي اليميني المتطرف، رغـم كل استطلاعات الـرأي الـعـام التي تضعه فـي المقدمة، مُني بخيبة أمـل كبيرة لفشله فــي الــفــوز بـعـمـوديـة مـديـنـة مـارسـيـلـيـا، رغـــم كل جـــهـــوده. والأمـــــر نـفـسـه حــــدث مـــع حــــزب فــرنــســا الأبــيــة الـيـسـاري الـراديـكـالـي، فـي مدينة طـولـون التي توصف بأنها مخزن اليمين. ويظل السؤال قائماً: هل سينجح اليمين المتطرف، مـمـثـا بــحــزب الـتـجـمـع الــوطــنــي، فــي تـرجـمـة تــمــدده في الأريـاف والمـدن المتوسطة، بالوصول إلى قصر الإليزيه؟ أم أن «الـجـبـهـة الـجـمـهـوريـة» ستعيد إنــتــاج نفسها في الانتخابات الرئاسية القادمة؟ الانــتــخــابــات الــبــلــديــة الأخـــيـــرة أظـــهـــرت أن الـنـاخـب الــفــرنــســي، مـثـل الــنــاخــب الــبــريــطــانــي، لا يــــزال يـمـيـز بين «الاخـتـبـار المـحـلـي» و«الـخـيـار الـوطـنـي»، وهــو مـا يجعل المشهد الرئاسي غامضاً. من الضروري اعتبار هذه المرحلة عابرة وسوف تنتهي؛ إما باستمرار استعمال القوة، وإمـا باقتناع الـــــطـــــرف الآخــــربــــالــــتــــفــــاوض. أمــــــا الــــتــــرويــــج لـــوجـــود اضطرابات أو أزمــات فمصادرها تضخ عبر منصات معادية تؤيد هذا العدوان غير الأخلاقي بل الغاشم. لقد أثبتت دول الخليج قدراتها القويّة على إدارة الحرب على المستويات كافّة، وهذا يعيدنا إلى مفهوم استعمله الفيلسوف إدغار موران وهو «إدارة الأزمة». نعم، تعلّم البشر أنه مع كل حـدث يُستجد تبدو معضلة فكرة «الأزمـــة»، إنها مسألة تحد من الواجب التعامل معها ضمن التكامل بـن الــقــوّة والعقلانية والحسم. من السهل أن يصنع لك العدو أزمة، ولكن الذكاء كـل الـذكـاء أن تديرها، وهــذا مـا تقوم بـه دول الخليج بـــقـــوّة دبــلــومــاســيــة صـــارمـــة وعــقــانــيــة وعــمــلــيّــة على المستويات جميعها. لقد مـر زمـن طويل علينا في المنطقة وأحداثها، تبدو الأزمة وكأنها تقود صانعها نحو الهلاك، وهذا مـا يمارسه الـطـرف الإيــرانــي بصواريخه وعـدّتـه ضد دول التنمية والسلم والحيويّة الاجتماعية. تعلم دول الخليج التنموية الحيوية أنه لا يمكن إنجاح إدارة أي أزمــة، من دون تجاوز مناخ العاطفة والشعارات المصاحبة للحدث. إن الـــبـــديـــل يــكــمــن فــــي الـــتـــوجـــه نـــحـــو الــبــصــيــرة القيادية الرصينة، وهو منهاج دول الخليج. والتفكير بهدوء مع أي حدث عاصف وفي أي أزمة خانقة يسهّل حلها، وغير هـذا يجعل الأمـــور تتجه نحو المـزيـد من الـــتـــأزيـــم، وهــــذا مـــا تـــــودّه دول الــــعــــدوان والــخــطــابــات الشامتة. وبالعودة إلى الفيلسوف إدغار موران، وتحديدا لكتابه «مفهوم الأزمة»، نرى أنه قد درس المعنى وعالج صيرورة المفهوم وتحولاته. ليست الأزمــة بالضرورة تطوّريّة، إذ يمكن -كما يـــقـــول- بــمــا خــاصــتــه: «لا بـــد مـــن اســتــيــعــاب الــوضــع القائم، لكن للأزمة احتمال قابليّة التطوّر. فهي تحمل عـنـد نـشـأتـهـا خـصـائـص الــتــطــوّر. ولـفـهـم هــــذا، يجب التخلّص من فكرة أن التطوّر عمليّة متدفّقة متواصلة. فـكـل تــطــوّر يَــنـشـأ دائــمــا مــن أحــــداث أو حـــــوادث، ومـن اضـطـرابـات تـولّــد انـحـرافـات تصبح بــدورهــا اتجاها يدخل في تعارض ضمن النظام، ويجر اختلال تنظيم أو إعــــــادة تـنـظـيـم مــتــفــاوتــة الـــدرامـــاتـــيـــكـــيّـــة والــعــمــق. إذن الأزمــة حقل للتطوّر. إنها نـوع ما مخبر لدراسة الــعــمــلــيّــات الـــتـــطـــوّريّـــة. إنّـــنـــا فـــي مـجـتـمـعـات تـتـطـوّر باستمرار وبسرعة». يضيف: «لكنّنا نستطيع أن نفرّق بين المفهومَي لكون الأزمـة غير مستمرّة، إذ إنّها تتجلّى بين حدود زمنيّة معيّنة. ويجب أن يكون هنالك ما قبل وما بعد؛ فــالأزمــة بالمعنى الـدقـيـق تـتـحـدّد دائـمــا بالنسبة إلى فــتــرات اسـتـقـرار نـسـبـيّ، وإل فـــإن فـكـرة الأزمــــة سـوف تغرق في فكرة التطوّر». هــذا المفهوم عـن الأزمـــة يمكن توسيعه بحيث لا يـشـمـل فـقـط الأزمـــــات الـحـربـيـة وهـــي ذروات قـصـوى، وإنـــــمـــــا أيــــضــــا الـــتـــعـــقـــيـــدات الـــفـــكـــريـــة والاقــــتــــصــــاديــــة والاجتماعية التابعة لها، التي عرج عليها في فصول الــكــتــاب، لأنَّـــنـــا عـلـى الـــــدوام مـــع مـسـتـجـدات كـــل حـدث نواجه معضلتَيْ: أولاهما: التكييف الأخلاقي للأزمة، ومن ثم الانقسام على أساس ذلك التكييف، كما حدث من تجارب في الماضي غير البعيد. ثـانـيـتـهـمـا: كــيــف يـمـكـن تــبــويــب مــرحــلــة مـــا بعد الحرب؟ لا ننكر أن آثار حرب الخليج لا تزال ماثلة حتى الآن على مستويات اقتصادية وفكرية واجتماعية، لا يمكن إنـجـاح إدارة الأزمـــة مـن دون الـخـروج مـن مناخ العاطفة القومي والخطاب القديم. الخلاصة؛ أن إرادة الـقـوّة هي الأســاس لضمان الأمــــــن، اســتــطــاعــت دول الــخــلــيــج أن تـــقـــوم بـــدورهـــا الـــقـــوي لــــردع هــــذا الــــعــــدوان، والـــفـــرق الأســـاســـي بين الأمس واليوم لبّه أن يتوجّه المعنيّون من أكاديميين ومثقفين وتربويين إلـى تكثيف القول حـول مخاطر تـصـديـق الـــروايـــات المـرجـفـة فــي مـنـصّــات الـتـواصـل، ووســـائـــل اســتــهــداف أمـــن الـــــدول، وهــــذا هــو الــواجــب الأخـاقـي بغية تـجـاوز الأزمـــات كلها، وفهم طبيعة مفهوم «الحرب». حـــن تصفعنا الـحـقـيـقـة المُـــــرّة الــتــي هي أن دول الخليج العربيّة تلقّت مـن الضربات الإيــــرانــــيّــــة قـــرابـــة خــمــســة أضـــعـــاف مـــا تـلـقّــتـه إســرائــيــل، نـعـود عــقــودا إلـــى الــــوراء بحثا عن أصـــول لمنظومة الـسـلـوك هـــذا. والأصــــول، في أغلب الظنّ، كامنة في الزمن المبكر العائد إلى ، والذي يجد أعلى تعابيره الحربيّة في 1979 الموسم الحربي الراهن. فالنظام الخمينيّ، منذ ولادته، رفع راية «تصدير الــثــورة» وهــو، مثل سائر الحركات العقائديّة المتطرّفة، أعلن امتلاك حقيقة مطلقة تجيز له كل ما يرتئيه مفيدا لخدمة حقيقته. أمّا أن يشكّل القانون الدولي حدّا على أفعاله فـهـو مــا رفـضـه بــقــوّة مـنـذ إبــصــاره الــنــور من خــال استيلائه على الـسـفـارة الأمـيـركـيّــة في طهران واحتجاز موظّفيها. وبـــالـــطـــبـــع كــــانــــت فــلــســطــن وقــضــيّــتــهــا الـــذريـــعـــة الأولــــــى الـــتـــي اسـتـخـدمـتـهـا طــهــران منذ تلك الأيّـــام الأولـــى، ومــا لبثت أن وسّعت استخدامها لها مع انـدلاع الحرب العراقيّة – الإيرانيّة. ومـــن أجـــل نـظـرة مُــقـارنـة بـهـذه الـوجـهـة، غـيـر الـعـابـئـة بـــالـــدول والـــحـــدود والــســيــادات، ، وجــــهــــة أخـــــرى 1979 ، شـــهـــد الـــــعـــــام نـــفـــســـه معاكسة، مـفـادهـا الـتـراجـع عـن مـبـدأ التدخّل الـــعـــابـــر لـــلـــحـــدود واخــــتــــيــــار الانــــكــــبــــاب عـلـى الــشــأن الــوطــنــيّ. فـمـن خـــال مـعـاهـدة الـسـام عامذاك مع إسرائيل، انعطفت مصر كلّيّا عن السياسات السابقة التي جسّدتها المشاركة فــــي حـــــرب الـــيـــمـــن إبّـــــــان الـــســـتـــيـــنـــات، وقـبـلـهـا الاســتــجــابــة، ولـــو بـــتـــردّد، لإنـــشـــاء وحــــدة مع سـوريّــة، مصحوبة بالحض على الانقلابات الـعـسـكـريّــة والمـــنـــازعـــات الأهــلــيّــة كـمـا عاشها العراق والأردن ولبنان. وليس صحيحاً، في المقابل، أن اتّفاقيّات كـامـب ديفيد وسـيـاسـة التركيز على الـداخـل الوطني تجاهلت القضيّة الفلسطينيّة. فهي تــنــاولــتــهــا فـــي وثــيــقــة حــمــلــت عـــنـــوان «إطــــار عمل للسلام فـي الـشـرق الأوســــط»، فاقترحت حكما ذاتــيّــا كـامـا للفلسطينيّين فـي الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، بحيث يديرون شؤونهم الــداخــلــيّــة وتُــنــتــخــب، خـــال مـرحـلـة انـتـقـالـيّــة مـــن خـمـس ســـنـــوات، سـلـطـة حـكـم ذاتـــــي فيما تتقلّص بالتدريج سلطة الحكومة العسكريّة الإسرائيليّة. أمّــا بعد ذاك فتُجرى مفاوضات الوضع النهائي التي تقرّر مستقبل الأراضي المحتلّة. صـحـيـح أن الــخــطّــة تــلــك لـــم تــقــل بــدولــة فــلــســطــيــنــيّــة مـــســـتـــقـــلّـــة، لـــكـــنّـــهـــا اقـــتـــرحـــت مـا يفيض كثيرا عمّا يستطيع أن يـوفّــره تــوازن 1973 الــــقــــوى، خـــصـــوصـــا أن حـــــرب أكـــتـــوبـــر كـانـت قـد استنفدت الـحـد الأقـصـى العسكري للجهد الجماعي العربي مصحوبا بالضغط الاقـتـصـاديّ. وهـي لئن لم تغلق الأبـــواب أمام احـــتـــمـــالات مـسـتـقـبـلـيّــة مـمـكـنـة نـــظـــريّـــا، فـــإن الــبــديــل المـــوصـــوف بـــالـــثـــوريّـــة، أي المـنـظّــمـات الفلسطينيّة المسلّحة، كــان خـارجـا مـن حرب في الأردن وغارقا في حرب في لبنان. والــحــال أن انـتـصـار الـوجـهـة الخمينيّة على الـوجـهـة الـسـاداتـيّــة كــان كــارثــي النتائج التي لا زالت فصولها تتوالى، علما بأن أطرافا كــثــيــرة، ولأســـبـــاب عــــدّة مـنـهـا خـــوف الابـــتـــزاز بـ«القضيّة»، سهّلت لتلك الوجهة انتصارها هذا. وبــــــدوره كـــان لــبــنــان، الــخــاضــع يــومــذاك لقوّات حافظ الأسد، مسرح التجسيد المباشر لانتصار إحدى الوجهتين، بذريعة «القضيّة»، على الأخرى. وبــــــالــــــتــــــدريــــــج، لا ســــيّــــمــــا مــــــع الــــحــــرب العراقيّة – الإيـرانـيّــة وبعدها، راحــت تتكامل الاستراتيجيّة المنبثقة من تلك الوجهة. فإيران ينبغي أن توجد في كل مكان يمكن من خلاله تــعــزيــز ســيــاســات الـــتـــمـــدّد. أمّـــــا الــــتــــورّط هــذا فيطالب «الحلفاءَ» الصغار بما يقارب الذوبان الذي لا يترك إلا القليل لدولهم ومجتمعاتهم وصِيَغ اجتماعهم السياسيّ. فقاسم سليماني مـثـا يـغـدو مخلّصا عــابــرا لـلـحـدود والــــدول، و«الــــحــــرس الــــثــــوريّ» يـــغـــدو شـــريـــك الأجـــهـــزة الـعـسـكـريّــة والأمــنــيّــة فــي تـلـك الـــــدول، ورقيبا عليها. وبدورهم فالرسميّون، أكانوا معيّنين أو منتخبين، لا بــد مـن إخضاعهم للمصفاة الإيرانيّة، وصولا إلى جعل هذه البلدان أشبه بـمـشـاريـع مــؤجّــلــة، تُــسـتـحـضـر انـقـسـامـاتـهـا الأهليّة وتُفعّل وتُستثمَر، وقد تُزج جماعاتها في مواجهات تعرّضها، كما حصل غير مرّة، لاحتلال إسرائيليّ. وفي سياسة القضم هذه، يبقى احتكار الذريعة الفلسطينيّة أساسيّاً، وهــو مـا تـأسّــس بالتنسيق مـع نـظـام الأســد، وعــبّــرت عـنـه الــحــروب المـتـتـالـيـة ضـــد منظّمة الـتـحـريـر الـفـلـسـطـيـنـيّــة وصـــــولا إلـــى هندسة «وحدة الساحات». وقد يكون الأقرب إلى هذه الحالة العابرة لـلـحـدود مــا عُــــرف بـــ«مــبــدأ بـريـجـنـيـف» الــذي بُــعـيـد 1968 طــرحــه الــزعــيــم الــســوفــيــاتــي فـــي «ربـــيـــع بـــــــراغ». ومـــفـــاد المـــبـــدأ هــــذا أنّـــــه يـحـق لــاتّــحــاد الــســوفــيــاتــي الــتــدخّــل فـــي أيّــــة دولـــة اشتراكيّة إذا اعتُبرت اشتراكيّتها «مـهـدَّدة». وهـكـذا كــان على «الحلفاء» الصغار التوافق مع النظام السوفياتي ومطالبه أو الاصطدام بحلف وارسو وغزوه. ذاك أن «التهديد» الذي يــطــال واحـــــدة مـــن الـــــدول الاشـــتــراكـــيّـــة تهديد يطالها كلّها، كما قيل. وفـــي الــشــرق الأوســـــط، وخــصــوصــا بعد مقتل المرشد خامنئي وتعاظم نفوذ «الحرس الثوريّ»، مقابل ضمور مراكز السلطة الأخرى، يُرجّح لتجاهل الدول والحدود والسيادات أن يزداد قوّة وصلابة. وقـــــد ســـبـــق لـــــــدول الـــخـــلـــيـــج أن واجـــهـــت تـــحـــدّيـــن مـــشـــابـــهـــن صـــــادريـــــن عــــن نــظــامــن لا يـــحـــفـــان بـــــالـــــدول والـــــحـــــدود والــــســــيــــادات الـوطـنـيّــة، أوّلـهـمـا فــي حـــرب الـيـمـن والـتـدخّــل المصري الواسع الـذي صاحبها، والثاني مع . وإذا 1990 غزو صدّام حسين دولة الكويت في كــان الـتـحـدّي الـراهـن هـو الأكـبـر والأخـطـر بلا قياس، سيّما وقد باتت دول الخليج شديدة الانـــــدراج فــي تـــيّـــارات الاقـتـصـاد الــعــالمــيّ، فــإن القاعدة العامّة لا تجد فـي هاتين السابقتين إل ما يعزّزها. OPINION الرأي 12 Issue 17288 - العدد Sunday - 2026/3/29 الأحد حول الحرب والمفاهيم الضرورية فرنسا... العد العكسي للانتخابات الرئاسية في بعض أصول سياسة الحرب الإيرانيّة وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حازم صاغيّة فهد سليمان الشقيران جمعة بوكليب
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky