5 حرب إيران NEWS Issue 17287 - العدد Saturday - 2026/3/28 السبت ASHARQ AL-AWSAT «صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق فــي تـدخـل عـسـكـري هــو الأول مــن نوعه ، شاب 2003 منذ الغزو الأميركي للعراق عام حـرب ترمب على إيــران عـدم وضــوح النهاية. خـطـاب الـرئـيـس مـــزج مـنـذ بــدايــة الــحــرب بين أهـــداف استراتيجية متقلبة وجــــداول زمنية مـــرنـــة لـلـضـغـط عــلــى الـــنـــظـــام الإيـــــرانـــــي، لكن مــع الــوقــت فـقـدت إدارتــــه الـسـيـطـرة الإعـامـيـة والــنــفــســيــة عــلــى الـــحـــرب، كــمــا ظــلــت مـــتـــرددة فــــي الــــذهــــاب بـــعـــيـــدا فــــي خــــيــــارات الـتـصـعـيـد الـــعـــســـكـــري. أدى عــــــدم تـــمـــكـــن واشـــنـــطـــن مـن تـقـويـض الـنـظـام الإيـــرانـــي سـريـعـا إلـــى قناعة بـــأن الإبـــقـــاء عـلـى الإيـــقـــاع الإســرائــيــلــي يعني توسيع التورط الأميركي. من يتخذ القرار في إيران؟ في المقابل، هناك عـدم وضـوح حـول مَن يـتـخـذ الــــقــــرارات فـــي طـــهـــران الــتــي يــبــدو أنـهـا تـدفـع أثــمــان تـبـعـات اغـتـيـال قـاسـم سليماني مـــــرورا بـإسـمـاعـيـل هـنـيـة وصــــولا 2020 عــــام إلـــى حـسـن نـصـر الــلــه. والآن ستلحق نفسها بـسـيـاسـة ردعــيــة بـعـد اغـتـيـال خـامـنـئـي الــذي كان يحترف اللعب على حافة الهاوية لموازنة الدينامية بين المحافظين والإصلاحيين، بين «الحرس الثوري» والفريق التفاوضي. يأتي المـرشـد الجديد مجتبى خامنئي، لـــيـــس فـــقـــط لـــيـــكـــرّس إشـــكـــالـــيـــة الـــتـــوريـــث فـي الداخل، بل ليعزّز دور المؤسسة الأمنية على حـسـاب الدينية. وهـنـاك تـسـاؤلات لـم تتضح بعد حـول معالم انتقال السلطة الجديدة في طـهـران ومـن يدين بـالـولاء لها ومـراكـز القرار فيها. هـــل تـتـشـكـل سـلـطـة جــمــاعــيــة ومــتــنــازع عليها فــي طــهــران أم يـحـكِــم مجتبى قبضته عـــلـــى مـــفـــاصـــل الــــــدولــــــة؟ فـــــي حــــــال طـــبـــعـــا لـم يـتـعـرض لاغــتــيــال. شـرعـيـة مجتبى مرتبطة بـــاســـتـــمـــرار الــــحــــرب الـــتـــي يـــحـــتـــاج إلـــيـــهـــا فـي المدى المنظور لتكريس موقعه الجديد؛ لأن ما يترتب على انتهاء الحرب، ليس فقط مواجهة الــتــســاؤلات حـــول شرعيته مــرشــداً، بــل حسم قـــرار كيفية التعامل مـع واشنطن على المـدى المـتـوسـط لكسر الـحـصـار الــجــوي عـلـى إيـــران وتــوفــيــر الـــوقـــت والمـــــــوارد لـتـرمـيـم مـــا دمــرتــه الحرب والعقوبات. توازن يشابه الردع اعتقدت واشنطن أن تكلفة الردع الإيراني منخفضة بما يكفي للتدخل العسكري ضدها، وبالتالي خلصت وإسرائيل إلى أن فرصتهما فــي تحقيق أهـدافـهـمـا بـالـوسـائـل العسكرية أكبر منها بالوسائل الدبلوماسية، وكان ذلك سوء تقدير في حسابات الردع. دمرت أميركا القدرات العسكرية التقليدية للنظام الإيراني، لكنها لا يبدو أنها نجحت في وقف قدرته على إطلاق الصواريخ الباليستية وتقييد الملاحة الدولية في مضيق هرمز الذي أخذته طهران رهــيــنــة كـــــردع اقـــتـــصـــادي فـــي «اسـتـراتـيـجـيـة عــقــابــيــة» كــاســيــكــيــة ربـــطـــت بـــن اســتــهــداف الـنـظـام وإلــحــاق الــضــرر بـالاقـتـصـاد الـعـالمـي. التكلفة جـاءت كأكبر اضطراب في الإمــدادات في العالم منذ أزمة الطاقة في السبعينات؛ ما أجبر إدارة ترمب على رفـع العقوبات مؤقتا عن النفط الإيراني في محاولة لتخفيف أزمة الطاقة. اســـتـــراتـــيـــجـــيـــة الـــــــــردع الإيـــــرانـــــيـــــة مـــرت فــي ثـــاث مــراحــل خـــال هـــذه الـــحـــرب. الـهـدف الرئيسي في المرحلة الأولــى كـان بقاء النظام بـمـا يعنيه مـنـع الانـهـيـار والـتـفـكـك الـداخـلـي، وتفادي انتفاضة شعبية. في ظل فراغ منصب المــرشــد، أطلقت المنظومة الأمـنـيـة فـي طهران العنان لجنون ردعـــي غير مسبوق، وعندما تداخلت الـرسـائـل الأميركية مـع فـكـرة تغيير النظام تعاملت طـهـران مـع الـحـرب على أنها مسألة وجـوديـة، على الرغم من إدراكـهـا أنها لا تستطيع كسب حرب تقليدية مع واشنطن. في المرحلة الثانية، كانت الاستراتيجية الإيــرانــيــة تـسـعـى لـــزيـــادة تكلفة الــحــرب على واشــــنــــطــــن كــــمــــا عــــلــــى الاقـــــتـــــصـــــاد الــــعــــالمــــي. «مصداقية الردع» هي النقطة الأساس حالياً. لأن إيران، ستظهر بمظهر المنهزم استراتيجيا فيما لـو تلقت ضـربـات على مستوى اغتيال خـــامـــنـــئـــي مـــــن دون رد فـــعـــل مـــنـــهـــا، فــبــذلــك تُــخـاطـر بـانـهـيـار «الــــردع الإقـلـيـمـي»، وفـقـدان المـــصـــداقـــيـــة لـــــدى الـــــوكـــــاء، ورد فـــعـــل عـنـيـف داخلياً. استخدمت كل من واشنطن وطهران في الأسبوع الأخير ما سماه توماس شيلينغ «دبلوماسية العنف»، أي التهديد العسكري المستمر وسيلة ضغطٍ. الحافز الإيراني الآخر في المرحلة الثانية هو الحفاظ على تماسك النظام الداخلي عبر اســتــمــرار حـــرب خــارجــيــة تـمـنـع الانـقـسـامـات بحيث يكتسب المـتـشـددون داخـــل المؤسسات الأمنية نفوذا إضافياً. الأسبوع الأخير كان حاسما في معركة مـــضـــيـــق هــــرمــــز والــــبــــنــــى الـــتـــحـــتـــيـــة لــلــطــاقــة؛ فــوصــلــت المـــواجـــهـــة والـــتـــهـــديـــدات إلــــى لحظة الـــــــــذروة، فـــكـــان قــــــرار خـــفـــض الــتــصــعــيــد حـن امتنع الخصمان عـن شـن هـجـوم شـامـل بعد اقـتـنـاع ضمني بــقــدرة بعضهما بعضا على إلحاق خسائر انتقامية لا يمكن تحملها في إطــار الــرد الانتقامي. وبعدما علق الجانبان فـي دوامـــة مـن الإنـــــذارات والــــردود الانتقامية برزت بوادر خيارات عقلانية، أقرَّت بضرورة فتح شكل من أشكال قنوات الاتصال مع رسم مسبق لخطوط حمراء واضحة. أمسك ترمب بزمام مبادرة إعلان انطلاق الــتــفــاوض؛ مــا أربــــك لـيـس إيــــران فـحـسـب، بل فـــاجـــأ إســـرائـــيـــل أيـــضـــا. المــــنــــاورة انـتـقـلـت من المــيــدان إلـــى الــتــفــاوض، وبـالـتـالـي مــن يصرخ أولا يفرض شروط انتهاء الحرب. مسارات 3 وساطة عبر فـــــــي هــــــــــذا الـــــــســـــــيـــــــاق، كــــــانــــــت مـــــصـــــادر دبلوماسية عربية لــ«الـشـرق الأوســـط» أكـدت أن هناك وسـاطـة متقدمة و«اتــصــالات قوية» تـــقـــودهـــا كــــل مــــن بـــاكـــســـتـــان ومـــصـــر وتــركــيــا عـبـر ثــاثــة مـــســـارات داخــــل الــنــظــام الإيـــرانـــي، هـي «الـحـرس الــثــوري» والخارجية الإيرانية ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. تستخدم كـل مـن هــذه الـــدول الـثـاث قنواتها الخاصة. وتشير المصادر إلى أنه حاليا ليس هناك غير هذه الـدول من قد يرغب في القيام بـوسـاطـة، سيما وأنـهـا لـم تتعرض لهجمات صـــاروخـــيـــة إيـــرانـــيـــة. كـــذلـــك، تـــؤكـــد المـــصـــادر وجـــــود عـــــروض أمــيــركــيــة مــتــقــدمــة، ومـسـعـى لإيــجــاد نـــوع مــن الـحـل الــوســط قـــدر الإمــكــان. لــكــن الــتــحــدي أن الأمــيــركــيــن يـضـغـطـون في عـامـل الـوقـت ويستعجلون الاتــفــاق، فـي حين الإيرانيون يرون أن الوقت لا يكفي، خصوصا أن حركتهم وتواصلهم فيما بينهم صعبان لتفادي رصدهم من الإسرائيليين. وكلاء إيران والمواجهة الكبرى الـشـق الـثـانـي فــي الــــردع هــو أذرع إيـــران الإقـلـيـمـيـة. كـــان هـنـاك شـــيء مــن الرومانسية فـــي الـــحـــديـــث عـــن فـــكـــرة الــجــبــهــات المـفـتـوحـة والمتزامنة لوكلاء النظام الإيـرانـي؛ هي فكرة تقوم على أساس أن الهجوم على أحد أطراف المحور يعد هجوما على الكل. لكن هذا الدفاع الجماعي تحقق جزئيا ومرة واحدة فقط بعد قـبـل أن 2023 عملية «طـــوفـــان الأقـــصـــى» عـــام يتعرض المـحـور بمجمله لضربات متتالية. فــي الــحــرب الأولــــى بــن إيــــران وإســرائــيــل عـام وقـفـت أذرع إيـــران على الـحـيـاد، لكنها 2025 دخـلـت عـنـوة على خـط الـحـرب الــدائــرة حاليا بعد اغتيال خامنئي. تعرض المحور إلـى إغتيالات مستهدفة متتالية من إسرائيل وأميركا أدت إلى اهتزاز ركـــائـــزه، وجـــــاءت الــعــقــوبــات الأمــيــركــيــة على لتقلّص مـــوارده، 2019 الـنـظـام الإيــرانــي منذ كـمـا واجــــه تــحــديــات فـــي خــطــوط الإمــــــداد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان. والآن، تـدخـل أذرع إيــــران الإقـلـيـمـيـة في مرحلة جديدة قد تحدّد مصيرها ووظيفتها فـــي الــســنــوات المـقـبـلـة، فـــي مـعـركـة تخوضها طهران هذه المرة في الصفوف الأمامية بعدما تقلصت مروحة وكلائها بعد تطورات سوريا وغـــــــزة. ويــــبــــدو واضــــحــــا أن الاســتــراتــيــجــيــة الإيرانية تقوم على توسيع الساحات وليس بـــالـــضـــرورة وحـــدتـــهـــا، عــلــى أن يـــكـــون الـــقـــرار المركزي في طهران بشكل غير مسبوق. فللمرة الأولــــــى يــنــســق «الــــحــــرس الــــثــــوري» عـمـلـيـات وإطــــاق صـــواريـــخ مـتـزامـنـة مــع «حــــزب الـلـه» و«الـحـشـد الشعبي»، أي التركيز على قيادة الردع بالاعتماد على ما تبقى من الوكلاء في لبنان والعراق. «حـــزب الـلـه» يقاتل بترسانة مستنفدة وهــيــكــلــيــة فــــي طـــــور إعـــــــادة الــتــنــظــيــم وبـيـئـة شعبية منهكة، فــي حــن «الـحـشـد الشعبي» الـــذي تـفـادى لـسـنـوات المـواجـهـة المـبـاشـرة مع الـجـيـش الأمــيــركــي، كـسـر المـحـظـور أيــضــا في اســتــهــداف الـــقـــوات والمــصــالــح الأمــيــركــيــة في بغداد وأربيل ودول الجوار؛ ما يغير معادلة الردع الأميركي وقد يعزز النفوذ الإيراني في العراق إذا استمرت الدينامية الحالية للحرب حتى انتهائها. لـــكـــن «الـــحـــشـــد الـــشـــعـــبـــي» مــنــقــســم بـن خـــايـــا مـــدفـــوعـــة آيـــديـــولـــوجـــيـــا تــــواصــــل شـن الهجمات بـاسـم طـهـران، وأصـحـاب نـفـوذ في الدولة العراقية الذين يـرون بشكل متزايد أن المــواجــهــة تـضـر بمصالحهم، والـنـتـيـجـة هي رادع منقسم: بعض الفصائل تقاتل، وأخرى تنسحب؛ ما يضعف مصداقية التهديد ككل. ساحات قتال محلية كـــــل هـــــــذه الـــــتـــــطـــــورات تـــنـــعـــكـــس تــــوتــــرا أمـنـيـا وسـيـاسـيـا بـــن واشــنــطــن وطـــهـــران في لبنان والـــعـــراق. الأزمـــة السياسية فـي لبنان تتفاعل، لكنها لـم تـخـرج عـن السيطرة بعد. الـــصـــراع الأمــيــركــي - الإيـــرانـــي أكــثــر حـــدة في الـــــعـــــراق وانــــتــــقــــل إلــــــى المــــؤســــســــات الأمـــنـــيـــة، لــكــن المـيـلـيـشـيـات المـــدعـــومـــة إيـــرانـــيـــا تستمر بــأنــشــطــتــهــا الـــعـــســـكـــريـــة، فــــي حــــن سـمـحـت الـحـكـومـة الــعــراقــيــة لـــقـــوات الـحـشـد الشعبي بالرد على أي استهدافات. الوضع مغاير تماما في قطاع غزة واليمن. إدارة تــرمــب تمكنت مــن تحييد جبهة غــــــزة نـــســـبـــيـــا، وبــــالــــتــــالــــي حــــســــابــــات حـــركـــة «حماس» مغايرة في هذه المرحلة مع تجميد قــدرات جناحها العسكري، في ظل السيطرة الأميركية - الإسرائيلية المحكمة على القطاع والانــقــســامــات الـداخـلـيـة عـلـى قــيــادة الحركة والمـرشـحـة إلــى الــزيــادة حسب كيفية انتهاء هذه الحرب. من جهة أخرى، اتخذ الحوثيون موقف الـحـيـاد النسبي بما يتناسب مـع التحولات فــي الـــداخـــل الـيـمـنـي الـتـي تـسـتـدعـي الـتـريـث. كما يحتفظ النظام الإيراني بالحوثيين ورقة احتياطية للتهديد المطلق على البحر الأحمر. ماذا بعد الحرب؟ الــــســــؤال الــرئــيــســي الـــيـــوم هـــو عـــمـــا: إذا كانت طهران ستصر على شمل «حـزب الله» في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، أم ستتفرغ إسـرائـيـل للحزب وتـفـرض أمــرا واقـعـا جنوب الـلـيـطـانـي؟ هـــذا سـيـكـون أول اخـتـبـار لعلاقة النظام الإيراني الجديد مع أذرعـه الإقليمية، لا سيما في لبنان والعراق. فــــإذا أوقـــفـــت أمــيــركــا الـــحـــرب مـــع إيــــران، هــل تبقى الـعـصـا الإسـرائـيـلـيـة مـرفـوعـة ضد النظام الإيـرانـي لاستخدام الــضــرورة؟ مهما كان السيناريو النووي الأميركي - الإيراني، حتى الآن يبقى وكلاء طهران تحت الضغوط الأميركية - الإسرائيلية، لكن من دون القدرة على فرض الاستسلام الكلي. هذه الضبابية سـتـؤدي إلـى تقلص تدريجي لـوكـاء النظام الإيراني، لكن قد لا تفتح الباب أمام التسويات الـكـامـلـة فـــي المــــدى المــنــظــور. لا المــواجــهــة بين إيــران وإسرائيل ولا الهدنة بينهما ستعالج الأزمــات المحلية في بلدان هذه الجبهات، ولا المـعـارك المفتوحة بـن إسرائيل ووكـــاء إيـران الذين يستعدون لمرحلة جديدة. يـــقـــول كــــــارل فـــــون كـــلـــوزفـــيـــتـــز: «الـــحـــرب لــيــســت ســــوى اســـتـــمـــرار لــلــســيــاســة بــوســائــل أخــرى». الخروج من الــردع إلـى التفاوض في حــســابــات بــقــاء الــنــظــام كــانــت عـبـر مــؤشــرات بــــــــــدأت تـــــخـــــرج مــــــن طــــــهــــــران بــــعــــدمــــا هــيــمــن المتشددون في «الحرس الثوري» بشكل مطلق عــلــى الاســتــراتــيــجــيــة فـــي أول أســـبـــوعـــن من الحرب. مــــــن مـــــامـــــح هــــــــذه المــــــــؤشــــــــرات مــــواقــــف شـــخـــصـــيـــات تـــتـــمـــتـــع بــــعــــاقــــات واســـــعـــــة فـي الأوســــــــاط الـــديـــنـــيـــة والـــســـيـــاســـيـــة والأمـــنـــيـــة، معتدلون ضمن الهياكل المتشددة، محافظون لكن براغماتيين، قادرون على التواصل مع كل من المتشددين والتكنوقراط، وهم مفاوضون استراتيجيون ذوو خبرة في الدبلوماسية. هـؤلاء تسعى واشنطن للتواصل معهم وتـحـاول إسرائيل اغتيالهم مثلما فعلت مع عــلــي لاريـــجـــانـــي. الـــتـــحـــوّل الـكـبـيـر الآن ليس بــن واشـنـطـن وطـــهـــران، بــل فــي بــدايــة افـتـراق المــصــالــح الأمــيــركــيــة - الإســرائــيــلــيــة فـــي هــذه الحرب. ترمب فاجأ تل أبيب بقرار وقف زخم الــحــرب ودرس احــتــمــالات خـفـض التصعيد، كما أرسل أكثر الأصـوات رفضا للحرب داخل إدارتــــــه لإيـــصـــال هــــذه الـــرســـالـــة إلــــى بـنـيـامـن نتنياهو، وهو نائب الرئيس جي دي فانس. انتقل الطرفان من الحرب إلى التفاوض بالنار عـــبـــر رفـــــع اســـتـــعـــراضـــي لــســقــف المـــفـــاوضـــات وتحديد متبادل لهويات المفاوض في الطرف الآخــــــــر بـــحـــيـــث واشــــنــــطــــن تـــفـــضـــل قـــالـــيـــبـــاف وطـــهـــران تـفـضـل جـــي دي فـــانـــس. هـــذه بـدايـة لاسـتـكـشـاف الـنـوايـا وإعــــادة بـنـاء الـثـقـة على وقع حرب مستعرة. ميزان الربح والخسارة مـــفـــهـــوم الانــــتــــصــــار نـــســـبـــي لــلــطــرفــن؛ فمجرد البقاء على الطاولة ينظر إليه النظام الإيـــرانـــي عـلـى أنـــه انـتـصـار رغـــم الـخـسـارات الكبيرة. بعد الحديث عن تغيير النظام في الأيـــام الأولـــى، حتى الـطـرف الإسرائيلي بدأ يــتــراجــع عـــن هـــذا الــخــطــاب بــإيــعــاز أمـيـركـي بـــعـــدمـــا أطـــلـــقـــت طــــهــــران الـــعـــنـــان لـجـنـونـهـا وأصــــبــــحــــت المــــنــــظــــومــــة الأمــــنــــيــــة تـــتـــصـــرف كميليشيا تـسـتـنـزف أمــيــركــا ومـصـالـحـهـا، فــي حــن إدارة تــرمــب تــقــود حــربــا عسكرية تـقـلـيـديـة. تــرمــب الــــذي كـــان لا يـمـكـن التنبؤ بأفعاله اعتمد «الــحــذر الاسـتـراتـيـجـي» في الــــرد، فــي حــن الـنـظـام الإيـــرانـــي المـــتـــردد في الـــــردع أصــبــح خــــارج الــســيــطــرة. الــســرديــات تغيرت. التركيز أصبح على من يسيطر على مضيق هرمز لا على تغيير النظام الإيراني. ترمب يفاوض بالنار والنظام الإيراني يردع بالبقاء. الجمود الدبلوماسي في «النووي» يـنـعـكـس الآن جـــمـــودا عـسـكـريـا فـــي المـــيـــدان، والخيار يـتـراوح بـن إيـجـاد حلول عقلانية أو الانـتـقـال إلــى خــيــارات أكـثـر دراماتيكية. الطرفان يريدان إنهاء الحرب، لكن بشروط تساعدهما على تسويق وقــف إطــاق النار داخليا ً. على الضفة الأخرى، من مصلحة موسكو وبكين عدم انتصار ترمب وسيطرته على كل منابع الطاقة وطرق الإمداد الرئيسية، وإيران جزء من هذا النزاع الدولي الأشمل على الموارد والنفوذ. إذا لم يستكمل ترمب المهمة، تخسر واشنطن بعضا من صورتها بوصفها شرطي العالم وضامن الملاحة الدولية. ترمب لمّح إلى أنه في حال كان هناك اتفاق مع طهران سيدير مضيق هرمز مع المرشد الإيراني الجديد، ما يشبه سيناريو التنافس الاستراتيجي بين الــصــن والــــولايــــات المــتــحــدة فـــي بـحـر الـصـن الجنوبي. لـكـن نـصـف تـدخـل عـسـكـري أمـيـركـي مع تردد في التورط وهشاشة في تحمّل التبعات الاقتصادية يعطي الأفضلية للنظام الإيراني فـي المـــدى المـنـظـور ويـعـزز سطوته الداخلية، مـع تبعات طويلة الأمــد على استعادة القوة والزخم ما لم يحدّه اتفاق واضح مع الغرب. خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز) لعل أسوأ السيناريوهات التي كان يتم تخيلها في كواليس صنع الـقـرار حـدثـت. باغتيال المـرشـد السابق علي خامنئي، استخدمت واشنطن وتل أبيب أسلوب «الصدمة والرعب» نفسه الــذي اتبعته إسـرائـيـل فـي السنتين الأخـيـرتـن، والـــذي برهنت التجربة أنـه يحقق نجاحا خارقا قبل فقدان الزخم مع نهاية الحملة العسكرية. لكن هـذه المـرة كسر الرئيس دونـالـد ترمب المحظور وفتح صــنــدوق بـــانـــدورا المنطقة عـلـى حـــرب بحجج غـيـر متماسكة ونهاية غير واضـحـة، وفــرض معركة ردع متبادل مـع النظام الإيراني الذي خسر صورته في الردع الإقليمي. هذا التوسّع في نفوذ المشروعين في الشرق الأوســط، الـذي تـراوح بين الصدام والتعايش، وصـل إلـى مفترق طـرق. المشروع الخامنئي، الذي حكم أربع عواصم عربية لعقود، وتعرّض لنكسات متتالية في العقد الأخير بعد بلوغه ذروته التوسعية بعد «الربيع العربي»، أرهـــق مـــــوارده المـــحـــدودة وفـتـح أعـــن أمـيـركـا عليه كـمـا شهية إسرائيل لمقارعته. استحالة إدارة هذا التعايش أدت إلى صدام محتوم لم تتعامل الإدارة الأميركية الحالية معه بصبر القوى العظمى الاستراتيجي. النظام الإيراني يراهن على البقاء... والوكلاء في امتحان المواجهة الكبرى جو معكرون «يرى النظام الإيراني أن مجرد البقاء على الطاولة انتصار رغم الخسارات الكبيرة» صورة الأمين السابق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى دمرته غارة إسرائيلية في ضاحية بيروت (إ.ب.أ) لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky