issue17287

لــقــد تــحــقــق الأمـــــر أخــــيــــراً، حــيــث تــمــت مـــســـاءلـــة شــركــات التواصل الاجتماعي عن السُّمية الناتجة من خوارزمياتها. ففي حُكم هو الأول من نوعه، خلصت هيئة محلفين في محكمة كاليفورنيا العليا، يوم الأربعاء، إلى أن شركتي «ميتا» و«يـــوتـــيـــوب» قـــد ألـحـقـتـا الـــضـــرر بـــأحـــد المـسـتـخـدمـن نتيجة خيارات التصميم التي تحمل طابعا إدمانياً. وقد تكون تداعيات هذا الحُكم على القطاع كبيرة. فهذه القضية ليست سوى واحدة من آلاف القضايا المقرر نظرها في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، وتسعى المحاكم إلى دمجها. وقد ينتهي الأمر بتسوية كبرى واحدة، شبيهة بالاتفاق الذي لتسوية 1998 أبرمته أكبر أربع شركات مصنّعة للسجائر عام مــلــيــارات دولار 206 دعـــــاوى قـضـائـيـة بـقـيـمـة تـقـديـريـة بـلـغـت ولاية. 46 أميركي، ضمن اتفاق شامل تضمن ويُعد تعويض الأفراد عن الأضرار التي تسببت فيها هذه المنتجات مجرد جانب إيجابي ثـانـوي، أمـا المكسب الحقيقي فيكمن في إجبار عمالقة وسائل التواصل الاجتماعي أخيرا على تصميم منتجات أقل ضرراً. وأعني بذلك ميزات مثل التمرير اللانهائي للمنشورات، الذي يجذب المستخدمين بمحتوى يبدو بلا نهاية، والتشغيل التلقائي الــذي يبدأ تشغيل مقاطع الفيديو أمــام أعيننا دون تدخل منا. وبالطبع، هناك الخوارزميات التي تنشر المعلومات المضللة وتُضخّم مشاعر الغضب. فهذه كلها تقنيات تعتمدها شركات التكنولوجيا الكبرى لإبقائنا محدّقين في الشاشات لأطول فترة ممكنة، ومن المؤسف أن ممارساتها المربحة تُكبّد مستخدميها والمجتمع ككل تكلفة باهظة. ولسنوات، دافعت شركات التكنولوجيا الكبرى عن نفسها في مواجهة اتهامات الإضــرار بالمستخدمين، مستندة إلـى ما يشبه «بطاقة الـخـروج من السجن» التي منحها إياها قانون مـن قـانـون آداب 230 ، والمــعــروف بـاسـم المـــادة 1996 صــدر عــام الاتـصـالات، والتي أعفت شركات التكنولوجيا من المسؤولية عن المحتوى الذي ينشره المستخدمون على منصاتها. واستُخدمت هذه المـادة لعقود درعـا قانونيا مكّن الكثير من الشركات من صد قائمة متنامية من الاتهامات، بما في ذلك تمكين بيع المخدرات القاتلة، والتحرش الجنسي، والاتجار غير المشروع بالأسلحة. غير أن جيلا جديدا من الدعاوى القضائية بدأ في اختراق هذا الحاجز. فبدلا من الادعاء بأن المحتوى ذاته ضار، يجادل المــدّعــون الآن بــأن تصميم المـنـصـات وخـوارزمـيـاتـهـا هـو الـذي يسبب الضرر. وقالت ميتالي جين، مؤسسة «مشروع العدالة التقنية»، وهي منظمة غير ربحية معنية بالدفاع عن الحقوق والتقاضي: «لطالما حصّنت صناعة التكنولوجيا نفسها ضد أو التعديل الأول 230 التدقيق مـن خــال الاسـتـنـاد إلــى المـــادة للدستور الأميركي، أو كليهما. لكن هذا الزمن قد ولّى». وفــي قضية كاليفورنيا، قضت هيئة المحلفين بــأن على «ميتا» و«يوتيوب» دفع ستة ملايين دولار أميركي تعويضات عاما فضّلت 20 مالية إلى (ك.ج.م)، وهي شابة تبلغ من العمر عدم الكشف عن هويتها، وأدلت بشهادتها بأن فلاتر التجميل المـتـاحـة على وسـائـل الـتـواصـل الاجـتـمـاعـي تسببت لها بقلق شديد بشأن مظهرها. كما أن مـيـزات مثل التشغيل التلقائي وعــــــدّادات الإعـــجـــاب دفـعـتـهـا إلـــى مـتـابـعـة عـــدد المـتـفـاعـلـن مع منشوراتها؛ ما أسهم في إصابتها بالاكتئاب. ومـــن المــرجــح أن يُــسـتـأنـف الـحـكـم، وربــمــا نشهد أحكاما مــتــبــايــنــة مــــع نـــظـــر قـــضـــايـــا أخــــــرى فــــي مـــحـــاكـــم مـخـتـلـفـة عـبـر الـبـاد. ولكن مـع هـذا الحكم، بـدأ أخـيـرا عهد مساءلة شركات التكنولوجيا عن اختياراتها غير الاجتماعية. وقد يصعب تذكّر ذلك الآن، لكن عندما أطلق «فيسبوك» ، كـانـت مـجـرد وسيلة تُتيح 2006 مـيـزة «مـوجـز الأخــبــار» عــام للمستخدمين رؤية منشورات أصدقائهم في مكان واحد، بدلا من زيارة الصفحة الشخصية لكل صديق على حدة. ومــــع مـــــرور الــــوقــــت، تــحــوّلــت هــــذه المـــيـــزة المــعــتــمــدة على الخوارزميات كيانا مختلفا تماماً، كيان لا يملك المستخدمون عليه سوى قدر ضئيل من السيطرة. فقد أدركـت شركات التواصل الاجتماعي أن المستخدمين سيقضون وقتا أطول على تطبيقاتها إذا ما جرى «تنويمهم» عبر تـدفّــق لا ينتهي مـن المـحـتـوى الــصــادم والــفــج. فالمحتوى الـذي ينجح في إبقاء الأنظار معلّقة بالشاشة لأطـول مدة هو الذي يفوز. وفي هذا العالم الذي يسوده التنافس الشديد، لم يعد هناك متسع كبير للخوارزميات لتعزيز الجوانب الأفضل فـي إنسانيتنا، فـلـمـاذا قـد تشجعنا شـركـة تسعى إلــى الربح على تـرك هواتفنا المحمولة، أو الـخـروج فـي نـزهـة، أو مقابلة صديق، أو زيارة الأجداد؟ ولماذا قد تحفزنا على الشعور بالثقة بـالـنـفـس، فــي حــن أن انـخـفـاض تـقـديـر الــــذات يضمن عودتنا إليها مرارا وتكراراً؟ لـكـن يمكن لـهـذه الـشـركـات أن تحقق أربــاحــا طـائـلـة دون الاعتماد على كثير من ميزاتها الأكثر سمّية. فهي ليست في حـاجـة إلـــى تـقـديـم فـاتـر التجميل (الــتــي تُــنـتـج سـريـعـا صــورا مـثـالـيـة وغــيــر واقـــعـــيـــة)، ولا إلـــى سـيـل الإشــــعــــارات المـتـواصـل الـــذي يـاحـق المستخدمين بـخـوف دائـــم مـن تفويت أي جديد. كما يمكنها التوقف عـن فـرض المحتوى المثير للجدل، ومنح المستخدمين قدرا أكبر من التحكم فيما يرغبون في رؤيته. والحقيقة، أن الشركات المدفوعة بدافع الربح تجد صعوبة فـي اتـخـاذ قــــرارات تقلّص أربـاحـهـا. لـذلـك؛ يمكننا رفــع تكلفة السلوكيات الـضـارة، وقـد نجح هـذا النهج مع التدخين؛ إذ ما دولارا ً، 15 زال بإمكانك التدخين، لكن ثمن العلبة قد يصل إلى وغالبا لن تجد مكانا يُسمح فيه بالتدخين في الوقت الحاضر. وبالمثل، ليست هناك حاجة إلـى حظر وسـائـل التواصل الاجتماعي، بل يكفي أن تصبح تكلفة استمرار الشركات في ممارساتها الحالية مرتفعة بشكل كبير. * خدمة «نيويورك تايمز» وســــط ضــجــيــج المــــعــــارك فـــي الـــشـــرق الأوســــــط والـخـلـيـج العربي، وما تثيره إيران من موجات الكراهية، يبدو أن هناك صراعات جيوسياسية أخرى تجري بها المقادير حول العالم، وإن بهدوء وتؤدة، من غير رايات فاقعة أو أصوات زاعقة. فـــي الــقــلــب مـــن مــشــاهــد إعـــــادة تــرتــيــب أوراق الـدومـيـنـو الـعـالمـيـة، تـبـدو ألمـانـيـا، كعنقاء قـادمـة مـن رمـــاد كثيف ورقــاد طويل، كأنها تسعى لتعود رقما صعبا في المعادلة الأوروبية الأمنية والاقتصادية تارة، وعلى الصعيد العالمي تارة أخرى. فـي هــذا الـسـيـاق، يمكن قـــراءة جــولات المستشار الألماني فـريـدريـش ميرتس، على أنـهـا إعـــادة اكتشاف لمـوقـع وموضع برلين على الخريطة الأممية، ويبدو في ظاهر الأمـر أن هناك مقاربة تجري بين العلاقات مع واشنطن وبكين، وكيفية تعظيم الاستفادة، من دون الدخول في مراحل الصدام في الزحام، أو الاحتكاك في الظلام. هنا يمكن للمحلل السياسي المحقق والمـدقـق أن يضع تـحـت المــنــظــار جـولـتـن قـــام بـهـا مــيــرتــس، الأولـــــى فـــي فـبـرايـر (شباط) المنصرم إلـى الصين، والأخــرى إلـى الـولايـات المتحدة في مارس (آذار) الحالي. لماذا واشنطن وبكين؟ الجواب يسير، الأولى هي القوة القطبية القائمة، والثانية هي المرشحة لطريق السطوة الأممية القادمة، وبينهما يكاد العالم ينقسم انقساما حدياً. لعقود طــوال، كانت الـولايـات المتحدة، الضامن الرئيس لــأمــن الأوروبــــــي، وقـــد لـعـبـت الــقــواعــد الأمـيـركـيـة فــي ألمـانـيـا، كحجر زاوية في هذا الإطار، لا سيما أنها وفرت المظلة النووية لأوروبـــــا، حــن كـــان الاتــحــاد الـسـوفـيـاتـي مــهــددا رئـيـسـا طــوال أزمنة الحرب الباردة. غير أنه مع الإدارة الثانية للرئيس ترمب، تتغير الأوضاع وتتبدل، وتبقى مسألة التحالف الكاثوليكي الألماني الأميركي مشكوكا فيها، لكن لا يمكن الاستغناء عنها. أما الصين، فقد كانت رهانا أوروبيا كبيراً، عاليا وغالياً، لــعــمــوم الــــقــــارة، ولــيــس لألمــانــيــا فــحــســب، لــكــن هــــذا الــنــمــوذج، والـــــذي كــــادت بـعـض الـــقـــوى الأوروبــــيــــة، مـثـل إيــطــالــيــا، تنظر إليه بطوباوية كبيرة، قد تعرض لفالق شديد القسوة، حين تبدت هشاشة النظام الصيني من خلال أزمة فيروس «كوفيد» المستجد. غير أن السياسة الدولية لا تعرف في طبيعتها الأبيض والأسـود؛ إذ توجد عشرات الدرجات من الألـوان الرمادية، فلا صديق دائم ولا عدو إلى المنتهى. يتساءل المراقبون: ما الـذي كان وراء زيـارة ميرتس إلى الصين؟ مؤكد بداية أنها زيارة تتسق وما تدعو إليه ألمانيا عبر دبلوماسية «تقليل المخاطر»؛ فهي على الرغم من أنها تسعى للحد من اعتمادها على الصين، فإنها في الوقت نفسه تسعى لتهيئة الظروف التي تسمح للشركات الألمانية بالاستفادة من السوق الصينية. والشاهد أن برلين الـيـوم، تبقى فـي وضـع متوسط بين واشــنــطــن وبـــكـــن، فـمـن جـهـة مـقـاربـتـهـا عـسـكـريـا بـواشـنـطـن، تظهر كأنها لا تضارع القوة العسكرية الأميركية، والتي تعد الترسانة الأولـــى حـول الكوكب، ومـن ناحية مقارنتها ببكين اقـتـصـاديـا، تبقى المـسـافـة واسـعـة وشـاسـعـة، رغــم أنـهـا تحتل المرتبة الثالثة عالميا من حيث الناتج المحلي الإجمالي. ولعل من نافلة القول أن نظرة ميرتس لشرق آسيا، تبدو مشوبة بتعقيدات جيوسياسية، ومع ذلك فإن المهارة الألمانية لا تتجلى في الصناعات المتقدمة فحسب، بل تتضح في كيفية نسج الخيوط، ومد الخطوط بين برلين وأكثر من قطب آسيوي لا سيما طوكيو. ليس خافيا على أحـد، أن ألمانيا قد خسرت وزنـة وازنـة منذ الحرب الروسية في أوكرانيا، فقد تضرر الاقتصاد الألماني الـــذي كـــان يعتمد عـلـى الــغــاز الطبيعي الـــروســـي بـشـدة جــراء الحرب في أوكرانيا والعقوبات المفروضة على روسيا منذ أربع سنوات. كـــانـــت ســـنـــوات المـــســـتـــشـــارة مــيــركــل ســـنـــوات مـــن «الـــفـــوز الوحيد» لألمانيا بين دول أوروبـا، لكن تبعات الحرب والموقف الألماني جعلها تعاني من بطء النمو في حاضرات أيامنا. في الوقت نفسه، يخشى ميرتس من أن تراجعا اقتصاديا مـؤثـرا فـي الــداخــل الألمــانــي يفتح الـبـاب واسـعـا لصعود حزب «البديل» اليميني المتطرف. زيــــارة مـيـرتـس لـتـرمـب أوضــحــت كـيـف أن الــرجــل يعمل جاهدا عبر استراتيجية كسب الوقت، والحفاظ على العلاقات الودية مع واشنطن، حتى لو على المدى القصير زمنياً، بهدف خلق حالة مـن الاسـتـقـرار فـي بـــاده، مـع الاسـتـعـداد للتغيرات الهيكلية طويلة الأجل، بعد انجلاء الضبابية المحلقة فوق كل الرؤوس شرقا وغرباً. يدرك ميرتس، وبعين زرقاء اليمامة، أن القيصر يجلس بعيدا فـي الـكـرمـلـن، ويــراقــب الجميع، ولـهـذا يـبـدو التحالف الأمـــنـــي والــعــســكــري مـــع واشــنــطــن اســتــراتــيــجــيــا، والــعــاقــات التجارية والاقتصادية مع بكين جوهرية. إنها السياسة الدولية وأزمـنـة الـغـزل على المتناقضات الوجودية. تــــم الـــكـــشـــف فــــي شـــهـــر مـــــــارس (آذار) الـــحـــالـــي، عـــن عــــدد مـــن «الـــخـــايـــا الــنــائــمــة» المرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، عبر عمليات أمنية استباقية في المنامة والكويت وأبـــوظـــبـــي والـــــدوحـــــة، أســـفـــرت عـــن تفكيك شــبــكــات اســتــخــبــاراتــيــة - إرهـــابـــيـــة، ضمت مــواطــنــن ومـقـيـمـن، تـــورطـــوا فـــي عمليات جمع معلومات، ورصد سيبراني، وتوجيه طـــائـــرات مــســيّــرة انـتـحـاريـة قـصـيـرة المـــدى، والتدرب على القيام بعمليات محددة، وهو ما يمثل تحولا في «عقيدة التخريب» التي كــانــت مـــن قــبــل تـعـتـمـد عــلــى تــخــزيــن المــــواد المــتــفــجــرة وتــهــريــبــهــا والــتــمــهــيــد لـعـمـلـيـات «إرهاب» مفخخة. إلا أن تغيُّر أساليب العمل لـدى «الـحـرس الـثـوري» جعل المـهـام الموكلة لـ«الخلايا» تتجاوز العمليات التي كان من المـعـتـاد أن تـقـوم بـهـا مـجـامـيـع مـشـابـهـة تم القبض عليها في سنوات مضت. بالنظر إلـى المعطيات الحالية، نجد - مثلا - تمايزا بين نموذج «خلية العبدلي» ،2015 فـــي الــكــويــت، الــتــي أُعـــلـــن عـنـهـا عــــام والتي كانت تعتمد على التخزين العسكري الكبير، وبين الخلايا الحالية التي تركز على «الاختراق المعلوماتي» واستهداف منشآت الــطــاقــة الــحــيــويــة، عـبـر تـقـنـيـات أقـــل تكلفة وأكــثــر دقـــة، وتــحــدث أضــــرارا مـبـاشـرة دون أن تتطلب كـثـيـرا مــن المـجـهـود والتحضير العملياتي والتدريب العسكري. هـــذا الـتـحـول مــن «المــواجــهــة الصلبة» إلـــى «الـــحـــرب الـهـجـيـنـة» يـجـعـل الـتـحـديـات الأمنية لدى دول الخليج العربي أكبر! إلا أنه رغـم هـذا التبدُّل فـي الأدوات والخطط، فإن هنالك مـراقـبـة دائـمـة لــدى الأجــهــزة الأمنية والاسـتـخـبـاراتـيـة لأسـالـيـب عـمـل «الـخـايـا الإرهـــابـــيـــة»، وبــالــتــالــي الــجــهــوزيــة الـعـالـيـة التي تستبق أي فعل عنيف أو اختراق تقني يهدف للتعطيل وإحداث فوضى. اليوم، لم تعد التهديدات محصورة في العمل العسكري المـبـاشـر، بـل فـي مـحـاولات تقويض «مـؤسـسـات الـــدولـــة»، عبر تخريب مــفــاصــلــهــا الــتــقــنــيــة ونــســيــجــهــا المـجـتـمـعـي ووحدتها الوطنية، مما يفرض قــراءة هذه الأحــــــــداث بــــوعــــي، كـــجـــزء مــــن صــــــراع أعــمــق بـــن مـــشـــروع «الـــدولـــة الــوطــنــيــة» المـسـتـقـرة، ومـشـروع «الفواعل العابرة للحدود»، التي تسعى لتفتيت «مركزية الدولة» في المنطقة. مـــــن جـــهـــة أخـــــــــرى، هــــــذه الــــخــــايــــا فـي أحــــــد أخــــطــــر وجــــوهــــهــــا، تـــســـتـــهـــدف الـــدفـــع بصراعات هوياتية بـن المكونات المتعددة في دول الخليج العربي، مما يفرز انحيازات مذهبية ومناطقية حـــادة، تجعل الأطـــراف تـــــمـــــارس ســــيــــاســــات حـــمـــائـــيـــة، وبـــالـــتـــالـــي تحول المجتمعات إلى مجاميع منعزلة، ما يـخـلـق بـيـئـة خـصـبـة لـاصـطـفـاف الطائفي والأقــــلــــوي، تـسـتـجـيـب لـلـخـطـابـات الــعــابــرة لـلـحـدود، وتـكـون عملية التجنيد والتأثير أكثر سهولة، وهي نقطة غاية في الأهمية، تـــحـــتـــاج لمـــعـــالـــجـــات دقـــيـــقـــة جـــــــداً، صـــبـــورة وحــكــيــمــة وحــــازمــــة فـــي آن مـــعـــا، تــعــلــي من «الهوية الوطنية» و«سيادة القانون». فــــي الــخــلــيــج الـــعـــربـــي تـــظـــل «الــــدولــــة» وحـــــدهـــــا هـــــي المـــخـــتـــصـــة حــــصــــرا بــتــقــديــر المخاطر وإدارة الملفات الأمنية المعقدة، بعقل مؤسساتي يرفض الانجرار وراء الانفعالات الشعبوية، خصوصا في هذه المرحلة التي تـــمـــارس فـيـهـا إيـــــران عــدوانــهــا عـبـر إرســـال صواريخها ومسيراتها على مختلف المدن. قـــوة دول مـجـلـس الــتــعــاون الخليجي تـــكـــمـــن فـــــي قــــدرتــــهــــا عــــلــــى عـــــــزل الـــتـــهـــديـــد الأمــــنــــي ومـــعـــالـــجـــتـــه بــــ«مـــبـــضـــع جــــراحــــي» قـــانـــونـــي، يــضــمــن حــمــايــة الأمـــــن المــشــتــرك، ويقطع الطريق على أي محاولات خارجية لاسـتـغـال المـلـفـات الأمـنـيـة لخلق حـالـة من الارتباك السياسي أو الاجتماعي. لقد أفشلت الأجهزة الأمنية مخططات خلايا «الحرس الـثـوري» بكفاءة عالية، إلا أن المسؤولية لا تقع على عاتق هذه الجهات وحدها. الـــوعـــي المـجـتـمـعـي مــهــم لــلــغــايــة، ولـــذا فــــإن عــلــى المـــواطـــنـــن والمــقــيــمــن أن يـكـونـوا رافعة الوعي، كي لا يقعوا في فخ الخطابات المـخـاتـلـة الــتــي تــراهــن بـشـكـل أســاســي على تــفــتــيــت المـــجـــتـــمـــعـــات، وهــــــو خــــطــــاب يــريــد التسلل من خلال المنصات المختلفة، متدثرا بعناوين عدة. إن «الـــــدولـــــة الـــوطـــنـــيـــة» هــــي الـحـصـن الـــحـــقـــيـــقـــي ضـــــد أشـــــكـــــال الـــــــعـــــــدوان كــــافــــة، والارتـــهـــان لــلــخــارج، وهـــي الــتــي تــدمــج بين الـكـفـاءة الاسـتـخـبـاريـة والـعـدالـة القضائية والتماسك الاجتماعي، تحت مظلة القانون. لـــقـــد حــــاولــــت اســــتــــخــــبــــارات «الــــحــــرس الثوري» ومن خلال ذراعها الخارجية «فيلق الـقـدس»، وبالتعاون مع ميليشيات موالية لإيـــــران فـــي الـــعـــراق ولـــبـــنـــان، تـجـنـيـد بعض المـواطـنـن أو المقيمين فــي الخليج الـعـربـي، وهي قامت سابقا بهذه الأنشطة التخريبية، وقـــوبـــلـــت بـــكـــفـــاءة عــالــيــة مـــن أجـــهـــزة الأمـــن فـي تتبع هــذه «الـخـايـا» ومـاحـقـة أفـرادهـا والـــقـــبـــض عــلــيــهــم ومــحــاكــمــتــهــم، وتـحـمـيـل المسؤولية حصرا لمن قام بهذا الجرم أو دعمه مـبـاشـرة، وتَــعـامَــل معه فـي مهامه السرية، وهـذه أعمال يتحمَّل وزرَهــا من تـورط فيها فقط، وفي ذلك ترسيخ صريح لمبدأ العدالة. وزيــــــر الـــخـــارجـــيـــة الــــســــعــــودي، الأمـــيـــر فــــيــــصــــل بـــــــن فــــــــرحــــــــان، شــــــخَّــــــص المـــشـــكـــلـــة الإيــــرانــــيــــة بــــدقــــة، حــــن قــــــال: «لـــقـــد خـطـطـت إيـــــران بـشـكـل مـسـبـق لمـــا نــشــهــده الـــيـــوم من اعــــتــــداءات آثـــمـــة، فــهــذا الــســلــوك لـيـس ولـيـد الـــصـــدفـــة، بـــل هـــو امــــتــــداد لـسـجـل تـاريـخـي قائم على نهج الابتزاز ورعاية الميليشيات ودعـمـهـا؛ لاسـتـهـداف دول الــجــوار وزعـزعـة استقرارها». هـــذه الـسـيـاسـات الـعـدائـيـة، لا يمكنها أن تـنـسـجـم مـــع ادعــــــــاءات إيــــــران بـرغـبـتـهـا فـــي إقـــامـــة عـــاقـــات حـسـنـة مـــع دول الــجــوار العربي، لأن هذه العلاقات تتطلب أل يكون هنالك تدخل في الشؤون الداخلية، ولا أي من أنواع التآمر ودعم «الخلايا التخريبية» التي تتكشف خباياها يوما بعد آخر، وهي أعمال لا يمكن التساهل معها، أو تبريرها، لأنَّها تهدد بشكل مباشر أمن وسلامة الدول والمجتمعات الخليجية. OPINION الرأي 14 Issue 17287 - العدد Saturday - 2026/3/28 السبت برلين... زمن التوازنات بين واشنطن وبكين شركات التكنولوجيا الكبرى وكبح الخوارزميات ما الذي تستهدفه خلايا «الحرس الثوري» في الخليج؟ وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حسن المصطفى إميل أمين *جوليا أنغوين

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky