لا يكتفي الـفـنـان الــســودانــي الهميم الماحي باستحضار صـورة الأم بمعناها المباشر، بل يذهب إلى ما هو أبعد، حيث تـــتـــحـــوَّل الأمــــومــــة إلــــى اســـتـــعـــارة لـــأرض والـــوطـــن فـــي مــعــرضــه الأحــــــدث «أمـــومـــة» الـــذي يستضيفه غـالـيـري «أكـسـيـس آرت سبيس» بوسط القاهرة. ويقول الفنان إنه المعرض الفردي هو الثاني له في غاليري «أكسيس»، إذ سبقه ،2022 معرض «طبقات من الجنوب» عام مضيفا لـ«الشرق الأوسط»: «رغم اختلاف الثيمة، فـإن المعرض الجديد يُعد امتدادا للمعرض الأول، فالأمومة أساس الحياة، وهي رمز وحدة الوطن وتماسكه ودفئه، مـثـلـمـا هـــي الـــحـــال فـــي الأســـــــرة؛ وهــــو ما تناولته في معرضي السابق الذي احتفى بالوطن في الأساس». ويــــتــــابــــع: «مـــعـــظـــم لــــوحــــاتــــي تـنـبـع مـــــن الــــخــــيــــال أو مـــســـتـــمـــدة مـــــن الـــبـــيـــئـــة الـسـودانـيـة؛ ولــذلــك فـهـي تـتـجـاوز صــورة الأم فـــــي دورهـــــــــا داخـــــــل الأســـــــــرة لــتــغــدو العمود الفقري الـذي تستند إليه الحياة الـــيـــومـــيـــة بـــكـــل تـــفـــاصـــيـــلـــهـــا»، مــــؤكــــدا أن «المــــرأة الــســودانــيــة، أدَّت، كـمـا هــي الـحـال فـــــي كـــثـــيـــر مـــــن المـــجـــتـــمـــعـــات، خــصــوصــا الـتـي تـواجـه تـحـديـات وصـــراعـــات، أدوارا مُتشعِّبة، امتدَّت من تدبير شـؤون البيت إلــــى الإســــهــــام فـــي المـــجـــال الــــعــــام، لـتـكـون شريكا أصيلا في صياغة ملامح المجتمع وهويته». ويوضح أنها «في لحظات الطمأنينة كــانــت مــــاذا لـلـحـنـان والاحــــتــــواء، أمـــا في أوقـــات الــشــدَّة، فقد بـــرزت على هيئة قوة صلبة تحيط أسرتها بالرعاية والحماية والصمود». وعــــلــــى المــــســــتــــوى الــــثــــقــــافــــي، تـلـعـب الأم دور الـــحـــارس الأمـــــن لـــلـــتـــراث؛ فهي الـتـي تحفظ الـحـكـايـات الشعبية، وتـــردّد الأشـــعـــار والأمـــثـــال الــتــي تـخـتـزن خـبـرات الأجــــيــــال، وإنـــمـــا هــــذه الـــصـــورة المـضـيـئـة تواجه اليوم، في تلك المجتمعات، في ظل الـــحـــروب والأهــــــوال الـعـالمـيـة، واقــعــا بالغ القسوة، وفق ما تُبينه لوحات الماحي. وفي عيد الأم، تتجدَّد مكانتها رمزا لـلـحـيـاة والــصــبــر، وتــتــجــدَّد مـعـه مظاهر الاحتفاء والتقدير؛ ومـن هنا أراد الفنان تكريمها من خـال هـذا المعرض، وجـاءت معالجته لقضية الأمـومـة، ليس فقط من خــال الـوجـوه لأمـهـات أو امـــرأة وطفلها، إنما جاءت وسط حشود ومَشاهد درامية تسرد كثيرا عن المجتمع العالمي. ويـــكـــشـــف المـــــعـــــرض، المـــســـتـــمـــر حـتـى نهاية مـــارس (آذار) الـحـالـي، عـن ارتـبـاط وثـيـق بـن تجربة الـفـنـان وبيئته الأولــى من جهة، والعالم المحيط من جهة أخرى، مستخدما فـي ذلــك المعالجة التجريدية، وهـــي مـرحـلـة فـنّــيـة جـــديـــدة تـشـكَّــلـت عبر مسار طويل من التجريب. ففي بداياته، تنقَّل الفنان بين مدارس وأساليب متعدّدة، من رسم البورتريه إلى الطبيعة الصامتة والمناظر الطبيعية، في محاولة لاكتشاف أدواته الخاصة. عملاً، تتنوَّع 30 ويضم المعرض نحو في أحجامها وتكويناتها، وتعتمد على الألــــــــوان الـــزيـــتـــيـــة والأكــــريــــلــــيــــك، مــــع مـيـل واضـح إلى الاختزال في الشكل والتركيز على الجوهر. مـــن الـــافـــت أنـــه يــطــرح فـــي مضمونه أسـئـلـة تـتّــصـل بـالـهـويـة والانـــتـــمـــاء، مثل: «كيف يمكن للإنسان أن يعيد تعريف ذاته بعيدا عن أرضـه؟ وهل يصبح الفن بديلا مؤقتا عن الوطن أم وسيلة للعودة إليه؟»، هـــــذه الــــتــــســــاؤلات تـــتـــســـلَّـــل عـــبـــر الأعــــمــــال بـــســـاســـة، مــــن خـــــال حـــشـــده لـلـشـخـوص واستحضاره رمــوزا ومـفـردات من بيئته، ممّا يجعل المتلقي جزءا من التجربة ذاتها. وفــي بعض الأعــمــال، تتجلَّى الــروح الـــصـــوفـــيـــة فـــــي تـــقـــاطـــع لافــــــت مـــــع فـــكـــرة الأمــــــومــــــة، إذ تــــتــــجــــاور مـــفـــاهـــيـــم الـــحـــب والاحــــتــــواء مـــع الــتــجــربــة الـــروحـــيـــة الـتـي تحتفي بالصفاء الداخلي. ولا يـمـكـن فــصــل هــــذا الــحــضــور عن الـسـيـاق الأوســــع لـلـتـصـوّف، الــــذي لعبت فيه الأم دورا مهما عبر التاريخ، سواء من خــال المـمـارسـة الـروحـيـة أو الإســهــام في تشكيل الـوعـي الجمعي، فيقول المـاحـي: «فـي بعض الأوســـاط الصوفية، اندمجت النساء مع الرجال في الطقوس». ويتابع: «وفــي طـرق صوفية أخـرى، اجتمعت النساء فـي حلقات خاصة بهن لــلــتــأمُّــل والــــعــــبــــادة بــمــعــزل عــــن الــــرجــــال، بــــــل كــــــرَّســــــت بــــعــــض الـــــنـــــســـــاء أنـــفـــســـهـــن للروحانية زهـداً، بينما اختارت أخريات دور المُــحــســنــات ورعــــن حــلــقــات الــعـبــادة والدراسة». وفي هذا الإطار، تبدو بعض الأعمال كأنها تستعيد هــذا الامــتــداد، عبر رمـوز وإشارات تفتح المجال لتأويلات متعدّدة. ينتمي الهميم المــاحــي إبـراهـيـم إلـى جيل من الفنانين الذين تشكَّلت تجربتهم عبر الـتـراكـم والمـعـرفـة، إذ تعكس أعماله قدرة واضحة على استيعاب الفن وإعادة صياغته برؤية خاصة. وتـــعـــود جــــــذوره إلــــى قـــريـــة «قـــريـــب» بـولايـة الـقـضـارف شــرق الــســودان، فهناك تشكَّلت ملامح وعيه الأول، ومنذ بداياته ســــعــــى إلـــــــى تــــطــــويــــر أدواتــــــــــــــه؛ فـــالـــتـــحـــق بـمـعـهـد «قـــصـــر الــشــبــاب والأطــــفــــال» قبل أن يـــشـــارك فـــي ورشـــــات فــنّــيــة مـــع اتــحــاد التشكيليين السودانيين، ثم في معارض جـمـاعـيـة، مــن بينها مــعــرض فــي «المــركــز ، إضافة إلى 2013 الثقافي الفرنسي» عام مــشــاركــاتــه فـــي فـعـالـيـات تُــعـنـى بحماية الــــتــــراث والـــفـــنـــون تــحــت مــظــلــة «المــجــلــس القومي للآداب والفنون». فــي الـعـصـر الـحـالـي تتضمن معظم الأفـــام عناصر عــديــدة: أصــواتــا، ألـوانـا، مؤثرات، موسيقى، وغيرها. لكن العنصر الأســـــاســـــي فـــــي الـــســـيـــنـــمـــا هـــــو الــــصــــورة المـــعـــروضـــة عــلــى الـــشـــاشـــة. تــخــيّــل حتى لـو استغنينا عـن كـل شــيء عــدا الـصـور، سيبقى لدينا فيلم. يكمن فن السينما في تأطير العالم لـــلـــجـــمـــهـــور، ومـــســـاعـــدتـــهـــم عـــلـــى رؤيـــتـــه بـطـريـقـة جـــديـــدة تــمــامــا. وهــــذا يـعـنـي أن من طوروا أساليب التصوير السينمائي اليوم لهم دور بالغ الأهمية، ليس فقط في صناعة الأفـام، بل في الثقافة الإنسانية جـمـعـاء. هـــذه هــي الـفـكـرة الـتـي يطرحها المخرج تيري فريمو في فيلمه الوثائقي الــرائــع والـسـاخـر «لــومــيــيــر... السينما!» (الذي يُعرض الآن). يُــــــــــعــــــــــرف فـــــــريـــــــمـــــــو لــــــــــــــدى عـــــشـــــاق السينما بصفته رئــيــس «مــهــرجــان كـان الــســيــنــمــائــي». وهــــو أيـــضـــا مـــديـــر معهد لوميير فـي لـيـون بفرنسا، وهــو متحف يُــكـرّم الأخـويـن أوغست ولويس لوميير، اللذين يُعتبران من رواد السينما. حتى لـــو كـــنـــت مـــن هـــــواة الــســيــنــمــا الـــعـــاديـــن، فـــمـــن المــحــتــمــل أنـــــك عـــلـــى درايـــــــة بـــإحـــدى أشـــهـــر الأســـاطـــيـــر فـــي بـــدايـــات الـسـيـنـمـا: أن الـجـمـهـور الـــذي شـاهـد فيلم الأخـويـن «وصــــول قـطـار إلــى لا 1896 لوميير عــام ســيــوتــات»، شـعـر بــالــذهــول لــدرجــة أنهم صـــرخـــوا وركـــضـــوا إلــــى مـــؤخـــرة الــقــاعــة. يقول بعض المؤرخين إن هذا ربما يكون مبالغة، لكن تأثير الأخـويـن على تاريخ السينما يتجاوز هــذه القصة، أو أفلاما أخـــــــرى مـــثـــل «عـــــمـــــال يــــــغــــــادرون مـصـنـع .)1895( » لوميير كان إسهامهما الأهم بلا شك اختراع جــــهــــاز الـــســـيـــنـــمـــاتـــوغـــراف، وهـــــو جــهــاز يـدوي محمول قـادر على تصوير الأفـام وتحميضها وعـرضـهـا. مــع ذلـــك، يرغب فريمو في طرح فكرة أوسـع: أن الأخوين لوميير - ولا سيما لويس، الذي كان العقل المبدع وراء العديد من الأعمال المنسوبة إليهما - كانا فنانين بحد ذاتهما؛ إذ طورا لغة سينمائية سيتبناها ويبني عليها عـــشـــرات المـــخـــرجـــن الـــاحـــقـــن. حــتــى لو كان شخص آخر قد اخترع هذه التقنية، فإن الطرق التي استخدمت بها أفلامهما تقنيات مثل اللقطات الطويلة والتأطير الـــدقـــيـــق، تــؤهــلــهــمــا لمــكــانــة مـــرمـــوقـــة في تاريخ السينما. فـي بـدايـة الفيلم الـوثـائـقـي، يوضح فــريــمــو قــــائــــاً: «ســنــصــنــع فـيـلـمـا واحــــدا للوميير مـن عــدة أفـــام لـهـمـا»، وهـــذا في 100 الواقع تبسيط مفرط؛ فالفيلم يجمع فيلم صورها الأخوان، ولاحقاً، متعاونون مـعـهـمـا، وقـــد خـضـعـت جميعها لعملية تـــرمـــيـــم دقـــيـــقـــة. لا نـــــرى فـــقـــط الــتــقــنــيــات التي طورها الأخـــوان، بل نشاهد صورة نابضة بالحياة للحياة في مطلع القرن الـعـشـريـن، مــن أعــمــال الــريــف الـشـاقـة إلـى مشاهد باريس الصاخبة، مرورا بمشاهد مــــــن مـــخـــتـــلـــف أنــــــحــــــاء آســــــيــــــا. تــتــضــمــن الصور جنودا يسيرون وآخرين يلهون، ونـجـاريـن وريـاضـيـن وأطـــفـــالا رضــعــا... بعض اللقطات معروفة، وبعضها الآخر لــم يُــعــرض مــن قـبـل (بــمــا فــي ذلـــك مقطع مـــلـــم لــــم يـكـن 75 مـــذهـــل مـــصـــور بـتـقـنـيـة بالإمكان عرضه حتى عند تصويره عام ). إنه فيلم طريف وجميل وحيوي. 1900 فـــــــريـــــــمـــــــو هــــــــــو الــــــــــــــــــــــــــراوي، يــــــــــروي (بـــالـــفـــرنـــســـيـــة) مـــــا نــــشــــاهــــده، مــوضــحــا المـحـتـوى والــســيــاق، ويـشـيـر أحـيـانـا إلـى تقنيات سيكررها لاحـقـا مخرجون مثل فـــيـــديـــريـــكـــو فــيــلــيــنــي وجــــــون فــــــــورد. فـي النهاية، ينغمس فريمو في فلسفة غاية هــــذا الـــفـــن، الـــــذي يـــصـــوره كــفــن إنــســانــي بأبهى صوره. وهـــــكـــــذا، فـــــإن صـــنـــاعـــة فــيــلــم كـــهـــذا، الـــذي يُــعـيـد إحــيــاء بـعـض رواد السينما الأوائل ويحتفي بهم، هو وسيلة للإيمان بـالإنـسـانـيـة. يـــقــول: «الـسـيـنـمـا تُــعـرّفـنـي بنفسي وتُــعـرّفـنـي بــالآخــريــن. إن رعـايـة مستقبلها هي رعاية لأنفسنا». * خدمة «نيويورك تايمز» يوميات الشرق على المستوى الثقافي تلعب الأم دور الحارس الأمين للتراث فهي التي تحفظ الحكايات الشعبية ASHARQ DAILY 22 Issue 17286 - العدد Friday - 2026/3/27 ًالجمعة «لوميير... السينما!»... قصيدة حب للأخوين اللذين جعلا من السينما فنا مشهد من الفيلم الوثائقي «لوميير... السينما!» (آي إم دي بي) *نيويورك: أليسا ويلكنسون معرض «أمومة» يستلهم البيئة السودانية ويطرح أسئلة الهوية والانتماء عبر معالجة تجريدية الهميم الماحي يستحضر الوطن عبر صورة الأم القاهرة: نادية عبد الحليم حضور المرأة وسط الحشود ضمن فلسفة المعرض (الشرق الأوسط) سردية ممتدَّة عن السودان (الشرق الأوسط) الفن يتحوَّل ملاذا واللوحات تعكس علاقة الفنان بوطنه المفقود (الشرق الأوسط) المرأة في لوحات المعرض رمز للصمود (الشرق الأوسط)
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky