issue17285

في اللحظة التي يتقدم فيها ضجيج املدافع على همس القنوات الخلفية، يبدو العالم كمن فقد ذاكرته الدبلوماسية، أو كأنه تخلى طوعًا عن آخر حكمائه. إن كل انفجار، وكـل صـــاروخ، وكـل تهديد، يبدو اآلن منفصال عن العقل الذي يحكمه، وكأن البشرية تـراجـعـت إلــى مرحلة الــصــراع الـخـام؛ صـــراع خـــارج أي مـعـادلـة مـعـقـولـة، وخــــارج أي رقابة للمنطق أو الحساب. هـنـا يـطـل اســـم هــنــري كـيـسـنـجـر، بوصفه عقال غائبًا عن اللحظة الراهنة، كان يعرف كيف يضع سقفًا للحرب، وكيف يحولها من انفجار مفتوح إلـى أداة محسوبة داخـل معادلة تـوازن معقدة. رجـــل ال يـكـتـفـي بـمـراقـبـة األحــــــداث، وإنـمـا يصنع مـسـاراتـهـا، يجلس فـي الـغـرف الخلفية نصف املظلمة، ينقل الدبلوماسية من مستوى الشعارات إلى مستوى الواقع الصارم. في أملانيا، وهاجر 1923 ولد كيسنجر عام إلى الواليات املتحدة هربًا من النازية، ثم صعد لـيـصـبـح أحــــد أهــــم الــعــقــول االســتــراتــيــجــيــة في القرن العشرين، وشغل منصب مستشار األمن 1977 و 1969 الـقـومـي، ثـم وزيـــر الخارجية بـن فـي عـهـدي ريـتـشـارد نيكسون وجـيـرالـد فــورد. لم يكن مجرد مسؤول، وإنما كان مدرسة قائمة بـذاتـهـا، تـعـرف بدبلوماسية الـخـطـوة خـطـوة، حـيـث تـحـل األزمـــــات تـدريـجـيـ ، ويــعــاد تركيب الـــتـــوازنـــات بـعـنـايـة، مـــن دون صـــدمـــات كـبـرى، مــع فـهـم دقــيــق لطبيعة كــل طــــرف، وحساسية لكل تحرك، وبصيرة ال تخطئ في قياس حجم الخطر وتأثيره على االستقرار العاملي. ،1973 ) بـعـد حـــرب أكـتـوبـر (تـشـريـن األول تــجــلــت عــبــقــريــة كـيـسـنـجـر فــــي الــدبــلــومــاســيــة املـكـوكـيـة؛ حـيـث تـنـقـل بــن الــقــاهــرة وتـــل أبيب ودمـشـق، ليس إلنـهـاء الـصـراع، وإنـمـا إلدارتـــه، وإبقائه تحت السيطرة، ومنع تحوله إلى حرب شاملة بي القوى الكبرى. إن كل لقاء، وكل رسالة، وكل وساطة، كانت جـــزءًا مـن شبكة دقيقة مـن الــتــوازنــات، أسفرت عن اتفاقيات فك االشتباك بي مصر وإسرائيل، ومهدت الطريق التفاقيات أوسع. هنا نـمـوذج العقل الـــذي يـعـرف أن الحرب ليست مجرد انفجار، وإنما فن إدارة القوى؛ فن املــوازنــة بـن الـنـفـوس واملـصـالـح، وفــن استباق الــفــوضــى قـبـل أن تـتـحـول إلـــى كـــارثـــة ال رجـعـة فيها. لم يكن مثاليًا، وكان واقعيًا إلى حد القسوة. أحـــد أبــــرز مـنـظـري الــواقــعــيــة الـسـيـاسـيـة، يـرى العالم كما هو، ال كما يجب أن يكون، يؤمن بأن تـــوازن الـقـوى هـو الضامن الوحيد لالستقرار، وأن الـشـعـارات والـنـوايـا وحـدهـمـا ال تصنعان األمـــان، لذلك انفتح على الصي الشيوعية في ذروة الــحــرب الـــبـــاردة، ومَــهّــد لــزيــارة نيكسون ؛ خطوة أعــادت 1972 التاريخية إلــى بكي عــام تشكيل النظام الـدولـي، ومـهـدت لـتـوازن جديد بي القوى العظمى، من دون صدام مباشر، ومن دون انهيار شامل. عـلـى صـعـيـد آخــــر، لـعـب دورًا مـحـوريـ في إنــــهــــاء حـــــرب فـــيـــتـــنـــام، حـــيـــث قـــــاد املـــفـــاوضـــات السرية مع الفيتناميي الشماليي، وأعد اتفاق ، الــذي أنهى التدخل 1973 بـاريـس للسالم عـام األميركي املباشر، وخلق مسارًا لتقليص العنف وإعادة التوازن اإلقليمي. لم يكن اتفاقًا على الورق، وإنما كان درسًا فـي كيفية إدارة حــرب مستعصية، ودرســـ في الصبر التكتيكي، ودرسًا في القدرة على قراءة نـوايـا الـخـصـم، ودرســـ فـي خلق شبكة معقدة من القنوات الخلفية التي تمنع االنهيار الكامل للمعادلة االستراتيجية. كـــان يـــرى أن حـربـي أفـغـانـسـتـان والـــعـــراق، ســـتـــواجـــهـــان مـــخـــاطـــر مــشــابــهــة لــلــتــوســع غـيـر املــحــســوب، وأن االسـتـراتـيـجـيـة الـفـعـالـة تـأتـي مـن اإلدارة الحكيمة لـلـصـراع، واتـبـاع القانون الدولي والنظام الدولي، ومن ضمان االستقرار، وكان ال يعتبرها رفاهية أخالقية. ما نفتقده اليوم ليس كيسنجر الشخص، وإنما منطق كيسنجر، ذلك اإليمان بأن الحروب يـجـب أن تــــدار عـبـر قـــنـــوات اتـــصـــال خـلـفـيـة بي األطراف، حتى بي األعداء، وأن احترام القانون والـــنـــظـــام الـــدولـــي لــيــس رفـــاهـــيـــة، وإنـــمـــا شــرط أساسي الحتواء الفوضى، ومنع التحوالت غير املحسوبة من االنفجار إلى كارثة شاملة. الـــيـــوم، فــي زمـــن الـــحـــروب الـهـجـيـنـة، حيث تختلط الطاقة بالجغرافيا واملــمــرات البحرية بالسيطرة السيبرانية، يبدو املشهد أقـرب إلى فوضى بال مهندس، وصراع بال مدير، وصعود بال سلم نزول، كأن العالم فقد مهارة االحتواء، واسـتـبـدلـهـا بمنطق الـكـسـر الــكــامــل؛ فـكـل قــرار مـــتـــأخـــر، وكـــــل تـــحـــرك مـــتـــهـــور، يــضــيــف طـبـقـة جديدة من الفوضى، ويزيد احتماالت االنزالق نحو املجهول. لو كان كيسنجر حاضرًا، ملا سعى إليقاف الـحـروب بشعارات أخالقية، وإنما كـان سيبدأ مــن مــوازيــن الــقــوة، ومـــن خـطـوط اإلمـــــداد، ومـن مـخـاوف كـل طــرف، ثـم ينسج شبكة معقدة من الــتــفــاهــمــات الــجــزئــيــة، لـيـفـتـح قـــنـــوات خـلـفـيـة، ويــخــتــبــر الـــنـــوايـــا، ويـــشـــتـــري الــــوقــــت، ويـبـطـئ االندفاع نحو الهاوية؛ كان سيحول االستنزاف إلــــى تــــفــــاوض، والـــفـــوضـــى إلــــى تــــــوازن مــؤقــت، ويــــحــــول الــــحــــروب مــــن انـــفـــجـــار عـــشـــوائـــي إلـــى مسار مدروس، ال يترك فرصة للتصعيد خارج السيطرة. حــذر كيسنجر نفسه فـي سنواته األخيرة مــن أن الـعـالـم يتجه نـحـو لحظة خــطــرة، حيث تـــتـــآكـــل قـــــواعـــــد الــــنــــظــــام الــــــدولــــــي، وتـــتـــصـــاعـــد املــواجــهــات بــن الــقــوى الـكـبـرى مــن دون آلـيـات كـبـح فـعـالـة، وكــــان يـــرى أن غــيــاب الـتـفـاهـم بي الواليات املتحدة والصي وروسيا قد يقود إلى صدام ال يمكن احتواؤه بسهولة. ، كـان يعرف 2023 عند مغادرته العالم في أن زمـنـه ينتهي، وأن الـعـالـم يـدخـل مرحلة بال حــكــمــاء يـجـلـسـون فـــي الـــغـــرف نــصــف املـظـلـمـة، ليمنعوا امتداد الحرب. في هذا الفراغ، يعود السؤال إلى كيف فقد العالم قدرته على إنتاج كيسنجر جديد، وكيف تحولت الدبلوماسية من فن إدارة الصراع إلى ملحق متأخر للحرب؟ هنا تتجلى الحاجة الستعادة العقل الذي يــعــرف أن الـــحـــرب، مـهـمـا اشـتـعـلـت وتـوسـعـت، يجب أن تجد من يضع لها كلمة النهاية. هـنـا تـكـمـن الــحــاجــة إلـــى عـقـ نـيـة الـصـبـر، وإلــــى دبـلـومـاسـيـة الـصـمـت، ثــم إلـــى الــيــد التي توقف االنزالق قبل أن تتحول القوة إلى فوضى ال نهائية. Issue 17285 - العدد Thursday - 2026/3/26 الخميس قـبـل أيـــام تـابـعـت مـقـابـلـة مهمة مــع استشارية لــلــطــب الــنــفــســي. خـــ صـــة الـــلـــقـــاء تــوجــيــه نــظــريــات نفسية للمجتمع بغية مقاومة حاالت الهلع والخوف مـن األصــــوات والــطــائــرات وطـــرق الطمأنة والتهيئة النفسية، وهــذا قــول مهم؛ ألن اإلنـصـات إلـى األقــوال اآليديولوجية وإدمـــان قــراءة اإلِشـاعـات التي يبثّها املــــارقــــون فـــي الــــخــــارج ضـــد دول الــخــلــيــج وقــادتــهــا غايتها التشويش ونشر الشائعات وبث األكاذيب. الحرب ليست حالة طارئة في تاريخ اإلنسانية، بل قد تفرض نفسها كونها ضــرورة لتسريع حركة التاريخ ومواجهة الشر املحض. في حوار أجراه األستاذ أمارجي مع الفيلسوف روبـرتـو مانشيني، ونـشـرتْــه مجلة «املـجـلـة»، شمل الـحـوار نظرية مانشيني حـول الـحـرب، ومـن ضمن ما قاله إن «الـتـزام رؤيـة وتمييز ديناميات التاريخ يـــســـاعـــدنـــا عـــلـــى عـــــدم فـــصـــم الــــعــــروة بــــن الـضـمـيـر والفعل، وبي العقيدة والفاعلية. إنه التزام فحواه، فـــي الــــدرجــــة األولـــــــى، املــســؤولــيــة الــفــاعــلــة. وأقــصــد بالتحديد مسؤولية أن يضطلع كل فرد بدوره لكي يـصـبـح الــعــالــم أقــــرب مــا يــكــون إلـــى الـــســـ م، وأبـعـد مـا يكون عـن الـحـرب. ومهما اتسمت أحـداث العالم بالعنف واملآسي، فإن هذا ال يبرر لنا تقاعسنا عن القيام بدورنا في تحسي الوضع. حتى لو غلب على املرء التشاؤم واإلحباط، يبقى الصدق في أي حديث أو موقف الـشـرط الــذي عليه أال يتخلى عـن التزامه ما استطاع إلى ذلك سبيالً. ال مهرب ألحد من رباط املــســؤولــيــة األخـــ قـــيـــة. ولــيــس مـــن قـبـيـل املـصـادفـة أن تتفق جميع املـعـتـقـدات الدينية فـي الـعـالـم على الـشـهـادة بـــأن الـلـه رؤوف رحــيــم، وبــأنــه إلـــه الحياة والسالم، ال إله املوت والحرب. وعلى هذا، إن كان من املستحيل أن تكون الحرب عادلة في نظر الله، فأنا ال أرى كيف يمكن أن تكون عادلة في زعـم اإلنسان الجهول». أضـيـف إلــى ذلــك أنـنـا مـع األحــــداث الـجـاريـة، ال بـد أن نستفيد مـن الـتـاريـخ بكل مفاعيله القابضة على صميم نزعات الناس وعواطفهم وأحالمهم، بل وأوهامهم. مــــنــــذ الــــــبــــــدء كـــــانـــــت حـــــــــاالت الــــعــــنــــف وإرادة االسـتـئـصـال تـــؤرّقـــان الـبـاحـثـن فــي شـــأن اإلنــســان، الــقــتــل أو الــحــســد أو الــحــقــد أو الــعــنــف، وهــــذا أحــد براهي أصالتها في النزعات البشرية، ذلك أن ما هو طارئ يمكن أن يكون له تاريخه. فـي النصوص الـتـي تلت الـقـرن الـسـادس عشر طُـــرحـــت مـــواضـــيـــع الــعــنــف عــلــى مـــشـــارط املـعـالـجـة األخالقية، لتصطدم املعالجة بـ«العنف الضروري» الــــذي بـــررتْـــه بـعـض الـنـظـريـات بـحـثـ عــن «فــــردوس أمني». كـــانـــت الـــــقـــــراءات قــــد طـــرحـــت فـــلـــســـفـــات أخــــرى إلدانـــتـــهـــا بـالـتـهـيـئـة لـلـعـنـف والــتــبــريــريــن الــلــغــوي والـــنـــظـــري لــلــقــتــل، مـــثـــل نـــصـــوص مــيــكــافــيــلــلــي، أو تـــــومـــــاس هـــــوبـــــز، أو هـــيـــغـــل، وعــــــن األخـــــيـــــر يـــشـــن الفيلسوف اإلنجليزي كــارل بـوبـر، جــام غضبه، إذ رأى أن فلسفة هيغل ليست مؤسسة للحرب فقط، وإنما أسهمت في إشعال الحربي العامليتي. إن ســــــؤال الـــعـــنـــف بـــقـــي مــــؤرّقــــ لــلــبــاحــثــن فـي مــجــاالت اإلنـــســـان وسـلـوكـيـاتـه وأعــطــالــه وهـزائـمـه، وحي حاول إيمانويل كانط أن يطرح نظرية السلم الدائم في كتابه «نحو سالم دائم»، إنما كان يصرخ بــوجــه الــعــالــم أكــثــر مـمـا كـــان يـعـنـي إمـــكـــان وصـــول البشرية لديمومة السلم. هيغل يذهب أبعد من ذلك فــي دحـــض «ســـ م كـانـط الـــدائـــم»، إذ رأى أن طرحًا كهذا إنما هو «وهـم محض». العنف ينتج العنف، والفوضى تحرس العنف، والـقـوة تـولّــد العنف، إذ الحروب تحفّزها «القوة الفائضة» التي تتولّد عن قوة املال واالقتصاد ودور العلم في تطوير األسلحة والــقــنــابــل وحـــامـــ ت الـــطـــائـــرات، وكـــل االنــتــصــارات العلمية في املجاالت العسكرية. الــخــ صــة؛ أن الـــحـــروب وصـنـاعـة الـعـنـف هما جــــزء مـــن الــــصــــراع الـــبـــشـــري، ولـــكـــن الـــحـــرب ليست بـــن اإلنـــســـان واإلنـــســـان فـحـسـب، وإنـــمـــا أيــضــ بي العقل والعضل، بل بي القنبلة والتنمية. والناس بحاجة إلـى التنمية وأسـس املعرفة. الطفل بحاجة إلـــى الـتـعـلـيـم، وال يـحـتـاج إلـــى رصـــاصـــة، ال بـــد من العودة إلى صوت العقل والحكمة واألفكار املدروسة والرؤى التنموية والحيويات االقتصادية. ومع ذلك يظل خيار الحرب آخـر الحلول في بعض األوقــات؛ فآخر الدواء الكيّ. كـلـمـا حـقـق الـجـيـش الـــســـودانـــي انــتــصــارات تـضـع إمـكـانـيـة نـهـايـة الــحــرب فــي دائــــرة الـنـظـر، تُـــفـــتـــح ضـــــده جــبــهــة جــــديــــدة لــتــوســيــع دائـــرتـــهـــا وإطالة أمدها. منذ وقـت مبكر تدفقت إمـــدادات السالح من الـــخـــارج عـبـر حــــدود عـــدد مـــن دول الـــجـــوار، كما دخلت أعداد من املجندين من عرب الشتات، ومن املرتزقة، وتحولت بعض املناطق الحدودية إلى مـراكـز أسـاسـيـة إلسـنـاد «قـــوات الـدعـم الـسـريـع»، ومدها بالسالح وجميع مستلزمات الحرب. وعندما جـرى تحييد بعض الـــدول، نتيجة عوامل داخلية ضاغطة (كما في حالة تشاد) أو بـفـعـل ضــغــوط خــارجــيــة، كـمـا حـــدث مـــع أطـــراف أخـــرى فـي الــجــوار، تـم فتح جبهات جـديـدة على الحدود مع إثيوبيا وجنوب السودان. لذلك لم يكن مفاجئًا التصعيد الذي حدث في واليـة النيل األزرق أخيرًا؛ فقد رصـدت منذ فترة تحركات من جنوب السودان بالتوازي مع ارتفاع ملحوظ في أعـداد املرتزقة الجنوبيي املنضمي إلى صفوف «الدعم السريع»، كما تحولت بعض املـنـاطـق فـي الـجـنـوب إلــى مـراكـز لـعـ ج مصابي هذه القوات. ولم تمض فترة طويلة حتى ظهرت تـــقـــاريـــر إعـــ مـــيـــة مـــوثـــقـــة تـــؤكـــد إقــــامــــة مـعـسـكـر كــبــيــر داخـــــل إثــيــوبــيــا لـــتـــدريـــب وإســــنــــاد «قــــوات الـدعـم الـسـريـع». كما نشرت صحيفة «لوموند» الفرنسية تحقيقًا استقصائيًا عن رحالت جوية رحلة خالل أربعة أشهر، من 36 متواصلة، بلغت نهاية الـعـام املـاضـي وبـدايـة الـعـام الحالي لنقل السالح إلى هذه عبر األراضي اإلثيوبية. وكـان الجيش السوداني قد وجَّــه تحذيرات علنية إلثـيـوبـيـا، الـتـي تمسكت بنفي أي تدخل فـــي الــــحــــرب. غــيــر أن املــــعــــارك الـــتـــي انـــدلـــعـــت في مدينة الكرمك بإقليم النيل األزرق جنوب شرقي الــســودان، إلـى جانب الهجمات باملسيرات على مدن سودانية أخرى قريبة من الحدود اإلثيوبية، جاءت بمثابة تأكيد على سعي أطراف خارجية إلى فتح جبهات جديدة، بهدف تشتيت الجيش السوداني وتعطيل أي هجوم مرتقب على «الدعم السريع» في دارفور. الــتــصــعــيــد فـــي الـــكـــرمـــك لـــن يـــكـــون الــوحــيــد ضمن سياسة «شد األطــراف» الرامية إلى إرباك الـجـيـش الـــســـودانـــي وعــرقــلــة خـطـطـه، وتخفيف الـضـغـط عــن «قــــوات الــدعــم الــســريــع» املـتـراجـعـة فــي جـبـهـات غـــرب الـــســـودان، ال سيما فــي إقليم كـــردفـــان؛ فـقـد أشــــار تـحـقـيـق «لـــومـــونـــد» إلـــى أن داعــمــي هـــذه الـــقـــوات عـمـلـوا فــي اآلونــــة األخــيــرة على تفعيل ممرات إمداد بديلة لنقل السالح عبر أفريقيا الوسطى وإثيوبيا. وذكر أن تسع رحالت جوية رُصـــدت خـ ل الشهر املـاضـي وحــده لنقل السالح والعتاد عبر هاتي الدولتي في عمليات وُصفت بأنها إلمداد «قوات الدعم السريع» لفتح جبهة الجنوب الشرقي. إن ســـيـــاســـة شـــــد األطــــــــــراف لـــيـــســـت ولـــيـــدة الـلـحـظـة، بــل بــــدأت مــع انــــدالع الـــحـــرب، وازدادت حدتها تدريجيًا. والحقيقة أن مـؤشـرات مبكرة أوحـــت بـــأن هـــذه الــحــرب جـــزء مــن مخطط أوســع وأقدم يستهدف السودان. ، أصـــــــــدر رئـــــيـــــس الـــــــــــوزراء 1996 فــــــي عـــــــام اإلســـرائـــيـــلـــي بــنــيــامــن نــتــنــيــاهــو كــتــابــ بـالـلـغـة اإلنجليزية، بعنوان «محاربة اإلرهــــاب»، عرض فيه مالمح من رؤيته األمنية ملواجهة ما وصفه بآيديولوجيا اإلرهاب، متبنيًا مقاربة تقوم على مبدأ «الوقاية خير من العالج»، للتعامل مع الدول التي يراها داعمة لإلرهاب، وإضعافها وعزلها، عبر العقوبات والعمل العسكري عند الضرورة. وكــــان الـــســـودان ضـمـن الــــدول الــتــي أشــــار إلـيـهـا، مثلما كــان فـي قائمة أوردهـــا آفــي ديختر، وزيـر األمن الداخلي اإلسرائيلي األسبق، في محاضرة أمام معهد دراسات األمن القومي التابع بجامعة ، بـــعـــنـــوان «أبــــعــــاد الــحــركــة 2008 تـــل أبـــيـــب عــــام االسـتـراتـيـجـيـة اإلسـرائـيـلـيـة الــقـادمــة فــي البيئة اإلقليمية». وأوضح ديختر أن إسرائيل رأت، منذ خمسينات القرن املاضي، أن السودان، بما لديه من موارد، ومساحة شاسعة، وعدد سكان، يمكن أن يصبح دولـــة قـويـة مضافة إلــى قــوى اإلقليم؛ مـا اسـتـدعـى، وفــق هــذا الـتـصـور، الـتـدخـل املبكر إلضعافه. وبحسب ما طرحه، شمل ذلك التدخل في حرب جنوب السودان حتى انفصاله، ثم في دارفور على أمل دفعها نحو االنفصال أيضًا. إن ما يواجهه الجيش السوداني في الحرب الراهنة، يتجاوز قــدرات «قــوات الدعم السريع»، الـتـي تتلقى إمـــــدادات هـائـلـة وأسـلـحـة مـتـطـورة، مسنودة بتدخالت خارجية عملت على تطويق الــســودان عبر اسـتـعـداء جـــواره، واسـتـخـدام عدد من الــدول املحيطة به كمنافذ إلمـــدادات السالح، وأحـــيـــانـــ كـــنـــقـــاط انــــطــــ ق لــهــجــمــات بــالــطــائــرة املسيرة االستراتيجية. في هذا السياق، لم تعد الحرب مجرد صراع داخـلـي، بل أصبحت حلقة ضمن صــراع إقليمي أوســع، تُستخدم فيه امليليشيات أدوات لتجنب التورط املباشر، وما قد ينجم عنه من تعقيدات. ورغــــم ذلـــك يـفـضـل كـثـيـرون تـجـاهـل أبــعــاده االستراتيجية، ويتمسكون بسرديات تبسيطية من قبيل «حــرب الجنرالي» أو «حــرب الكيزان»، رافـضـن رؤيــة طبيعة الـصـراع األعـمـق، والحرب الـــوجـــوديـــة الـــتـــي تـسـتـهـدف الــــســــودان فـــي ذاتــــه، وكجزء من مخطط مستمر لزعزعة املنطقة. لم تعد الحرب مجرد صراع داخلي... بل أصبحت حلقة ضمن صراع إقليمي أوسع الحرب ليست بين اإلنسان واإلنسان فحسب... وإنما أيضا بين العقل والعضل فهد سليمان الشقيران عثمان ميرغني جمال الكشكي OPINION الرأي 14 حرب السودان ومخطط شد األطراف ظروف الحروب ودروس التاريخ كيسنجر... العقل الغائب وقت الضرورة الحرب مهما اشتعلت وتوسعت يجب أن تجد من يضع لها كلمة النهاية

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==