issue17285

الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani األمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel OPINION الرأي 13 Issue 17285 - العدد Thursday - 2026/3/26 اخلميس عهد مجتبى بين تقدم البندقية وتراجع العمامة! «النخب» الليبية وديمومة الخالف واالختالف قـد تستمر إيـــران فـي تقديم نفسها بوصفها «جـــمـــهـــوريـــة إســــامــــيــــة»، لـــكـــن مــامــحــهــا الـفـعـلـيـة باتت تُشير إلى واقع مختلف يتشكّل بهدوء خلف الــواجــهــة الـعـقـائـديـة. فـانـتـخـاب مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى جديدًا ال يمكن قراءته باعتباره مجرد انـــتـــقـــال طـبـيـعـي لـلـسـلـطـة داخـــــل بــنــيــة ديـــنـــيـــة، بل يعكس لحظة مفصلية في مسار طويل من التحوّل؛ حـيـث تـراجـعـت سلطة الـفـقـهـاء تـدريـجـيـا ملصلحة مؤسسة عسكرية أمنية باتت تمسك بخيوط القرار الحقيقي. هــذا الـتـحـول لـم يكن مفاجئا، بـل جــاء نتيجة تـراكـم بـطـيء امـتـد لـسـنـوات. فمنذ وقــت مبكر، بدأ «الــحـــرس الـــثـــوري» الـتـمـدد داخـــل مـفـاصـل الــدولــة، مـسـتـفـيـدًا مـــن األزمـــــــات املــتــاحــقــة، مـــن الـعــقــوبـات االقتصادية إلــى الـتـوتـرات اإلقليمية، وصـــوال إلى االحتجاجات الداخلية. ومع كل محطة، كان دوره يتعزز، ليس فقط بوصفه قـوة عسكرية، بـل فاعل اقتصادي وسياسي وأمني، إلى أن بات اليوم أشبه بعمود النظام الفقري، ال مجرد ذراع من أذرعه. في هذا السياق، يبدو صعود مجتبى خامنئي أقـــرب إلــى نتيجة تــوازنــات داخلية دقيقة منه إلى تعبير عن شرعية دينية خالصة. فالرجل ال يأتي مـحـمّــا بـرصـيـد فقهي اسـتـثـنـائـي، بـقـدر مــا يأتي مدعوما مـن شبكة نـفـوذ تــرى فيه الخيار األنسب ملــرحــلــة حــســاســة. مــرحــلــة ال يــريــد فـيـهـا «الــحــرس الـثـوري» كسر الشكل الديني للنظام، لكنه يسعى في الوقت نفسه إلى تثبيت سلطة فعلية ال تنازعه فيها أي مؤسسة أخرى. لقد قامت الجمهورية اإلسلمية، منذ نشأتها، على معادلة دقيقة تجمع بني الدين والـثـورة، بني املـرجـعـيـة الـديـنـيـة والـــقـــوة املـسـلـحـة. وكـــان املـرشـد األعلى هو نقطة االلتقاء بني هذين البُعدين. غير أن هــذه املـعـادلـة بـــدأت تختل تدريجيا، مـع انتقال مركز الثقل من العمامة إلى البندقية، ومن الفقه إلى األمن، ومن الخطاب العقائدي إلى منطق السيطرة والبقاء. ومــــع مـــــرور الــــوقــــت، لـــم يــعــد الــــقــــرار الـنـهـائـي يُصاغ في دوائر الفقه، بل في غرف مغلقة تحكمها حــســابــات الـــقـــوة واالســــتــــقــــرار. ولــــم تــعــد األولـــويـــة لـتـوسـيـع الـشـرعـيـة الـشـعـبـيـة، بــل لـضـمـان تماسك النظام ومنع أي تصدع داخلي قد يُهدد بنيته. وفي هذا اإلطار، يصبح وجود مرشد يحمل اسما وازنا، لكن بصلحيات مضبوطة، خـيـارًا مثاليا لتأمني الغطاء اللزم دون إعاقة مركز القرار الحقيقي. اللفت أن هذا التحول ال يعلن نفسه صراحة، بــل يـتـم تـحـت سـقـف الـبـنـيـة الـقـائـمـة. فـاملـؤسـسـات الـدسـتـوريـة ال تـــزال قائمة، واللغة الدينية ال تـزال حاضرة، والشعارات الثورية لم تختفِ. لكن خلف هـذا كله، يتشكّل نظام مختلف فـي جـوهـره، نظام أكـثـر انـغـاقـا، وأكـثـر اعـتـمـادًا على أدوات الضبط، وأقل استعدادًا للتنازل أو االنفتاح. ومع صعود «الحرس الثوري» إلى موقع القوة األولى، تتبدل طبيعة الدولة نفسها. فبدل أن تكون ساحة توازن بني تيارات متعددة تتحول إلى جهاز مركزي شديد االنضباط؛ يـرى في املجتمع مجاال لـلـمـراقـبـة، وفـــي االقــتــصــاد مــــوردًا لـلـسـيـطـرة، وفـي السياسة الخارجية امتدادًا لألمن الداخلي. وهنا، تصبح الحدود بني الداخل والخارج أكثر تداخلً، ألن منطق األمن يطغى على كل ما سواه. هذا املسار ينعكس مباشرة على سلوك إيران الخارجي. فكلما تعزز حضور املؤسسة العسكرية، تراجعت فـرص املـرونـة السياسية، وارتفعت حدة املقاربة األمنية. وهـذا ال يعني بالضرورة اندفاعا دائما نحو املواجهة، لكنه يعني أن قـرارات الحرب والسلم ستُقاس أكثر بميزان الـقـوة، وأقــل بميزان التكلفة السياسية أو االقتصادية. وفـــي الـــداخـــل، ال يـبـدو أن الـنـظـام يـتـجـه نحو تـخـفـيـف قــبــضــتــه، بـــل عــلــى الـــعـــكـــس، قـــد يــجــد في التحديات املتزايدة مبررًا إضافيا لتعزيز سيطرته. فــكــل أزمـــــة تُــســتــخــدم لــتــأكــيــد الـــحــاجـــة إلــــى قبضة أقوى، وكل احتجاج يُقدَّم بوصفه تهديدًا وجوديا، وكـل ضغط خارجي يُــحـوَّل إلـى دليل على ضـرورة التماسك الداخلي. وهكذا، يدخل النظام في حلقة مغلقة تغذي نفسها بنفسها. ومـع ذلــك، فـإن هـذا النموذج يحمل في داخله مـفـارقـة عـمـيـقـة، فكلما ازداد اعـتـمـاد الـنـظـام على الـقـوة، تراجعت قـدرتـه على إنـتـاج شرعية مقنعة، وكلما ضاقت مساحات التعبير، تراكمت الضغوط تحت السطح. وهـذا ال يعني انهيارًا وشيكا، لكنه يــشــيــر إلـــــى هـــشـــاشـــة كـــامـــنـــة قــــد تــظــهــر فــــي لـحـظـة غير متوقعة، حـ تتقاطع األزمــــات الـداخـلـيـة مع الضغوط الخارجية. إضـــافـــة إلــــى ذلـــــك، فــــإن الـــتـــحـــول نــحــو هيمنة املـؤسـسـة العسكرية قـد يُــغـيّــر طبيعة الـعـاقـة بني الـدولـة واملجتمع. فبدل أن تقوم هـذه العلقة على نوع من التعاقد الضمني، تصبح أقـرب إلى علقة ضـبـط وإدارة؛ حـيـث يُــنـظـر إلـــى املـجـتـمـع بوصفه مــــجــــاال يـــجـــب الــتــحــكــم فـــيـــه ال شـــريـــكـــا فــــي الــــقــــرار. وهـــذا الـتـحـول، وإن كـــان يمنح الـنـظـام قـــدرة أعلى على السيطرة فـي املــدى القصير، فإنه قـد يضعف تماسكه على املدى البعيد. كما أن تركيز السلطة في يد مؤسسة واحدة يحمل مخاطر إضـافـيـة، أبـرزهـا تضييق هامش النقاش الداخلي داخــل النخبة الحاكمة نفسها. فــعــنــدمــا تـــتـــراجـــع الــــتــــوازنــــات، تــقــل الــــقــــدرة على تصحيح األخـــطـــاء، ويـصـبـح الـــقـــرار أكـثـر عرضة للنغلق، وهو ما قد يؤدي إلى خيارات أكثر حدة وأقل مرونة في مواجهة األزمات. في املحصلة، ال تُغادر إيران اسم «الجمهورية اإلســـامـــيـــة»، لـكـنـهـا تُــعــيــد تـعـريـفـه مـــن الـــداخـــل. فالدين يبقى إطـــارًا، لكنه لم يعد املحدد الوحيد للسلطة. واملـــرشـــد يبقى رمــــزًا، لكنه قــد ال يكون مــركــز الـــقـــرار. أمـــا الــقــوة الـفـعـلـيـة، فتتجه بثبات نحو مؤسسة عسكرية أمنية نجحت في الصعود التدريجي إلى قلب النظام، من دون أن تهدم شكله التقليدي. وهــــكــــذا، قـــد يـــكـــون عــهــد مـجـتـبـى خـامـنـئـي بداية مرحلة جديدة، ال يُلغى فيها الدور الديني، بل يُعاد توظيفه ضمن معادلة مختلفة، تتقدم فيها البندقية خطوة إلـى األمـــام، فيما تتراجع العمامة خطوة إلى الخلف، من دون أن تختفي مــن املـشـهـد. وفـــي ظــل هـــذا الـــتـــوازن الـجـديـد، قد تجد إيــران نفسها أمـام اختبار طويل بني قدرة النظام على الصمود، وقـدرتـه فـي الـوقـت نفسه على التكيّف مـع عـالـم يتغير بسرعة أكـبـر مما تسمح به بنيته املغلقة. تــعــانــي لـيـبـيـا بـسـبـب الـــخـــافـــات الـسـيـاسـيـة، انـقـسـامـا وتشظيا جـغـرافـيـا يـهـدد سـامـة ووحـــدة أراضـيـهـا بـاالنـقـسـام الـجـغـرافـي ولـيـس السياسي فقط، مما جعل من الفيتو اللغة املتبادلة والسائدة بـــ الـجـمـيـع، فـــي ظـــل غــيــاب مـطـلـق ألي اتـــفـــاق أو حتى توافق ملصلحة الوطن بعيدًا عن أي حسابات حزبية ضيقة تعرقل تحقيق الديمقراطية الناشئة، فـــالـــديـــمـــقـــراطـــيـــة هـــــي ســــلــــوك وثــــقــــافــــة جـــمـــاعـــيـــة، وتـتـمـحـور حـــول احـــتـــرام اآلخــــر، واإلقـــــرار والـقـبـول بسيادة القانون. املشهد السياسي الليبي الحالي ضبابي ومرتهن اإلرادة، في ظل وجود هذا الصراع الـحـزبـي املـعـلـن، كما فـي ظـل غـيـاب تمثيل حقيقي للشعب في إطار حزبي بشكل صحيح؛ نظرًا لعدم وجود حضور حزبي حقيقي في الشارع واملجتمع، فاملجتمع الليبي ذو التركيبة القبلية فـي األصـل، يجعل مـن أي شكل حزبي يفتقر ألي وجــود فاعل ضـمـن حـــراك مجتمعي يستظل بـــمـــوروث قبلي ال حــزبــي، ولـكـن تسلل «بـعـض الـحـزبـيـ » مــن خـال عباءة املستقلني كما حدث في أول انتخابات بعد في املؤتمر الوطني (أول برملان منتخب)، مما 2011 قلب املعادلة في اتجاه حزبي مطلق، حتى أصبح الوجود الحزبي سبب املشكلة األساسية في تعثر األداء، مما جعل الصراع الحزبي يتجه بالبلد نحو نفق مظلم، ويـعـرقـل أي فـرصـة لبناء دولـــة مدنية خالية من أي صراع. الغرب يـروج للديمقراطية الحزبية في ليبيا ويتبناها في أي حــوار أو مشروع للحل، في حني يرى كبار منظريه أن الديمقراطية غير قابلة للتحول والتموضع في مجتمعات قبلية، وهــذا يجعل من اخـتـزال ليبيا ورهــن إرادة شعبها فـي إطــار حزبي ضــيــق مـغـالـطـة كـــبـــرى، فــالــحــزب قـــد يـحـمـل أفــكــارًا ورؤى خارجية، ثبت فشلها في بلدانها، ما يجعل من محاولة استنساخها أو إعادة إنتاجها في ليبيا أمرًا مرفوضا باملطلق، ومحاولة الستنساخ الفشل والفوضى، فحرية اإلرادة التي هي سلوك اإلنسان وتصرفاته تنبع من إرادته الحرة بالكامل من دون تدخل من أي طـرف، فالديمقراطية بنكهة األحـزاب تحتاج إلى تأسيس وتغيير في ثقافة مجتمع قبل نشر أحـــزاب تـجـاوز عـددهـا املـائـة حــزب تفتقر إلى منتسبيها في بلد طبعه قبلي وعدد سكانه بضعة مليني، مما يؤكد األمية الديمقراطية، بل وأحيانا خطرها على الشعب في ظل األمية الحزبية تحديدًا فـــي بـلـد عـــاش سـكـانـه أكــثــر مـــن أربــعـــ عــامــا على شعار «من تحزب خان». حل األزمة الليبية يكمن في تغليب مصلحة ليبيا ووحدة ترابها، فهذا هو الطريق الصحيح نـــحـــو بــــنــــاء وطــــــن لــلــجــمــيــع خـــــــال مــــن اإلقــــصــــاء والتهميش، والبدء في التأطير السياسي وبناء املــــؤســــســــات وإعــــــــــداد مــــشــــروع نـــهـــضـــوي ضـمـن استحقاقات االنتقال من الثورة إلى الدولة، ومن القبيلة إلى الدولة، واإلسـراع في كتابة الدستور بدال من التلكؤ املتكرر وإطالة زمن تدفق املنافع من مرتبات ومزايا، فالوطن ليس كلمة أو تعبيرًا إنـشـائـيـا أو مـضـافـا إلــيــه، فــي أي اســـم حــزبــي أو مؤسساتي. فالحوار ليس نافذة يتسلل منها من طـــردوا مـن الـبـاب، بـل يعني الـتـوافـق ضمن إطـار احترام الشرعية وخيار الشعب الديمقراطي. وفشل رجال السلطة، بسبب عوامل عدة منها األحــزاب واالختباء خلف جلباب الحزبية، حيث مـارسـوا جميعا سياسة «الـتـنـاطـح» مما تسبب فـي غــرق مركب الـوطـن جــراء تفضيلهم مصلحة الجماعة أو الـحـزب على مصلحة الجميع، كما تسبب ذلك في تشتت الوطن واإلضــرار باللحمة الـــوطـــنـــيـــة، كـــمـــا تـــولـــد الـــشـــعـــور الــــعــــام بــالــتــذمــر واإلحباط. ولكن في ظل هذا الوضع املنقسم بشكل غير مـقـبـول، قــد يـكـون مــن الـنـافـع لـلـوطـن أن نـمـارس الـديـمـقـراطـيـة الـتـوافـقـيـة فــي ظــل عـجـز مــا تسمى «الـنـخـب» الحزبية املـؤدلـجـة بالنهوض بالدولة مــن مستنقع الـفـوضـى والـعـنـف بسبب الخطاب والـــصـــراع الــحــزبــي، وكــــون أصـحـابـهـا يـخـدمـون أهـــدافـــهـــم ومــخــطــطــاتــهــم الـــتـــي أنــتــجــت الـتـخـبـط والـفـوضـى واملـراهـقـة وعـــدم النضوج السياسي، فمصلحة الوطن تستوجب أن يكون خارج تغطية فوضى التشويشات النفعية الخاصة، فكل ذلك انـتـهـازيـة واســتــبــداد حــزبــي، مـمـا يجعلنا نكفر حتى بالحرية. اخـتـاف اآلراء لـه قيمة مجتمعية فـي تنوع الـفـكـرة وتــنــوع الـحـلـول؛ ألن املجتمع فــي األصــل متنوع ومختلف، وليس نسخة كربونية واحدة، فـــاالخـــتـــاف مـــنـــاخ صـــحـــي لــلــديــمــقــراطــيــة حـتـى ال يـشـيـع الــــرأي األوحــــد ويـصـبـح مـنـاخـا خصبا لظهور الـديـكـتـاتـوريـة نتيجة للخوف مـن الــرأي اآلخر. ولـــكـــي نـــتـــرك أزمــــــة الــــخــــاف بــنــكــهــة الـــعـــداء إلـــى االخـــتـــاف بـنـكـهـة الــتــنــوع، عـلـيـنـا أوال فهم االخـــــتـــــاف بــــصــــورة الـــتـــنـــوع فــــي الــــــــرأي ولــيــس خــصــومــة مــســتــدامــة يــتــم تــوظــيــفــهــا، وكـــمـــا قــال غاندي: «االختلف في الرأي ينبغي أال يؤدي إلى العداء، وإال لكنت أنا وزوجتي من ألد األعداء...»، وحـيـنـهـا نـــؤســـس لـثـقـافـة ديــمــقــراطــيــة والــقــبــول باآلخر، فالوطن أنا وأنت وليس «أنا أو أنت». هدى الحسيني جبريل العبيدي

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==