10 تحقيق FEATURES Issue 17285 - العدد Thursday - 2026/3/26 اخلميس ASHARQ AL-AWSAT كاسترو الحاضر الغائب عشية حرب أميركية محتملة كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية فـشـل اإلنـــــزال الــبــحــري، ولـــم يــنــج من الـــــثـــــوار ســـــوى فـــيـــديـــل وعــــــدد ضــئــيــل مـن رفاقه، بينهم شقيقه راؤول وتشي غيفارا، وانــــتــــقــــلــــوا إلــــــى ســـيـــيـــرا مـــايـــســـتـــرا حـيـث أعـــــــادوا تـنـظـيـم صــفــوفــهــم، وبــــــدأت حــرب العصابات ضد النظام، التي برز خاللها تشي غيفارا، خصوصًا في معركة «سانتا كالرا» الشهيرة، إلى أن سقط باتيستا وفر من كوبا بعدما انقلب عليه عدد من كبار ضبّاط القوات املسلحة. بـعـد ســقــوط بـاتـيـسـتـا، دخـــل فيديل إلــــى هــافــانــا فــجــر الـــيـــوم الــثــامــن مـــن عــام دخول الفاتح الذي سينقذ كوبا من 1959 «عفن الفساد والتخلف والتبعية املفرطة لـــلـــواليـــات املـــتـــحـــدة»، الـــتـــي كـــانـــت حــوّلــت «لـــؤلـــؤة الــكــاريــبــي» إلـــى مــرتــع لعصابات اإلجــــــــرام والـــــدعـــــارة واملـــــخـــــدرات وزعـــمـــاء املـــافـــيـــا مـــثـــل لـــوكـــي لــوتــشــيــانــو ورفــــاقــــه، حتى قـال عنها آرثــر شليسنغر مستشار الـرئـيـس األمـيـركـي األسـبـق جــون كيندي: «كـــنـــت شـــغـــوفـــ إلـــــى حــــد بــعــيــد بــهــافــانــا، لكني شعرت بصدمة كبيرة عندما رأيت هـــــذه املـــديـــنـــة الـــرائـــعـــة وقـــــد تـــحـــولـــت إلـــى كــازيــنــو واســــع ومـــاخـــور لـــرجـــال األعــمــال األمـــيـــركـــيـــن الـــذيـــن كـــانـــوا يــتــجــولــون في شوارعها برفقة فتيات في الرابعة عشرة من العمر، ويرمون قطع النقود في أقنية الصرف ملجرد مشاهدة الرجال يركضون اللــتــقــاطــهــا. وكـــــان ال بـــد أن أســـــأل نفسي الـــســـؤال الــتــالــي: هـــل يـمـكـن أن يـنـظـر أهـل الجزيرة إلينا إال بعيون النقمة والحقد؟». الصعود إلى السلطة مـنـذ تسلّمه السلطة فــي ذلـــك الـعـام، بـعـدمـا 2016 حـــتـــى رحـــيـــلـــه خـــريـــف عـــــام نكث بكل الوعود التي كان قد قطعها في بــدايــة الــثــورة مـثـل إجــــراء انـتـخـابـات حـرة والتناوب على الحكم، كان فيديل كاسترو قــــد تـــــرك بـــصـــمـــاتـــه الــعــمــيــقــة عـــلـــى حــيــاة ثالثة أجيال من الكوبيي، وألهم عشرات الـحـركـات التحررية فـي أميركا الالتينية والعالم، ووضع قطبي الحرب الباردة على شفا أول صدام نووي في التاريخ بعد أزمة الصواريخ الشهيرة التي أشعلت املواجهة السياسية بي واشنطن وموسكو. حكم كاسترو بالده بقبضة من حديد، مـــتـــفـــردًا فـــي الــســلــطــة والــــقــــرار، ومـسـتـنـدًا إلــى قـــدرة خطابية نـــادرة، ورمـزيـة ثورية عـــالـــيـــة كـــانـــت مـــحـــط إعــــجــــاب الــيــســاريــن والحركات الثورية في العالم. وفي عهده، حـقـقـت الـــثـــورة الـكـوبـيـة إنـــجـــازات مبهرة فــــي مــــجــــاالت الــتــعــلــيــم والـــصـــحـــة واألمـــــن والـــبـــحـــوث، لـكـنـهـا وقـــعـــت أيـــضـــ فـــي فخ االعتماد املفرط على االتحاد السوفياتي عندما تعرّضت لحصار أميركي خانق ال يزال مستمرًا إلى اليوم، وفشلت في تطوير قطاعاتها اإلنتاجية وتنويعها، وتخلّت عن كل الـوعـود بضمان الحريات الفكرية والـسـيـاسـيـة، وتـحـوّلـت أجهزتها األمنية إلى أدوات ترهيب وقمع تنكّل باألصوات املعارضة التي تطالب باملحاسبة. وعــــنــــدمــــا انـــطـــفـــأ «الـــكـــومـــانـــدانـــتـــي» 2016 ) أواخــــــر نــوفــمــبــر (تـــشـــريـــن الـــثـــانـــي بعد نصف قرن تقريبًا من الحكم املطلق، أي تــمــامــ فـــي الـــذكـــرى الــســنــويــة الـسـتـن النطالق الثورة، كان أرسى دعائم نموذج اقتصادي اشتراكي هزيل اإلنتاج، وضرب بسيف ستالي كل منافسيه وأعدائه الذين جــرّدهــم مـن املـــال والـحـريـة، وكـانـت هوية الجزيرة قد ذابت كليًا في صورته ولحيته الشهيرة، وسبابته التي اعتاد أن يرفعها خالل خطبه الطويلة مفاخرًا ومتحديًا. رحـل فيديل من غير أن يترجّل يومًا عـــن صــهــوة أحـــ مـــه «الــــــدون كـيـشـوتـيـة»، محاطًا بهتافات ودموع الذين رفعوه فوق مــراتــب الـشـك واملــســاءلــة، وأيــضــ بصمت ولعنات الضحايا الـذيـن سقطوا بـاآلالف على «طريق الثورة». آليات صمود «دون كيشوتي» عـــاد املـــراقـــبـــون لــطــرح الـــســـؤال نفسه الـــذي كـانـوا بـــدأوا يطرحونه عند مغارب الــــــقــــــرن املــــــاضــــــي بــــعــــد انــــهــــيــــار االتـــــحـــــاد الـــســـوفـــيـــاتـــي وانـــقـــطـــاع الـــشـــريـــان األبـــهـــر الـذي كـان يمد كاسترو بالدعم السياسي والدبلوماسي واملساعدات الحيوية: كيف استطاع النظام أن يصمد طوال تلك الفترة مـــن غـيـر حـلـيـفـه الــتــاريــخــي وتــحــت وطـــأة الحصار األميركي؟ كـــــــثـــــــرت الـــــتـــــحـــــلـــــيـــــ ت الــــســــيــــاســــيــــة واالقــتــصــاديــة لــإجــابــة عــن هـــذا الــســؤال، وتـــوافـــقـــت عــلــى مــجــمــوعــة مـــن األســـبـــاب، أبـــرزهـــا: أوالً، الـطـبـيـعـة املـحـلـيـة الـصـرفـة لــــلــــثــــورة الـــــتـــــي تــــــوفــــــرت كــــــل عـــنـــاصـــرهـــا ونضجت في كوبا، ولم تفرضها الدبابات الــســوفــيــاتــيــة، مـــا أعـــطـــى نـــظـــام كــاســتــرو هامشًا واسعًا من االستقاللية في التحرك الـــدبـــلـــومـــاســـي إزاء مــوســكــو الـــتـــي كـانـت تحتاج إليه في الحرب الباردة بقدر ما كان هو يحتاج إليها. يضاف إلـى ذلـك أن صيرورة الثروة، بـخـاصـة الـنـصـر الــــذي حـقـقـه الـــثـــوار على قــــوات الـنـظـام املـتـفـوقـة بـالـعـدة والـعـديـد، أضــــفــــى عـــلـــيـــهـــا مـــســـحـــة روائــــــيــــــة وشـــبـــه سينمائية كما كان يقول غابرييل غارسيّا ماركيز. ثانيًا، شخصية كاسترو التي ال قرين لها في التاريخ األميركي الالتيني، التي تجاوزت شخصيات أخرى تاريخية فــــي املــنــطــقــة مـــثـــل ســـيـــمـــون بـــولـــيـــفـــار فـي فنزويال أو أميليانو زابـاتـا فـي املكسيك. ثالثًا، فشل املحاوالت العديدة التي قامت بــهــا الــــواليــــات املــتــحــدة إلســـقـــاط الــنــظــام، بـمـا فــي ذلـــك عــشــرات املـخـطـطـات الغتيال كاسترو كما اعترفت وكالة االستخبارات األميركية، والحصار االقتصادي الخانق الذي ضربته عليها منذ بدايتها. ورابعًا، املـــســـاعـــدات االقـــتـــصـــاديـــة الـضـخـمـة الـتـي قــدمــهــا االتـــحـــاد الــســوفــيــاتــي لـلـنـظـام في الــعــقــود الــثــ ثــة األولــــــى مـــن عــمــر الـــثـــورة وحتى نهاية الحرب الباردة. فــــي ســبــعــيــنــات وثـــمـــانـــيـــنـــات الـــقـــرن املاضي لعبت الـثـورة الكوبية دورًا كبيرًا ســـاعـــد عــلــى ظـــهـــور الـــحـــركـــات الــتــحــرريــة فـي أميركا الالتينية وبـعـض دول العالم الـــثـــالـــث، ومــــدّهــــا بـــالـــخـــبـــرات الــعــســكــريــة واملــــســــاعــــدات االجـــتـــمـــاعـــيـــة فــــي مـــجـــاالت الــتــعــلــيــم والـــصـــحـــة، مــــا زاد فــــي وهـجـهـا وأضــفــى عليها هـالـة شـبـه أســطــوريــة من حــيــث قـــدرتـــهـــا عــلــى الـــصـــمـــود. وقــــد بــرع النظام الكاستري فـي بـنـاء هـويـة وطنية قوية انطالقًا من وعي قومي كان ضعيفًا وملتبسًا، ونجح بنسبة عالية جدًا، خالفًا ملا حصل في الـواليـات املتحدة، في صهر روافد الهجرة األفريقية ضمن هذه الهوية التي تألق في وصفها شاعر كوبا الكبير خوسيه مارتي الذي اقتبس باراك أوباما مـن إحـــدى قصائده عـبـارة «فـلـنـزرع وردة بــيــضــاء»، الفــتــتــاح خـطـبـتـه الـشـهـيـرة في زيــارتــه الـتـاريـخـيـة إلـــى الـجـزيـرة لتطبيع ، أي قبل أشهر 2016 الـعـ قـات ربـيـع عــام من وفاة فيديل. تغذية العداء ألميركا كما نجح كاسترو أيضًا في توظيف املشاعر املناهضة للواليات املتحدة حتى أصـــبـــحـــت عـــنـــصـــرًا أســـاســـيـــ مــــن مـــكـــوّنـــات الهوية الوطنية في كوبا، وبعض البلدان األخـــرى فـي املنطقة، وهــو مـا كانت فشلت فـــــي تـــحـــقـــيـــقـــه مـــعـــظـــم الــــــــــدول األمـــيـــركـــيـــة الالتينية، إما بسبب من بعدها الجغرافي، أو لقربها، مثل املكسيك التي تتوفر فيها كـــل الـــعـــوامـــل الـــتـــي مـــن شــأنــهــا أن تـؤجـج املـشـاعـر املناهضة لـلـجـارة الشمالية بعد الهزائم العسكرية التي أصابتها واألراضي الـشـاسـعـة الـتـي اقتطعتها منها الــواليــات املتحدة. ومع الصورة السلبية التي شاعت عن الواليات املتحدة في مطالع هذا القرن، اسـتـمـرت املـشـاعـر املـنـاهـضـة لـهـا مشتعلة في أميركا الالتينية، ساعد على تأجيجها هوغو تشافيز، ناهال من مشارب كاسترو، رغـــــم أنـــــه بـــقـــي دون املـــســـتـــوى الــــــذي بـلـغـه الزعيم الكوبي. مـــن الـــعـــوامـــل األخــــــرى الـــتـــي ســاعــدت على صمود الثورة الكوبية، براعة فيديل فــــي قـــــــراءة الـــتـــاريـــخ الـــســـيـــاســـي والـــفـــكـــري لكوبا وأميركا الالتينية برمتها، وما كان لـــه مـــن قـــــدرة عــلــى مــــلء الـــفـــراغ الـــــذي عجز عـنـه بـولـيـفـار، إذ لـعـب دور األب املـؤسـس لـحـركـات الـتـحـرر فــي املـنـطـقـة، واملـشـخّــص آلفـاتـهـا، واملـنـظّــر الـــذي كـــان يــقــدّم الحلول والـــــعـــــ جـــــات اســـــتـــــنـــــادًا إلـــــــى اإلنــــــجــــــازات االجتماعية الباهرة التي حققتها ثورتها في أصعب الظروف. وكان شعبويًا بقدر ما كان مثقفًّا، استقطب حوله كوكبة من كبار رموز األدب األميركي الالتيني كان أبرزهم صديقه الشخصي املقرّب غابرييل غارسيا ماركيز، رغم أن العديد منهم ابتعد عنه في الــســنــوات األخـــيـــرة مــن حكمه مـثـل الـراحـل فــــارغــــاس يــــوســــا. ولـــــم يـــكـــن مــســتــغــربــ أن معظم خصومه في املنفى كانوا ال يترددون فـي التنويه بقدرته الفائقة على استغالل مواطن الضعف عند أعدائه. إنجازات دونها حبة «باراسيتامول» كان كاسترو يفاخر دومًا باإلنجازات الــتــي حققتها ثـــورتـــه الــتــي أرســـلـــت آالف األطـــــبـــــاء ملـــســـاعـــدة عــــشــــرات الــــبــــلــــدان فـي أفـريـقـيـا وأمــيــركــا الـ تـيـنـيـة فـي الـقـضـاء عـلـى أمــــراض كـثـيـرة مـتـوطـنـة، ويتباهى كـيـف أن مــئــات األمـيـركـيـن واألوروبـــيـــن كــــانــــوا يـــســـافـــرون إلـــــى كـــوبـــا لـلـمـعـالـجـة عــلــى يـــد أخــصــائــيــن كــوبــيــن، وكــيــف أن نـظـام التعليم فـي الـجـزيـرة كــان يضاهي أفضل النظم في العالم، وكيف أن أطفال كـــوبـــا وحـــدهـــم فـــي أمـــيـــركـــا الــ تــيــنــيــة ال يعانون مـن نقص التغذية، وكيف كانت كـوبـا تصنّف بـن املــراكــز الـعـشـرة األولــى فــي األلـــعـــاب األوملــبــيــة. لـكـن الــوجــه اآلخــر لهذه العملة الـبـرّاقـة، كـان أن الـدولـة التي حـقـقـت كــل تـلـك اإلنـــجـــازات الـصـعـبـة بقي اقتصادها هزيال ويعتمد بشكل أساسي عـلـى املــســاعــدات الـخـارجـيـة، وفـشـلـت في تحقيق معدالت النمو التي كانت تحققها الـبـلـدان املــجــاورة. والـسـبـب فـي ذلـــك، كما اعترف النظام الحقًا، هو أن تلك اإلنجازات لـــــم تــــتــــرافــــق مـــــع االرتــــــفــــــاع املــــنــــاســــب فـي مـعـدالت االسـتـثـمـار الصناعي والــزراعــي والتكنولوجي وفي البنى التحتية، فضال عــن فـشـل الـنـظـام فــي تـوظـيـف اإلنــجــازات الـــتـــعـــلـــيـــمـــيـــة لـــتـــنـــشـــيـــط عـــجـــلـــة اإلنـــــتـــــاج وتـحـويـل االســتــثــمــارات االجـتـمـاعـيـة إلـى محرّك لزيادة اإلنتاجية، حتى في املرحلة الــتــي كــانــت ال تــــزال االتــفــاقــات قـائـمـة مع االتحاد السوفياتي. لـكـن بـعـد عـشـر ســـنـــوات عـلـى رحـيـل «الكوماندانتي»، لم يعد العالم يتساءل كيف تمكنت الثورة الكوبية من الصمود كــــل هــــــذا الــــوقــــت فــــي الـــــظـــــروف الــصــعــبــة الــتــي نـعـرفـهـا، بـــل مـتـى سـيـنـهـار نهائيًا هـــذا الــنــظــام كـالـثـمـرة الــجــافــة مــن شجرة الــــتــــاريــــخ؟ ومـــــا الــــــذي بـــقـــي مــــن كــاســتــرو وأسطورته؟ شـــــــــــوارع هـــــافـــــانـــــا تـــــضـــــج بــــالــــفــــراغ والعتمة منذ أشهر، فيما سكانها يجرّون أنفسهم كل يوم وراء سراب الرزق املجبول بعقود مـن الــعــذاب والــشــح فـي كـل شـيء، والـــــشـــــعـــــارات الــــتــــي بـــهـــتـــت مــــن كــــثــــرة مـا اجترّها النظام لتبرير فشله في الحفاظ عـلـى مـنـجـزات كـــان الـعـالـم يــومــ يحسده عليها، مصرًّا على قمع كل الحريات التي وعدت بها تلك الثورة التي أضاءت دروب املـ يـن وأصبحت الـيـوم جسمًا متهالكًا يــنــتــظــر مــــن يــــوقّــــع شــــهــــادة وفــــاتــــه أمــــام الـجـار األمـيـركـي الـــذي يُحكم آخــر فصول الــحــصــار عـلـى الــجــزيــرة املـــتـــمـــردة. حـيـاة الكوبيي اليومية باتت أشبه بجلجلة من الحواجز والتعقيدات التي ال نهاية لها، بحثًا عـن الـطـعـام، أو سعيًا وراء وسيلة نقل، أو معلومات ملعرفة مــاذا سيحصل في اليوم التالي. النظام ال يفصح عما إذا كان يتفاوض أو ال مع اإلدارة األميركية، وال أحــــــد يــــعــــرف مـــتـــى ســـيـــعـــود الـــتـــيـــار الكهربائي، أو إذا كانت الجزيرة ستغرق فـي كـارثـة إنسانية إذا لـم تصل شحنات الوقود املوعودة، أو إذا كانت البالد على شفا تغيير للنظام، أو إصالحه تدريجيًا بفعل الضغط األميركي، أو إذا كانت كوبا هي التالية بعد فنزويال وإيران. لـم يعد فـي كوبا شـيء مـن الــذي كان تشي غيفارا يتغنّى بـه، أو مـن الــذي كان غـارسـيّــا مـركـز يمتدحه فــي مـقـاالتـه، وال مــمــا كــــان يــفــاخــر بـــه أمـــــام الـــعـــالـــم فـيـديـل كـــاســـتـــرو الـــــذي لـــم يــتــبــق مــنــه ومــــن إرثـــه الـثـوري سـوى شــذرات أسـطـورة لن يحكم التاريخ بالبراءة عليها بعد أن ذابت فيها الثورة، وإنجازاتها، وأحالمها. وقبل أن تغادر الجزيرة التي اخترت يــومــ أن تــكــون أطــروحــتــك حـــول ثـورتـهـا وقائدها امللهم، يعترضك كهل في طريق الـــــعـــــودة إلــــــى الـــفـــنـــدق لـــيـــســـألـــك إن كـنـت تحمل أقراص «باراسيتامول» ملداواة آالم الـــركـــب... تـلـك هــي نـهـايـة الـفـيـلـم الـكـوبـي الرومانسي الطويل. كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب) هافانا: شوقي الريّس جدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راوول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل (أ.ب) كوبيون يرفعون صورا لـ «تشي» غيفارا والزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو في هافانا (أ.ف.ب) رحل فيديل من غير أن يترجّل يوما عن صهوة أحالمه «الدون كيشوتية» يقول املؤرخون إن الطاغية الكوبي فلوخنسيو باتيستا الذي ،1959 هرب إلى الواليات املتحدة بعدما أطاحته الثورة مطلع عام لـم يـنـدم فـي حياته ســوى على قـــرار واحـــد وهــو العفو عـن فيديل ملشاركته في الهجوم 1953 كاسترو بعد سنتني من اعتقاله عام الـذي تعرّضت له ثكنة «مونكادا» العسكرية على يد مجموعة من الثوار. قبل ذلك الهجوم كان فيديل، املتخرج حديثًا من كلية الحقوق فـي جامعة هافانا، تـقـدّم بشكوى ضـد باتيستا النتهاكه أحكام الدستور. لكن املحكمة رفضت الشكوى، ما دفع فيديل إلى القول إن ذلك الرفض يعطي شرعية للكفاح املسلح كسبيل وحيد لقلب النظام، وشـارك مع مجموعة من رفاقه في التخطيط لسلسلة من الهجمات على عدد من الثكنات العسكرية، تمهيدًا للدعوة إلى تمرد شعبي على النظام الذي كانت تدعمه وتموّله اإلدارة األميركية. بعد فشل تلك الهجمات ألقي القبض على فيديل وأودع السجن ليخرج منه بعد عامني بموجب عفو عام أعلنه باتيستا تحت وطأة الضغط الشعبي، وانتقل لفترة وجيزة إلى الواليات املتحدة حيث أوشك أن ينخرط كالعب محترف فـي أحـد نـــوادي البيسبول، لكنه مـا لبث أن توجه إلى املكسيك حيث باشر بالتخطيط مع رفاق له الجتياح عسكري ضد نظام باتيستا. وبعد حصوله على التمويل الالزم من 82 مصادر متنوعة، عاد إلى كوبا على منت اليخت «غرامّا» برفقة من الثوّار املسلحني، بالتنسيق مع مجموعة أخرى في الداخل كانت تخطط للسيطرة على سانتياغو، ثاني املدن الكوبية.
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==