issue17284

الثقافة CULTURE 18 Issue 17284 - العدد Wednesday - 2026/3/25 الأربعاء حكمة الشعر مع حكمة الألحان مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية شـــاع الـغـنـاء فــي الـعـصـر الأمــــوي، وشــاع مـــعـــه الـــــعـــــزف عـــلـــى الآلات الــــوتــــريــــة والآلات الهوائية الخشبية، ورافـــق هــذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليدا تــعــدّدت طبقاته ومـــدارســـه، وانـتـشـرت مجالسه فـي الـحـجـاز والــشــام والـــعـــراق. رصد أبـــو الـــفـــرج الأصــفــهــانــي أخـــبـــار هـــذه المـجـالـس في البلاط الأمـــوي، واستفاض في نقل أخبار مـــشـــاهـــيـــرهـــا فــــي مــــوســــوعــــة «الأغـــــــانـــــــي». فـي المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بـاديـة الأردن، حيث نقع على لـوحـات جدارية تمثّل أصنافا من العازفين. نـقـل ابـــن عـبـد ربـــه الأنــدلــســي فــي «الـعـقـد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأمـــوي. تقول الأولــى إن معاوية دخـــل عـلـى عـبـد الـلـه بــن جعفر بــن أبـــي طـالـب، «فــــوجــــده مُــفــيــقــا وعـــنـــده جـــاريـــة فـــي حِــجــرهــا عــود»، فسأله: «مـا هـذا يا ابـن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسنا بــحــســن نــغــمــتــهــا». حــــرَّكــــت الـــجـــاريـــة عـــودهـــا وغنَّت، فحرَّك معاوية رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كل كريم طَــروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومر بـــدار عـبـد الـلـه بــن جـعـفـر، «فـسـمـع عـنـده غـنـاء عـلـى أوتــــــار»، فـأصـغـى ثـــم مـضـى وهـــو يـقـول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فــــإذا عـبـد الــلــه قــائــم يـصـلـي، فــوقــف ليستمع قــراءتــه، فـقـال: الحمد لـلـه». وأضـــاف: «خلطوا عملا صالحا وآخــر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابـن جعفر ذلــك، فأعد لـه طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعا يـده في الطعام فحرّك أوتـارك وغــــــــنّ». أعـــجـــب مـــعـــاويـــة بـــــــأداء المـــغـــنّـــي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عـلـيـه مـخـتـار الألـــحـــان، فـهـل تـــرى بــه بــأســا؟»، فـأجـابـه الخليفة: «لا بــأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان». في الفصل الثاني من هـذه الحكاية، زار ابـــن جـعـفـر مــعــاويــة بــالــشــام، وسـمـعـت زوجـــة الـخـلـيـفـة فـاخـتـة ذات لـيـلـة غـــنـــاء عـنـد الـــزائـــر، فغاظها ذلـك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطــربــه مــا سـمـعـه، وقــــال: «والــلــه إنـــي لأسمع شيئا تـكـاد الـجـبـال تخر لــه، ومــا أظـنـه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مــــكــــان مــــا أســـمـــعـــتـــنـــي، هـــــــؤلاء قــــومــــي، مــلــوك بالنهار، رهبان بالليل». في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأمـــــوي، ورصــــد طـبـقـات المــغــنــن، ومـنـهـم ابـن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مـثـلـه». ارتــبــط هـــذا الـغـنـاء فــي بـدايـاتـه بعزف اقتصر على الأوتـار، وتطوّر سريعا مع دخول الآلات الـهـوائـيـة الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بـــهـــذا الــــفــــن، وهـــــي «كــــتــــاب الــــغــــنــــاء» و«كـــتـــاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَــة، ســــواء غــنّــت أم لــم تــغــنّ، ثــم غـلـب عـلـى المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب». عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي مـيـراث الـفـن الأمـــوي التصويري مجموعة من الـــشـــواهـــد تــشــكّــل تــعــبــيــرا تـشـكـيـلـيـا مــعــاصــرا لهذا التقليد، أبـرزهـا تلك التي تحضر ضمن جـــــداريـــــات قـــصـــيـــر عــــمــــرة فــــي بــــاديــــة الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثــاثــة إيــــوانــــات، ونــجــد لــوحــة جـمـاعـيـة تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيـوان الأوسـط. تبرز في الـــوســـط قــامــة تـغـلـب عـلـيـهـا المــعــالــم الأنــثــويــة، تـــحـــضـــر فــــي وضـــعـــيـــة نـــصـــف جـــانـــبـــيـــة وهـــي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حــيــة تُــظــهــر حــركــة الأصـــابـــع فـــي هــــذا الــعــزف. الوجه بيضاوي، وملامحه مـحـدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنــف طويل بـارز، وثــغــر صــغــيــر. تـكـلـل هــــذا الـــوجـــه كـتـلـة كثيفة من الشعر الأسـود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة. يــــقــــف عـــــن يــــمــــن هـــــــذه الــــقــــامــــة شــخــص ذو مــامــح مــشــابــهــة، يـمـسـك بـــن ذراعـــيـــه دفــا مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائــــري عــريــض. فــي الـجـهـة المـعـاكـسـة، تظهر امـــرأة فـي وضعية المـواجـهـة وهــي ترفع ذراعيها نحو الأعـلـى فـوق هامة رأسـهـا تحت أغــــصــــان مــــورقــــة تـــمـــتـــد مــــن خـــلـــفـــهـــا. تـــرتـــدي هــذه المـــرأة جبة زرقــــاء، مـع حـــزام معقود حول الـخـصـر، ويــوحــي حـضـورهـا فــي هـــذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية. يـــحـــد الإيــــــوان الأوســـــط عـــقـــدان مـقـوسـان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الـغـربـي والإيـــــوان الـشـرقـي. يظهر عـــازف عـود على ظهر العقد الغربي مـن جهة الـشـرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جـالـسـا فــي وضـعـيـة المــواجــهــة وســـط مساحة مستطيلة زرقــــاء، حاضنا عـــوده بـن ذراعـيـه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولـــحـــيـــة تـــرتـــســـم حـــــول الــــذقــــن. الـــلـــبـــاس مــزيــن بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة مـتـجـانـسـة، وقــوامــه جـبّــة فـضـفـاضـة، يعلوها وشـــــاح يـلـتـف حــــول الــكــتــفــن. يـمـسـك الـــعـــازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتـاره باليد الأخـرى، وهذه الأوتـار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود. نـقـع عـلـى عـــازف آخـــر يحضر واقــفــا على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانيا رأســه فـي اتـجـاه اليمين، حاضنا آلــة وتـريـة تـبـدو أشـبـه بقيثارة كما يظهر في الـرسـم التوثيقي، والأرجــــح أنـهـا طـنـبـور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عـازف مزمار يقف في إطـار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا الـــعـــازف فــي وضـعـيـة نـصـف جـانـبـيـة، مرتديا جبة قصيرة، رافـعـا مـزمـاره بيديه نحو فمه، ويُظهر الـرسـم التوثيقي حــرص المـصـوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف. تـكـتـمـل هــــذه المــجــمــوعــة مـــع ثــــاث صــور تـحـضـر ضـمـن شـبـكـة تــزيــن قــاعــة صـغـيـرة في الإيـــوان الأوســـط تتصل بقاعة الـحـمّــام. تشكّل هذه الصور جـزءا من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمـيـة ومـشـاهـد حـيـوانـيـة، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة. محمود الزيباوي المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية صـــدرت خــال الأيـــام القليلة الماضية »ACTES SUD - عـــــن دار «أكــــــــت ســــــود الــفــرنــســيــة، المـــعـــروفـــة بــاهــتــمــامــهــا بنشر الأدب الـــعـــربـــي الـــحـــديـــث، تــرجــمــة لـــروايـــة «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، الـتـي أنـجـزهـا المـتـرجـم الـفـرنـسـي الـدكـتـور بعنوان Loic Barbulsco/ لــوك بـاربـلـسـكـو «الــــروايــــة المـسـتـحـيـلـة لـلـفـاضـل الـسـيـد ك» L’Impossible roman de l’honorable( .)monsieur K صــــــدرت روايـــــــة «الـــــثـــــوب» بـطـبـعـتـهـا .2009 العربية عن «دار المدى» عام وتــعــتــمــد الــــروايــــة تـكـنـيـك «الـتـخـيـيـل الــذاتــي»، حيث يحضر الكاتب فـي أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مــع عائلته وأصــدقــائــه ومـكـان عمله، وحيثيات عيشه. تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحـــد الأغــنــيــاء، وكــيــف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبـروز سـؤال الرواية الأهــــــــم: هــــل يـــمـــكـــن لـــلـــمـــال شـــــــراء الإبـــــــداع الإنساني؟ الاتــــــفــــــاق الـــــــــذي يُــــعــــقــــد بـــــن الـــكـــاتـــب والمـلـيـونـيـر يـأتـي عـبـر المــــرور عـلـى السيرة الــذاتــيــة الـحـقـيـقـيـة لــلــرفــاعــي، بـمـوقـفـه من الاتــــفــــاق، ومـــوقـــف المـحـيـطـن بـــه مـــن أفــــراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الـروائـي الـراحـل إسماعيل فهد إسماعيل، والمـحـامـي الــراحــل محمد مساعد الصالح وغـيـرهـمـا. ويكتب المـؤلـف أحـــداث الـروايـة بوصفه إحـــدى شخصياتها الـروائـيـة إلى جـانـب كـونـه المـــؤلـــف، وبـمـا يــقــدّم مستوى ثانيا للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الـروايـة داخــل الـروايـة، وبذلك يكون الـــقـــارئ شــريــكــا حـــاضـــرا فـــي الـــنـــص، وهــو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صـــدور روايــتــه الأولـــى «ظــل الشمس» ، و«ســـمـــر كــلــمــات»، و«الـــثـــوب»، 1998 عـــام و«فــــــي الــــهُــــنــــا»، ومـــجـــمـــوعـــتـــه الـقـصـصـيـة «الدكتور نازل». وســــبــــق لــــلــــدار نــفــســهــا «أكـــــــت ســــود» أن نـــشـــرت تـــرجـــمـــات لـــــروايـــــات الـــرفـــاعـــي، منها روايـــة «فــي الـهُــنـا»، و«ظــل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب». وحـــصـــل طـــالـــب الـــرفـــاعـــي عــلــى وســـام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية .2022 الفرنسية عام الكويت: «الشرق الأوسط» كان اسمه جبل عامل قبل أن يلحَق بدولة لبنان الكبير العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المـنـشـأ، بـل هـي الـثـمـرة الطبيعية لـــتـــضـــافـــر المـــــواهـــــب الــــفــــرديــــة مــــع الـــشـــرط المــوضــوعــي، الــــذي يـحـتـل الــتــاريــخ جانبا منه، والجغرافيا جانبا آخـر، إضـافـة إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هــذه الـعـوامـل فـي بـــؤرة واحـــدة هو الـــــذي أتـــــاح لـلـجـنـوب الـلـبـنـانـي أن يـكـون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تـعـاقـبـت فــــوق أرضــــه مــنــذ أقــــدم الـعـصـور حتى يومنا هذا. وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الـــــجـــــنـــــوب بــــوصــــفــــهــــم صـــنـــيـــعـــة الإعــــــــام الـسـيـاسـي أو الآيــديــولــوجــيــا «المـــقـــاوِمـــة» الـتـي بلغت ذروتــهــا فـي سبعينات القرن المـنـصـرم، فــإن فــي ذلــك الـتـوصـيـف الكثير مــــن الافــــتــــئــــات والـــتـــعـــســـف الــــنــــقــــدي. فـلـو ســـلـــمـــنـــا جــــــــدلا بـــــــأن الإعــــــــــام الـــســـيـــاســـي التعبوي قـد أسهم فـي رفــد هــذه الظاهرة بـجـرعـات إضـافـيـة مــن الانــتــشــار، فـإنـه لم يــخــلــقــهــا مــــن جـــهـــة، ولا يــفــســر مــــن جـهـة أخـــــرى تــحــالــف الــجــنــوب مـــع الــشــعــر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الــكــوكــبــة الـــتـــي أطــلــقــت عـلـيـهـا الـتـسـمـيـة، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شـعـيـب وحــســن عـبـد الــلــه وإلـــيـــاس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الــلــه ومـحـمـد فـــرحـــات، وعـــشـــرات غـيـرهـم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الـلـه ومــوســى الــزيــن شــــرارة وعـبـد المطلب الأمـــن وحـبـيـب صــــادق، وآخــــرون كـثـر من ذوي المـواهـب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائــرة الضوء، ولـم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام. ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الــظــاهــرة قـبـل عــقــود، قــد أخـــذ طـريـقـه إلـى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فــإن الـوقـت لـم يَــفُــت تماما على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهـــم مـــا يـمـكـن فـعـلـه فـــي هـــذا الــســيــاق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت مـن الجنوب اللبناني خزانا للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قـريـة مـن قـــراه، إن لـم أقــل مـنـزل من منازله، من شاعر أو أكثر. وإذا كــانــت عـــوامـــل كــثــيــرة قـــد أسـهـم تـضـافـرهـا فــي نــشــوء هـــذه الــظــاهــرة، فـإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الــــــروح الـجـمـعـيـة لــســكــان «جـــبـــل عـــامـــل»، والــــذي تـعـود جــــذوره الـبـعـيـدة إلــى واقـعـة كربلاء، يحتل دورا متقدما في هذا المجال. ولا أقــــصــــد هـــنـــا الـــبـــعـــد المـــذهـــبـــي المــغــلــق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الـثـقـافـي المـلـحـمـي، حـيـث ظـــل الــــدم المـــراق فـــوق رمـــال الــصــحــراء، عـلـى تــقــادم عـهـده، بعيدا عـن التخثر، وقـابـا لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تـتـغـذى فــي بـعـض وجـوهـهـا مــن أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن مـــن رفــــد لــغــة الـجـنـوبـيـن الــشــعــريــة بـقـدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبــــقــــدر مـــمـــاثـــل مــــن الــحــســاســيــة المــرهــفــة والتوهج القلبي. كــمــا لا يــمــكــن أن نــغــفــل الــــــدور الـــذي لعبته المـــدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنــهــا لـــم تـحـصـر مـنـاهـجـهـا بـعـلـوم الـديـن والتفسير والـفـقـه، بـل كــان الشعر والأدب وقـواعـد اللغة واللسانيات، تُـــدرَّس جنبا إلــى جنب مـع الـعـلـوم الأخــــرى. ولـيـس من قبيل الـصـدفـة أن الـبـيـوتـات الـكـبـرى التي أتــــاح لـهـا مـوقـعـهـا الـطـبـقـي والاجـتـمـاعـي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المــدارس، هـــــي نـــفـــســـهـــا الــــبــــيــــوتــــات الـــــتـــــي أنـــجـــبـــت الـعـدد الأوفـــر مـن شـعـراء الجنوب وكتابه المرموقين. أمـــا الــعــامــل الــثــانــي الــــذي يـقـف وراء شاعرية الجنوب وثـرائـه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملا أســـاســيـــا فـــي تـــكـــوّن المــــواهــــب وبــلــورتــهــا، وأخْـــذهـــا فــي هـــذا الاتـــجـــاه أو ذاك. فنحن لـــســـنـــا هـــنـــا إزاء جــــبــــال وعـــــــرة وشـــاهـــقـــة الارتــــفــــاع، ومـغـلـقـة عـلـى عـزلـتـهـا الـريـفـيـة الموحشة، ولا إزاء مـدن ساحلية محصنة بـإسـمـنـتـهـا الأصـــــم، وبــتــهــافــت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الــــخــــطــــوط. وكــــمــــا هـــــو حــــــال الـــجـــغـــرافـــيـــا الـجـنـوبـيـة الــتــي تـقـع عـلـى الــحــد الـفـاصـل بــــن صــــابــــة الـــصـــخـــور ورحـــــابـــــة المــــيــــاه، فـقـد بـــدا شــعــراء الـجـنـوب كـأنـهـم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الـجـذور مـع الأمـــواج، والـوقـائـع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي. كما شكلت الـهـويـة القلقة للجنوب، والــتــبــاس كـيـنـونـتـه الـتـاريـخـيـة، وافـتـقـار قاطنيه إلـــى الـثـبـات والاســتــقــرار، العامل الـثـالـث مــن عـوامــل شـاعـريـتـه، حيث وجد أهــلــه فـــي هــــذا الــفــن بــــالــــذات، مـــا يــعــبّــرون بـــواســـطـــتـــهـــم عــــن ذاتــــهــــم الـــجـــمـــعـــيـــة، ومـــا يـــؤرخـــون بـــه تـبــاريــحــهــم، ويــضــمــدون به جـــراحـــهـــم، ويــــأمــــون بـــواســـطـــتـــه تـــصـــدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهبا للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظـل متناهبا بـن الـــدول والإمـبـراطـوريـات والممالك. فقد تم إلحاقه حينا بولاية عكا، وحـيـنـا آخـــر بــولايــة دمــشــق، وحـيـنـا ثالثا بــولايــة صــيــدا. وبـمـا أن الـشـعـر هــو الابــن الشرعي للإقامة القلقة والـوجـود المهدد، فــقــد بــــات عــبــر الـــعـــصـــور الـــركـــيـــزة الأكــثــر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية. على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلـى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعا من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلــــــى الـــجـــمـــهـــوريـــة الـــلـــبـــنـــانـــيـــة الــــولــــيــــدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية الـتـي أعلنها فيصل الأول فـي الـشـام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخــــرى عـلـى الــجــنــوب وحـــــده، بـــل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، الــتــي لــم تُــعـرهـا الـــدولـــة ومـؤسـسـاتـهـا أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعا لذلك أن يـشـكـل إفـــقـــار الـجـنـوبـيـن وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافة إلى بوار الأرض وخــراب الـزراعـة، والـنـزوح الكثيف بـاتـجـاه الـعـاصـمـة، حـيـث تشكلت أحـزمـة الــشــقــاء والــــبــــؤس... أحـــد الــعــوامــل المهمة الـــتـــي حــقــنــت مـــواهـــب الـــشـــعـــراء بــأمــصــال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي. ولــســت لأجـــافـــي الـحـقـيـقـة بــشــيء إذا قلت إن المـوقـع الحساس الــذي أغــدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كـان عليه أن يدفع غاليا تـكـلـفـة مـــجـــاورتـــه لـــحـــدود فــلــســطــن، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصــــراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كـان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم عــلــى الـــنـــصـــال الـــجـــارحـــة لآلام المـــكـــابـــدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام. ومــــع أن الــكــوكــبــة الــتــي أطــلــقــت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج مـن حيث قــوة المـوهـبـة ونـفـاذ الــرؤيــة، في ســـويـــة واحـــــــدة، بــمــا سـيـتـكـفـل المـسـتـقـبـل بـغـربـلـتـه والــفــصــل فــيــه، فـــإن ذلـــك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، الـتـي تتكامل بشكل أو بـآخـر مــع الــفــرادة المــمــاثــلــة لــشــعــريــة الــــجــــوار الـفـلـسـطـيـنـي. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الـجـنـوب بوصفه كنفا وبـوصـلـة وهـويـة، لـم يفعلوا ذلــك بـهـدف فصله عـن الـدوائـر الإنـــســـانـــيـــة الأوســــــــــع، بــــل بــــهــــدف تـعـيـن الـــجـــزء «المــــصــــاب» مـــن الـــجـــســـد، وبـلـسـمـة جـراحـه بترياق اللغة، علما بــأن الأسـمـاء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لـم تكن منبتّة أبــدا عـن حديقة الــشــعــر الـــعـــربـــي الـــــوارفـــــة، بـــل هـــي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة. شوقي بزيع جودت فخر الدين محمد علي شمس الدين الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky