الثقافة CULTURE 18 Issue 17283 - العدد Tuesday - 2026/3/24 الثلاثاء عبد الله الغذامي ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية يطل الوجع الإنساني في نصوص المــــجــــمــــوعــــة الـــقـــصـــصـــيـــة «آلام بـــرنـــابـــا وصـــمـــتـــه»، الـــــصـــــادرة عــــن دار «بــتــانــة» بـــالـــقـــاهـــرة لــلــكــاتــب الــــســــوري المــقــيــم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاء رهـيـفـا يـقـتـرن بـالـشـجـن ويــدعــو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عـن الـسـام والسكينة، على وقــع أسئلة الهوية والمنفى. وتـحـضـر ثـنـائـيـة «الألــــم والـصـمـت» كـــضـــريـــبـــة لـــلـــمـــعـــرفـــة والـــــوعـــــي ومـــوقـــف احــتــجــاجــي ومـــــاذ أخـــيـــر أمـــــام فـوضـى الـــعـــالـــم وانــــهــــيــــار الـــقـــيـــم، فــــي نــصــوص مــشــحــونــة بـــالمـــشـــاعـــر والـــقـــلـــق عـــبـــر لـغـة مـكـثـفـة قـــد تـجـعـل مـــن الـقـصـة الـقـصـيـرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحيانا عدة أســطــر، فـيـمـا يـحـضـر الــحــب كـاسـتـدعـاء مــــبــــاشــــر لـــلـــبـــهـــجـــة مـــــن خـــــــال مــــوجــــات المـــد والـــجـــزر فــي الــعــاقــة الـعـاطـفـيـة بين الجنسين. تتميز المجموعة بـقـدرة لافـتـة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلــــــى مــــتــــون حــــــرة لــــطــــرح الأســــئــــلــــة ذات الــــطــــابــــع الـــفـــلـــســـفـــي مـــــن خـــــــال نــــمــــاذج وصـــور مـتـعـددة، كـمـا فــي حـالـة المـوظـف المثالي الــذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلا عن الغرباء الذين تجمعهم المـــطـــارات ومــشــاعــر الــحــب الــتــي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة. ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ: «رج مــوبــايــلــهــا المـــوضـــوع فـــي حـالـة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لـذيـذة، تشبه سـريـان مياه بـــــــــاردة فـــــي عـــــــروق أرض قـــحـــط يـــبـــوس، أضـــنــاهــا الــظــمــأ لمـــــرور ســحــابــة وانــتــظــار الـــغـــوث. نــقــرت عــلــى رقـــمـــه، لــتــقــرأ فـحـوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد. آخـــر دردشــــة بينهما عـلـى (الــواتــس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم فـي رسـائـل (الــواتــس) و(المـاسـنـجـر)، لمـاذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كـــان يـقـصـد: (لا يَــنــســون)؛ هـــذا يعني أنــــه يــــدرك ويــعــي مــــدى تـغـلـغـلـه فـــي قلبي وذاكــرتــي. وإذا كــان يقصد: (لا يُــنـسـون)، هـــذا يـعـنـي إمـــا أنـــه مــا يــــزال يـكـن لــي الــود والاحـــتـــرام وربــمــا الــحــب، وإمــــا أنـــه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه. تــــلــــك الــــــعــــــبــــــارة، جـــعـــلـــتـــهـــا مـــصـــابـــة بـارتـجـاج فـي القلب والـعـقـل والــــروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلا أكـثـر نحو شـــارة القلب وختم بـهـا رسـالـتــه. لــم تـتـراجـع عــن ذلـــك القلب. شـــعـــرت بـــأنـــهـــا تــــورطــــت. تـلـبـسـهـا غــــرور الأمــــيــــرات وكـــبـــريـــاؤهـــن. تـــركـــت الارتـــجـــال والـطـيـش يـــأخـــذان مـجـراهـمـا فــي صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سـوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟». القاهرة: «الشرق الأوسط» العودة للبيت أو الاحتجاج الثقافي كشف مسح إعلامي في هولندا عن تصاعد في نسبة الفتيات اللواتي يفضلن البقاء في بيت العائلة بعد سن الثامنة عـشـرة، وهــذا يخالف التقليد الثقافي باستقلال الولد والبنت معا عن العائلة الذي ظل هو المعنى الشائع فـي أوروبـــا الغربية بعامة. ولكن هـذا التحول يحيل إلى ضغوط الحياة العصرية ماديا واجتماعياً؛ ما يؤدي إلى طلب الحضن الأصلي الذي هو عش العائلة، حيث الأمان العائلي مع التوفير المادي وراحة الألفة. وهو تحول ضد نظرية الفردانية، حيث يعيد ترتيب العلاقة بين الحرية المطلقة فـي الحركة مـع الـعـودة للعش الآمـــن، وهــو تحول يغير سياقات المعنى العميق للانتماء في ثقافة سمتها التشظي وغياب روح التعاطف والحنان بين الأفراد نتيجة لطغيان الفردانية المادية والجشع الرأسمالي حين يكون الكسب وحده هو الهدف. ونــــظــــريــــة المــــنــــافــــســــة الــــتــــي كــــانــــت تـــحـــفـــيـــزا جــــذريــــا للإنتاجية؛ تعرضت لممارسات سلبية تعني اللهاث وراء الكسب دون شــرط أخــاقــي، أو إنـسـانـي، أو حتى ظرفي، حيث تكون ساعات العمل مقرونة بهدف واحد هو مقدار صافي الربحية. وتحول الأفراد آلات للإنتاج مجردة من أي شعور إنساني، وأصبح الكسب هو غاية الغايات؛ ما عزز الفردانية الجشعة، وهـذا كشف عن الحاجة إلى تعويض نفسي وروحي لا يتمثل إلا في منزل العائلة، حيث الأمان الــيــومــي المـــوعـــود فــي نـهـايـة كــل يـــوم عــمــل شــــاق. ويشيع هذا مع البنات أكثر من الأولاد، وفي البنت شعور فطري عميق بالألفة والحس بجو الخلية المتآلفة وكأن ذلك حالة احتجاج ثقافي على مادية الحياة وتوحش المعاني. وهنا نكون على مفارقة حادة تمس تطلعات البشر، حيث التوق للحرية والاستقلال الذي يتبدى وكأنه أعلى درجـات المطمح الذاتي. ولكن الحرية عالية التكلفة، وكل جرعة حرية تقابلها جرعة في المسؤولية الذاتية، وكلما كنت حــرا فأنت مـسـؤول عـن هــذه الـحـريـة. ولـــذا؛ تتعرض الـحـريـة لمـــآزق حـن يـتـواجـه الـفـرد مـع الـظـرف المحيط به، وكـلـمـا كـــان وحــيــدا فــي هـــذه المــواجــهــة تــعــرَّض لتحديات تفوق قدراته المفردة، وحسب مقولة للجاحظ، فإن الله لم يخلق بشرا قـادرا على القيام بكل حاجاته بنفسه، ونظل محتاجين لغيرنا في كل شأن من شؤوننا؛ وهذا يقتضي الـــتـــشـــارك والـــتـــعـــاون. وهـــــذه هـــي الــخــلــيــة الــبــشــريــة الـتـي تـعـرَّضـت للتفكك فـي نـشـوة الأفــكــار الليبرالية وإغــــراءات الفردانية والتي كانت في تباشيرها فتحا ثقافيا مغرياً، لكن الزمن كشف عن أن الثمن كبير وأحيانا فادحٌ. وكانت النظرية الليبرالية تعِد بتحول من الخلية الـقـسـريـة كـمـا هــي الـعـائـلـة الـتـي تـقـوم عـلـى رابـــط القربى دون روابــــط المــيــول والــتــوجــهــات، والـبـديـل عنها هــو في التنظيمات الحزبية والنقابيّة التي هي اختيار حر للفرد حسب قيم المـيـول الفكرية والمهنية وتطلعات التضامن الــتــكــتــلــي. غــيــر أن الـــتـــوحـــش الـــرأســـمـــالـــي ابــتــكــر صـيـغـة متوحشة للحرية هـي حـريـة الـسـوق. وأخـطـر خصائص هذه الحرية هي حرية التنافس، ومن ثم فالطمع والجشع والأنــانــيــة لـيـسـت عـيـوبـا أخــاقــيــة حـسـب هـــذه الـنـظـريـة، ولكنها محفزات لتحريك السوق وخلق فــرص تنافسية لا قيود عليها (للتفصيل، كتابي «الليبرالية الجديدة - أسئلة في الحرية والتفاوضية»)، وهذا المعنى أفرز صيغا من الضياع والتيهان لدى فئات لم تجد نفسها في هذه التنافسية. وهذا هو ما كشف عنه الاستطلاع الهولندي عن عودة اللجوء للبيت العائلي ليس من أجل قيم القربى والبر، وإنما لوازع اقتصادي وأمان ذاتي وطلبا للمؤازرة الـــوجـــدانـــيـــة. وهــــي الــقــيــم الــتــي فــقــدهــا الــجـيـل الـلـيـبـرالـي وتـــحـــول جــيــا مـــأزومـــا تـكـشـف عـنـه أعـــــداد المــشــرديــن في عواصم أوروبا ممن يفترشون الأرصفة وعتبات الدكاكين فـي لـيـال كئيبة تجمع بـن الـوحـشـة والــخــوف والضياع وبــن الـحـرمـان وانــعــدام الأمـــان الحسي والـنـفـسـي. وهـذا ما حـرك فكرة العودة للعائلة كما كشف عنه الاستطلاع الهولندي. الرائدات الأوائل اهتممن بالكتابة وليس التبشير بآيديولوجيا حين تهزم الرواية النسوية ذاتها كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كــيــف كـــانـــت تـــكـــون تــلــك الــــروايــــة بـالـشـخـصـيـات والأحــــداث نفسها وفــي الـزمـان والمـكـان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الـــروايـــة مــن ذلـــك المـنـظـور المـعـاكـس. ربـمـا لأنني قـلـيـل الــخــيــال. أو ربــمــا لأن تـخـيـل عــالــم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الــوجــود. ومــا دام قـد وُجـــد فهو حتمي الـوجـود على النحو الـــذي وُجـــد عليه. ينطبق هــذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيـضـا عـلـى الــعــوالــم الــروائــيــة الـتـي يـوجـد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم. على أنني لا أجـد نفسي أطــرح هـذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكـاتـبـتـهـا امـــــرأة. قــد يـكـتـب الـــرجـــال روايــــات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مــدام بـوفـاري» لجوستاف فلوبير )، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي 1880-1821( ) مـــثـــاً. لــكــن هــــذا لا يـضـفـي صفة 1910-1828( النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير المــــوضــــوعــــي لــــلــــمــــرأة فــــي الــــــروايــــــة لـــيـــس شـيـئـا جديدا ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن الـعـشـريـن مــع بـــزوغ الـحـركـة الـنـسـويـة والـــروايـــة النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لـتـلـك الــحــركــة. الـــروايـــة الـنـسـويـة مـــوجـــودة منذ الــتــاريــخ الأول لـفـن الـــروايـــة الــنــاضــج مـــن الـقـرن التاسع عشر على الأقــل، وعندي أن بعض رواد الفن الـروائـي من النساء هن أيضا رواد الرواية ) وجورج 1817-1775( النسوية، مثل جين أوستن -1816( ) وشارلوت برونتي 1880-1819( إليوت ) في الرواية 1848-1818( ) وإميلي برونتي 1855 الإنجليزية على سبيل المـثـال. لكنهن لم يعرفن بـــالـــكـــاتـــبـــات الـــنـــســـويـــات ولا عُــــرفــــت روايـــاتـــهـــن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيــديــولــوجــي لـلـحـركـة الـنـسـويـة الــــذي جـــاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل. الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح روايـــــة لأن يـنـطـبـق عـلـيـهـا مـصـطـلـح «نــســويــة»، تكون أبعد عن المـراتـب العليا في الفن الـروائـي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نـوع تفقد عضويتها ووجـودهـا المستقل عن الكاتب وتصبح بوقا دعائيا فاقدا للحيوية والـتـلـقـائـيـة. والمــفــارقــة أن الأدب المــفــروض عليه آيـديـولـوجـيـا مــن الـــخـــارج هــو أدب فـاقـد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيرا فـي النفس وأقـدرهـا على إحـــداث تغيير فـي فكر المتلقي هـو ذلــك الـــذي ينبع أفــكــاره عضويا من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائـــل الـائـي كـان همهن كتابة الـروايـة وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الـــصـــادرة عــن حــس نـسـوي طبيعي وتـفـاعـل مع الــوضــع الاجـتـمـاعـي يخلو مــن الأدلـــجـــة، كاشفة عـن نفسية المـــرأة ووضعها الاجتماعي فـي غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق. تــداعــت هـــذه الأفــكــار فــي ذهـنـي عـنـد الـفـراغ من قـراءة روايـة حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان .)2024 ، حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي الـــكـــاتـــبـــة تــتــحــلــى بــــقــــدرة ســــرديــــة عـــالـــيـــة، ولــغــة جـمـيـلـة، وقــــــدرة عــلــى الاســـتـــرجـــاع مـــن المـــــوروث الـثـقـافـي والــتــاريــخــي، وتـجـسـيـد الـشـخـصـيـات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب روايـــة أجـيـال فـي مـجـرد مائتي وخمسين صـــفـــحـــة، فــيــخــتــل فــــي يـــدهـــا المـــــيـــــزان. هـــنـــا نـــرى يـــد الآيــديــولــوجــيــا الـنـسـويـة تـعـمـل عـمـلـهـا غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المـــــرأة فـــي لـبـنـان عـلـى امـــتـــداد تــاريــخــه الـحـديـث كـلـه، منذ الحكم العثماني فـالانـتـداب الفرنسي فــالاســتــقــال ونـــشـــأة الــجــمــهــوريــة واضـــطـــرابـــات المنطقة التي تجد مسرحا لها في البلد الصغير وصـــولا إلــى الـحـرب الأهـلـيـة ومــا بـعـدهـا. أربعة أجــيــال مــن الــنــســاء: جـــدة وابــنــة وحـفـيـدة وابـنـة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أمـا الـذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الـرجـال. تتفاوت درجــات القهر، وتتفاوت نذالة الـرجـال فـي الـدرجـة وليس فـي الـنـوع. وتتفاوت قــدرة النساء على الصمود والـكـفـاح، لكن كلهن ضـــحـــايـــا تـــتـــفـــاوت حـــظـــوظـــهـــن مــــا بــــن الـــنـــجـــاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء. الاهـــــتـــــمـــــام الـــحـــقـــيـــقـــي لــــــــدى الــــكــــاتــــبــــة هــو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة. لـــذلـــك هــــي الـــوحـــيـــدة الـــتـــي تــفــســح الــكــاتــبــة المـــــجـــــال لــقــصــتــهــا ولـــــرســـــم شــخــصــيــتــهــا رســـمـــا مقنعا وتـصـويـر صـراعـهـا مــع البيئة الطبيعية والاجـــتـــمـــاعـــيـــة والاقــــتــــصــــاديــــة وقــــدرتــــهــــا عـلـى تـــجـــاوز هـــذا كـلـه والــعــلــو عـلـى عـــوامـــل الـقـهـر من حـولـهـا. هـــذه الـقـصـة فــي حــد ذاتــهــا كـانـت تكفي وهــي القصة الـوحـيـدة الطبيعية إلــى حـد مـا في الـــروايـــة. هــي الـقـصـة الــوحــيــدة الــتــي تـقـرأهـا فلا تـشـعـر بــأصــابــع الآيــديــولــوجــيــا الـنـسـويـة تعمل فــي الـخـفـاء. لـكـن الـطـمـوح الآيـديـولـوجـي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصا ثلاثا أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهـمـيـة لـهـن فــي حــد ذواتـــهـــن، وإنــمــا الــهــدف هو إبـراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الـرغـم مـن التحولات الشتى. بذلك تهزم الـروايـة نفسها جماليا مـن حيث لـم تُـــرد. ليس هـذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجيا وأيضا من حيث لم تـرد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانـــتـــصـــارهـــا الــبــطــولــي عــلــى صـــعـــوبـــات هـائـلـة يخيب أمـلـه، إذ يتبدد الـسـرد متعجلا ومدفوعا بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجـيـال أخــرى مـن النساء المـنـحـدرات مـن شهيرة، والــائــي هـن – ويــا للمفارقة – يـبـدون أقــل حظا بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن. جين أوستن أميلي برونتي إيمان حميدان رشيد العناني بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية» تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky