سنة على التحرير عاد كابوس الاحتلال. الدبابات 26 بعد الإسـرائـيـلـيـة تتقدم على أكـثـر مـن مـحـور، واحـتـكـاكـات متفرقة تـدور في بلدات الخط الثاني، والوقائع الميدانية، كما المواقف المعلنة لقادة العدو الإسرائيلي، تشي بتقدم المخطط الإسرائيلي كلم، وبطول يزيد 10 لجعل جنوب الليطاني بعمق يتجاوز الـــ كلم، مجرد حزام أمني على ركام عمران بلدات مُسحت 120 على معالمها، لتصبح أرضـــا مـحـروقـة متصحّرة خالية مـن البشر. وتتتالى معطيات عن معالم تغيير عميق على أكثر من صعيد، مع مؤشرات تتوقع حربا طويلة سيكون لها أخطر التداعيات. أفضى القرار الإيراني ببدء هذه الحرب في لبنان، من خلال وكيله «حزب الله»، الذي أسلم قيادته لضباط «الحرس الثوري»، إلــى فتح الجحيم على لبنان: اللبنانيون عموماً، وخصوصا الشيعة في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت وفي بلدات بـقـاعـيـة وأحـــيـــاء مـــن الــعــاصــمــة، بـــاتـــوا تــحــت مــطــرقــة الإرهـــــاب الإسرائيلي وسندان إرهــاب نظام الملالي. فتظهر معالم خراب تتعذر معه أي عودة للنازحين إلى مناطق شمال الليطاني، كما أكثر أحياء الضاحية. وتظهر كذلك حقيقة التوافق الموضوعي بين إيران وإسرائيل على تحويل البلد ساحة مستباحة! تبعا لكل ذلك يعيش لبنان أكبر موجة اقتلاع طالت مئات الألـــوف، أُرغـمـوا على الـفـرار من مـوت يطاردهم، ما أحــدث أكبر أزمة إنسانية في بلد مثقل بتتالي النكبات: انهيار مالي مبرمج ، إلى جريمة حرب «إسناد» 2020 ، وتفجير المرفأ عام 2019 عام غزة، فحرب «إسناد» نظام الملالي والثأر لخامنئي! يهدد التهجير المليوني المرشح للاستمرار طويلا بتحولات عميقة فــي النسيج الاجـتـمـاعـي اللبناني وعــمــرانــه. إنـــه أشبه بقنبلة ديمغرافية، خططت لها بعناية إسرائيل التي تجاهر بـرفـض بـقـاء كتلة وازنـــة مـن المـواطـنـن الشيعة على مقربة من الــــحــــدود، لــتــفــرض هــــذه الـقـنـبـلـة الــديــمــغــرافــيــة إعـــــادة تـمـوضـع سكن المجموعات اللبنانية، ما سيفاقم المخاوف داخل النسيج الوطني نفسه. فمجتمع النزوح بما يعانيه من مـآسٍ، مرشح، ضمن المعطيات الراهنة، لأن يحوله «حزب الله» إلى أحزمة بؤس ناقمة يغذيها خطاب تخوين، فتتحول إلى خزان بشري، يعوض «الـــحـــزب» عـــن الـكـثـيـر مـــن الـــقـــوة الــتــي خـسـرهـا فـــي مـغـامـراتـه، ويمنحه عِلَل إحياء سردياته في قلب الحقائق عن قتال العدو، وأساسا للانقضاض على الدولة وتفتيت مؤسساتها! يؤكد بعض ما يجري، رغم أعداد الضحايا الكبيرة واتساع التدمير والشلل الاقتصادي، استمرار مخطط المغامرة بلبنان دفاعا عن النظام الإيراني، وقد باتت بيروت في عين العاصفة. كانت البداية إزالة الكاميرات من جزء من قلب العاصمة لإقامة مــربــع أمــنــي، وصــــولا إلـــى مـنـع آلاف الـنـازحـن مــن الــذهــاب إلـى مراكز إيواء في الشمال، وبدء تزنير بيروت بمخيمات مفخخة بعناصر أمنية حزبية مـتـوتـرة، يُــرجـح أنـهـا تـــؤوي أعــــدادا من «الـــحـــرس الــــثــــوري» الـــذيـــن فـــــروا مـــن ســـوريـــا، ويــمــســكــون قـــرار «الحزب» كأبرز فصيل في «فيلق القدس» الإيراني. إنها خطوات تصب الـزيـت على الـنـار، خطورتها فيما أُرفـقـت بـه مـن تجاوز للخطوط الـحـمـر، مــع تشبيه الـحـكـومـة بحكومة «فـيـشـي» في فرنسا، وتلويح بنصب المشانق لـ«الخونة»، والإعلان عن القدرة على «قلب البلد والـحـكـومـة»، لتخرج صحيفة الـحـزب مطالبة بـ«أن نرفع الصوت عالياً: أسقِطوا حكومة العار»! أعـاد التخوين والتهديد بالانقلاب إلـى الأذهــان سيناريو ، عندما أسقط «الحزب» صفة 2006 ) ما بعد حرب تموز (يوليو «حكومة المقاومة الدبلوماسية» (التعبير لنبيه برّي)، بتسمية «حكومة فيلتمان» (السفير الأميركي)، ليحتل الوسط التجاري طـويـا فيصحّره، ويـتـوج نهجه الانـقـابـي بـالـيـوم الأســـود في مايو (أيــار) عندما اجتاح بيروت وقتل الأبـريـاء، وانتزع في 7 اجــتــمــاع الـــدوحـــة «حـــق الـفـيـتـو» عـلـى الـــدولـــة، فتحكم بـرئـاسـة الجمهورية وآلية تشكيل الحكومات، التي غطت تغوله وحربه على الشعب السوري، ودوره المتقدم في الفساد ومنع العدالة، وزج لبنان في كارثتَي «إسناد» غزة والديكتاتورية الإيرانية. يُراد من هذا التطاول حرف الأنظار عن المسؤولية عن حربَي «الإسناد»، ومنع تسليط الضوء على دلالات التعامي طيلة عام ونصف العام عن الرد على الاعتداءات الإسرائيلية، وأخذ البلد إلى دمار محتم دفاعا عن إيران، ما وضع لبنان في موقع الحرب على أميركا وعلى بلدان الخليج التي تتعرض لاعتداءات إيرانية يومية، وليؤكد «الحزب» تبعية مطلقة لنظام الملالي، وهو الذي ) بالولاء 1985 فـبـرايـر/ شباط 16( تعهد فـي خطبة التأسيس لـلـولـي الفقيه «الـحـائـز الـشـرائـط الـشـرعـيـة»، وحـــدد الــهــدف في لبنان بـ«إقامة الجمهورية الإسلامية»! داهـمـة هـي الأخـطـار، وسيكون مـدمـرا لأحــام اللبنانيين تعامي الجهات المسؤولة عن حساسية أمن بيروت كما حدث ؛ لأنه هذه المـرة يهدد بتفكك الدولة. كان رئيس 2008 في عام الحكومة اللبنانية نواف سلام واضحا بوصفه حملة التخوين بأنها هــروب إلـى الأمـــام، ويُـــراد من محاولة تقويض السلطة فرض الصمت على اللبنانيين، حتى لا تُطرح الأسئلة الحقيقية عـن المسؤولية عـن أخــذ البلد إلــى حــرب مـدمـرة، والإيــغــال في نهج لـن يعيد نـازحـا، ولـن يبني مــنــزلاً... الحديث مهم، لكنه غير كــافٍ، إن لم يرفق بخطوات يستعيد معها لبنان موقعه الحقيقي، عـبـر الــحــد مــن نـفـوذ إيــــران وتقليص قـدرتـهـا على استخدام الساحة اللبنانية، كما استعادة المـبـادرة بخطوات عملانية تعطي الأولـويـة لأمـن العاصمة، فتطمئن المواطنين، وتحد من الاستثمار بوجع النازحين ومآسيهم، على طريق تنفيذ قــرارات مجلس الـــوزراء بمنع أي نشاط عسكري خارج إطار الشرعية. هـــل الــصــن عــلــى عــتــبــات تـــحـــولات جـــذريـــة تـتـقـاطـع مع مستقبلها كقوة قطبية عالمية قائمة وقادمة، تسهم في رسم ملامح ومعالم نظام عالمي جديد؟ يبدو أن هذا هو السؤال الذي يُطرح ويناقَش بكثافة في الدوائر الاستراتيجية الغربية، على الرغم من ضجيج المعارك في الشرق الأوسط. الجواب على علامة الاستفهام المتقدمة موصول بدرجة كــبــيــرة بــالمــحــطــات الــســيــاســيــة الـــكـــبـــرى لــلــحــزب الــشــيــوعــي، وعلى رأسها مؤتمر الحزب، الـذي يعد أعلى هيئة سياسية سـنـوات، ليحدد بوصلة 5 فـي الصين والـــذي ينعقد مــرة كـل «الملكوت المركزي»، المـرادف الحضاري لاسم الدولة في اللغة الصينية. لا تبدو الصين منشغلة كثيرا جدا بما يجري في العالم الخارجي، وإن لم توفر متابعته بدقة، غير أن تركيزها الأهم ،2027 ينصب في الوقت الراهن على المؤتمر الذي سينعقد في وسـيـكـون بـالـغ الأهــمــيــة، لا سيما أنـــه سيتم خـالـه اختيار قيادة الحزب التي ستدخل بالبلاد إلى العقد الرابع من القرن الحادي والعشرين، وربما يحدد المؤتمر عينه مسألة استمرار القيادة الحالية، مـع احتمال بــروز جيل جديد مـن القيادات الصينية الــشــابــة، والــتــي سـتـقـود الــدفــة فــي عــالــم الـــذكـــاءات الاصـطـنـاعـيـة، والـحـوسـبـة الـكـمـومـيـة، عطفا عـلـى صـراعـات الرقائق الاصطناعية، أي عالم ما بعد العولمة التقليدية. عــلــى مـــر تـــاريـــخ جــمــهــوريــة الـــصـــن الــشــعــبــيــة، عكست التغيرات في تكوين النخبة السياسية في كثير من الأحيان، بـل نـــذرت أحـيـانـا بـتـحـولات أوســـع نطاقا فـي الديناميكيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والاستراتيجية. ويُعد فـهـم الآلــيــات المـؤسـسـيـة الـتـي تـدعـم الانــتــقــالات بــن الأجـيـال داخـــــل الــهــيــئــات الـــقـــيـــاديـــة، وخــصــائــص الــجــيــل الــجــديــد من المسؤولين الذين سيحكمون البلاد، أمرا أساسيا لأي تحليل للمسار السياسي للصين. لماذا يُنظر إلى المؤتمر القادم على أنه أمر شديد الأهمية ليس للصين فقط، بل لبقية أنحاء العالم؟ بــــدايــــة لأنـــــه ســـيـــحـــدد مــســتــقــبــل الـــزعـــيـــم الــصــيــنــي شـي على ولاية 2022 جينبينغ، الذي حصل في مؤتمر الحزب عام ثالثة غير مسبوقة، بعد إلغاء القيود على مدة الحكم. حكما يبدو شي، وكأنه المؤسس الثالث للصين الحديثة، بعد مـاو تسي تـونـغ، وديـنـغ شياو بينغ، ويتوقع كثير من المحللين أن يسعى في المؤتمر القادم إلى الحصول على ولاية رئاسية رابعة، حيث يتطلع غالبا إلى أن يدخل تاريخ الصين بوصفه الرجل الذي أعاد جزيرة تايوان إلى حضن الوطن الأم. تـــتـــزايـــد أهـــمـــيـــة المـــؤتـــمـــر الـــــقـــــادم مــــن جـــــــراء الـــتـــغـــيـــرات الـجـيـوسـيـاسـيـة الــعــالمــيــة، ولـــهـــذا يـتـطـلـع الـصـيـنـيـون لـرؤيـة جديدة للجنة المركزية للحزب، وللمكتب السياسي، وللجنة الـدائـمـة لـهـذا المكتب، والـتـي تعد أقـــوى هيئة فـي الـصـن؛ ما يعني أن هناك عملية إعادة ترتيب تجري لمراكز القوة داخل الدولة. يكتسب المؤتمر الحزبي أهمية خاصة، في وقت تواجه فيه الـصـن، وبــإقــرار قيادتها بـوضـوح، تـحـولات اجتماعية واقــتــصــاديــة وتـكـنـولـوجـيـة سـريـعـة فـــي الـــداخـــل، وتـحـديـات جسيمة في البيئة الجيوسياسية الخارجية، ومن الواضح أن الـقـيـادة الصينية عــازمــة عـلـى إظــهــار اسـتـمـراريـة الصين الـــســـيـــاســـيـــة، ويـــقـــن تــنــمــيــتــهــا الاقـــتـــصـــاديـــة واســـتـــقـــرارهـــا الاجتماعي وثقلها الدبلوماسي. تنبع أهمية هــذا المـؤتـمـر بـنـوع خــاص مـن أنــه سيشكل الـقـيـادة الصينية الـتـي تلقي على كاهلها مسؤولية المضي قدما في إكمال مسارات مبادرة «الحزام والطريق»، تلك التي تعرضت لعقبات مختلفة خـال السنوات الماضية، لا سيما بعد أن اعتبر العالم أن فيروس «كوفيد» المستجد، قد انطلق من الأراضي الصينية. يحلم الصينيون بأن يبلوروا بنجاح مشروعهم الأممي، الــــذي ســيــكــون بـمـثـابـة رايــــة لـلـصـن الـقـطـبـيـة، والمــنــتــظــر أن مشروع، 900 دولـــة، يُنفذ على أراضيها قـرابـة 64 يمتد إلـى باستثمارات تبلغ تريليون دولار، وقد دخلت مرحلة تنفيذها ، وبــــــدأت تـشـيـيـد بنيتها 2016 عــلــى نــحــو شـــامـــل مــنــذ عــــام التحتية، وتم الاتفاق عليها بين الدول الواقعة على امتدادها. غير أنه، في مقابل الرؤى الإيجابية والأحلام الصينية، سيكون على رجـــالات المؤتمر الصيني الـقـادم أن يطرحوا - وبصراحة على موائد النقاش - التحديات الجسام التي تقابل الصين في نهضتها الآتية. فـــي المـــقـــدمـــة، تـــبـــدو مــســألــة الــنــمــو الاقـــتـــصـــادي مقلقة للقيادة، خاصة في ظل نوع من التباطؤ الذي شهده الاقتصاد الصيني مــؤخــراً، واتـضـح بـجـاء مـن خــال أزمـــات الـعـقـارات والديون المحلية. هناك أزمـة كبرى تعرضنا لها في قــراءة سابقة تتعلق بتقدم أعـمـار الصينيين ونقص المـوالـيـد؛ مـا يمكن أن يشكل خنجرا ديموغرافيا في خاصرة الصين المستقبلية. عــطــفــا عــلــى ذلـــــك، تـــبـــدو المــنــافــســة الاســتــراتــيــجــيــة مع الـولايـات المتحدة فضاء واسعا لتحديات، وربما تفاهمات، والــجــمــيــع يـنـتـظـر زيــــــارة الــرئــيــس تـــرمـــب لـلـصـن الأســابــيــع القادمة. ولعل السؤال الأهم في انتظار مؤتمر الحزب: «أي سيناريو ستنحو إليه الصين في سياستها... مدرسة الاستمرارية، أم التحول البطيء، أم القفزات الكبرى؟... وللحديث تتمة. Issue 17283 - العدد Tuesday - 2026/3/24 الثلاثاء OPINION الرأي 14 يحلم الصينيون ببلورة مشروعهم الأممي الذي سيكون راية للصين القطبية داهمة هي الأخطار... وسيكون مدمرا لأحلام اللبنانيين تعامي الجهات المسؤولة عن حساسية أمن بيروت في عهد قادة أقوياء سابقين مثل توني بلير وغوردون براون لم يكن أحد ليجرؤ على مثل هذا التمرد العلني إميل أمين حنا صالح مارتن إيفانز عن الصين وعتبات التحول الجذري المغامرة بلبنان دفاعا عن إيران! منافِسة ستارمر المحتملة تبدأ في التحرك تشتعل السماء بنيران الحرب في الخليج، وتقفز أســـعـــار الــنــفــط والـــغـــاز إلــــى مــســتــويــات قــيــاســيــة، فيما تطالب أسواق السندات بعوائد أعلى على ديون المملكة المـتـحـدة المتضخمة. فهل يشعر كير سـتـارمـر بالقلق؟ عـلـى مــا يــبــدو لا. فـقـد صــــرّح رئــيــس الــــــوزراء الأســبــوع المـاضـي قـائـاً: «الاقـتـصـاد البريطاني فـي وضـع أفضل مما كان عليه لمواجهة هذه العاصفة. ومنذ الانتخابات عززنا مناعتنا الوطنية». غـيـر أن رســالــة الـطـمـأنـة هـــذه ســرعــان مــا نقضها نـيـك بتلر المــســؤول الـسـابـق للاستراتيجية فــي شركة «بـــي بـــي» ومـسـتـشـار رئـيـس الـــــوزراء الـعـمـالـي الأسـبـق غوردون براون، إذ قال لـ«بي بي سي» إن نقص الوقود والتقنين باتا احتمالا متزايدا خـال الأسابيع المقبلة. وتقدّر شركة «إي دي إف» أن ارتفاع الأسعار قد يضيف جنيه إسترليني سنويا إلـى فـاتـورة الطاقة 300 نحو المــتــوســطــة لـــأســـر فـــي بــريــطــانــيــا، وهــــو عـــــبء يُــتــوقــع أن تـتـدخـل الـــدولـــة لتخفيفه. وفـــي خـبـر سـيـئ إضـافـي لحكومة حزب العمال غير الشعبية، فإن خفض أسعار الـفـائـدة الـــذي طــال انـتـظـاره لمـسـاعـدة أصـحـاب الـرهـون العقارية المتضررين لم يعد مطروحا حالياً. تـتـيـح الـــحـــروب لـــرؤســـاء الـــــوزراء الـظـهـور بمظهر رجـــــل الـــــدولـــــة، لـــكـــن لا هـــدنـــة مــضــمــونــة عـــلـــى الـجـبـهـة الداخلية. فقد استمرت المناورات السياسية حتى خلال الحربين العالميتين في ظل حكومات ائتلافية بريطانية. فـفـي الــحــرب الـعـالمـيـة الأولــــى أُطــيــح بـهـربـرت أسـكـويـث بانقلاب داخلي، وفي نهاية الحرب العالمية الثانية كافأ الناخبون ونستون تشرشل على بطولاته بإخراجه من السلطة. وستارمر ليس استثناء من هذه القاعدة. صـــابـــتـــه الــشــخــصــيــة تــخــضــع لاخـــتـــبـــار واضـــــح. فقد بـــدأت سلطته داخـــل الـحـزب تتآكل بالفعل عندما أُجبر رئيس مكتبه على الاستقالة بسبب تعيين بيتر مـانـدلـسـون، المــقـرب مـن المـمـول المــــدان جـيـفـري إبستين، سفيرا في واشنطن. ومع غياب مورغان ماكسويني عن إدارة «داونينغ ستريت»، يُسحب رئيس الـــوزراء نحو اليسار حيث تميل قلوب معظم نواب حزب العمال. وفي الأسبوع الماضي، أطلقت نائبته السابقة أنجيلا راينر تحديا علنيا لقيادته. ففي حانة بوستمنستر، قالت أمام نواب من الجناح اليساري المعتدل وصحافيين يدونون ملحوظاتهم إن الحكومة «تنفد من الوقت» لتغيير المسار قبل أن تتجه نحو الهزيمة في صناديق الاقتراع. وأضافت أن الحزب بات يمثل «المؤسسة، لا الطبقة العاملة». ومنذ استقالتها العام الماضي من الحكومة بسبب عدم دفع الضرائب المناسبة على مشترياتها العقارية (وكـان منصبها الـوزاري يشمل ملف الإسكان)، شرعت راينر في بناء صندوق مالي لدعم فريقها وحملاتها من خـال مشاركات خطابية مربحة. كما واصـلـت توجيه الانـتـقـادات مـن الهامش فـي اللحظات الأكـثـر حساسية لرئيس الـــوزراء، فانتقدت خفض الإنـفـاق على الرعاية الاجــتــمــاعــيــة، وطــالــبــت بـنـشـر وثـــائـــق رســمــيــة تتعلق بتعيين ماندلسون. الأهـــم أنـهـا عـقـدت اتــفــاق «عـــدم اعـــتـــداء» مــع أنــدي بـــرنـــهـــام، عـــمـــدة مـانـشـسـتـر الـــكـــبـــرى ومـــرشـــح الــجــنــاح الـــيـــســـاري المـــعـــتـــدل المـــفـــضـــل، الـــــذي مــنــعــه ســـتـــارمـــر من الــتــرشــح لـلـبـرلمـان، بـالـتـالـي مــن مـنـافـسـتـه عـلـى زعـامـة الحزب. ويُعد برنهام داعما مهما لراينر في طرح مسار بديل لنهج ستارمر الوسطي المتردد. تـجـمـع رايـــنـــر بـــن الــطــمــوح والــــدهــــاء، وقــــد ركـــزت هجومها الأسبوع الماضي على أضعف نقاط ستارمر: مــقــتــرحــات وزارة الـــداخـــلـــيـــة بــمــضــاعــفــة مــــدة حـصـول المــهــاجــريــن عـلـى الإقـــامـــة الــدائــمــة فـــي بـريـطـانـيـا، وهـو إجــــــــراء يـــعـــارضـــه جـــنـــاحـــا الــــحــــزب الــــيــــســــاري المــعــتــدل والمتشدد. وكانت المرة السابقة التي تعرض فيها رئيس الــــوزراء لانـتـقـادات بسبب اسـتـخـدامـه خطابا شعبويا حـول الهجرة - عندما وصـف البلاد بأنها «جـزيـرة من الغرباء» - قد اضطر حينها إلى الاعتذار. هذه المرة تراجع ستارمر سريعاً، أو «خفف موقفه» كــمــا يــقــول خـــبـــراء الاتـــصـــال الــســيــاســي. إذ قـــد تُعتمد «تــرتــيــبــات انـتـقـالـيـة» لتخفيف أثـــر سـيـاسـة وصفتها رايـنـر بأنها «غير بريطانية» لأنها تعاقب المهاجرين الموجودين بالفعل. ولا يبدو أن شعبية هذا الإجراء لدى الناخبين من مختلف الأحزاب تقلق نواب العمال، الذين يسعون لاسـتـعـادة الناخبين التقدميين الـذيـن انشقوا إلى حزب الخضر الصاعد. ومـــــع ذلــــــك، هـــنـــاك «مـــشـــكـــلـــة أنــــجــــيــــا»: فـحـمـاسـة نــواب الـحـزب لها لا يشاركهم فيها الناخبون. وتشير استطلاعات داخلية إلى أن فشلها في دفع رسوم الدمغة بشكل كـامـل عند شـــراء منزلها يُنظر إلـيـه كدليل على سلوك شخصي غير منضبط، شبيه بما ارتبط بحزب المحافظين. حــتــى بــعــض زمـــائـــهـــا الـــذيـــن يـــقـــرون بـحـيـويـتـهـا يشككون في قدرتها على القيادة في أوقـات مضطربة. وردا عـلـى ذلـــك، حــاولــت فــي مـكـالمـة مــع مستثمرين في «سيتي» نظّمها بنك «بي إن بي باريبا» طمأنة الأسواق بأنها لا تؤيد التوسع في الاقتراض. غير أن تصريحات برنهام بأن بريطانيا يجب ألا تكون «مرتهنة» لأسواق السندات أثارت قلق المتعاملين، خصوصا في ظل ارتفاع أسعار الطاقة ومخاوف التضخم. كـمـا يـــــزداد نــفــوذ إد مـيـلـيـبـانـد، وزيــــر الــطــاقــة من الجناح اليساري المعتدل. ففي يونيو (حزيران) الماضي رفـــض تغيير منصبه عـنـدمـا طـلـب مـنـه سـتـارمـر ذلــك، كـمـا أن حـمـاسـه لتحقيق أهــــداف «صــافــي الانـبـعـاثـات الصفري» يتعارض مع أجندة النمو الحكومية. وبعد أن فرض المحافظون ضرائب أثقلت قطاع النفط والغاز في بحر الشمال، حظر ميليباند التنقيب في الحقول الجديدة. وبالرغم من أن أسعار الكهرباء في بريطانيا مـــن بـــن الأعـــلـــى عـــالمـــيـــا، كــــرر ســـتـــارمـــر مـــؤخـــرا مــواقــف ميليباند عند سؤاله عن أمن الطاقة في ظل الحرب في الخليج. كـــل ذلــــك يـشـيـر إلــــى إحـــكـــام الــيــســار قـبـضـتـه على الحكومة. وفـي مشهد سياسي يهيمن عليه قـادة ذوو شخصيات قوية مثل نايجل فـــاراج زعيم «ريـفـورم يو كيه» وزاك بولانسكي زعيم الخضر، تبدو جاذبية راينر لـنـواب حــزب العمال فـي ازديــــاد. لكنها فـي الـوقـت ذاتـه تبرز هشاشة مـشـروع ستارمر. ففي عهد قــادة أقوياء سابقين مثل توني بلير وغـــوردون بــراون، لم يكن أحد ليجرؤ على مثل هذا التمرد العلني. * بالاتفاق مع خدمة «بلومبرغ»
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky