issue17283

مع هذه الأزمة، العابرة، أسَّست مجموعة من الدول في الإقليم مراكز، مهمتها نشر الطمأنينة، وهــي مـؤسـسـات تهتم بـإفـهـام المـدنـيـن بمعاني الاستقرار وأساليب التجاوز. نعم تؤثر الحروب فـــي تـشـكـيـل مــعــاصــريــهــا عــلــى كـــل المــســتــويــات، بـل وتـحـك وشـومـا على جـــدار الــذاكــرة القاسية، والمـــمـــارســـات المـــروّعـــة، عـلـى سـبـيـل المــثــال الـذيـن عــاصــروا الـحـرب الأهـلـيّــة فـي لبنان لا يفضّلون سـمـاع أغــانــي فــيــروز، لأنـهـا تـذكّــرهـم بـالمـاجـئ، واجــــتــــرار الــــذاكــــرة الـــدمـــويـــة. الآن تـتـصـاعـد لغة الــحــرب والـــســـاح، وهـــذه الحقبة ستشكّل جيلا مـن الحانقين الغاضبين، وعليه فـإن فهم معنى الحرب بوصفه مفهوما له تصدّعاته وآثاره، بات ضـروريـا أكـثـر مـن أي وقـــت مـضـى، وهـــذا مـا أود التركيز عليه هنا. ولــلــدخــول لـصـلـب مـفـهـوم الــحــرب لا بــد من الـــعـــودة إلــــى بــــول فـيـريـلـيـو، حــيــث حـــــواره الـــذي ترجمه محمد الحنشي ونشرتْه مجلة «حكمة»، وفيه يعلق على مقولة هيراقليطس: «الحرب أم كل الأشـيـاء» قـائـاً: «هــذا ما عشته، إنها صدمة لا أريــــد فـرضـهـا عـلـى أحــــد، لـكـن لـــأســـف، الـقـرن العشرون، قرن تنعدم فيه الشفقة، إنه قرن الحرب الـشـامـلـة. إن الــحــرب دائـــمـــة. فـهـي ليست مـولـدة للتاريخ كما يقال، بل إنها دائـمـة، ليست دائمة في وقوعها من خلال المعارك، بل في الاستعداد لها. إنها كانت دائما في الاشتغال، منذ اختراع البواخر الأولــى: المراكب الرومانية القديمة ذات الثلاثة صفوف من المجاديف، أو السفن الشراعية، التي لم تكن بواخر تجارية، بل بواخر حربية - )- كانت 1985 - 1902( كما برهن على ذلك بروديل تُستعمل، أحـيـانـا، لأغـــراض تـجـاريـة. ولا يمكن أن نـتـكـلـم عـــن الـعـلـم أو الـصـنـاعـة الـتـقـلـيـديـة أو الاختراعات الصناعية أو أنماط الإنتاج من دون الـحـديـث عــن أنــمــاط الــدمــار والتحضير للحرب المــقــبــلــة. ومــــا يـهـمـنـي، هـــو مـــا أسـمـيـهـا (الــحــرب الخالصة)، أي الاستعداد للحرب أكثر من الإعلان عليها. مـا يهمني، هـو ميل الـحـرب إلــى التطور عبر المعرفة». لقد ارتبطت الـحـرب بتغيّر وتـحـوّل - ليس جــغــرافــيــا فــحــســب - وإنـــمـــا فـــي دفــــع الــنــظــريــات الــكــبــرى نــحــو الــتــركــيــب والــتــأقــلــم مـــع الـبـشـريـة، كما فـي الـحـروب الأهلية الأوروبــيــة والأميركية والروسية والآسيوية، وآخر تشكّل عوالم فكرية وحضارية جديدة متجاوزة ما حدث من تحوّل أمـمـي نـظـري بعد الـحـربـن العالميتين. ارتبطت النظرية بالحرب منذ بواكير ما وصل إلينا من تنظير الإنسان. كما أن الحرب جزء من حركة التاريخ، ومن التقاء الأضداد، لا بد أن ينجرف مسار على آخر، ولكن ما لم تتوصل البشرية إليه رغم كل التنظير المديد عن نظرية الحرب وفلسفاتها هو التحديد المتفق عليه لتعريف الحرب المشروعة، وآية ذلك أن الــســجــال الأخـــاقـــي بـــن المـحـلـلـن والمـنـظّــريـن يـنـشـب عـلـى طــرفــي نـقـيـض مــع كــل مــوجــة حـرب تستجد. الــخــاصــة، أن الـــحـــروب الـتـي نـشـهـدهـا الآن لها مثلها وأضعافها في حقب تاريخية سالفة، ولكن الفرق في مشهدية الحرب بسبب التطوّر الـتـقـنـي وتـــاقـــي الـــصـــورة مـــع الـــحـــدث، بعضهم يعتقد أن البشرية ازدادت وحشية، وهذا قول غير دقيق، بل إن نزعات الإنسان كما هي، ولكن كانت الــحــروب بـدائـيـة وتـقـلـيـديـة، وأضــحــت الآن أكثر دقــة وأقـــدر على الإيــــام؛ بسبب الـتـفـوّق العلمي والتكنولوجي والعسكري. لــــم تـــكـــن الــــحــــرب الــــــدائــــــرة مــــجــــرد مـــواجـــهـــة عـسـكـريـة مـفـتـوحـة عـلـى احــتــمــالات مـتـغـيـرة، بل لـحـظـة فــاصــلــة أعـــــادت تــعــريــف مـــوقـــع إيـــــران في الإقليم، ليس مـن حيث الـقـوة فقط، بـل مـن حيث الثقة. وبينما يصعب الجزم بمآلات الحرب في ظل السيولة العالية في الميدان وتبدل المعادلات يـومـيـا، فـــإن النتيجة الأكــثــر وضــوحــا حـتـى الآن تتجاوز مسألة بقاء النظام أو سقوطه، لتتمثل فــي انـهـيـار عـمـيـق فــي رصــيــد الـثـقـة الــــذي فقدته إيران، وهو فقدان يبدو أنه غير قابل للاستعادة في المدى المنظور، حتى لو بقي النظام قائماً. لـــقـــد ســـبـــقـــت الـــــحـــــرب مــــــحــــــاولات ســـعـــوديـــة حثيثة لتفادي التصعيد والانــزلاق إلى مواجهة مفتوحة، انطلاقا من رؤيـة استراتيجية تـرى أن استقرار الإقليم هو شرط التنمية، وأن الحروب، مهما بـــدت مـــحـــدودة، تحمل فــي طياتها قابلية الانفلات وإعادة تشكيل التوازنات بشكل يصعب احــتــواؤه. غير أن هــذه المـقـاربـة اصطدمت بنمط إيراني قائم على إدارة الأزمات وتغذيتها، وعلى توظيف التوتر كأداة نفوذ، ما أدى إلى تآكل الثقة تـدريـجـيـا حـتـى وصــلــت إلـــى نـقـطـة الانــهــيــار مع اندلاع الحرب. الـــحـــرب كـشـفـت أن الإشــكــالــيــة لا تـكـمـن فقط في سلوك إيـــران، بل في طبيعة مشروعها ذاتـه. فـالمـشـروع الـــذي بُــنـي على الــوكــاء والـتـمـدد غير المـبـاشـر بـــدا هـشـا حــن تـعـرض لضغط عسكري مــركــز، كـمـا أن الـضـبـابـيـة الـتـي أحــاطــت بـأهـداف الــحــرب، بــن تغيير الـنـظـام أو إضـعـافـه، عكست تعقيد التعامل مع حالة مثل إيــران. وكما يشير التحليل المرفق، فإن الخيار الأكثر واقعية لم يكن إسـقـاط النظام بـقـدر مـا هـو إضعافه عبر ضرب قـــدراتـــه الـعـسـكـريـة وتـعـطـيـل أدواتــــــه الإقـلـيـمـيـة، وهــــو إدراك ضـمـنـي لــصــابــة بـنـيـة الــنــظــام رغــم كل التحديات. إلا أن هـذا المسار، حتى لو تحقق جــزئــيــا، لا يـعـيـد إنـــتـــاج الــثــقــة، ولا يـمـنـح إيــــران فــرصــة لــلــعــودة إلـــى مــوقــع يـمـكـن الـتـعـاطـي معه كشريك مستقر. فـي المقابل، كشفت الـحـرب عـن تحول نوعي في السلوك السعودي، تجلّى في قدرة عالية على ضـبـط الـنـفـس وعــــدم الانــســيــاق وراء التصعيد، رغـم توافر الـقـدرة والحوافز. لم يكن هـذا الموقف تعبيرا عن الحذر، بل عن إدراك استراتيجي بأن الحفاظ على المـقـدرات الوطنية واستمرار مسار التنمية يتقدمان على أي اندفاع نحو مواجهة قد تستنزف المـــوارد وتربك الأولـويـات. لقد اختارت الـسـعـوديـة أن تــمــارس الــقــوة بـمـعـنـاهـا الأعــمــق: القدرة على الامتناع، لا مجرد القدرة على الفعل. وقد انعكس هذا الخيار في صورة استقرار داخلي لافـت، حتى في ذروة الحرب. ففي الوقت الـــــذي كــــان فــيــه الإقــلــيــم يـعـيـش واحـــــدة مـــن أكـثـر لحظاته تـوتـراً، كانت المملكة فـي ذروة نشاطها خـــــال شـــهـــر رمــــضــــان فــــي الـــحـــرمـــن الــشــريــفــن، واستمرت المؤتمرات الدولية، وانتظمت الحياة الـيـومـيـة مـــن دون اضـــطـــراب يُـــذكـــر، إلـــى حـــد بـدا معه كــأن الـحـرب تـــدور فـي جغرافيا بعيدة. هذا المستوى من الاستقرار لم يكن صدفة، بل نتيجة استثمارات طويلة في منظومات الدفاع والأمن، الـتـي أثبتت كـفـاءة عالية فـي تحييد التهديدات وحماية المجال الحيوي للدولة. وإلى جانب هذا النجاح الدفاعي، برز نجاح مـــواز لا يقل أهـمـيـة، يتمثل فـي قـــدرة السعودية عـــلـــى الـــتـــحـــول، فــــي خـــضـــم الــــحــــرب، إلـــــى حـضـن اقتصادي وممر آمــن. فقد أصبحت المملكة ممرا آمنا لحركة الطيران في الخليج والعراق، ومركزا لوجيستيا لعبور البضائع نحو أسواق المنطقة، في وقت تعطلت فيه مسارات تقليدية وتعرضت لـــضـــغـــوط كـــبـــيـــرة. هــــــذا الــــــــدور لــــم يـــعـــكـــس فـقـط جاهزية البنية التحتية، بل أيضا مرونة النظام الاقـــتـــصـــادي وقـــدرتـــه عـلـى الـتـكـيـف مـــع الــظــروف الصعبة، وتحويل التحديات إلـى فـرص لتعزيز المكانة الإقليمية. بـــهـــذا المــعــنــى، لـــم تــكــتــف الــســعــوديــة بـــــإدارة تــداعــيــات الـــحـــرب، بـــل أعـــــادت تـوظـيـفـهـا لتعزيز نـــمـــوذجـــهـــا الـــقـــائـــم عـــلـــى الاســــتــــقــــرار والــتــنــمــيــة والانــفــتــاح. وهــو مـا يـبـرز الــفــارق الـجـوهـري بين مشروع يسعى إلى بناء منظومات مترابطة تقلل من احتمالات الفوضى، ومشروع آخر يقوم على استثمار الأزمـــات وتوسيعها. ومـع تآكل أدوات إيــــران الإقـلـيـمـيـة وتـــراجـــع قـدرتـهـا عـلـى الـتـأثـيـر، يصبح هـذا الـفـارق أكثر وضـوحـا، ليس فقط في موازين القوة، بل في طبيعة الدور الذي يمكن لكل طرف أن يلعبه في مستقبل المنطقة. وإذا كــــانــــت ســـيـــنـــاريـــوهـــات الــــحــــرب تـبـقـى مفتوحة عـلـى احـتـمـالات مـتـعـددة، فـــإن النتيجة الأكــثــر رســوخــا لا تـحـتـاج إلـــى انـتـظـار نهايتها. فـقـد دخــلــت إيــــران هـــذه الــحــرب وهـــي تـعـانـي من فجوة ثقة عميقة، وتخرج منها - مهما كان شكل النهاية - بفجوة أوسع. لن تكون قادرة على إعادة بـنـاء مـشـروعـهـا بـالـزخـم ذاتــــه، ولـــن تـكـون قـــادرة على إيـــذاء خصومها بالفاعلية نفسها، والأهــم أنها لن تكون قادرة على استعادة موقعها كطرف يمكن الوثوق به. لكن الأهم أن هذه الحرب كشفت تحوّلا أعمق في طبيعة الصراع نفسه. لم تعد القوة تُقاس فقط بالقدرات التقليدية، بل بقدرة بعض الأطراف على التخريب ورفع كلفة الصراع عبر أدوات منخفضة التكلفة كالمسيّرات، والاستهداف العشوائي الذي يتجاهل قـواعـد الـقـانـون الـدولـي وحـسـن الـجـوار والـــحـــد الأدنــــــى مـــن الــعــقــانــيــة الــســيــاســيــة. لقد بـــرز نـمـط مـــن «الانـــتـــحـــار الــعــســكــري» يــقــوم على توسيع دائـــرة الخطر مـن دون حساب للعواقب، واستهداف أطراف لم تكن راغبة في الانخراط في الحرب، بل سعت بكل الوسائل إلى تجنبها. وفي هذا التحول، تتضح المفارقة الكبرى: أن من يملك مــشــروعــا لــاســتــقــرار يـــحـــاول تـحـيـيـد نـفـسـه عن الفوضى، بينما من يقوم مشروعه على الأزمـات يسعى إلى تعميمها، حتى لو كان الثمن تعميق عزلته وفقدانه لما تبقى من شرعية أو ثقة. الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel OPINION الرأي 13 Issue 17283 - العدد Tuesday - 2026/3/24 الثلاثاء من يملك مشروعا للاستقرار يحاول تحييد نفسه عن الفوضى بينما من يقوم مشروعه على الأزمات يسعى إلى تعميمها يوسف الديني فهد سليمان الشقيران أضحت الحروب أكثر دقة بسبب التفوّق العلمي ما بعد الحرب: سقطت الثقة ولو بقي النظام عن الحرب بوصفها جزءا من حركة التاريخ

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky