رغبة األدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعال ناجزا ينتهي بوضع النقطة األخيرة الثقافة CULTURE 18 Issue 17282 - العدد Monday - 2026/3/23 االثنني حسن عبد الموجود يستلهم الحكايات المرويّة عنه نجيب محفوظ... األصل والصورة فـــي كــتــابــه «نــجــيــب مــحــفــوظ: األصــــل والــــصــــورة» (دار ديـــــوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب املصري حسن عبد املوجود سيرة األديـب الراحل ) مــن هـوامـشـهـا املـتـفـرقـة إلـــى مـسـاحـة جـديـدة 2006-1911( نجيب مـحـفـوظ مفتوحة على التخييل، حيث ال تبدو الوقائع السيرية مادة جاهزة للسرد، بـل نـــواة يُــعـاد تشكيلها داخــل نـص يستعير صـوت نجيب محفوظ ويعيد إنتاجه، فال يبدو «أديب نوبل» موضوعًا للكتابة، بقدر ما يستحضر الكتاب نسخة من حياته تتجاوز حدود الواقع الصارم وغيوم الذاكرة. ال يُــمـهّــد عـبـد املــوجــود للكتاب عـبـر مـقـدمـة تقليدية، بــل يـدفـع قـارئـه مباشرة صوب فصول تمثّل بوابات مفتوحة على عالم محفوظ اإلنساني واألدبـي والفني، في لعبة يختلط فيها الحقيقي باملتخيّل، وهي مقاربة ال تبدو بعيدة عن عالم محفوظ نفسه، ال سيما في «أصـداء السيرة الذاتية»، حيث تتشكّل السيرة من شـذرات ممزوجة بالتأمل والخيال، ال من تسلسل توثيقي نمطي. بهذا املعنى، يبدو فعل الكتابة أقــرب إلـى التماهي مـع وعـي محفوظ نـفـسـه؛ إذ يستعيد الـكـاتـب هـــذا االلـتـبـاس الـفـنـي املُــحـبّــب لـديـه بــن الـواقـع والحلم. «الشجرة السابعة» فصالً، نبرة «محفوظ» ولغته 25 يستعير عبد املوجود، عبر أكثر من التي ألفناها في أدبه، بما يضع القارئ في حالة تتالشى فيها الحدود بي الواقعي واملتخيَّل، ففي مطلع فصول الكتاب يأخذنا إلى «الشجرة السابعة»، مستهال بنبرة «محفوظية»: «لو وُلدت في الصيف لتخيّلت أبي واقفًا خارج . ارتــدى بالطو فوق 1911 غرفة الـــوالدة بالجبة والقفطان، لكننا في شتاء بدلته واعتمر الطربوش كمن يستعد لطارئ غير محسوب». تتبدّى لحظات انتظار األب مليالد «ابنه السابع» محاطة بنبرة شعرية تلتحم فيها رؤى األب واالبن معًا: «ربما حلم لي أن أكون مهندسًا أو طبيبًا، كما حلم لشقيقيّ... فكّر أنني سأكون أسعد األوالد، وأحبّهم إلى قلب فاطمة؛ فقد حملت بي وهي تغادر شبابها». تُروى لحظة امليالد عبر مشاهد مشحونة بالتعبير واالنفعاالت؛ ترقّب األب، والقلق، وأصوات العبرات والزغاريد بعد خروج طبيب التوليد الشهير آنــذاك «نجيب محفوظ» مبشّرًا بوصول االبـن الـذي سيحمل اسمه، غير أن هـذه الصورة ال تلبث أن تُعاد مساءلتها؛ إذ يقودنا الكاتب في نهاية هذا الفصل إلــى سـطـور مـن «صفحات مـن مـذكـرات نجيب محفوظ» كما نقلها رجــاء النقاش، وروايـــات أخــرى تشكّك فـي نسبة اسمه إلـى طبيب التوليد، فتتبدّد الرواية الشائعة، ويغدو ما بدا ثابتًا موضع شك. هنا يضعنا النص في قلب هذا التوتر الخ ّق بي «األصل» كما ورد في املذكرات والحوارات، و«الصورة» التي يتماهى الكاتب في رسمها استنادًا إلـــى هـــذا األصــــل، فــ تُــلـغـى الـــصـــورة، بــل تكتسب مـعـنـاهـا مــن مـجـاورتـهـا لألصل، ال من تطابقها معه. وال يكتفي الكتاب بتقديم هذه املشاهد املتخيّلة، بل يعيد القارئ في نهاية كل فصل إلى «األصل»؛ فقرات من مذكرات كُتبت عن محفوظ أو من حواراته، حيث تتشكّل عالقة مزدوجة بي النصَّي. وفــي فصل بعنوان «الـحـريـف قلب األســـد»، نــرى محفوظ املُــغـرم بكرة الــقــدم منتشيًا بـانـتـصـاراتـه الـصـغـيـرة، ومــســجّــ «نـصـف دسـتـة أهــــداف». يعيدنا السرد هنا إلى مساحة يتداخل فيها اللعب ببراءة الحلم، ليصبح اللعب مُعادال للخيال: «كنت ألعب وأكسب، ثم أعود إلى البيت ألغرق نفسي في أحالم اليقظة». ونراه أيضًا يختبر بشائر الحب األولى، وافتتانه بفتاة «الجمالية» في طفولته، وغناءه «يمامة بيضا»، في مشاهد تفوح بالحني، وتحمل رائحة املكان األول. الطفولة والخيال تـتـجـاور هـــذه الـلـقـطـات مــع مــراحــل الحــقــة مــن حــيــاة نـجـيـب مـحـفـوظ، فـتـتـقـاطـع الـطـفـولـة والـصـبـا والــشــبــاب مــع زخـــم األصـــدقـــاء، ومــــرور الـعـمـر، في حضور دائــم للكتابة؛ ففي فصل بعنوان «يـا والد حارتنا تـوت تـوت»، يتقمّص الكاتب صـوت محفوظ وهـو فـي خضم الضجّة التي أثـارهـا نشر روايته «أوالد حارتنا»؛ إذ يجد نفسه محاصرًا بعبارات التشكيك والهجوم: «هـا أنـا في أضعف حاالتي أجـد نفسي ضيفًا على طــاوالت التشريح أدفع عن نفسي تهمة نكراء، أقول ألحمد حمروش: هذه الرواية أقصد بها قصة الــبــشــريــة... وأبــعــد مــا يـكـون فــي ذهـنـي أن أكـتـب سـيـر األنـبـيـاء فــي حـــارة». ويعقد الكاتب مـحـاورات بي محفوظ وأبطاله الروائيي في أكثر لحظاته هشاشةً؛ ففي الفصل األخير «مُــت يا أخـي... ملـاذا ترفض أن تموت؟»، الذي يتكئ على حادثة محاولة اغتياله. يتابع محفوظ مصير الشابي اللذين أُحيال إلى املحاكمة العسكرية، في مشهد تتداخل فيه الواقعة بالهاجس: «يا ربّي، ليس بيدي ما أفعله لهما، وأشهد أنني أسامحهما. ثم رفعت أصابعي بحركة غريزية، وتحسّست الطبقة الناشفة فـوق الجرح، وقلت: لقد رتقوا جرح رقبتي وتركوا التمزّق في روحي». في هذه اللحظة ال يكتفي النص باستعادة الواقعة، بل يفتحها على أفــق تخييلي أرحــب؛ فيظهر بطل «الحرافيش» األشهر «عـاشـور الناجي»، ليُطمئن صاحبه محفوظ: «سـوف تلتئم... سـوف تلتئم يا حبيب القلب»، ليبلغ التداخل بي األصل والصورة ذروتـه؛ إذ ال تعود الشخصية الروائية مجرد صدى لعالم محفوظ، بل تتحوّل إلى وسيط يعيد إليه توازنه، وكأن الخيال، الذي صنعه يومًا في أدبه، يعود إليه دفئًا وسلوانًا. ال يقف الكتاب عند حدود السرد، بل يحتفي أيضًا باألرشيف البصري لنجيب محفوظ، عبر عدد كبير من الصور تتوزّع بي فصوله، لتشكّل طبقة موازية من «الـصـورة» لنظيرتها السردية، وتقيم حـوارًا بصريًا مع النص، بما يوسّع من فكرة «األصل والصورة» إلى ما هو أبعد من الكتابة. ويستند بناء الكتاب إلـى عـدد من املـراجـع التي تُــمـدّه بمادته األولـى؛ أي «األصـــل»، مثل «صفحات مـن مـذكـرات نجيب محفوظ» لـرجـاء النقاش، و«نجيب محفوظ يتذكّر» لجمال الغيطاني، و«أنا نجيب محفوظ» إلبراهيم عـبـد الــعــزيــز، و«أوالد حــارتــنــا: ســيــرة الـــروايـــة املــحــرمــة» ملـحـمـد شـعـيـر... وتُــسـتـدعـى فــقــرات مــن هـــذه املـــراجـــع فــي نـهـايـة كــل فــصــل، لــتُــجــاور الـصـور املتخيّلة وتدخل معها في حوار حول ما كُتب من السيرة، وما تركه محفوظ في عُهدة األثر. القاهرة: منى أبو النصر شعراء معاصرين 4 فاضل السلطاني يسبر انعكاساتها في تجارب اإلرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة عـــــن دار «الــــتــــكــــويــــن لـــلـــتـــألـــيـــف والـــتـــرجـــمـــة والــــــــنــــــــشــــــــر»، دمــــــــشــــــــق، صــــــــــدر كـــــــتـــــــاب «اإلرث الـــكـــولـــونـــيـــالـــي... والـــحـــداثـــة ومــــا بــعــد الــحــداثــة» لـــفـــاضـــل الـــســـلـــطـــانـــي. وهـــــو دراســـــــة فــــي تـــجـــارب أربعة شعراء معاصرين، وهـم الشاعر الكاريبي ديـــرك والــكــوت، والبريطانية مـن أصــل نيجيري بيرناردين إيفاريستو، والشاعر البريطاني لي هاروود، والشاعر األميركي فرانك أوهارا. والكتاب جاء في ثالثة فصول. ضم الفصل األول، املعنون «إعادة بناء الهوية عبر الذاكرة وفي الذاكرة» دراسـة مقارنة بي قصيدة «أوميروس» املــلــحــمــيــة لـــلـــشـــاعـــر الـــكـــاريـــبـــي ديــــريــــك والـــكـــوت والرواية الشعرية «الرا» للكاتبة البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو. ويــــرى الــكــاتــب أنـــه يــوجــد الـكـثـيـر مــن نقاط الــتــقــارب فـــي سـيـرتـي الــشــاعــر الــكــاريــبــي ديـريـك والـــكـــوت والـــشـــاعـــرة والـــروائـــيـــة الـبـريـطـانـيـة من أصــل نيجيري بـيـرنـارديـن إيفاريستو فكالهما ذو هوية هجينة، «والكوت من ساللة عبيد»، وقد تسمم بدم جانبي من أسالفه (كان أجداده بيضًا، وجـــداتـــه ســـــــــوداوات)، بـيـنـمـا كـــانـــت إيـفـاريـسـتـو تعاني من عدم التوازن بي طرفي عائلتها (أمها إنجليزية، ووالــدهــا نيجيري). وكــان كـل منهما يدخل نفسه كشخصية رئيسية في عمله. لــكــن مـــقـــاربـــة إيــفــاريــســتــو لـثـيـمـتـي الـهـويـة والـــــذاكـــــرة، كــمــا نـــقـــرأ فـــي هــــذا الـــفـــصـــل، تختلف إلــــى حـــد كـبـيـر عـــن مــقــاربــة والــــكــــوت، فـــــ را، كما تـــقـــول إيــفــاريــســتــو نــفــســهــا، هـــي روايــــــة سـيـريـة ذاتـــيـــة - شــعــريــة، مـسـتـمـدة مـــن حـيـاتـهـا، ولـيـس بالضرورة أن تكون كما هي. وربما لهذا السبب، كما يستنتج املـؤلـف، تـقـارب إيفاريستو ثيمتي الجذور والهوية، وتربط قضايا مثل العنصرية والتمييز واآلخـــر، من منظور شخصي محدود. إن اهتمامها بــ «استعمار الـوعـي والـثـقـافـة» في املــجــتــمــعــات املــســتــعــمــرة الــســابــقــة، ومـحـاولـتـهـا املصالحة عبر الذاكرة، وفي الذاكرة، مع ماضيها، ومع ذاتها، كهوية هجينة، هو مسعى ألن تعيد كليتها، و«تــضــع الـعـبـوديـة خـلـفـهـا». ومـــن هنا، فإنها تعيد إنتاج هوية اجتماعية، وليس هوية وطنية أو تاريخية. وعلى العكس منها، يسائل والكوت التاريخ، أو، بشكل أدق الفكرة األوروبية عن التاريخ، مازجًا املاضي بالحاضر، والثقافات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، والشخصي والعام. أمـــا الـفـصـل الــثــانــي املــعــنــون «لـــي هـــــاروود: العالقة الدياليكية بي املكان والفضاء»، فيتناول تــجــربــة هــــذا الـــشـــاعـــر، كـــنـــمـــوذج لـشـعـر الــحــداثــة فــي الخمسينيات والـسـتـيـنـيـات، وتـأثـيـر الشعر األميركي على تجربته الشعرية. ،)2015-1939( ، وقــــد امـــتـــاز شــعــر هـــــــاروود ومـــنـــذ بـــواكـــيـــره األولــــــى، كــمــا يـــقـــول الـسـلـطـانـي، بــعــ قــة ديـالـكـتـيـكـيـة بـــن االنـــفـــتـــاح واالنــــغــــ ق، والحاضر واملاضي، والحركة والسكون، والداخل والــــــخــــــارج. لـــكـــن عـــ قـــتـــه مــــع املــــكــــان والـــفـــضـــاء، متحركة دائمًا. وقـــــد غـــلـــب عـــلـــى الـــشـــاعـــر فــــي هـــــذه الـفـتـرة االهـتـمـام إلــى درجـــة كبيرة باألمكنة كجغرافيا، أكـثـر مـمـا كـونـهـا أمـكـنـة تخلية أم مـــجـــردة، على الــــرغــــم مــــن أن هـــنـــاك قـــصـــائـــد فــــي هـــــذه املــرحــلــة كانت منفتحة على املجرد واملنظور التخيلي أو التصوري. واملقارنة بي قصائد الشاعر األولـى واملتأخرة، تتيح لنا تفحص التطور الذي حصل فـي عالقته باملكان والـفـضـاء، ارتباطًا مـع تطور لغته الشعرية، خاصة في الثمانينيات فصاعدًا، حـــن أصــبــحــت قـــصـــائـــده مـنـشـغـلـة ذهــنــيــ أكـثـر باملكان والفضاء. ويــبــحــث الــفــصــل الـــثـــالـــث: «فــــرانــــك أوهــــــارا: جمالية األشـيـاء الصغيرة»، فـي تجربة أوهـــارا، كــمــثــال عــلــى شــعــر مـــا بــعــد الـــحـــداثـــة فـــي الـشـعـر األميركي. ويصنف النقاد الشاعر األميركي فرانك أوهـــارا ضمن «مـدرسـة نـيـويـورك»، وهـي جماعة من الشعراء والرسامي والراقصي واملوسيقيي الذي نشطوا خالل خمسينيات وستينيات القرن املاضي بمدينة نيويورك مستلهمي أفكارهم من الدادية السريالية، في افتراق واضـح عن شعراء االعتراف املعاصرين لهم، وأبرزهم روبـرت لويل .)1977-1917( لــكــن املـــؤلـــف يــــرى أن هــــذا الـتـصـنـيـف ليس دقيقًا تمامًا، «فأوهارا يكاد يكون ظاهرة خاصة بحد ذاتـهـا مـن ناحية أسلوبه الشعري، القريب جـــــدًا مــــن نـــثـــر الـــحـــيـــاة الــــيــــومــــي، وكــــأنــــه يـسـجـل يومياته، بالبساطة والعفوية ذاتـهـمـا، والعبث أيــضــ، بـاملـبـنـى واملــعــنــى، الـــذي سيتماثل الحقًا مع موته العبثي في، حي دهمته سيارة مسرعة ،1966 في ليلة حالكة من شهر يوليو/ تموز عام وهو في األربعي». ويـــبـــدو أنــــه كـلـمـا ضــمــن األشــــيــــاء أكـــثـــر في قصيدته، وبقدر ما يستطيع، بدت مفتوحة على فــضــاء أرحـــــب، وبــالــتــالــي كــونــيــة أكـــثـــر، وهــــو قد يتفرد بهذه امليزة، كما يـرى السلطاني، كما أنه «يتمتع بتلك الـقـدرة الشعرية الــنــادرة على رفع اليومي العادي و(األشياء املبتذلة) إلى مستوى السامي، وعلى أن يهبط بالسامي إلـى مستوى الـيـومـي واملـبـتـذل فـي الـوقـت نفسه، خالقًا بذلك حـــركـــة جــدلــيــة يــمــتــزج فـيـهـا اإلنــــســــان، والــعــالــم، واألشـــيـــاء، ســـواء أكــانــت سـامـيـة أم مـبـتـذلـة، معًا في نسيج القصيدة، املحدد زمنها ومكانها. ومن خالل (تأرخته) لألحداث اليومية، يكشف أوهارا، بلغة مباشرة، وغالبا حميمة، عـن وعـي واضـح بـالـطـبـيـعـة الـجـمـالـيـة لـــ شـــيـــاء، أو مـــا يـمـكـن أن نسميه (جمالية األشياء الصغيرة). وبذلك خلق نمطًا جديدًا في الشعر األميركي ما بعد الحرب، رادمـ الهوة في قصيدته بي الفن والحياة، مما يـجـعـلـنـا، حــســيــ وذهـــنـــيـــ ، مــنــخــرطــن أكـــثـــر في وجودنا اإلنساني». جاء على الغالف األخير للكتاب: «مـا تــزال ثقافة مـا بعد االستعمار ظاهرة هجينة تشتمل على عـ قـة جدلية بـن ثقافات الـــبـــلـــدان املــســتــعــمــرة ســابــقــ والـــنـــظـــام الـثـقـافـي الغربي، الذي أنتج، بعد هيمنته املادية، ظواهر كـبـرى مثل الـحـداثـة، الـتـي تستند إلــى املركزية األوروبية، وما بعد الحداثة، التي تهدف إلعادة االعتبار لثقافات الشعوب وتقاليدها، وتفكيك أوهــام املركزية األوروبـيـة، وتعبيراتها األدبية، فالحقيقة هي (نتاج بشري عـام وليست نتاجًا أوروبي ًا). واملــهــم هــنــا، كـيـف انـعـكـسـت هـــذه الـظـواهـر واملــــفــــاهــــيــــم الــــتــــي أنـــتـــجـــتـــهـــا، وإن بـــشـــكـــل غــيــر مـحـسـوس وغـيـر مـبـاشـر، فــي األدب املـعـاصـر في النصف الثاني من القرن العشرين». دمشق: «الشرق األوسط» ما الذي يدفع بعض الكتاب إلى مراجعة ما كتبوا الكاتب والنص... القصّة ال تنتهي عند النشر فـي عـددهـا األخــيــر، خصّصت مجلة «تيلي رامــــا» الـثـقـافـيـة مـقـالـة نـقـديـة لــلــروايــة األيـقـونـيـة «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها املـــقـــارنـــة بـــن نـسـخـتـن مـــن هــــذا الــعــمــل الـشـهـيـر: ، والثانية التي 1957 األولـى التي رأت الـنـور عـام غير أن الناشر أحجم عن 1951 أنجزها كيرواك في طباعتها. وقد أثار املقال سؤاال جوهريًا ال يخلو من اإلثارة: أي النسختي تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النص الذي أراده، أم النص الذي تم نشره؟ يفتح هـــذا الــســؤال بــــدوره بـابـ أرحـــب عـلـى إشـكـالـيـة ال تقل أهمية: ملاذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الـذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟ لـعـل أعـمـق الـــدوافـــع وأكــثــرهــا تـفـسـيـرًا لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حـــن يــقــرأ مـــا كـتـب بـعـد مــضــي ســـنـــوات، فيجده مُـــقـــصّـــرًا دون مــــا أراده. الــــروائــــيــــون والـــشـــعـــراء يصفون هـذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هــاجــس الــكــمــال»، وآخــــرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب املتقدّم فـــي فــنّــه يُــصــبــح بـــالـــضـــرورة قـــارئـــ أكــثــر صــرامــة مــع نـصـوصـه الـسـابـقـة. كـــان ذلـــك حـــال فالديمير نابوكوف، أشـد الروائيي هوسًا بإعادة الكتابة، إلـــى درجــــة أن ســيــرة أعـمـالـه تــكــاد تــكــون تـاريـخـ متواصال للتعديل والصقل عبر اللغات واألزمنة. وكـــان يـقـول عـن نفسه مــازحــ: «ممحاتي تنتهي قبل أقالمي». كتب نابوكوف رواياته األولى بالروسية، ثم عــاد إليها الحقًا ليُعيد صياغتها باإلنجليزية، ألنــــه كــــان يــــرى فـــي الــنــســخــة األصـــلـــيـــة «عــيــوبــ » أســلــوبــيــة وإيــقــاعــيــة ال تـصـلـحـهـا إال يـــد املــؤلــف نفسه. وحـن جـاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصر على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى ال «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره املبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعـادة كتابة دقيقة تراقب كل جملة وصـورة وإيحاء. وفي السياق ذاتـه، صرّح الـــروائـــي األمــيــركــي بـــرنـــارد مـــاالمـــود بــأنــه يُعيد كتابة أعماله ثالث مرات على األقل: مرة كي يفهم مـــا كــتــب، ومـــــرة لـتـحـسـن الـسـبـك الــلــغــوي، ومـــرة ثالثة إلجبار النص على أن يقول ما لم يقله بعد. أمـا غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هـذا الهاجس في تاريخ األدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» عـمـ مكتمال فــي نـظـره، 1857 حــن صـــدرت عـــام فــعــاد فــي الـطـبـعـات الـ حـقـة بـمـا يــزيــد عـلـى ألـف ومــائــتَــي تـعـديـل، بعضها يتعلق بـإيـقـاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها. وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر ســـي. كـــ رك نـمـوذجـ بـالـغ الــداللــة عـلـى املـراجـعـة بوصفها إعـــادة كتابة ال مـجـرّد تحسي، إذ كتب ، ثــم أعــاد 1948 روايــتــه «ضـــد سـقـوط الـلـيـل» عـــام روايـــة جديدة 1956 صياغتها كليًا لتصبح عــام بعنوان «املدينة والـنـجـوم»، مُوسّعًا فـي تصوير عـاملـه ومُعمّقًا شخصياته، ومُــعـيـدًا بـنـاء مـا رأى فيه نقصًا فـي نسخته األولـــى. واملـفـارقـة أن كلتا النسختي ظلّت في التداول، فأتاحتا ملن قرأهما معًا أن يشهد نمو كاتب وتـحـوّل رؤيته بي عقد وآخر. على أن كثيرًا من املراجعات الالحقة للنشر تــــكــــون بـــســـبـــب ضــــغــــوط خــــارجــــيــــة ال صـــلـــة لـهـا بمشيئة الــكــاتــب الـــحـــرة أو نـضـجـه الــفــنــي، مثل الــرقــابــة. فـجـاك كــيــرواك نفسه حـــذف مــن روايـتـه «على الطريق» مشاهد جوهرية إرضــاء لشروط الـنـاشـر، قبل أن يتم اكتشاف مـسـودّتـه األصلية الحقًا وتُعيد رسم صورة مغايرة تمامًا للرواية. ، أعـــــــادت دار نـشـر 2023 ) وفـــــي فـــبـــرايـــر(شـــبـــاط «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير الئقة من املــنــظــور الـثـقـافـي املــعــاصــر. ولـــم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيرًا، إذ خضعت طبعات حديثة مــن روايــاتــهــا لـحـذف عــبــارات تـصـف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديالت ما طال .1939 روايـتـهـا «ثــم لـم يـبـق أحـــد» الــصــادرة عــام وقد تنبثق املراجعات من تحوّالت حياتية عميقة تجعل من النص القديم مرآة لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» وهــــي ابـــنـــة الـــحـــاديـــة والـــعـــشـــريـــن، ثم 1818 عــــام بعد أن خسرت ابنتها 1831 أعـادت كتابتها عام وابنها وزوجـهـا الـشـاعـر، وفــي املسافة الفاصلة بــــن الـــنـــشـــرتـــن، امـــــــــرأة مــخــتــلــفــة كـــتـــبـــت روايـــــة مختلفة: الخالق املُكتئب واملخلوق املنبوذ باتا يحمالن وطأة تجارب املؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحمالنه في نسخة الشباب. عــــمــــومــــ فــــــــإن رغـــــبـــــة األدبـــــــــــــاء فــــــي تـــعـــديـــل نصوصهم املنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعال ناجزًا ينتهي بوضع النقطة األخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترق دائم وصيرورة ال تتوقف عن التشكّل. وكأنهم ال يرون في عملهم اإلبداعي كيانًا مكتمال بل بذرة تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة ألن العمل األول كان ناقصًا، بل ألن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد. ويُـــعـــد هــنــري جـيـمـس نــمــوذجــ جـلـيـ لـهـذا املخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك بـــأن نـصـوصـه األولــــى باتت 1907 الـشـهـيـرة عـــام «عـــصـــيـــة عـــلـــى االحـــــتـــــمـــــال» بـــالـــنـــســـبـــة لـنـضـجـه املتأخر، مما دفعه إلعـادة نسج روايــات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفًا أرشيفًا نــــادرًا يـوثـق تـطـور األديــــب مــع الـزمـن. أمـــا املـثـال األبلغ على النص الـذي يرفض االنـغـ ق، فيبقى ديــــوان الـشـاعـر والــــت ويـتـمـان «أوراق الـعـشـب»، فـي كـراسـة رقيقة تضم 1855 فمنذ صـــدوره عــام اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثالثي عامًا، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابة لتحوالت التاريخ والسياسة، مـــن الـــحـــرب األهــلــيــة إلــــى اغــتــيــال لــنــكــولــن، حتى ما يزيد 1892 بلغت «طبعة الفراش األخير» عام على أربعمائة قصيدة. هذا الهاجس املسكون بالرغبة في اإلضافة لـم يـفـارق مـارسـيـل بـروسـت أيـضـ ، الـــذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات املوت، تاركًا خلفه ركامًا مـن املخطوطات الضخمة الـتـي استلزمت جهدًا استثنائيًا من محرريه لتنظيمها. باريس: أنيسة مخالدي والت ويتمان فالديمير نابوكوف مارسيل بروست
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==