لـــطـــاملـــا اعــــتُــــبــــرت أمــــــــراض تـــنـــكّـــس الـشـبـكـيـة الوراثية، وهي مجموعة من أمراض العني الناتجة عـــن خــلــل جــيــنــي، مـــن األســـبـــاب الــرئــيــســة لـفـقـدان البصر الشديد لدى البالغني في سن العمل. وكان يُنظر إليها بوصفها مثاال صارخًا على «حتمية الجينات»، إذ ساد االعتقاد بأن حمل طفرة جينية معيّنة يعني بالضرورة فقدان البصر في مرحلة ما من الحياة. غير أن دراستني علميتني حديثتني تقلبان هذا التصور، وتؤكدان أن الجينات ال تعمل دائمًا بهذه البساطة، وأن مصير اإلنسان الصحي أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد. الجينات «الممرِضة» ال تُسبب المرض • احتمالية اإلصـابـة. فـي دراســـة رائـــدة نُشرت The American Journal of Human« فــــي مــجــلــة ، حلّل 2026 ) يناير (كـانـون الثاني 8 » في Genetics باحثون من معهد علم جينوم العني في مستشفى مـــاســـاتـــشـــوســـتـــس لـــلـــعـــيـــون واألذن وكـــلـــيـــة الــطــب بجامعة هـارفـارد الـواليـات املتحدة بيانات جينية وســريــريــة ملــئــات اآلالف مــن األشـــخـــاص. وخـلـصـوا إلى أن الجينات التي كان يُعتقد سابقًا أنها تسبب العمى الوراثي بشكل شبه مؤكد ال تؤدي إلى املرض في املائة من الحاالت. 30 إال في أقل من وتُـــعـــد هــــذه الـنـتـيـجـة مــفــاجِــئــة، خــصــوصــ أن أمــــراض تـنـكّــس الشبكية تُــصـنَّــف ضـمـن مــا يُــعـرف باالضطرابات «املندلية»، أي األمـراض الناتجة عن طفرة في جني واحــد. ويقول الدكتور إريــك بيرس، مدير املعهد وأحد كبار مؤلفي الدراسة، إن االعتقاد السائد طوال أكثر من قرن كان أن طفرة واحدة كافية إلحداث املرض، لكن البيانات الجديدة تُظهر أن هذا النموذج يحتاج إلى مراجعة. ويـرجـع سبب املبالغة السابقة فـي تقدير خطر هذه األمراض إلى أن معظم الدراسات القديمة أُجريت على مرضى وعـائـات مصابة بالفعل. هـذا األسلوب رغـــــم أهـــمـــيـــتـــه قــــد يــــــؤدي إلـــــى مــــا يُــــعــــرف بــــ«انـــحـــيـــاز االخـــتـــيـــار»، أي الـتـركـيـز عـلـى الـــحـــاالت األشــــد تــأثــرًا، وإهمال الصورة الكاملة لدى عامة السكان. • مـــتـــغـــيـــرات جــيــنــيــة. ولـــتـــجـــاوز هـــــذا االنـــحـــيـــاز اسـتـخـدم الـبـاحـثـون قــواعــد بـيـانـات حـيـويـة ضخمة، األميركي، وبنك اململكة املتحدة All of Us مثل برنامج جين ًا 33 مـتـغـيـرًا جينيًا فــي 167 الــحــيــوي. ودرســـــوا مـعـروفـ بـارتـبـاطـه بتنكس الـشـبـكـيـة. ومـــن بــ نحو يحملون هـــذه الـطـفـرات، 481 ألـــف شـخـص وُجـــد 318 في املائة فقط لديهم تشخيص واضح للمرض، 9 لكن وحــتــى مـــع تـوسـيـع مـعـايـيـر الـتـشـخـيـص لـــم تـتـجـاوز في املائة. وأكدت صور الشبكية من بيانات 30 النسبة البنك الحيوي البريطاني هذه النتائج، كما لم تُظهر عوامل مثل العمر، أو الجنس، أو التدخني، أو الوضع االجتماعي تأثيرًا حاسمًا. ويشير ذلك إلى أن عوامل أخرى -سواء كانت جينية إضافية، أو بيئية، أو آليات حماية داخل الجسم- تلعب دورًا مهمًا في تحديد من يُصاب باملرض، ومن ال يُصاب. جينات جديدة وتصورات حديثة • اكـتـشـاف جـيـنـات جــديــدة ألمــــراض الشبكية. وفــــي ســـيـــاق مــــــواز كـــانـــت دراســــــة أخـــــرى نُـــشـــرت في سبتمبر 26 » فـــي JAMA Ophthalmology« مـجـلـة أظـهـرت مـدى اتـسـاع الجوانب التي ال 2024 ) (أيـلـول تــزال مجهولة فـي هــذا املـجـال. فقد اكتشف باحثون مـن املـعـاهـد الوطنية للصحة فـي الــواليــات املتحدة UBAP1L بالتعاون مع فرق دولية جينًا جديدًا يُدعى باعتباره سببًا لبعض أمراض تنكّس الشبكية. وشـمـلـت الـــدراســـة سـتـة مــرضــى غـيـر مرتبطني ظـهـرت لديهم أشـكـال مختلفة مـن ضـمـور الشبكية، منها مـا يؤثر فـي الـرؤيـة املـركـزيـة، أو رؤيــة األلـــوان، أو الرؤية الليلية. وبدأت األعراض في مرحلة البلوغ املــبــكــر، وتــفــاقــمــت تــدريــجــيــ . ويـــؤكـــد الــبــاحــثــون أن تحديد هــذا الـجـ يفتح الـبـاب لفهم آلـيـات املــرض، والعمل على تطوير علجات مستقبلية. 280 وينضم هذا الجني إلى قائمة تضم أكثر من جينًا معروفًا حتى اآلن بارتباطه بأمراض الشبكية الــوراثــيــة. كـمـا تُــبــرز الـــدراســـة أهـمـيـة تمثيل مناطق جـغـرافـيـة مختلفة فــي األبــحــاث الجينية، إذ جــاءت مـعـظـم الـــحـــاالت مـــن جـــنـــوب وجـــنـــوب شـــرقـــي آســيــا، وبولينيزيا. • نـحـو فـهـم جـديـد لــإرشــاد والــعــاج الجيني. وتشير الدراستان معًا إلى تحوّل مهم في فهم العمى الوراثي. فبينما يوسّع اكتشاف جينات جديدة فرص التشخيص الدقيق، يُظهر انخفاض احتمال اإلصابة رغـــم وجـــود الـطـفـرة أن نـتـائـج الـفـحـوصـات الجينية يجب تفسيرها بحذر. وبالنسبة للمرضى فقد يعني ذلك تقليل الخوف املرتبط بحمل طفرات جينية، إذ لم يعد فقدان البصر مصيرًا حتميًا. أما للباحثني فهذا الفهم يفتح بابًا جديدًا لألمل في الوقاية، والعلج. ويختم الـدكـتـور بـيـرس بـالـقـول إن الجينات مـــهـــمـــة، لــكــنــهــا لــيــســت الـــقـــصـــة كـــامـــلـــة، ومـــــع هـــذا التحوّل في الفهم، قد يصبح العمى الوراثي يومًا ما مرضًا يمكن تجنبه، أو علجه بدل اعتباره قَدَرًا ال مفر منه. علوم SCIENCES 16 Issue 17282 - العدد Monday - 2026/3/23 االثنني التفاعل مع اآلخرين يضفي الحيوية على جسمك ويشكل مزاجك ودوافعك ويؤثِّر في تفكيرك وسلوكك % من أمراض تنكّس الشبكية فقط 30 الجينات تؤدي إلى رؤى علمية رائدة لعالج العمى الوراثي لندن: د. وفا جاسم الرجب التجارب االجتماعية تعمل على تفعيل «جينات المناعة» أو إيقافها األصدقاء يعززون قدرتك على أداء وظائفك بـــيـــنـــمـــا تـــمـــنـــحـــك قــــلــــة مــــــن الــــــروابــــــط الوثيقة الرعاية والحماية، يوفر لك املحيط الخارجي من األصـدقـاء العابرين، الفرص والـتـحـفـيـز؛ ومـــن املــرجــح أنـــك ال تــقــدّر مـدى أهمية هؤالء جميعًا في حياتك. األصدقاء ضرورة بيولوجية وعاطفية «اإلنسان كائن اجتماعي»، لقد سمعت هذه العبارة مرارًا وتكرارًا. ولكن ماذا يعني ذلك على وجه التحديد؟ األصدقاء املقربون، واملـعـارف الـعـابـرون، وحتى الغرباء الذين يــســتــوقــفــونــك فـــي الــــشــــارع؛ هـــــؤالء لـيـسـوا مــجــرد كـمـالـيـات لـحـيـاة ممتعة أو مـثـيـرة، وإنـمـا هـم ضـــرورة بيولوجية بـقـدر مـا هم ضـــــــرورة عـــاطـــفـــيـــة. وهــــــم، تـــمـــامـــ كـــالـــغـــذاء والحركة، أي الركيزة األساسية لقدرتك على أداء وظائفك بشكل جيد. يُضفي التفاعل مع اآلخرين الحيوية على كل جهاز في جسمك تــقــريــبــ ؛ فـــهـــذه الـــتـــفـــاعـــات تــشــكِّــل مــزاجــك ودوافــــعــــك، وتـــؤثِّـــر فـــي تـفـكـيـرك وســلــوكــك، وتـمـنـحـك الــرفــاهــيــة والــصــحــة، بـــل وتطيل الـعـمـر. ويـــوثِّـــق مــجــال بـحـثـي كــامــل يُــعـرف social » بــاســم «عــلــم الـجـيـنـوم االجــتــمــاعــي كيف تعمل التجارب االجتماعية genomics عـلـى تفعيل الـجـيـنـات أو إيـقـافـهـا - سيما تلك املتعلقة بجهاز املناعة - وكيف تحمي حـمـضـك الـــنـــووي. فـمـن دون الـــرفـــاق، فإنك تذبل حرفيًا بكل طريقة يمكن ملحظتها. اللقاءات - مسكّنات طبيعية قــبــل أن تــســتــرســل فـــي الـــــقـــــراءة، تــوقَّــف للحظة لتخطط لوجبتك القادمة. ادع شخصًا أو شخصني ممن تعرفهم ملشاركتك الطعام سواء في املنزل، أو في مطعم، أو في حديقة، أو حتى على مكتبك، فــإن تـنـاول الـطـعـام مع األصــــدقــــاء - الـــتـــواجـــد فـــي صـحـبـتـهـم املــاديـة واالنخراط في نشاط متزامن - يحفز الجهاز األفيوني في الدماغ إلفـراز «بيتا إندورفني». وتعمل هــذه املـــادة كمسكن طبيعي يقلل من اآلالم الجسدية والعاطفية، كما تعمل كمادة مسببة للبهجة، حيث تطلق العنان ملستويات «الدومابني» وتغمرك بشعور من الطمأنينة. وعندما يرتبط «بيتا إندورفني» بصنف مــحــدد مـــن مـسـتـقـبـات األفـــيـــون، فــإنــه يخلق - بـاملـعـنـى الـحـرفـي - مـشـاعـر الــــدفء واألمـــان والـــســـامـــة، ويـــدفـــعـــك لــلــرغــبــة فـــي الـــقـــرب من اآلخرين. لكن أثره يتجاوز ذلك بكثير. ومــــــــن كــــبــــح اســــتــــجــــابــــة (ردة الــــفــــعــــل) التوتر إلـى توسيع القشرة الجبهية وجميع املـــــادة الـــرمـــاديـــة املــرتــبــطــة بـــ«شــبــكــة الــوضــع االفـتـراضـي» فـي الــدمــاغ، وصـــوال إلــى تحفيز إنـــــتـــــاج «الــــخــــايــــا الـــقـــاتـــلـــة الـــطـــبـــيـــعـــيـــة» فـي الجهاز املناعي الـتـي تحمي مـن الفيروسات والـــســـرطـــان؛ يـنـطـلـق «بــيــتــا إنــــدورفــــ » عبر الـــجـــهـــاز الـــعـــصـــبـــي مـــامـــســـ أغــــلــــب وظـــائـــف الــجــســم. وهــــو مـــا يـجـعـل الـــرفـــاق مـسـتـعـديـن لدعمك عندما تنهار، وتقديم املساعدة عندما تحتاجها. ووفـــــقـــــ لـــــ«نــــظــــريــــة األفــــــيــــــون الـــدمـــاغـــي لـــارتـــبـــاط االجــتــمــاعــي» الــتــي وضــعــهــا عـالـم النفس البريطاني «روبــن دنـبـار»، فـإن «بيتا إنـــدورفـــ » هــو املــــادة الــتــي تـضـمـن اسـتـدامـة املجتمعات البشرية. ويــــــرى دنــــبــــار أن أدمــــغــــة الـــبـــشـــر لـديـهـا قـدرة معرفية محدودة إلدارة عدد معني فقط عـاقـة، 150 مــن الـعـاقـات االجـتـمـاعـيـة، وهـــو »Dunbar number واملـــشـــهـــور بــــ «رقــــم دنـــبـــار (وهو رقم قريب بشكل مذهل من متوسط عدد املدعوين لحفلت الزفاف في الواليات املتحدة خلل السنوات العشر املاضية). ويجد دنبار أنــنــا نــكــون فــي أفــضــل حـاالتـنـا عـنـدمـا تكون خـمـس مــن هـــذه الــعــاقــات هــي روابــــط وثيقة (أقـــل قـلـيـا للشخصيات االنــطــوائــيــة، وأكـثـر قليل للشخصيات املنفتحة). ورغـــــــــم كــــــل مــــــا تــــــوفــــــره مــــــن دعـــــــــم، فــــإن الصداقات الوثيقة مكلفة في بنائها والحفاظ عليها؛ فهي تتطلب وقتًا، وتفهمًا، ومهارات دبلوماسية، وطاقة عاطفية. والرقم «خمسة» هـــو الـــعـــدد الــــذي يـمـكـنـنـا مـــن خــالــه الـحـفـاظ على جـــودة الـعـاقـات فـي أعـلـى مستوياتها، والشعور بأكبر قدر من الرضا عن الحياة. عالم أوسع من المعارف نــــحــــن ال نـــحـــيـــا بـــــالـــــروابـــــط الـــوثـــيـــقـــة وحـدهـا؛ فاملعارف الـذيـن نلتقي بهم بشكل متكرر أو عرضي دونما تخطيط أو جهد - والذين أطلق عليهم مارك غرانوفيتير، عالم االجتماع الرائد في جامعة ستانفورد، اسم «الروابط الضعيفة» - هم من يدمجوننا في العالم األوسـع. وهؤالء يقدمون لنا خدمات ال تــســتــطــيــع الــــــروابــــــط الــــقــــويــــة تــقــديــمــهــا؛ فـعـلـى اعـتـبـارهـم جــســورًا أو قــنــوات لــدوائـر اجتماعية متنوعة، ينقلون إلينا وجهات نـظـر ومـعـلـومـات - وال سـيـمـا أخـبـار فـرص الـــعـــمـــل - مــــن غـــيـــر املــــرجــــح أن تـــتـــدفـــق عـبـر الــدوائــر االجتماعية املـتـداخـلـة الـتـي نعتاد العيش فيها بانتظام. وتـــــــــــرى إيــــــفــــــا مـــــيـــــرســـــون مــــيــــلــــغــــروم، األستاذة الفخرية في علم االجتماع بجامعة ستانفورد، أنه ال يوجد سقف لعدد الروابط الــضــعــيــفــة الـــتـــي يـمـكـنـنـا امـــتـــاكـــهـــا، وذلــــك لـكـونـهـا خـالـيـة مـــن االلـــتـــزامـــات وال تتطلب صيانة مستمرة؛ وتقول: «كل ما عليك فعله هو حضور مناسبة ما بني الحني واآلخر». وبــيــنــمــا تــعــمــل الــــروابــــط الـــقـــويـــة على تـــعـــزيـــز الـــــراحـــــة الـــعـــاطـــفـــيـــة والـــتـــشـــابـــه فـي التفكير والسلوك، تساهم الروابط الضعيفة في تعزيز التعلم والتحفيز املعرفي. وتقول ميلغروم: «نحن ننكشف على وجهات نظر غير مألوفة، مما يزيد من اللدونة العصبية واملرونة العقلية والتكيف الذهني». ثــــم تـــضـــيـــف: «الـــــروابـــــط الـــقـــويـــة تــأتــي محمَّلة بالتوقعات، أمــا الــروابــط الضعيفة فـتـوفـر مـسـاحـة للتجربة والتغيير والنمو دون تكبُّد تبعات عاطفية أو مواجهة إقصاء اجتماعي. إنها تعزِّز الحرية، والقدرة على اخـــتـــيـــار جـــوهـــر الـــــــذات بــــــدال مــــن الــخــضــوع لضغوط املجموعات االجتماعية املترابطة بإحكام». يمكن أن تنشأ الـــروابـــط الضعيفة من اللقاءات العارضة التي تخلقها النشاطات الروتينية اليومية - أماكن العمل، ومدارس األطفال، واملؤسسات الدينية أو املدنية - وفي الــواقــع، فــإن عنصر املـفـاجـأة يضاعف األثـر العاطفي لهذه التجارب. كما يمكن العثور عليها عبر االنـضـمـام ملجموعات تشاركنا اهتماماتنا، سواء كانت نوادي الحدائق، أو مجموعات الـقـراءة، أو أي نـوع من الــدورات التدريبية. وتقول ميلغروم: «تكمن املفارقة فـي أن الــروابــط االنتقالية تـبـدو اختيارية، غير أن غيابها مكلف للغاية». وتُظهر أبحاثها أن هـذا الغياب يكون مكلفًا للنساء بصفة خـاصـة، وربـمـا األكثر كلفة للنساء األكــبــر سـنـ الـلـواتـي غـالـبـ ما يـــفـــقـــدن الـــشـــعـــور بـــالـــهـــويـــة أو األهـــمـــيـــة مـع تـقـدمـهـن فـــي الــعــمــر، حـيـث يـتـقـلـص عاملهن االجتماعي إلى دائرة عائلية صغيرة. وتـــوضـــح مــيــلــغــروم: «تـسـمـح الـــروابـــط الضعيفة لـ فـراد بتوسيع نطاق وصولهم باستمرار إلى املجتمع». وتلحظ أن النساء يركزن عادة على الروابط القوية - البحث عن صـديـقـات مـقـربـات - بينما «يــعــرف الـرجـال كــيــفــيــة تـــكـــويـــن صـــــات عـــبـــر الـــــروابـــــط غـيـر الرسمية؛ إذ لديهم خبرة أكبر في التواصل مع اآلخرين بناء على االهتمامات املشتركة». روابط ضعيفة تحافظ على المرونة بالطبع، كل الروابط ال بد أن تبدأ من مكان ما؛ قد يكون األمر بسيطًا كقولك: «لقد أعجبني تعليقك، هل نرتشف فنجان قهوة بعد انتهاء االجـتـمـاع؟» أو عند االنضمام ملؤسسات مجتمعية تقدم باقة متنوعة من األنشطة، من فنون الـدفـاع عن النفس إلى اليوغا أو الرسم، وغير ذلك الكثير. وتــــؤكــــد مـــيـــلـــغـــروم أن االنـــــخـــــراط فـي هــــــذه األنــــشــــطــــة يـــتـــيـــح لـــــك الــــتــــعــــرف عـلـى الـنـاس كجزء مـن سعيك وراء اهتماماتك، وهـي عــادة طريقة خالية مـن التوتر للقاء أشــخــاص جـــدد؛ إذ يصبح الـنـشـاط نفسه هو محور التركيز، فل تضطر للقلق بشأن بدء املحادثة أو توجيهها. إن الروابط الضعيفة ضرورية وقيِّمة فـــي حـــد ذاتـــهـــا؛ فــهــي تــســاعــد فـــي الـحـفـاظ عـلـى مـرونـتـنـا وجـاذبـيـتـنـا طـــوال الـحـيـاة. وتـــريـــد مـيـلـغـروم مـنـك أن تـتـخـيـل شبكتك االجتماعية كـ«خريطة مترو األنفاق»: «إذا كانت كل خطوطك تمر عبر املحطات القليلة نـفـسـهـا (أصـــــدقـــــاؤك الــخــمــســة املـــقـــربـــون)، فـــأنـــت فــــعَّــــال ولـــكـــنـــك هـــــش. أمـــــا الــصــمــود واالســـتـــقـــالـــيـــة والـــشـــجـــاعـــة االجــتــمــاعــيــة، فتأتي من إضافة خطوط جديدة تصل إلى أجـــزاء مختلفة تمامًا مـن املـديـنـة». والسر املكشوف للجميع هو أن الروابط الضعيفة قد تكون أسرع طريق للوصول إلى الروابط القوية. قيمة الصداقات القوية إن «الـتـقـديـر» الـــذي تـوفـره الـصـداقـات عالية الجودة يفعل أكثر من مجرد إشعارك بـالـرضـا؛ إنــه يجعلك قويًا جسديًا وصلبًا عاطفي ًا. لـــقـــد كـــشـــفـــت أطـــــــول دراســــــــة مــســتــمــرة حــــــول الـــتـــنـــمـــيـــة الـــبـــشـــريـــة، والــــتــــي دخــلــت عــامــهــا الــثــامــن والــثــمــانــ وتــتــابــع أحــفــاد األصليني، أن أهـم مؤشر 724 املشاركني الــ للسعادة وطــول العمر هـو امـتـاك علقات عالية الجودة. وال يعني ذلك مجرد وجود أصــدقــاء، بـل وجـــود «الـنـوع الصحيح» من األصدقاء. نـحـن بـحـاجـة إلـــى أصــدقــاء حقيقيني. األصـــــدقـــــاء الــحــقــيــقــيــون هــــم أولــــئــــك الـــذيـــن يـــوفـــرون الـــرفـــقـــة: فـنـحـن نـسـتـمـتـع بـقـضـاء الوقت معهم، وهم يدعموننا عاطفيًا. إنهم متاحون دائـمـ، ويمكننا الـوثـوق بهم بما يكفي ملشاركة أمورنا الشخصية. مـــــيـــــزة أخـــــــــرى أســــاســــيــــة لــــ صــــدقــــاء الحقيقيني هي «التقدير». إنهم يشجعوننا ويــــــؤكــــــدون إحـــســـاســـنـــا بــــذواتــــنــــا وثــقــتــنــا بأنفسنا. وفـقـ لعاملة النفس الشهيرة «مـارشـا لـــيـــنـــهـــان»، فــــــإن الـــتـــقـــديـــر يـــعـــنـــي تــوصــيــل رسالة لشخص ما مفادها أن «استجاباته منطقية ومفهومة ضمن سـيـاق حياته أو وضعه الحالي». وتجادل لينهان، املعروفة بـــدراســـاتـــهـــا حـــــول اضـــــطـــــراب الـشـخـصـيـة الحدية، بـأن تـجـارب الطفولة املبكرة التي تفتقر إلى التقدير قد تكمن في جوهر هذا االضطراب، وبصفة أعم، فإن نقص التقدير في مرحلة الطفولة يجعل األشـخـاص غير قـادريـن على تنظيم مشاعرهم فـي مرحلة البلوغ. *واشنطن: هارا أستروف مارانو ود. ماريسا فرانكو النص الكامل على الموقع اإللكتروني * مجلة «سيكولوجي توداي»، خدمات «تريبيون ميديا».
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==