الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani األمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel OPINION الرأي 13 Issue 17282 - العدد Monday - 2026/3/23 االثنني المرشد ووقف النار وشبح السنوار ولد النظام اإليراني الحالي على جمر القلق. انتدبت ثورة الخميني نفسها ملهمة تفوق طاقات بالدها على رغم موقعها وثـرواتـهـا. والــثــورات تشبه األفــــراد؛ تأخذها االنـتـصـارات إلى املبالغة، والـغـرور، واملـجـازفـة، والتهور. فـرض الخميني الزي املوحد على الثكن واملـــدارس والجامعات واملخيالت، وال يزال يدير البالد من ضريحه. ال يـخـطـئ الـــشـــاب إذا ارتـــكـــب فـــي املــراهــقــة أحـــ مـــا شائكة مترامية األطــــراف؛ لكنه يخطئ بالتأكيد إذا تمسك بقاموس املراهقة على رغـم طالئع زيـــارات الشيب لـرأسـه. وهــذا يصدق على الثورات أيضا، ويجعل تمسكها بأحالم املبالغة واملراهقة مشروعا تدميريا أو انتحاريا. رفــضــت الـــثـــورة اإليـــرانـــيـــة أن تـتـعـلـم مـــن تـــجـــارب الـــثـــورات األخرى. على مدى عقود، حاول فيديل كاسترو إشعال النار في الرداء األميركي. كاد يتسبب في وليمة نووية مدمرة بني أميركا واالتـحـاد السوفياتي. بعد تجارب طويلة، انكفأ إلـى جزيرته كما ينكفئ بحار خائب لتعذر اصطياد السمكة الحلم. كوبا تكافح حاليا ملواجهة انقطاع الكهرباء وشح الوقود، ومن حق ضريح كاسترو أن يشعر بقلق شديد. أذل الـشـيـوعـيـون الفيتناميون اإلمــبــراطــوريــة األمـيـركـيـة؛ أسقوها كأس الهزيمة وأرغموها على انسحاب مذل. لم يدفعهم االنــتــصــار إلـــى الـتـهـور االنـــتـــحـــاري. مـكـافـحـة الـفـقـر أوالً. لهذا يواصلون العمل الستقطاب األميركيني سياحا ومستثمرين، ولخفض منسوب قلقهم من «الرفاق» في بالد شي جينبينغ. لـن نسرف فـي عقد األمثلة؛ لكن دروس التاريخ صارخة. كانت اإلمبريالية األميركية العدو األول لبالد ماو تسي تونغ. قـــــراءة أرقـــــام االقـــتـــصـــاد ومــــوازيــــن الـــقـــوى ومـــشـــاريـــع الهيمنة الـدولـيـة، دفعت رئيس الــــوزراء الصيني الـ عـب الكبير شـوان الي، إلـى اغتنام زيـــارة سرية حملت إليه مبعوث اإلمبريالية هنري كيسنجر. كان شو أستاذًا في املرافعة دفاعا عن موقف بالده لكنه لم يتصرف كما تصرف عباس عراقجي مع ستيف ويتكوف في الجولة األخيرة بينهما. ولدت الثورة اإليرانية غريبة عن قاموس عالم املعسكرين. ولـــدت غـريـبـة أيـضـا عــن قــامــوس األكـثـريـة السنية فــي العالم اإلســـ مـــي. ولــــدت غـريـبـة عـــن قـــامـــوس األكــثــريــة الـعـربـيـة في اإلقـلـيـم. وال مبالغة فـي الـقـول إن حلم االنــقــ ب الكبير الـذي حملته ثــــورة الـخـمـيـنـي، شـعـر بــأنــه يـصـطـدم بــثــ ث قـــوى أو جـــهـــات. الــجــهــة األولــــــى هـــي الــحــضــور األمـــيـــركـــي فـــي الــشــرق األوسط وشبكة العالقات واملصالح األميركية في هذه املنطقة الغنية بالثروات واملنعطفات والتي تعني استقرار االقتصاد العاملي. الجهة الثانية هي ما سمته الثورة اإليرانية «الغدة السرطانية» التي ال بد من استئصالها؛ وهي إسرائيل. الجهة الثالثة هي قوى االعتدال في الجوار العربي التي تتمتع بثقل اقـتـصـادي ال بــد مــن حـراسـتـه بـاسـتـقـرار شبكة مــن الـعـ قـات الدولية تبدأ بعالقة خاصة مع الواليات املتحدة. إيـران القلقة بسبب ما اعتبرته عوائق تحول دون تحقيق بـــرنـــامـــج االنــــقــــ ب الــكــبــيــر الــــــذي تــحــمــلــه تـــحـــولـــت إلـــــى إيـــــران املقلقة بعدما قـررت استخدام كل وسائل العنف لتحقيق هذا البرنامج. اعتقدت القيادة اإليرانية أسوة بما أسر به الجنرال قاسم سليماني لعدد من محاوريه، أن املشكلة تبدأ بـ«الخيط األميركي» الذي يحرس التوازنات التي تسعى إيران إلى نسفها. وهكذا، أطلقت إيران الرصاصة األولى في الحرب مع أميركا في ، عندما اقتحم انتحاري مقر جنود «املارينز» في بيروت، 1983 وتسبب في سقوط أكثر من مائتي قتيل. في املرحلة الالحقة، حـــاولـــت إيـــــران تـحـاشـي الـــصـــدام املــبــاشــر مـــع أمــيــركــا وأوكــلــت املساهمة في قطع الخيط األميركي إلـى فصائل وميليشيات. وفـي مـــوازاة ذلــك، خصوصا بعد الهدية الثمينة التي تلقتها بقيام الجيش األمـيـركـي بإسقاط نـظـام صـــدام حـسـ ، أطلقت إيــران سياسة تطويق الــدول الرئيسية في املنطقة، خصوصا إســرائــيــل، بــحــزام مــن الــصــواريــخ واملــســيــرات واألنـــفـــاق. وكــان واضــحــا أن بــ أهــــداف الــحــزام تـحـويـل عـــدد مــن الـخـرائـط إلـى ما يشبه الرهائن لكسر إرادتها وقدرتها على القرار، ولدفعها إلى التخلي عن العالقات العسكرية والدفاعية التي تسهم في مناعتها، خصوصا مع أميركا. فــــي الـــســـنـــوات األخـــــيـــــرة، بـــــدا الـــتـــنـــاقـــض بــــ الــقــامــوســ الــخــلــيــجــي واإليـــــرانـــــي صـــارخـــا عــلــى رغــــم املـــجـــامـــ ت وعـسـل البيانات. دول اختارت طريق التقدم والتنمية والتكنولوجيا والتعليم واالنـفـتـاح لتحسني حـيـاة الـنـاس ونـظـام يصر على الهيمنة. فشلت إيــران في اجـتـذاب شعوب الخليج كما فشلت في كسر إرادة دولـه في الحفاظ على استقاللية قرارها. بذلت السعودية جهودًا استثنائية لتدريب الجار اإليـرانـي الصعب على لغة حسن الــجــوار، لكن الطبع غلب التطبع. فــور انــدالع الـــحـــرب، انـصـبـت الـــصـــواريـــخ واملـــســـيـــرات اإليـــرانـــيـــة عـلـى دول مجلس التعاون، وبلغت أضعاف ما أطلق على إسرائيل. واضح أن إيران لعبت كل أوراقها وأخطرها. وسّعت إطار الحرب لتشمل هرمز وممرات الطاقة واملنشآت النووية وسالمة دول الخليج واستقرارها، وصوال إلى استهداف دييغو غارسيا البعيدة. إننا اآلن فـي خضم حـرب كسر عظام ستغير مالمح املـنـخـرطـ فـيـهـا بـعـد انـتـهـائـهـا. والـــســـؤال: هــل يـمـلـك املـرشـد اإليراني الجريح الرغبة في وقف الحرب املدمرة؟ وهل يمتلك القدرة على اتخاذ قرار بوقف النار إذا امتلك الرغبة؟ لقد ارتطم مـشـروع االنــقــ ب اإليــرانــي الكبير بأميركا دونــالــد تـرمـب؛ أي أميركا التي قتلت قاسم سليماني. بعض املشاهد يذكر بأفالم الحرب العاملية الثانية. من يمتلك القدرة على القرار في إيران؟ وهــــل يـسـتـطـيـع املـــرشـــد قــبــول وقــــف لــلــنــار فــــوق ركــــام مــشــروع االنقالب الكبير؟ وهل يقلد الخميني في تجرع السم علما بأنه ليس الخميني، وأن السم الحالي أشد فتكا؟ ومـاذا لو تصرف املـرشـد أو مـن ينوب عنه كأنه الـسـنـوار اإليــرانــي مرشحا مدن إيــران للمشاهد القاتلة التي وفـدت إلينا من غـزة؟ وليس سرًا أن خيطا واضـحـا يـربـط «طـوفـان الـسـنـوار» بــ«طـوفـان األنـفـاق والصواريخ واملسيّرات» الذي هندسه سليماني. تدور الحرب الحالية في غياب مهندسها. غسان شربل يفترض، نظريا على األقل، أن تقف الغالبية العربية موقفا واضـحـا ضـد إيـــران فـي عدوانها على ثماني دول عـربـيـة، سـت خليجية، إضافة إلــــى الـــعـــراق واألردن. لــكــن الـــواقـــع أكــثــر تعقيدًا وأقل انسجاما. إذ نرى جيوبا وتيارات ال تكتفي بـالـصـمـت، بــل تـرفـع صـوتـهـا بـالـتـبـريـر أو حتى التأييد لهجمات طهران. الحقيقة، هـذه الــدول التي تتعرض للهجوم لـيـسـت فـــي حــاجــة إلـــى أكــثــر مـــن مــوقــف معنوي وأخالقي، مدركني أن كل دولة عربية أخرى لديها مشاكلها األمنية والسياسية واالقـتـصـاديـة من دون أن نضيف إليها أعباء جديدة. وقـوف هـذه الفئات مع إيـران في استهدافها دول الخليج ليس استثناء، بل هو امتداد لنمط تبريري متكرر. فلبنان، منذ ثالثة عقود، يعيش دورات من االنهيار والدمار تحت تأثير مشروع إيـــران وأدواتــــه، وعـلـى رأسـهـا «حـــزب الـلـه»، ومع ذلــــك ظـــلّـــت قـــطـــاعـــات عــربــيــة ال تــــرى لــبــنــان بـلـدًا وشـعـبـا، بــل مـجـرد معسكر، وتـمـنـح هـــذا الـواقـع غطاء بحجة «املقاومة». وما يحدث في الخليج اليوم يعيد إنتاج املشهد ذاتــه. استهداف إيـران إسرائيل يبرر العدوان على الخليج. ولـــيـــس ذلــــك جـــديـــدًا عــلــى الــــذاكــــرة الـعـربـيـة. 1990 فقد بُرر احتالل صدام حسني للكويت عام بخطابات مشابهة، تُعيد تعريف الـعـدوان على الخليجيني بـاعـتـبـاره «تـــوازنـــا» مـع الــعــدو! هذه األطــــروحــــات ال تــمــوت بـــل تـتـنـاسـل عـبـر أجــيــال. الــعــلــة فـــي الـبـنـيـة الــثــقــافــيــة الـــتـــي تُــعــيــد تفسير الوقائع وفق قوالب جاهزة ونظريات مؤامرة عن التوسع وتصفية القضية وغيرها من مسوغات االعتداء. هذا التبسيط قد يبدو مريحا للشارع الذي تتم تغذيته بحيث يختزل تعقيد ما يحدث في ســـرديـــات ونـــظـــريـــات ســهــلــة: «مـــشـــروع تـوسـعـي إسرائيلي» أو «فـرض شـرق أوسـط جديد». إنما الفارق يكمن بني من يجلس في املسرح متفرجا، والـــضـــحـــيـــة الـــــــذي يـــجـــلـــس عـــلـــى خـــشـــبـــة مــســرح الحدث. في زمن األزمات الكبرى ليس الصراع عسكريا فحسب، بل له جبهات موازية فكرية وثقافية. كل تيار يعيد قراءة الحرب وفق ثقافته املسبقة، التي شُحنت طويال بخطابات وتصورات تحريضية. ومع مرور الوقت تصبح هذه القوالب عبئا يعيق الفهم والتكيّف. الـــعـــرب غــيــر املـــجـــاوريـــن إليـــــران ال يـشـعـرون بـخـطـرهـا املـــبـــاشـــر، وال يــعــتــبــرون أذرعـــهـــا مثل «الـحـوثـي» و«حـــزب الـلـه» و«الـعـصـائـب» قضية. في تفكيرهم، العالم ينقسم إلـى أبيض وأسـود، ويختزله في فلسطني وإسرائيل. قد ال يكون ذلك بـالـضـرورة تعبيرًا يـرغـب فـي إيـــذاء هــذه الـــدول، ضــحــايــا الـــتـــغـــول اإليـــــرانـــــي، بـــقـــدر مـــا هـــو نـتـاج لخطاب سياسي وثقافي يبرر العدوان. فـــقـــط مـــــن يـــــجـــــاور إيـــــــــران يـــشـــعـــر بــخــطــرهــا وبـــمـــشـــروعـــهـــا الـــعـــســـكـــري الـــهـــائـــل مــــن الــــقــــدرات الـــصـــاروخـــيـــة، والـــشـــبـــكـــات الـــوكـــيـــلـــة، والــتــهــديــد األمـــنـــي. وهـــي لـيـسـت نـظـريـة احــتــمــاالت بـــل لها تاريخ طويل من االعتداءات على هذه الدول منذ الثمانينات فيما ال عالقة له بفلسطني أو الغرب. البقية ال يشعرون بهذا التهديد وال يهمهم هذا التهديد، وكثير منهم ينكر حقيقة وجوده في ظل تبسيطهم للعالم من حولهم مع وضد إسرائيل. وهــــــذا ال يــنــفــي بـــــأي شـــكـــل كـــــان عــــدالــــة الـقـضـيـة الفلسطينية واستحقاقاتها ومظلومية أهلها. اإلشــكــالــيــة األخـــ قـــيـــة نـفـسـهـا رأيـــنـــاهـــا في األزمــــــــة الــــســــوريــــة، حـــيـــث وقــــفــــت قــــــوى رســمــيــة وشعبية عربية إلى جانب نظام األسد فقط؛ ألن موقفه العلني هو ضد إسرائيل، وأن ما يحدث من ثورة مؤامرة إسرائيلية. نصف مليون قتيل ظلما على أيدي رجال األسد وقاسم سليماني لم يحرك عقل وتفكير هــؤالء. تغير املشهد، وتبني أن النظام الجديد ضحية العــتــداءات إسرائيل، وخـــــطـــــاب الــــرئــــيــــس أحــــمــــد الـــــشـــــرع أيــــضــــا ضـد إسـرائـيـل. لـم يترجم ذلــك إلــى مـوقـف ضـد إيــران بأثر رجعي. لسخرية القدر وللمفارقة، فإن هذا االرتباك ال يقتصر على دول بعيدة جغرافيا عن صواريخ ومسيّرات العدو اإليـرانـي، بل نلمسه داخـل دول الــخــلــيــج نــفــســهــا. لــيــس ألن «هـــــذا الـــبـــعـــض» من الخليجيني ال يعلم، بل ألنه من الجمهور، أسير سرديات صاغتها وسائل اإلعالم والثقافة لعقود: إيران كضحية مستهدفة من الغرب و«حزب الله» كحركة مقاومة. حتى في عقر دار «دول املواجهة إليران» تباع وتزرع هذه القناعات. مــــــرت فــــتــــرة أربــــكــــتــــهــــم؛ هـــــي صــــــور الــــثــــورة الـــســـوريـــة الــتــي كـشـفـت املـــشـــاركـــة اإليـــرانـــيـــة ومــا فعلته من مذابح واسعة. ومع ذلك أعـادت إنتاج نفسها بـاسـتـخـدام نـظـريـات املــؤامــرة الـتـي تبرر لعدوان إيران. مـــا نــواجــهــه لــيــس خـــ فـــا بـيـنـنـا عــلــى حــدث اللحظة، عدوان إيران، بل أكبر من ذلك، نعاني من أزمة ثقافة واسعة ال أحد يرغب في مواجهتها. لماذا يدافعون عن إيران؟ عبد الرحمن الراشد
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==