issue17281

الثقافة CULTURE 17 Issue 17281 - العدد Sunday - 2026/3/22 الأحد أحمد عبد المعطي حجازي جواب عن السؤال في المقالة السابقة عبرت عن شعور يراودني منذ سنوات بأن الثقافة في عالم اليوم ليست في أحسن أحوالها. وأنا أعود في هذه المقدمة للحديث عما قصدت إليه في هذه العبارة، ثم أنتقل منه لأبدأ حديثي عن ثقافتنا العربية. أعـــود لأوضـــح مــا أردت أن أقــولــه فــي المـقـالـة الـسـابـقـة عــن الـثـقـافـة في عالم اليوم، وعن حالها التي أرى أنها ليست أحسن أحوالها، وهي مسألة مطروحة بإلحاح تستحق أن ينظر فيها الجميع ويشاركوا في مناقشتها، لأن ما يعرفه البعض لا يعرفه البعض الآخر. وأنا أشعر بعدم الرضا عن ثقافة العالم في هذه الأيام لأسباب؛ أولها أنني أسيء الظن في هذه التكنولوجيا التي فرضتها الدول الكبرى علينا وعلى العالم، لتحل محل البشر في كل نشاط وفي كل مجال، وتصرفهم عن مواصلة سعيهم الملحمي للكشف عن الجميل والجليل والمجهول والمعقول في أنفسهم وفي العالم بما يحقق لهم ما ظلوا يحلمون به، ويتخيلونه، ويعبرون عنه في هذه الفنون والعلوم والفلسفات التي أبدعها الإنسان. هـذه الثقافة التي ظلت تتوهج عبر العصور تبدو لـي فـي هـذه السنوات الأخيرة كأنها تتراجع لاهثة مذعورة أمام هذه الزواحف المعدنية الشريرة التي حلت محل العقل والقلب والخيال والـذاكـرة، وانـفـردت بالعالم، فأنا أجــدهــا حيثما تـلـفـت يمنة ويــســرة فــي أيـــدي الـجـمـيـع؛ الــرجــال والـنـسـاء، والأطــفــال والـشـبـاب والـشـيـوخ، والمثقفين والأمــيــن. لا أنـكـر أن لها بعض الـفـوائـد، لكنها بـاسـم هــذه الـفـوائـد تعصف بنا فـي الـحـاضـر والمستقبل، وكأنها هي صاحبة الحق في هذا الزمن الذي يبدو كأنه زمنها وليس لنا فيه مكان، وهـذ هو الاغـتـراب الــذي عبرت عنه بقولي إن الثقافة في عالم اليوم ليست في أحسن أحوالها. وهي عبارة تشير إلى ترددي في التصريح بما قلته وشعوري بعدم اليقين، ففيها تعميم لا يجوز، لأن ثقافات العالم مـتـعـددة ومـخـتـلـفـة، والــــذي يـبـدو لــي منها قليل مــن كـثـيـر. فـــإذا كـــان هـذا الشعور الـذي عبرت عنه صحيحا إزاء بعض الثقافات أو بعض ما يقدم منها، فهو لا يصح بالضرورة على غيرها، ولهذا استدركت وأوضحت أني لا أعبر عن موقف أو رأي وصلت إليه بعد تفكير وتأمل، وإنما هو شعور أو انطباع قابل للمراجعة. وقد استخدمت في التعبير عنه عبارة تعمدت ألا تكون صريحة أو محددة، فقلت إن الثقافة ليست في أحسن مستوياتها. وهي عبارة لها أكثر من معنى، خصوصا وأنا أتحدث عن ثقافة العالم. صحيح أني قارنت بين ما نراه في الثقافة الفرنسية الآن وما كنا نراه من قبل، فقلت إن الإنتاج الثقافي الراهن في فرنسا لم يحافظ على مستواه الـسـابـق، لـكـن هــذا مـثـا واحـــدا ومـرحـلـة يمكن أن تـكـون عــابــرة. فـــإذا كنت أوضحت ما أردت أن أقوله عن الثقافة في عالم اليوم، فما الـذي أستطيع أن أقوله عن ثقافتنا؟ أقـــول إن الـعـبـارة الـتـي استخدمتها فـي حديثي عـن تـراجـع الثقافات الأخرى، ليست كافية للتعبير عن شعوري بالأسى لما تتعرض له ثقافتنا في هذه الأيام. وأنا هنا لا أعبر عن مجرد انطباع من بعيد، وإنما أتحدث عما أعرفه وأشــارك فيه ويعرفه مثلي الكثيرون، فبوسعهم أن يـروا فيما أقول رأيهم، فضلا عن أني في هذا الحديث لا أتعرض لهذا الإنتاج من حيث قيمته الفنية التي يجوز أن نختلف في تقديرها، وإنما أفكر فيما يؤديه هذا الإنتاج في رسم شخصيتنا وتوحيد كلمتنا، وتمكيننا من تعويض ما فقدناه في عصور التخلف، واللحاق بمن تقدموا. أتحدث عن الظروف التي نمارس فيها نشاطنا الثقافي، وعما نحتاج إلـيـه لنصل بـهـذا الـنـشـاط إلـــى المـــدى الـــذي يستطيع فـيـه أن يـكـون ضــوءا كاشفاً، وعقلا راجحاً، وطاقة محركة. أتـــحـــدث عـــن الـــــدور الـــخـــاق الــــذي تـــؤديـــه الـثـقـافـة فـــي حــيــاة الأمــــم ولا تستطيع أمة أن تستغني عنها، لأنها لا توجد إلا به. وأتساءل عن وعينا بهذه الحقيقة، وعما نقدمه الآن للثقافة لتنهض وتؤدي دورها في حياتنا. وأنا أتحدث بالطبع عن ثقافتنا القومية كما تتمثل في تراثنا المكتوب بلغتنا الفصحى فـي الأدب، والـفـكـر، والـعـلـم، وفيما نقدمه نحن فـي هذا العصر ونضيفه لما قدمته الأجيال السابقة ونطوره وننميه. وأول ما يجب علينا أن نقدمه لثقافتنا القومية هو أن ننظر في المكان الذي تحتله لغتنا الفصحى في حياتنا لنعرف ما تواجهه من أخطار، ومـا تحتاج إليه من طاقات تبعث فيها روحا جديدة تمكنها من أداء وظائفها في هذا العصر الذي نعيش فيه. نـحـن نــعــرف مــكــان الـفـصـحـى فـــي حـيـاتـنـا، ونــــرى مـــا يـفـرضـه عليها هــذا المـكـان مـن أوضـــاع تحتاج لمـواجـهـة مــدروســة، وجـهـود جـــادة منظمة دائـبـة ينهض بها كـل المتحدثون بهذه اللغة التي قـاومـت مـا تتعرض له مـن أخـطـار، وظلت تـواصـل المقاومة حتى الآن. لكنها رغـم إصـرارهـا على مواصلة المقاومة لا تستطيع أن تتغلب وحدها على الأوضاع التي تنال من طاقاتها وتهدد وجودها. الفصحى مــهــددة داخـــل كــل قـطـر مــن أقـطـارنـا بالعامية الـتـي لــم تعد تزاحمها في حياتنا اليومية فحسب؛ وإنما أصبحت تزاحمها في الأدب والفن كذلك؛ في الشعر الذي لم يعد زجلا بل أصبح في العامية فنا مثقفاً، وفي الرواية في الحوار الذي يدور بين الشخصيات، وفي الغناء، والمسرح، والسينما، والإذاعـــات المسموعة والمرئية. وهـا هي العامية تطالعنا هذه الأيـــام فـي بعض الصحف اليومية والمــجــات الأسـبـوعـيـة، إضـافـة إلــى ما نجده في المقالات والأخبار المكتوبة بالفصحى وفي الكتب من أخطاء. وإذا كانت الفصحى تعاني في كل قطر عربي من القطيعة التي تبتعد فيها العامية عنها فلا تتأثر بها ولا تقترب منها؛ بل تزداد بعدا عنها يوما بعد يوم، فهي تعاني في الوقت ذاته من القطيعة التي نشأت بين بعضها وبعضها الآخـــر، بـن الفصحى فـي كـل قطر والفصحى فـي بقية الأقـطـار. وهكذا أصبحت ثقافتنا العربية معرضة تتمزق وتتناثر وتفقد وحدتها، وبـــــدلا مـــن أن تــكــون آصـــــرة ورابـــطـــة تـحـفـظ لــلــعــرب شــعــورهــم بـوحـدتـهـم وتمكنهم من دعمها في هذه المرحلة من تاريخهم التي لا يتعرضون فيها للأخطار المقبلة من الخارج فحسب؛ بل يواجَهون بهذه الأخطار في بعض أقطارهم من داخلها! نعم! الثقافة بالنسبة لنا نحن العرب شرط وجود! وسوف نواصل. لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة ضــمــن سـلـسـلـة «الـــــدراســـــات الـشـعـبـيـة» الـصـادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صــدر كـتـاب «ســيــوة... واحـــة الأحــام والأســـاطـــيـــر- دراســـــة إثــنــوغــرافــيــة» للباحث محمد أمــن عبد الـصـمـد. والـكـتـاب، كما هو واضـــح مــن الــعــنــوان، يشير إلـــى تـلـك الـواحـة الشهيرة التي تقع في شمالي غرب مصر على كم من ساحل البحر المتوسط 340 بعد نحو كـم مـن وادي النيل وتقترب 450 وعـلـى بعد بشدة من الحدود السياسية لليبيا، ويتحدث سكانها اللغة الأمازيغية «باللهجة الشاوية» بجانب اللغة العربية المتداولة رسمياً. يــــعــــتــــمــــد أهــــــــــل ســـــــيـــــــوة فــــــــي حــــيــــاتــــهــــم الاقتصادية على الزراعة ويشتهرون بإنتاج أنـــــــواع مـــتـــعـــددة مــــن الـــبـــلـــح، وذلــــــك لانــتــشــار النخيل وزراعته في الواحة بأنواعه المتعددة، 1960 حيث كان تعداد النخيل في سيوة عام ألف شجرة 30 ألف نخلة، فضلا عن 100 نحو طن من زيت 200 زيتون تعطي بعد عصرها الزيتون. ويبدي المؤلف اهتماما خاصاً، بواحدة مـن أشـهـر الأحـــداث التاريخية الـتـي ارتبطت بسيوة، وهي زيارة الإسكندر الأكبر للواحة، في واقعة نادرة اكتنفها الكثير من الغموض، بــهــدف أن يستقي الـكـثـيـر مــن مــعــارفــه منها ومــن كهنتها ومـعـبـودهـا «آمــــون»، كما قوي حـضـوره وذاع صيته بعد إعـانـه مـن جانب الكهنة ابنا لهذا الإله الشهير بين آلهة مصر القديمة. اتجه الإسكندر الأكـبـر إلـى واحــة سيوة ، قـبـل المـــيـــاد، وذلــــك بعد 331 فــي شــتــاء عـــام أن وضـــــــع تـــخـــطـــيـــطـــا لمــــديــــنــــة تـــحـــمـــل اســـمـــه وهـــي الإســـكـــنـــدريـــة، فــوصــل أولا إلـــى مدينة «بـــاراتـــونـــيـــوم» وهــــي مـــكـــان مــديــنــة «مــرســى مطروح» حاليا وتلقى هدايا رسل ملوك المدن الليبية وإعلان طاعتهم له، ثم انطلق بعدها جنوبا قاصدا الواحة. ويذكر مؤرخ بلاط الإسكندر الذي رافقه في هذه الرحلة أنهم تعرضوا للهلاك عطشا أثناء الرحلة بعد نفاد الماء منهم، ولم ينقذهم ســوى سـقـوط أمـطـار بشكل مفاجئ فـارتـووا مـنـهـا وخـــزنـــوا بعضها لبقية الــطــريــق، كما تــعــرضــوا لــلــهــاك مــــرة ثــانــيــة بــعــد أن ضـلـوا الـطـريـق ولــم ينقذهم ســوى ظـهـور غـــراب في السماء فأمرهم الإسـكـنـدر بتتبعه والاتـجـاه معه فوصلوا الواحة بعد سبعة أيام واعتبرت حاشية الإسكندر أن نجاة الإسكندر ونجاة من معه من معجزات الإله آمون. وصــــــل الإســــكــــنــــدر بـــركـــبـــه إلــــــى «مــعــبــد النبوءات» فاستقبله كهنة آمون واحتفوا به وبـمـن معه وتلقى الكهنة تــســاؤلات مرافقي الإســكــنــدر الأكــبــر وأجــابــوهــم عـنـهـا فــي بهو المعبد الشهير، أما الإسكندر الأكبر فقد طلب مـــن الــكــهــنــة أن يـــســـأل الإلـــــه آمـــــون فـــي خـلـوة فـاصـطـحـبـه رئــيــس الـكـهـنـة إلـــى الـهـيـكـل ولـم يـرافـقـه أحـــد مــن حاشيته وســـأل مــا شـــاء من أسئلة وعندما خرج من الهيكل إلى رفاقه لم يخبرهم بــأي شــيء مما دار معه فـي الداخل واكتفى فقط بقوله: «سمعت من الإله آمون ما طابت له نفسي». ولــــم يـــذكـــر الـــتـــاريـــخ أو يــســجِّــل لــنــا أي شيء عما دار داخل الهيكل أو غرفة النبوءات تصريحا أو تلميحا وكـل مـا سجله التاريخ هـــو مـــا كـتـبـه الإســـكـــنـــدر الأكـــبـــر فـــي رسـالـتـه إلـــى والـــدتـــه «أولــيــمــبــيــاس» عـــن تـلـك الـــزيــارة فقال: «إنه سمع من الإله أشياء مهمة جدا لا يستطيع أن يذكرها فـي خطابه وسيرويها لها عندما يراها» ولكن هذا اللقاء لم يتم، فقد مات الإسكندر الأكبر وأخذ معه سره وسر ما قيل له في غرفة النبوءات. يذكر المؤرخون حرص الإسكندر الأكبر فـيـمـا بـعـد عـلـى زيــــارة سـيـوة وإرســـــال رسله ليسأل كهنة آمــون كلما كـان مقدما على أمر مهم، وهو ما يدل على الأثر الكبير الذي تركه آمون وكهنته في نفسه، حتى إنه عندما كان يعاني من سكرات الموت في مرضه الأخير في مدينة بابل تقدم إليه صديقه المقرب أريدوس وســـألـــه: هــل يــوصــي بــشــيء بـخـصـوص ابنه وزوجــــتــــه؟ فـــأعـــرض عــنــه الإســـكـــنـــدر الأكـــبـــر، فجاءه أريدوس مرة أخرى وسأله عمن يخلفه فــي الــقــيــادة بـعـد مــوتــه فــأجــابــه بـــأن الـقـيـادة للأقوى منهم. سأله «أريـــدوس» إن كـان له طلب خاص فـــفـــتـــح الإســــكــــنــــدر الأكــــبــــر عــيــنــيــه وقـــــــال إنـــه «يوصي بأن يدفنوه إلى جوار أبيه آمون في واحــة سـيـوة». تـم وضـع الجثمان فـي تابوت ذهبي وسار وراءه الجيش كله منكس الرأس والسلاح والأعلام من مدينة بالمي في العراق حتى وصل إلى مدينة منف في مصر وكانت كـل مدينة يمر عليها موكب الـجـنـازة تخرج لتحييه وتبجل رحيله. وعـــنـــدمـــا أراد الـــيـــونـــانـــيـــون اســتــكــمــال مسيرتهم إلى واحة سيوة، أقنعهم بطليموس الذي كان يحكم مصر باسم الإسكندر الأكبر بأن يدفنوه في مدينة الإسكندرية التي دشن بناءها الإسكندر نفسه فاقتنع قادة الجيش اليوناني ووافقوا على دفن الإسكندر الأكبر في الإسكندرية. القاهرة: «الشرق الأوسط» احتراق العديد من المكتبات ودور النشر بفعل الغارات ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت لا يــــزال بــسّــام كــــردي، صــاحــب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتــى القصف الإسـرائـيـلـي على مستودع كتبه، ومـقـره اللبناني، فـي حــارة حـريـك، في الضاحية الجنوبية لبيروت. تم تدمير المبنى طابقاً، في أثناء إحدى الغارات 14 المكون من الإسرائيلية، احترق برمته، ودفن تحت ركامه ورمـــاده مئات العناوين، بنسخها، وفكرها، وتعب كتّابها، وكد ناشرها. الناشر لا يشعر بأمل في إنقاذ أي بقايا مــن تـعـب الــعــمــر. «كــنــت قــد زودت المـسـتـودع المـوجـود تحت الأرض، بـخـزانـات مـاء ونظام إنـــذار مـضـاد للحرائق. فكيف أصبحت حال الكتب وقد هوت العمارة عن بكرة أبيها، لا بد أن المياه أغرقت محتويات المستودع»، يقول كردي لـ«الشرق الأوسط». «المـــــركـــــز الـــثـــقـــافـــي لـــلـــكـــتـــاب» دار نـشـر مغربية، ارتأى صاحبها أن يكون له مستودع فــي بــيــروت لتبقى الـعـنـاويـن الـتـي يطبعها، قريبة من معارض الكتب، والنقل أخف تكلفة. ويشرح: «كان هدفي من إنشاء الدار، تعريف المثقف العربي في المشرق بالكتاب المغربي. غالبا ما كانت كتب المشرق هي التي تصلنا، ولا يــحــدث الـعـكـس، فـأحـبـبـت أن أقــــوم بهذه المهمة». تطبع الــــدار فــي المــغــرب لـكـبـار الأســمــاء، وتأتي بكتبهم إلى بيروت، حيث توضع في هـــذا المـسـتـودع الـــذي فـقـدت مـحـتـويـاتـه. «أمــا الكتب ذات البعد العربي أو اللبناني فتطبع فـي بـيـروت، وتنقل منها نسخ إلــى المـغـرب». هكذا يعمل الناشر كردي، بين بلدين محاولا تغطية المنطقة العربية. لكن «غالبية الكتب هي التي كانت موجودة في بيروت، لأنها من هنا تشارك في المعارض المختلفة. فأنا أعتبر بيروت نقطة تلاق للعالم العربي. في بيروت وضعت كـل مـا أمـلـك، شقاء العمر، وخمسين سنة من الكد في عالم النشر. هذه المهنة التي مارستها كل حياتي ولا أجيد غيرها، وها أنا أفقد كل شيء». كان بسّام كـردي، مديرا عاما في المغرب 38 ولـبـنـان لــ«المـركـز الثقافي الـعـربـي» طـــوال عــامــا، قـبـل أن يـؤسـس داره «المـــركـــز الثقافي ، الـتـي يصفها بأنها دار 2016 للكتاب» عــام مـغـربـيـة، لـكـنـهـا فـــي بـــيـــروت تـجـد امــتــدادهــا الجغرافي. يـصـعـب عـلـى الــنــاشــر تـصـديـق مـــا وقـع له، أو أن يقدّر عدد النسخ أو العناوين التي فقدها. «لا أزال غير قــادر على إجـــراء جـردة، أو حــصــر الأضـــــــرار. يـلـزمـنـي عــــدة أيــــــام، كي أســتــفــيــق مــــن الـــصـــدمـــة، وأقــــــــدّر المــــوجــــودات التي تبخرت. لكن الخسارة هي حتما تفوق المليوني دولار». يصف ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية، وضربة لوجودي في المـعـارض العربية، وضربة لي شخصياً، وللبنان طبعاً». قضى بسّام كردي عمره كله ناشرا يقوم بالمهمات كلها، «أتـسـلـم المـخـطـوطـة، أقـرأهـا، أتناقش مع الكاتب، نجري التعديلات، أدفع بــهــا إلــــى الـــطـــبـــع، وأصــحــحــهــا، حــتــى تـخـرج بحلتها النهائية». بـــسّـــام كـــــردي يـقـيـم فـــي المــــغــــرب، وعـــرف بالخبر الأليم عن بعد «ولم أتمكن حتى الآن من إرسال أحد لتفقد الوضع. كل ما أعرفه هو ما يخبرني به الأصدقاء هناك والصور التي أتسلمها. ولــم يتمكن أحــد مـن مـن المخاطرة والوصول إلى المبنى المنهار». فـي الضاحية الجنوبية الـتـي تتعرض لقصف كثيف بشكل شبه يومي، العديد من المـكـتـبـات احــتــرقــت واخــتــفــت بـسـبـب الــحــرب، وتـــــضـــــررت دور نـــشـــر مـــنـــهـــا «مــــؤمــــنــــون بـا حـــدود» المـوجـودة فـي المبنى نفسه، ملاصقة لـ«المركز الثقافي للكتاب» ودفنت كتبها أيضا تحت الركام. كـــــان بــــسّــــام كــــــردي عـــلـــى عـــلـــم مـــنـــذ مـــدة أن ثـمـة خـطـر حـــرب يـلـوح فــي الأفــــق. «ذهـبـت وحــــاولــــت نـــقـــل مـــحـــتـــويـــات المــــســــتــــودع. جـــاء جيراني فـي المنطقة، ولامــونــي. أقنعوني أن أبقى وأن لا شيء يستحق عناء الانتقال. ملت إلى هذا الحلّ، لأن الإيجارات في الضاحية لا تـقـارن بـخـارجـهـا. فـــإذا كنت أدفـــع ألــف دولار فسأضطر لأن أضـــرب المبلغ بثلاثة أضعاف فـي حــال قـــررت الــذهــاب إلــى مـكـان آخـــر. لهذا أبقيت المستودع حيث هو وعدت أدراجي إلى المغرب، وكانت النتيجة ما وصلنا إليه». نـعـم، دور كـثـيـرة تــأثــرت بـهـذه الــكــوارث التدميرية، يقول كردي، «لكن أغلبهم عندهم أكثر من مستودع، يفقدون أحدها فيبقى لهم مستودع أو اثنان. أما أنا فقد وضعت كل ما عندي في مكان واحد، ومن هنا حجم الكارثة التي تعرضت لها». وإذا مــــا أضـــفـــنـــا إلــــــى الــــخــــســــارة الــتــي وقــعــت عـلـى الـــــدار، أن حـــال الـنـشـر متراجعة جـــداً، والــســوق ليست عـلـى مــا كـانـت عليها، كما يؤكد لنا كـردي الـذي يشارك في غالبية المــعــارض الـعـربـيـة، نفهم الـصـعـوبـات الجمّة التي على ناشر أن يذللها. يـطـبـع «المـــركـــز الـثـقـافـي لـلـكـتـاب» لكبار كــتّــاب المـــغـــرب، لــديــه الأعـــمـــال الـكـامـلـة لمحمد عابد الـجـابـري، وكتب سعيد بـنـكـراد، حسن أوريــــــــد، الـــغـــالـــي أحـــــرشـــــاو، وأحــــمــــد المــديــنــي وغيرهم. وكــان المديني مـن أوائـــل مـن نشروا خـــبـــر ضـــيـــاع مـــركـــز الـــــــدار فــــي بــــيــــروت تـحـت عنوان «شخصيات روايـتـي شهيدة القصف الإســرائــيــلــي» وطــالــب بـالـتـنـديـد بـهـذا العمل الهمجي وبالتضامن مع ناشره. وعد المديني على صفحته «فيسبوك» أن ما خسرناه هو «رصــيــد كبير وفــخــم» لـخـيـرة الـكـتـاب الـعـرب مـغـاربـة ومــشــارقــة، مـبـدعـن وبـاحـثـن. وقــال عن الكتب وشخصياتها التي عدّها «شهيدة الأدب»: «أســمــعــهــا تــصــرخ قـتـيـلـة الـكـلـمـات، تـبـعـثـرت أشـــــاءً، والـــصـــور رفــاتــا ووجـوهـهـا دماءً. إنما يقينا سوف يبعثون بإرادة كاتبها وعـــزم وتصميم نـاشـرهـا، وبـتـضـامـن الـقـراء والكتاب والناشرين العرب أجمعين والجهات الثقافية العربية الرسمية والمدنية». وختم: «لا يجوز السكوت على هذه الجريمة الشنعاء وأدعـــــوهـــــم لـشـجـبـهـا ودعــــــم المــــركــــز الــثــقــافــي للكتاب بكل الوسائل الممكنة». الناشر كــان قـد اتخذ كـل الاحتياطات الـازمـة، فعدا نظام مكافحة الحريق، لديه عـقـد تــأمــن «لــكــن الــشــركــات لا تــعــوض عن دمــار الــحــروب. هــذا مـوجـود كــأول بند. هم يعوضون عـن الغريق والـحـريـق والـكـوارث الطبيعية، لـكـن الــحــروب ليست مشمولة. لماذا إذن نتكلف عناء التأمين، لست أدري؟». هــــكــــذا يــــتــــســــاءل كـــــــــردي، الـــــــذي لا يــتــوقــف هاتفه عن الرنين منذ انتشر الخبر. كتّاب، نـــاشـــرون، قـــــرّاء، أصـــدقـــاء، الـجـمـيـع يـحـاول أن يخفف عنه وقــع الـخـسـارة. فعلاقته مع كــتّــابــه وثــيــقــة، ويـعـتـقـد أنــــه لا بـــد لمـــا تلف أن يـتـم تـعـويـضـه «فـمــن ألّــــف الـكـتـاب الأول والثاني، بمقدوره أن يكتب الثالث. لكن في النهاية، التضامن معي والـذي أقـدره كثيرا هو عاطفي. أنا لا أتوقع، كما أنني لا أطلب، ولــن أقبل بمساعدة مـاديـة مـن أحــد، إلا إذا كانت مؤسسة كبيرة، تعرض الـدخـول في مشروع معي». بيروت: سوسن الأبطح يصف صاحب «المركز الثقافي للكتاب» ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية... وللبنان» بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير (الشرق الأوسط) النص الكامل على الموقع الإلكتروني

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky