لاحـظ المراقبون، من منصة الصحافيين في مجلس العموم البريطاني، أن جلسات الأسئلة الأسـبـوعـيـة لـرئـيـس الـــــوزراء اتــخــذت مـسـار نمط متكرر: أسئلة تُــطـرح، وإجـابـات تُــؤجَّــل أو تُحوَّل لتعمد توجيه المجادلات إلى مسارات أخرى. لكن ما حدث هذا الأسبوع تجاوز التكرار المألوف إلى أمور تتعلق بجوهر الحكم وقدرة رئيس الوزراء الــبــريــطــانــي، كــيــر ســـتـــارمـــر، عــلــى اتـــخـــاذ الـــقـــرار الصائب. خصَّصت زعيمة المعارضة، كيمي بيدنُوك، أسئلتها الـسـتـة لمـسـألـة تعيين بيتر ماندلسون سـفـيـرا لبريطانيا فــي واشـنـطـن. واسـتـنـدت إلـى وثـــائـــق اضـــطـــرت الــحــكــومــة لـلـكـشـف عــنــهــا عبر الإجـــراء البرلماني «الخطاب المـتـواضـع»، لتختبر مـــدى ســامــة قــــرار تـعـيـيـنـه، والأســـــس الــتــي بُــنـي عليها، وكذلك مـدى اتساق روايــة رئيس الــوزراء أمام البرلمان مع ما تكشف عنه الأوراق. كـانـت خـطـوط اسـتـجـواب بـيـدنُــوك واضـحـة: مــــاذا كـــان يـعـلـم رئــيــس الــــــوزراء؟ ومـــا الــــذي سـأل عنه قبل اتـخـاذ الــقــرار؟ وكيف يمكنه الآن القول إن مـانـدلـسـون قــد ضـلّــلـه؟ فــــإذا كــــان، كـمـا أوحــى ستارمر، لم يكن صريحا بشأن علاقته بجيفري إبستين، فإن السؤال البديهي يظل قائماً: هل طُرح هذا الموضوع عليه مباشرة قبل تعيينه؟ غـيـر أن رئــيــس الــــــوزراء تـجـاهـل تـمـامـا هـذه الأســـئـــلـــة، وتــعــمَّــد تــحــويــل الــنــقــاش نــحــو مـوقـف المـعـارضـة مـن الـحـرب مـع إيــــران، متهما بيدنُوك بتغيير مواقفها. وفي إجابته عن سؤالها الأخير، تحوَّل النقاش إلى هجوم سياسي مباشر. وتــدخــل رئــيــس مـجـلـس الـعـمـوم مــرتــن. في الأولى، ذكَّر بأنه ليس مسؤولا عن إجابات رئيس الــــوزراء. وفــي الثانية، كــررهــا، مضيفا أنــه ليس مسؤولا عن أسئلة زعيمة المعارضة أيضاً. وكانت الـرسـالـة واضـحـة: إن الأسئلة المـطـروحـة لا تلقى إجابات مباشرة. وفــي شـرفـة منصة الـصـحـافـة، لـم يكن من الـصـعـب فـهـم هـــذا الـسـلـوك. فـقـد بـــدا أن رئيس الــــــــــوزراء، المـــحـــامـــي بـــالمـــمـــارســـة، يــــــدرك تـمـامـا حساسية ما يقوله، وما يتجنب قوله. فمع نشر مزيد من الوثائق، ستُقارن أقواله الحالية بما كان يعرفه عند اتخاذ القرار. وهنا يبرز أخطر اتهام في الحياة البرلمانية البريطانية، تضليل مجلس العموم. إلى جانب أن كثيرين، سواء في البرلمان أو بـن المـراقـبـن، يـجـدون صعوبة في تصديق أن سياسيا بخبرة ستارمر القانونية، ) يمكن CPS( وكـان رئيسا لمكتب الادعــاء العام أن يكون قد خُدِع بسهولة خلال عملية التعيين، أو لم يطرح الأسئلة الأساسية على مرشح لمثل هذا المنصب الحساس. المشكلة، في جوهرها، ليست حادثة معزولة، بــل تتعلق بالحكم عـلـى الأمــــور. فـالـوثـائـق التي نُــــشــــرت تــشــيــر إلـــــى أن تـــحـــذيـــرات أُثــــيــــرت بــشــأن المخاطر المرتبطة بتعيين ماندلسون. ومـع ذلك، مضى القرار قُدماً، قبل أن يقال ماندلسون تحت ألف 75 الـضـغـط، مـع تلقيه تسوية مالية بلغت جنيه إسترليني. سياسياً، عزز ذلك الانطباع بأن القرار اتُّخذ رغم التحفظات، ولم يُصحح إلا بعد فوات الأوان. ولا يـقـتـصـر هــــذا الــخــلــل فـــي الــتــقــديــر على الأفــــراد، بـل يمتد إلــى الـسـيـاسـات، خصوصا في مـجـال الـطـاقـة. فـالـتـوتـرات الأخــيــرة فــي الخليج، بما في ذلك استهداف إيـران لمنشآت غاز عربية، أعــادت إلـى الواجهة مسألة تأمين إمـــدادات الغاز لبريطانيا، في وقت تراجعت فيه القدرة الإنتاجية المحلية. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح التوازن بـن الـتـحـول إلــى الـطـاقـة الـخـضـراء طـويـل الأمــد، والحاجة الفورية للطاقة، حيويا للأمن القومي. ورغــم أن موقف ستارمر الـحـذر تجاه إيـران يعكس توجه الرأي العام، فإنه لم يترجم إلى دعم سياسي إضافي، كما بدا الـدور البريطاني أكثر محدودية مقارنة بما كان عليه في عقود سابقة. الأكـــثـــر إثــــــارة لـلـقـلـق بــالــنــســبــة لــــ«داونـــيـــنـــغ ســـتـــريـــت» أن الـــضـــغـــوط لـــم تــعــد مــقــتــصــرة على المــعــارضــة. فــداخــل حـــزب «الــعــمــال» نـفـسـه، بــدأت تظهر مــؤشــرات واضــحــة، أهمها مـسـاء الثلاثاء بــخــطــاب لأنــجــيــا رايـــنـــر، نــائــبــة رئـــيـــس الـــــوزراء السابقة، التي يراها يسار الحزب مرشحة لتحدي زعامة ستارمر الأخـيـرة، تضمَّن انتقادا مباشرا لبعض الـتـوجـهـات الاقـتـصـاديـة لـلـحـكـومـة. كما من نواب «العمال» استعدادهم 100 أبدى أكثر من لمعارضة خطط تتعلق بتقليص أو تجميد المزايا الاجــتــمــاعــيــة. قـــد لا تـــرقـــى هــــذه الـــتـــحـــركـــات إلــى تمرد منظم، لكنها تعكس حالة قلق وانقسامات متزايدة داخل الحزب. حتى بين المعلقين القريبين تقليديا من حزب «العمال»، بدأ المزاج يتغير. فالتعاطف الأولي مع صـعـوبـات الحكومة تــراجــع، ليحل محله تقييم أكثر تدقيقا لقراراتها وأولوياتها. وهــكــذا يـجـد رئـيـس الـــــوزراء سـتـارمـر نفسه أمـــــــام ضــــغــــوط مـــتـــزامـــنـــة: تـــدقـــيـــق فــــي قـــــراراتـــــه، وغموض في سياساته، وتململ داخل حزبه. كل من هذه التحديات يمكن احتواؤه على حدة، لكن اجتماعها معا يُشكِّل نمطا يصعب تجاهله. في السياسة، يمكن احتواء الأخطاء الفردية. أمـا الأنـمـاط المتكررة، فتصبح أصعب بكثير في كسرها. Issue 17281 - العدد Sunday - 2026/3/22 الأحد يـتـزامـن رحـيـل البرفسور ولـيـد الـخـالـدي مـع حـرب شرسة على دول الخليج والأردن. عدوان يرتبط بمفاهيم القضيّة الفلسطينية التي تبنى الدفاع عنها؛ وآية ذلك أنه كان مؤثرا في ملفات وقضايا عدة تخص القضية. قــبــل رحــيــلــه كــــان الـــجـــدل عــالــيــا حــــول تـصـريـحـات عمرو موسى، ولم يعلم الذين يهاجمونه أن هذه الآراء والـتـصـريـحـات الـتـي يـتـجـوّل بـهـا مـوسـى مـعـروفـة منذ عقود. يــروي ويليام سيمبسون في كتاب «الأمـيـر»، نقلا عــن الأمــيــر بـنـدر بــن سـلـطـان، أنـــه وفـــي خـضـم الترتيب لمؤتمر مدريد للسلام كان لعمرو موسى موقف مناهض، وكان حينها وزيرا للخارجية، يلخّص المؤلف القصّة بما تلقّاه من رواية الأمير بندر حيث: «بدأ - أي عمرو موسى - يصعّب الأمـــور علينا فيما كنا نـحـاول الــوصــول إلى جوهر المـوضـوع أصـر على تقديم انتقادات قوميّة فقد كان يريد أن يدوّن في سجلّه أنه قال أشياء معيّنة، قبل ذلك الاجتماع علم الأميركيون أن من المرجّح أن يعتمد عمرو موسى موقفا قوميّاً، وبما أن جيمس بيكر وبندر ينزلان في الفندق نفسه فقد اجتمعا قبل مجيء عمرو مــوســى، ســـأل بيكر بــنــدر: هــل تعتقد أن عـمـرو موسى سيحاول إلقاء محاضرة علينا بعد أن التقيت برئيسه (يقصد حسني مبارك) ضحك بندر وقال: عمرو موسى قــادر على القيام بـأي شـيء حتى إذا كـان غير صحيح، يسأل بيكر الأمير بندر: وهل يغيّر ذلك السياسة؟! أجاب بندر: إن ما قاله لك الرئيس مبارك هو ما سيحدث لكن يجب أن تتحلى بالصبر وتعطي الفرصة لعمرو موسى ليقول مـا يريد وسيتفق معك فـي النهاية، أبلغ الأمير بندر الوزير بيكر أن عليه أن يكون مستعدا لتكتيكات عمرو موسى المعهودة وأن يعد شيئا للرد عليه، لم يكن علينا أن ننتظر طويلا بالطبع قبل أن يلقي علينا عمرو موسى نغمته المعهودة وقدّم محاضرة طويلة لا علاقة - 290( لها بــالمــوضــوع». الـقـصّــة طويلة فـي الصفحات ) من الكتاب. 291 الــغــرض مــن عـــرض هـــذه الـقـصّــة وفـــي وقـــت الـحـرب أن زمـــن الــقــول والـلـفـظ الـقـديـم فــي الـقـمـم والمـنـتـديـات لم يعد مجدياً؛ البديل يتمثل بمفردتين، الـرؤيـة والعمل. كثير من السياسيين العرب يعتبرون الخطابة السبيل الأساسي للتغطية على الفشل أو نقص العمل، وهذا ما لا تنتهجه الدول التنموية الملكية الصاعدة التي تعتني بنفسها ولا تستجدي غيرها، فهي قـــادرة على تجاوز الأزمــــــات والــــدفــــاع عـــن نـفـسـهـا ومــقــدراتــهــا مـــن دون أي استجداء لأي موقف. لـاسـتـطـراد؛ فـي مؤتمر مـدريـد وحــن تـــردد ياسر عـــرفـــات بــالاســتــجــابــة لـــه اقـــتـــرح الـــدكـــتـــور الــكــرمــي على الأمــيــر بـنـدر الآتـــي كـمـا يـــروي سـيـمـبـسـون: «ثـمـة ثلاثة رجـــال هـم الـبـرفـسـور إدوارد سعيد أسـتـاذ الـتـاريـخ في جامعة كولومبيا وكــان مؤيدا لعرفات في ذلـك الوقت، والبرفسور وليد الخالدي أستاذ السياسة في جامعة هارفرد، والبرفسور هشام شرابي الأستاذ في برنامج الــدراســات العربية فـي جامعة جـــورج تـــاون». بعد ذلك التدخّل من هـؤلاء قبل ياسر عرفات بـإرسـال فريق إلى مؤتمر مدريد. بـرحـيـل الــخــالــدي نستعيد مـثـل هـــذه القصص العمليّة البعيدة عن الشعارات والمزايدات العاطفيّة، الحروب التي تخاض حلّها العمل الــدؤوب وترتيب الخطط لا تدوين الخطابات، مر زمن طويل تتصارع فيه الخطابات بالقمم وتتنافس فيه الأصوات. وليس عجيبا أن يغضب مفكر مهم مثل عبد الله بـن علي كتابه الشهير: «العرب 1977 القصيمي ويكتب عـام ظاهرة صوتية». يعلّق الدكتور رضـوان السيد على رحيل الخالدي الــذي غـادرنـا قبل أيــام بمقالة لـه نشرت بهذه الجريدة تحت عـنـوان: «آل هيكل وآل الخالدي والـعـرب وإيـــران!» بقوله: «وليد الخالدي يعتقد أن السبب هو الصراع مع الولايات المتحدة للخروج من الطوق الإمبريالي، واعتبار القضية جزءا من عملية التحرر باعتبار أن إسرائيل هي وكيلة الإمبريالية بالمنطقة. لكن مـع صـعـود الـتـيـارات الإسلامية مثل (حماس) و(الجهاد) ما عاد عند الخالدي تحفظ في إدخــال العامل الآيديولوجي. أمـا لـدى هيكل فإن هذا العامل حاضر منذ البداية والدستور الإيراني يــتــحــدث عـــن تــصــديــر الــــثــــورة لــيــس بـمـعـنـى مــصــارعــة الإمبريالية بالدرجة الأولى، بل بدوافع دينية». ثم يطرح مقارنته التالية: «لدى الرجلين وقد صارت آراؤهـمــا مدرستين فـي العالم العربي هــذا الاستخفاف وهذه الاستهانة واعتقاد التآمُر! وهما معجبان بتركيا وإيــــران، بـخـاصـة إيـــران مـن جـانـب ولـيـد الـخـالـدي. فـإذا قـيـل لـلـخـالـدي: لـكـن تـركـيـا فــي حـلـف الأطـلـسـي ولديها عـاقـات بـإسـرائـيـل، اعتبر أن الـعـرب هـم المـذنـبـون لعدم إحسانهم التعامل لا مـع تركيا الكمالية ولا مـع تركيا فـي قمة سِــرت بليبيا اقترح 2010 الإسـامـيـة! وفـي عـام عمرو موسى، وكان الأمين العام للجامعة، إدخال تركيا وإيـــران عضوين مراقبين بالجامعة العربية فاعترض عليه سعود الفيصل قائلاً: لا شك أننا نعاني من خواء استراتيجي، لكن لم يبلغ بنا الـذل أن نُدخل الذئب إلى كرْمنا وهو لا يزال يعتدي علينا ويتجاهل مصالحنا!». الـــخـــاصـــة؛ أن الـــزمـــن الـــحـــالـــي مـــحـــتـــواه الــعــمــل لا القول والصوت، والدول التنموية الصاعدة لا تقف عند التصريحات الشعبوية، وإنما تقوم بعمل جاد وتطرح نموذجا يمكن أن يحتذى لـدى جميع دول الإقليم، وما كــانــت الــتــصــريــحــات المـتـشـفـيّــة مـفـاجـئـة ولـكـنـهـا كـانـت مـكـنـونـة فــي الأســـاريـــر ولــكــن وجـــد الـبـعـض فــي الـحـرب فرصة للبوح، وهذه «شنشنة نعرفها من أخزم». اتـــســـمـــت الــــــحــــــروب فـــــي مـــنـــطـــقـــة الـــشـــرق الأوســــط، فــي مـرحـلـة مــا بـعـد الــحــرب العالمية الـثـانـيـة، بـالـقِــصَــر الــزمــنــي؛ إذ تـتـوقـف لتبدأ فـــي مــرحــلــة لاحـــقـــة. والــــحــــرب الـــوحـــيـــدة الـتـي خـرجـت عـن تلك الـقـاعـدة تجسدت فـي «حـرب الاســـتـــنـــزاف» الــتــي مــيَّــزت فــتــرة مــا بـعـد حـرب بين مصر وإسرائيل، 1967 ) يونيو (حـزيـران ولـــــم تـــنـــتـــه إلا بـــعـــد حـــــرب أكـــتـــوبـــر (تـــشـــريـــن ، وانــتــهــت بـتـوقـيـع اتـــفـــاق سـام 1973 ) الأول بـــن الـــبـــلـــديـــن. ورغـــــم أن ذلــــك الـــســـام وُصـــف بـ«البارد»، فإنه حافظ على بقائه. الحروب في العادة تبدأ بقرار، ولكنها لا تنتهي بقرار؛ فتوقُّف القتال على الجبهات لا يعني النهاية. في كتابه المعنوَن «كيف تنتهي الـــحـــروب؟»، يــرى المـــؤرخ البريطاني، إيــه جي بـي تايلور، أن نهايات الـحـروب تميل إلـى أن تكون على شكل «خِـــرَق ممزقة، ومـن الصعب جدا تحديد اللحظة التي تتوقف فيها الأعمال العدوانية». ما قاله المؤرخ تايلور أعلاه يوحي للمرء بـــأن نـهـايـة الـــحـــروب أشــبــه مــا تــكــون بخيوط مُنسلَّة من ثوب قديم؛ ففي أغلب الأحيان تترك ذيـولا للنزاع. فهل تنتهي الحرب الحالية في إيـــران على النحو المـوصـوف أعـــاه؟ أي بترك ذيـــول لـلـنـزاع، وضمنيا بـعـدم سـقـوط النظام الإيـــرانـــي، ولـكـن ببقائه منهكا ببنية تحتية مدمرة واقتصاد منهار؟ لا أحـــد بـمـقـدوره التكهن بالكيفية التي ســتــنــتــهــي بـــهـــا الـــــحـــــرب الــــحــــالــــيــــة، ولا مـتـى ستتوقف الأعـمـال العدائية. ويبقى مـن المهم الإشارة إلى أن احتمال تحول الحرب في إيران إلى حرب استنزاف طويلة، كما هي الحال في الــحــرب الأوكـــرانـــيـــة- الــروســيــة، يبقى ضعيفا جداً؛ فهناك كثير من العوامل والأسباب التي تـــحُـــول دون ذلـــــك، فـمـنـطـقـة الـــشـــرق الأوســــط ليست كـأوكـرانـيـا، وحـروبـهـا تاريخيا تتسم بالقصر الزمني، ولكنها دائما ما تترك ذيولا لاستمرار النزاع. الحرب الحالية أوصلت العالم إلـى أزمة تمثلت فــي إغـــاق إيــــران لمضيق هــرمــز، وهـو معبر تمر منه شحنات النفط والغاز من دول الخليج العربي إلى الدول المستهلكة في آسيا وأوروبـــا. وقـد تحول فتح المضيق ثانية أمام المـــاحـــة الـــدولـــيـــة مـــؤخـــرا إلــــى هــــدف لـلـحـرب. المــاحــة فــي المـضـيـق ليست مـتـوقـفـة كـلـيـة؛ إذ سمحت إيران لناقلات نفط محدودة بالعبور بعد مفاوضات. الــحــرب أيـضـا أفـضـت إلـــى قـيـام إسـرائـيـل بـتـوسـيـع رقـعـتـهـا بنقلها إلـــى جــنــوب لبنان ثـــم إلـــى الـعـاصـمـة بـــيـــروت؛ خـصـوصـا الـجـزء الجنوبي منها (منطقة الضاحية مقر «حزب الـــــلـــــه»). وتـــشـــيـــر الإحـــــصـــــاءات المـــنـــشـــورة فـي وســائــل الإعــــام الـعـربـيـة والــدولــيــة إلـــى قـرابـة مليون مهجَّر قسريا من بلدات وقرى الجنوب اللبناني. انتقلت تأثيرات الحرب إلـى أوروبــا على مــســتــويــن: الأول تـمـثـل فـــي تـــــردي الــعــاقــات بــن واشـنـطـن وحلفائها بسبب تمنُّعهم عن المـــشـــاركـــة فـــي عـمـلـيـة فــتــح المــضــيــق. والــثــانــي تــجــســد فــــي تــــوقُّــــف وصــــــول شـــحـــنـــات الـنـفـط والغاز من دول الخليج العربي، وما أدى إليه من ارتفاع مفاجئ في سعر برميل النفط وفي سعر الغاز المسال. الحلول المطروحة أميركيا لفتح مضيق هرمز لم تجد صدى لها لدى دول الحلفاء في أوروبـــا وفـي الصين كذلك. الصين أكثر الـدول تـضـررا مـن إغـــاق المـضـيـق. ورفـضـت الـدعـوة. القادة الأوروبيون أعلنوا عن رفضهم المشاركة في حرب لم يُستشاروا فيها. وقد أثار موقفهم الـــرافـــض ســخــط واســـتـــيـــاء واشـــنـــطـــن. ونــالــت بـــريـــطـــانـــيـــا عـــلـــى وجـــــه الـــخـــصـــوص ورئـــيـــس حــكــومــتــهــا، الــســيــر كــيــر ســـتـــارمـــر، الـنـصـيـب الأكــــبــــر مـــنـــهــمـــا، عـــلـــى اعـــتـــبـــار أن بــريــطــانــيــا وأمــيــركــا حـلـيـفـتـان تــاريــخــيــتــان. فـــإن تجربة مشاركة بريطانيا في الحرب ضد العراق، وما تركته مـن آثــار سلبية شعبياً، جعلت رئيس الحكومة يـتـردد فـي قبول الـدعـوة للمشاركة. ذكــرت التقارير الإعلامية أن الحكومة تبحث عن «فتوى قانونية» تجيز لها المشاركة، وأن وزارة الدفاع البريطانية أرسلت فريقا صغيرا مـــن كـــبـــار الـــضـــبـــاط لــلــمــشــاركــة مـــع نـظـرائـهـم الأميركيين في وضع خطط لفتح المضيق؛ في حــن صـــرح المـسـتـشـار الألمـــانـــي، مـيـرتـس، بـأن الـسـؤال عن مشاركة بــاده في عمليات تأمين المضيق غير وارد. أوروبــا تريد من واشنطن إنهاء الحرب، ولكن تلك الدعوة لم تجد صدى في واشنطن؛ فقادة أوروبا يرون أن الوسيلة الوحيدة لدفع الرئيس ترمب إلى تغيير موقفه لا تكون إلا عن طريق الأسواق المالية والرأي العام الأميركي، وإغــــــــاق مـــضـــيـــق هــــرمــــز أمـــــــام المــــاحــــة يــؤثــر فـيـهـمـا سـلـبـيـا. ولأن الــرئــيــس تــرمــب لا يـريـد خـوض الانتخابات النصفية المقبلة وأسعار المــحــروقــات مرتفعة كــي لا يُـــام عـلـى ذلـــك من قبل الناخبين، فهم يراهنون على تأثير هذين العاملين على موقفه. تؤكد استطلاعات الــرأي العام الأميركي أن شعبية الرئيس ترمب بين أنصاره لا تزال في المائة)، وفي إسرائيل ارتفعت 90( مرتفعة كذلك أسهم حكومة الائتلاف اليميني الحاكم في المائة يؤيدون الحرب)؛ لكن تلك النسبة 90( تــتــضــاءل فــي دول أوروبـــــا بـشـكـل لافــــت؛ ففي في المائة من الناخبين 50 بريطانيا، أكثر من يعارضون مشاركة بلادهم في الحرب. أوروبا تريد من واشنطن إنهاء الحرب... لكن تلك الدعوة لم تجد صدى في واشنطن ما كانت التصريحات المتشفيّة مفاجئة لكنها كانت مكنونة في الأسارير لكن وجد البعض في الحرب فرصة للبوح فهد سليمان الشقيران جمعة بوكليب عادل درويش OPINION الرأي 14 هل يكون فتح مضيق هرمز معبرا إلى هدنة؟ الرؤى العمليّة حين هزمت الشعبوية بريطانيا: حين تتحوّل عثرات ستارمر إلى نمط قد لا ترقى التحركات داخل حزب العمال إلى تمرد منظم، لكنها تعكس انقسامات متزايدة داخله
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky