كـــان زبـغـنـيـو بـريـجـنـسـكـي هـــو مَـــن كـتـب عمله الشهير «رقعة الشطرنج الكبرى»، الـذي أثـار جدلا عالميا لا يزال صداه يتردد مع كل حرب جديدة. بــريــجــنــســكــي قـــفـــز إلـــــى الأمـــــــام عــشــيــة انــهــيــار ، وانـهـيـار المنظومة 1991 الاتــحــاد السوفياتي عــام الشرقية كقطع الدومينو، ورأى أن العالم صار رقعة شطرنج كـبـرى يجب أن تستحوذ عليها الـولايـات المـــتـــحـــدة، شــــرط أن تُــسـيـطـر عــلــى أوراســــيــــا، أو ما يسمى قلب العالم في أدبيات الجغرافيا السياسية، وطرح تصورا للهيمنة على الدول التي كانت ضمن المنظومة الاشتراكية. وبالطبع لـم يكن وحـــده، فقد بـــرزت أطـروحـات أخــرى مثل مقولة نهاية التاريخ والإنـسـان الأخير لـصـاحـبـهـا فــرانــســيــس فــوكــويــامــا، غــيــر أن الــواقــع الـدولـي سرعان ما عرقل هـذه الـتـصـورات، فالحرب الروسية على أوكرانيا، وقبلها ما عُــرف بالثورات الملونة، أعادت تشكيل المشهد. جـــاءت حـــرب أوكــرانــيــا لتضع أوروبــــا فــي قلب مثلث حصار معقد، خصوصا مـع التحولات التي عبر عنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في وثيقة ، حين أشار إلى احتمالات تآكل 2025 الأمن القومي البنية الحضارية الأوروبـيـة خـال عقدين، وهاجم حلف شمال الأطلسي، وفرض رسوما جمركية على حركة التجارة عبر الأطلسي. فــي هـــذا الـسـيـاق، لــم تـعـد هـنـاك رقـعـة شطرنج كــبــرى، يـمـكـن أن تهيمن عليها واشـنـطـن مــن دون أوروبــــــا، ومـــع انــكــشــاف الأخـــيـــرة بـــن حـــرب كييف، وتعثر التجارة عبر المحيط، وترددها في الانخراط الـكـامـل فـي صــراعــات الـشـرق الأوســـط بـن الـولايـات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، فإن الرقعة لم تعد كبرى، وتقلصت إلى رقعة صغرى، تدور على مساحة الإقليم العربي وهوامشه. هـذه الرقعة الصغرى هي التي يرجح أن تعيد تشكيل ملامح النظام الدولي المحتمل، إذ إن النظام يتآكل 1945 الذي أقامته الولايات المتحدة منذ عام تدريجياً. ورغــم مـا اعـتـراه مـن اخـتـالات، فقد أتـاح قدرا من المرونة في حركة القواعد والقوانين الدولية، حتى إن كان هو ذاته الذي أنتج واقعا تاريخيا في الــشــرق الأوســــط بـإنـشـاء إســرائــيــل، بـوصـفـه نتاجا ملتبساً، خصوصا أن شعوب الإقليم العربي لم تكن طرفا في اندلاع الحربين العالميتين. تــبــدو هـــذه الـرقـعـة الـصـغـرى أقــــرب إلـــى جوهر الـــواقـــع، فعلى مساحتها تنشب حـــروب لا تستند إلى قواعد مستقرة، تستخدم فيها الطاقة والمنشآت المـــدنـــيـــة والـــصـــنـــاعـــيـــة، والمـــــــدن الــســكــنــيــة، وتـتـسـع دوائـرهـا بهدف توريط الجميع، مع تجاوز متكرر لكل الخطوط الحمراء. إن اختيار الإقليم العربي نـــواة لتشكيل نظام دولي جديد يعني أن شعوبه ستتحمل تكلفة لعبة دولية تستدعي خرائط قديمة؛ حيث تتنافس القوى الكبرى على هذا الشريان الحيوي. وعـــلـــى حـــــواف هــــذه الـــرقـــعـــة، تـــبـــدو الـــصـــن في الــشــرق الأقــصــى صــامــتــة، تــراقــب وتـنـتـظـر انـقـشـاع غبار المعارك، رغم ارتباطها الوثيق بهذه الرقعة عبر الـطـاقـة. فـي المـقـابـل، تبدو روسـيـا أحــد المستفيدين مما يجري، مع تراجع زخم الدعم الغربي لأوكرانيا، وازديــــــاد الـطـلـب عـلـى مـــواردهـــا مــن الــغــاز والـنـفـط، ومحاولات فك القيود عن أرصدتها المجمدة. أمـــا أوروبـــــا، فـتـبـدو فــي حـالـة مــراجــعــة، تبتعد نسبيا عن الأطلسي، وتبحث عن مفتاح يُعيد تعريف ذاتـهـا الاستراتيجية، ومـن ثـم، فـإن رقعة الشطرنج العربية الصغرى تظل مرشحة لأن تكون نواة لنظام دولي متعدد المراكز، عسكريا واقتصاديا وثقافياً. وفـــــي نـــهـــايـــة المـــــطـــــاف، فـــــإن مــــــآلات هـــــذه الـــحـــرب ستُحدد ما إذا كانت هذه الرقعة ستستعيد توازنها أم ســتــظــل رهـــيـــنـــة صــــراعــــات تــتــنــازعــهــا مـــشـــروعـــات متعارضة، بين طموحات التوسع الإقليمي، أو إعادة إنتاج إمبراطوريات قديمة، أو تدخلات قوى لم تتوقف يوما عن السعي للسيطرة على هذا المجال الحيوي. فــي المـحـصـلـة، يـجـب ألا تـكـون رقـعـة الشطرنج العربية الصغرى ميدان رماية، وعليها أن تتحول إلـــى فـاعـل إذا أحـكـمـت شــروطــهــا: سـيـاسـيـا، بـــإرادة منسقة تـصـاغ مــن الـــداخـــل، وثـقـافـيـا، بـهـويـة تنتج المعنى وتحصّن الــذات، واقتصادياً، بتكامل صلب يـحـول المـــــوارد إلـــى قـــوة، عـنـدهـا فـقـط، تـصـون هـذه الــرقــعــة قــوتــهــا الـــذاتـــيـــة، وتــصــبــح رقــمــا صـعـبـا في المعادلة الدولية المقبلة. الـصـراع مـع إسرائيل يوشك على إتـمـام قـرن مـــن الــــزمــــن، وخـــــال هــــذا الــــصــــراع الـــطـــويـــل الأمـــد وقعت حــروب كثيرة، بين جيوش نظامية لـدول، وميليشيات وقوى مسلّحة. في مسألة الصراع الـدائـم، اعتمدت إسرائيل ســـاح الاغــتــيــال، ســـواء لـلـزعـمـاء والـــقـــادة، أو من هم أدنى مرتبة حتى بلغ الأمر في حـالات عديدة اغتيال أفراد لمجرد أن المسدس وصل إليهم. الـــذيـــن اغـتـالـتـهـم إســـرائـــيـــل، بــالمــســدســات أو الــتــفــجــيــرات أو الـــســـم، أو بــاســتــخــدام الــطــائــرات الحربية قبل زمــن المـسـيّــرات، ولكثرتهم، لـم يعد معروفا كم وصل عددهم. الاغـتـيـال حـن يـطـال الـصـف الأول فـا يجوز تجاهل أثــره السلبي على الجبهات التي يجري عليها الـقـتـال، وغـالـبـا مــا يـكـون لـاغـتـيـال تأثير مــــزدوج، فـهـو مــن جـهـة يـهـز ثـقـة أنــصــار الـزعـمـاء الذين تم اغتيالهم بقدرتهم على حماية أنفسهم، وهم المنوط بهم حماية من معهم، ومن جهة أخرى يستخدمه الإسرائيليون لرفع معنويات جيشهم وشــعــبــهــم، الـــتـــي تـــكـــون اهــــتــــزّت بــفــعــل عـــجـــز عن إثبات أن اليد الإسرائيلية هي العليا في الهجوم والدفاع. ولـيـس أدل على ذلــك مـن المعالجة الإعلامية الإســرائــيــلــيــة لـكـل عـمـلـيـة اغــتــيــال وهـــي مـعـالـجـة بالغة الإثارة، وكأنها على بعد خطوة من النصر النهائي. إن الاغـــتـــيـــال، خــصــوصــا لــأســمــاء الـــبـــارزة، يـوظّــف فـي إسـرائـيـل، باستعراض مبالغ فيه في المواسم الانتخابية، ذلك أن الإبهار «السوبرماني» هو أهم عامل جذب للناخبين، وانظروا إلى كيفية تــوظــيــف الاغـــتـــيـــال بــالــصــوت والــــصــــورة مـــن قبل نتنياهو الذي يخوض معركة بقائه الأخيرة. اغـــتـــيـــال الـــــقـــــادة لـــيـــس بــــالأمــــر الـــــــذي يـمـكـن اعتباره عديم الجدوى، في الصراع المحتدم، وفي ظل الخلل في موازين القوى المائلة دائما لمصلحة إسرائيل، وانظروا إلى الحالة الفلسطينية كيف كانت زمن عرفات، وكيف صارت بعده، وبالمقياس ذاته حالة «حزب الله» زمن حسن نصرالله، وبعد تصفيته، وحالة إيــران بعد اغتيال المرشد علي خامنئي ومن معه، واغتيال لاريجاني ومن معه كذلك. وإذا كـان بوسع أتباع الذين تـم اغتيالهم تبسيط الأمر بالعبارات الدارجة في حالة كهذه كالقول إنهم يتقدّمون الصفوف ويقدّمون أمثولة في التضحية والفداء، إلا أن الفراغ الذي يتركونه وراءهم وإن كان سهلا ملؤه بتسمية خلفاء لهم، ولـكـن مـن أيــن تـأتـي بخبراتهم الـتـي اكتسبوها عبر تجربتهم القيادية الطويلة. إن مــا يستحق الـنـظـر إلـيـه مــن زاويــــة أعمق وأبـعـد هـو هـل ســاح الاغـتـيـال رغــم تأثيره على كــــفــــاءة أداء المـــســـتـــويـــات الـــقـــيـــاديـــة ومـــــردوداتـــــه المـعـنـويـة يـقـدر عـلـى تغيير المـــوازيـــن أو تحقيق نصر أو هزيمة حاسمين مهما بلغت قوة حضور القائد الذي يتم اغتياله؟ وقـــائـــع الـــصـــراع المـمـتـد أثــبــتــت، وعــلــى نـحـو قـــاطـــع، أن الاغــتــيــال ومـهـمـا عـظـم تــأثــيــره مـاديـا ومـــعـــنـــويـــا فـــإنـــه لا يـــصـــل إلـــــى حـــــد الـــتـــأثـــيـــر فـي الخلاصات التي يتوخاها منفذوه... قد ينجحون في انتخابات جرّاءه، وقد يملأون صدور أتباعهم بالنشوة والفرح والثقة، وقد يثيرون أسئلة داخل جــبــهــة الـــخـــصـــم، حــــول الــــجــــدارة والــتــقــصــيــر في الحماية. غير أن ذلـك يــزول لمجرد حــدوث واقعة سياسية أو قتالية تعيد للخصم تساؤلاته حول جــــدوى مــا تـــم فـعـلـه، وفـــي إســرائــيــل بـــالـــذات فقد حظي سكّانها بفائض دلال وحماية جعلت أقل إصابة حتى لو بالذعر سببا لهز الثقة، وتبديد الشعور بالأمان. تــــعــــوّدت إســـرائـــيـــل عــلــى أن الاغـــتـــيـــالات ذات الـــطـــابـــع الاســـتـــعـــراضـــي هـــي أحــــد مـــصـــادر الــقــوة والتأثير، فهي ضرورة انتخابية قديمة ومتجددة، وضــــرورة لمعالجة الــتــردي النفسي الـــذي تنتجه الـــحـــروب وخــســائــرهــا، وضـــــــرورة لإبـــهـــار الـعـالـم بالقدرة على تحقيق الخوارق، لهذا سيظل سلاح الاغتيال معمولا به وبأولوية قصوى توازي عمل الطيران والتكنولوجيا. لـهـذا لــن تقلع إسـرائـيـل عـنـه، ومـــا يساعدها على النجاح فيه ظـاهـرة الاستخفاف بالخسائر الـــــتـــــي يــــبــــديــــهــــا المُـــــســـــتـــــهـــــدفـــــون، حـــــــد الـــتـــبـــاهـــي بــالــتــضــحــيــات، إذ يـكـفـي بــعــد كــــل اغـــتـــيـــال يـطـال زعيم، أن تُستخدم الواقعة كإثبات على أن القادة يتساوون مع جندهم ومواطنيهم، ومن هنا ظهر عـنـدنـا مصطلح أن الـقـائـد هــو «مــشــروع شهيد» أكثر من كونه ضرورة قيادة. أحــيــانــا يـمـيـل واحــــدنــــا، عــنــد لـقـائـه وجها جديداً، لأن يـردّه إلى شخص آخر يعرفه، كــأن يقول عنه إنّــه «طالع لأبيه» أو لــخــالــه... والـــشـــيء نـفـسـه يـحـصـل في الـعـاقـة بـالـسـيـاسـيّــن الــذيــن نـحـبّــهـم أو نكرههم: فإذا أحب أحدنا سياسيّا ناشئا قـــال إنّـــه يـــذكّـــره بـديـغـول أو إنّـــه مـشـروع كـــيـــنـــيـــدي آخــــــر أو عـــبـــد الــــنــــاصــــر آخـــــر، وفـقـا للخيار الـسـيـاسـي والآيـديـولـوجـي للشخص المتكلّم. وبالمعنى نفسه يُحال السياسي الناشئ المـكـروه إلـى سياسي آخـــر مـــكـــروه أوســــع شــهــرة وأقـــــدم عـهـداً. هكذا يُبدّد غموض الجديد غير المألوف بـــأن يُــجــعَــل مــألــوفــا، ومـــن ثـــم مـوضـوعـا سهلا للإدراك والإحاطة الذهنيّة. وقـــــد عـــلّـــمـــنـــا المـــــــــؤرّخ والــفــيــلــســوف الــرومــانــي – الأمــيــركــي ميرسيا إيـلـيـاد، الــــــذي ربّــــمــــا كـــــان أهــــــم مــــؤرّخــــي الأديــــــان والــــطــــقــــوس فـــــي الـــــقـــــرن الــــعــــشــــريــــن، أن الـــظـــاهـــرات الـــجـــديـــدة، الـــتـــي لا تُــــــرد إلــى سوابق معروفة، تبدو عصيّة على الفهم، بل قد تبدو عديمة المعنى. وهذا ما يصح خــصــوصــا فـــي الـــذيـــن يــــرون أن الــتــاريــخ تـــكـــراري ودَوَرانـــــــــيّ، وأن «مـــا مـــن جـديـد تـحـت الــشــمــس»، فـالـحـاضـر لـيـس سـوى امـــتـــداد لـلـمـاضـي فـيـمـا الـــشـــيء الـوحـيـد الذي يتغيّر هو الأشكال. مناسبة هذا الكلام إطـاق تسميات عــــلــــى الــــحــــكــــومــــة الـــلـــبـــنـــانـــيّـــة تــرســمــهــا «حكومة فيشي» أو «حكومة الـعـار»، أي تردّها إلى سابقات معروفة في الخيانة الوطنيّة أو في ارتكاب «ما يندى الجبين» لارتكابه. ولمّا كان ناطقون بلسان «حزب الله» مصدر هـذه النعوت، جـاز التوقّف عند تجربتي الـنـاعـت والمـنـعـوت ونظرة كـــل منهما إلـــى الـعـالـم والمــعــرفــة، وتاليا المسؤوليّة. فـالمـنـعـوت، أي الـحـكـومـة، أقـــرب إلـى حالة جديدة، كل الجدّة، أقلّه في التجربة الـلـبـنـانـيّــة: وزراء تجمع بينهم الـنـزاهـة والجدّيّة والخبرة والانكباب الذاتي على الـعـمـل الــــــوزاري فــي ظـــل أوضــــاع بائسة جـدّا بأدواتها الماديّة المتاحة وبظروفها السياسيّة الخانقة. هكذا، وللمرّة الأولى، لا يخجل الـكـاتـب أو الصحافي مـن قول كلمة طيّبة في حكومته. أهــــم مــن ذلـــك أن كـثـيـريـن مــن هــؤلاء الـــــــــــوزراء، بـــمـــن فــيــهــم رئـــيـــس الــحــكــومــة نفسه، آتون من تجارب سياسيّة وفكريّة ارتبطت حصّة وازنة منها بتأييد حقوق الشعب الفلسطيني والتصدّي للخطاب الإســـرائـــيـــلـــي فـــي أشــكــالــه وتــقــلّــبــاتــه. إل أنّـــهـــم، ومـــن غـيـر أن يـتـخـلّــوا بـالـضـرورة عن مواقفهم الأصليّة، كابدوا ويكابدون الـــتـــجـــربـــة الــــتــــي تـــضـــعـــهـــم عـــلـــى تـــمـــاس مباشر مع واقع ومع توازن قوى يدفعان إلـــى الــقــبــول بـمـبـدأ كــالــتــفــاوض المـبـاشـر مــع إســرائــيــل. وهــــذا عـلـمـا بــــأن قـطـاعـات عريضة مـن اللبنانيّين تعتبر الحكومة مـــتـــســـاهـــلـــة ومــــقــــصّــــرة فـــــي ســــلــــوك هـــذا الطريق المرغوب لديها. والحال أن وضعا كهذا غير مسبوق فـي الـحـيـاة السياسيّة اللبنانيّة، وغير مسبوق بالتالي اعتماد الـواقـع وتــوازن القوى كمَصدرين للموقف، فيما الواقع مــــتــــآكــــل وتـــــــــــوازن الـــــقـــــوى مــــخــــتــــل تـــمـــام الاخـتـال واحتمالات الاحـتـال تتعايش مــع نـضـوب الـــقـــدرات وتــحــدّي الانـسـجـام مـــع الأفــــكــــار المــســبــقــة. ولأن الـــوضـــع هو كــذلــك، بـــدا لــزامــا عـلـى خـصـوم الحكومة تـحـويـلـه إلــــى وضــــع مــســبــوق ومـــعـــروف تتحكّم به الأدوات الفكريّة التي يحدّدها المـاضـي وثنائيّاته الفقيرة عـن المقاومة والاستسلام، والشرف والمهانة... فــهــنــا، يـــســـود الــحــســم، حـــتّـــى لـــو لم يقترن بتجربة معيّنة، أو بمسؤوليّة ما عن مصائر ملايين البشر، فهو بالتالي حـسـم مـسـبـق لا تــعــوزه الـتـجـربـة أصـــاً. أمّا التأمّل والحيرة والعمل على ملاءمة الأفكار للوقائع فهي ما لا تملك آلة النقّاد الـــفـــكـــريّـــة أيّـــــة قـــــدرة عــلــى اســتــيــعــابــه إل بوصفه خيانة. هـــكـــذا يــتــبــدّى الــيــقــن أمـــانـــا نـفـسـيّــا يـــربـــط صـــاحـــبـــه بــــمــــاض مــــألــــوف ســــاده الـفـكـر الـجـامـد المـسـتـنـد إلـــى نـظـام مغلق من الإجـابـات. ذاك أن مواجهة الغموض أو التعقيد توحي بعدم الاسـتـقـرار، كما أن الأسئلة التي لا تملك جوابا مخبّأ في خـزائـن ذاك المـاضـي تنطوي على تهديد وجــــوديّ، لأن الإجــابــات ليست مـا ينتج عــن أفــكــار وعـــن مــعــانــاة، بــل هــي جـــزء لا يتجزّأ مـن كـيـان صاحبها ومــن هويّته. فـحـن يـقـال إن مــن الـصـعـب الإجـــابـــة عن الأســـئـــلـــة المــــطــــروحــــة تـــتـــهـــدّد هــــويّــــة مَـــن يــظــن أن الإجـــابـــات جـــاهـــزة، وحـــن يقال إن الاحـتـمـالات القائمة مـتـعـدّدة، وربّــمـا متضاربة، يحس صاحب الجواب الجاهز بــنــوع مـــن الإرهــــــاق المـــعـــرفـــيّ، فيستولي عـلـيـه الــخــوف مــن فــقــدان الـسـيـطـرة على عالمه المحيط والبسيط. فمن يقول إن لديه الحل يبدو أقوى وأرفــــع مـكـانـة مـمّــن يـقـول إنّـــه يجهد كي يبلور حــاَّ، تماما كما أن مـن يقول «أنـا أعـــــــرف» يـــبـــدو أقــــــوى وأرفـــــــع مـــكـــانـــة مـن الــذي يقول «لست مـتـأكّــداً». وهــذا مثلما ينطبق على الأفراد ينطبق على الأنظمة العقائديّة التي يتحوّل زعمها المعرفةَ، وتـــحـــويـــل هــــذا الـــزعـــم إلــــى آيــديــولــوجــيــا رسميّة يتعلّمها الـطـاّب فـي مدارسهم، ويــنــقــلــهــا الإعـــــــام الـــرســـمـــي فــيــمــا يـبـثّــه ويــصــوّره، ليصبحا قـيـدا على التجديد والإبداع. لــــكــــن الأمــــــــر هـــنـــا أشــــــــد الــــــتــــــواء مـن أن يُـــخـــتـــصـــر فــــي مــــوقــــف فــــكــــري خـــطّـــي ومــتــمــاســك. فــالــذيــن يــصــفــون الـحـكـومـة بـــأنّـــهـــا «حـــكـــومـــة فـــيـــشـــي» يُـــبـــقـــون عـلـى وزيــريــن يمثّلانهم فــي الـحـكـومـة إيّــاهــا، وهـــــــم كــــلّــــمــــا قـــــــل رصـــــاصـــــهـــــم وتـــعـــاظـــم اصــــطــــدامــــهــــم بـــــالـــــواقـــــع الــــفــــعــــلــــي زادت شتائمهم، كـمـا أنّــهــم، وبـحـسـب سـوابـق لا تُـــحـــصـــى، يـــنـــدفـــعـــون بــــقــــوّة الـــحـــاجـــة الإيــــــرانــــــيّــــــة، لا بـــالـــتـــفـــاعـــل مـــــع الـــــواقـــــع الـلـبـنـانـيّ. ومـــن مــواقــع كــهــذه ينقضّون عـلـى حـكـومـة يـمـكـن أن يــقــال الـكـثـيـر في نقدها ما خلا هذا التشهير الذي يسمّيه بعض أصحابه نقداً. OPINION الرأي 12 Issue 17281 - العدد Sunday - 2026/3/22 الأحد الاغتيال رقعة الشطرنج الصغرى «حكومة فيشي» اللبنانيّة!؟ وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حازم صاغيّة نبيل عمرو جمال الكشكي
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky