5 حرب إيران NEWS Issue 17280 - العدد Saturday - 2026/3/21 السبت ASHARQ AL-AWSAT الناجي الدائم من حروب إيران وصراعاتها الداخلية قاليباف... جنرال «الحرس» البارع في فن إعادة التموضع مـــــــن بـــــــن رجـــــــــــال المـــــــرشـــــــد الإيـــــــرانـــــــي الـذيـن عـبـروا الــحــرب، والأمــــن، والسياسة، والاقتصاد، يبرز رئيس البرلمان، والقيادي في «الحرس الثوري» محمد باقر قاليباف بوصفه واحدا من أكثر الشخصيات تعبيرا عن طبيعة نظام الحكم نفسه: نظام يكافئ الولاء، ويستثمر في رجال الميدان، ويمنح الناجين من معارك الداخل والخارج فرصا متكررة لإعادة التموضع. وعـــلـــى امــــتــــداد أربــــعــــة عــــقــــود، انـتـقــل قـــالـــيـــبـــاف مــــن خــــنــــادق الــــحــــرب إلـــــى قــمــرة الـــقـــيـــادة، ومــــن قـــيـــادة الــشــرطــة إلــــى بـلـديـة طهران، ثم إلى رئاسة البرلمان، من دون أن ينجح في تحقيق طموحه الأكبر: الجلوس في قصر الرئاسة. لكن فشل قاليباف فـي بلوغ المنصب الأول تـنـفـيـذيـا لا يـعـنـي أنـــه خـسـر معركة النفوذ. على العكس، فـإن مسيرته تكشف عـــن نـــمـــوذج سـيـاسـي خـــاص داخــــل إيــــران: رجــــل دولـــــة أمـــنـــي الـــطـــابـــع، شـــديـــد الـصـلـة بـــــ«الــــحــــرس الـــــثـــــوري»، قــــــادر عـــلـــى تـقـديـم نفسه تـــارة بصفة الجنرال الـحـازم، وتــارة بـــصـــفـــة المــــديــــر الـــتـــنـــفـــيـــذي، وتـــــــــارة ثــالــثــة بصفة الـسـيـاسـي الـبـراغـمـاتـي الـقـريـب من هموم الفئات البائسة. وبـن هـذه الوجوه المتعاقبة، بقي عنصر واحد ثابتاً: حرصه على البقاء داخل الدائرة الصلبة للنظام، لا على هامشها. ابن مشهد الذي صعد مع جيل الحرب في طرقبة قرب 1961 ولد قاليباف عام مشهد، المدينة التي خـرج منها عـدد كبير مـــن رجــــال الـــدولـــة والأمـــــن فـــي الـجـمـهـوريـة الإســامــيــة. وكـــان انـتـمـاؤه الـجـغـرافـي إلـى خـــراســـان مـهـمـا فـــي بـيـئـة سـيـاسـيـة تـقـوم، إلـــى جـانـب الآيـديـولـوجـيـا، عـلـى الشبكات الشخصية، والـروابـط المحلية. فمشهد لم تكن مـجـرد مدينة دينية كـبـرى، بـل كانت أيـضـا خـزانـا بشريا لنخب الـنـظـام، وفيها تتقاطع المؤسسة الدينية مع دوائــر الأمن و«الحرس الثوري». دخل قاليباف الحياة العامة من بوابة الـــحـــرب الــعــراقــيــة-الإيــرانــيــة. مـثـل كثيرين من أبناء جيله، صاغت الحرب شخصيته الــســيــاســيــة، والأمـــنـــيـــة، ومـنـحـتـه رأســمــال رمزيا ظل يرافقه في كل المناصب اللاحقة. انخرط أولا في «الباسيج»، ثم في «الحرس الــــــثــــــوري»، وصــــعــــد بـــســـرعـــة لافــــتــــة داخــــل التشكيلات القتالية، حتى بـات من أصغر الــــقــــادة ســنــا فـــي ســـنـــوات الــــحــــرب. وتــولــى مسؤوليات في وحــدات بــارزة، مثل «نصر خـراسـان»، ونسج في تلك المرحلة علاقات مـــــع أســـــمـــــاء ســتــصــبــح لاحــــقــــا مـــــن أعـــمـــدة الـنـظـام، بينها الـجـنـرال قـاسـم سليماني، وخليفته إسـمـاعـيـل قــاآنــي، وغـيـرهـمـا من كبار قادة «الحرس». لم تكن حرب الثمانينات بالنسبة إلى قـالـيـبـاف مـجـرد سـيـرة بـطـولـيـة تـــروى في الحملات الانتخابية، بل كانت المدرسة التي أتاحت له دخول النخبة الحاكمة من أوسع أبوابها. فمن رحم تلك التجربة خرج جيل كـامـل مـن الــقــادة الـذيـن تـحـولـوا لاحـقـا إلى شبكة مصالح ونفوذ ممتدة بين المؤسسة العسكرية، والاقـتـصـاد، والسياسة، وكـان قــالــيــبــاف مـــن أكــثــرهــم مـــهـــارة فـــي تـحـويـل رصيده العسكري إلى رصيد سياسي. البوابة الصامتة للنفوذ بعد انتهاء الحرب، لم يخرج قاليباف مـن المـعـادلـة كما خــرج آلاف المـقـاتـلـن. على الــــعــــكــــس، انـــتـــقـــل مـــــع «الــــــحــــــرس الـــــثـــــوري» إلـــى المـرحـلـة الـتـالـيـة مــن بـنـاء الـجـمـهـوريـة: الـتـمـدد داخـــل الاقــتــصــاد، والـــدولـــة. وتـولـى قـــيـــادة مـجـمـوعـة «خـــاتـــم الأنـــبـــيـــاء»، الــــذراع الاقـتـصـاديـة الأهـــم لـــ«الــحــرس»، فـي مرحلة كــان فيها هــذا الـكـيـان يتحول مـن مؤسسة هـــنـــدســـيـــة مـــرتـــبـــطـــة بـــــإعـــــادة الإعـــــمـــــار إلـــى إمـــبـــراطـــوريـــة اقـــتـــصـــاديـــة تـــنـــافـــس الــقــطــاع الخاص، وتستحوذ على المشاريع الكبرى. ثـــم انــتــقــل قــالــيــبــاف إلــــى قـــيـــادة الــقــوة 1997 الـــجـــويـــة فــــي «الـــــحـــــرس» بــــن عـــامـــي . وقدم نفسه في تلك المرحلة باعتباره 2000 و ضـــابـــطـــا حـــديـــثـــا يـــجـــمـــع بـــــن الــتــخــصــص العسكري والانفتاح التقني، خصوصا مع مـا تـــردد عـن تـدريـبـات تلقاها فـي الـخـارج، واهــتــمــامــه بــالــطــيــران المـــدنـــي، والـعـسـكـري. وفــــي المـــــــــوازاة، حــصــل عــلــى الــــدكــــتــــوراه في الجغرافيا السياسية، فـي مـسـار بــدا كأنه مـحـاولـة مبكرة لبناء صـــورة مـركـبـة: رجل ميدان يحمل أيضا لغة الإدارة، والدراسة. ... لحظة الانكشاف الأمني 1999 رسالة إذا كانت الحرب قد صنعت قاليباف صنعت 1999 العسكري، فـإن احتجاجات صـورتـه الأمـنـيـة الأكـثـر رســوخــا. ففي تلك السنة، ومــع انفجار الحركة الطلابية في طـــهـــران، ومــــدن أخـــــرى، كـــان قـالـيـبـاف بين أبـرز قـادة «الحرس» الذين وقعوا الرسالة الـشـهـيـرة إلـــى الـرئـيـس الإصـــاحـــي محمد خـــاتـــمـــي، مــلــوحــن بــتــدخــل حـــاســـم إذا لم توقف الحكومة الاحتجاجات. لم تكن تلك الــرســالــة مــجــرد مــوقــف مـــن أزمــــة داخـلـيـة، بل كانت إعلانا مبكرا بـأن «الـحـرس» يرى نفسه وصيا على المسار السياسي عندما يعتقد أن النظام مهدد. لاحـــقـــا، طـــــاردت قــالــيــبــاف تـسـجـيـات وتــصــريــحــات نـسـبـت إلـــيـــه، وتــفــاخــر فيها بـأنـه شـــارك بنفسه فـي قمع الــطــاب، وأنـه كان مستعدا للنزول إلى الشارع واستخدام العصا. وفي مناظرات انتخابات الرئاسة ، عـاد ملفه الأمني إلـى الواجهة حين 2013 ذكّــــره حـسـن روحـــانـــي بـــروايـــة «الـكـمـاشـة» الشهيرة، فـي إشـــارة إلــى طريقة التعاطي مــــع الاحـــتـــجـــاجـــات الـــطـــابـــيـــة. ومـــنـــذ ذلـــك الـوقـت، بقي لقب «جـنـرال الكماشة» جـزءا من صورته العامة، لا سيما لدى خصومه من الإصلاحيين، والناشطين. قائد الشرطة... تشدد في المضمون ، عـــــــن المـــــرشـــــد عــلــي 2000 فـــــي عـــــــام خامنئي قاليباف قائدا للشرطة الإيرانية. كـــان الـتـعـيـن ذا دلالــــة سـيـاسـيـة واضــحــة. فالرجل جـاء مـن الـحـرس، وفـي لحظة أراد فــيــهــا الـــنـــظـــام إعــــــادة ضــبــط الــــشــــارع بعد صعود الإصلاحيين، واحتجاجات الطلبة، بـــــدا أنـــــه يــمــثــل الـــخـــيـــار المــــوثــــوق مــــن بـيـت المـرشـد. وخــال توليه هـذا المنصب، سعى قاليباف إلــى إظـهـار الشرطة بمظهر أكثر حداثة، وتنظيماً. أُدخلت تجهيزات جديدة، وبــــــرز خـــطـــاب عــــن المـــهـــنـــيـــة، والانـــضـــبـــاط، وجــــرى تــســويــق صـــورتـــه بــاعــتــبــاره قــائــدا تـنـفـيـذيـا قـــــادرا عـلـى تـحـديـث المــؤســســات. لكن هــذا الـوجـه التحديثي لـم يـلـغ حقيقة أن عــهــده شـهـد أيــضــا تــشــديــدا أمـنـيـا على الناشطين، والمثقفين، والصحافيين، فضلا عـــن إعـــــادة تـفـعـيـل دوريـــــات الآداب الـعـامـة وشرطة الأخلاق في الفضاء الاجتماعي. الطيار يخسر أمام الشعبوي دخــل قاليباف الـسـبـاق الـرئـاسـي أول . وكانت تلك لحظة مفصلية، 2005 مرة عام لأن الرجل قرر أن يختبر قدرته على التحول مـــن قـــائـــد أمـــنـــي إلــــى ســيــاســي وطـــنـــي. في حملته، بـدا مختلفا عـن الـصـورة المتوقعة لضابط سابق في «الحرس». ظهر بلباس الـــطـــيـــار، وتـــحـــدث لــغــة إداريـــــــة وتــنــمــويــة، وحـاول استقطاب الطبقة الوسطى والمدن الحديثة، مقدما نفسه بصفته تكنوقراطيا قـــادرا على الإنــجــاز. غير أن هــذه المحاولة انـــتـــهـــت بــــإخــــفــــاق واضــــــــح. فـــقـــد خــــــرج مـن الجولة الأولـــى، بينما تقدم عليه محمود أحـــمـــدي نـــجـــاد، الـــــذي نــجــح فـــي مـخـاطـبـة الغضب الشعبي بلغة أكثر شعبوية، وأقل نخبوية. ومع ذلك، لم تؤد الهزيمة إلى خروجه مـن المـشـهـد. فبعد أشـهـر قليلة، انتقل إلى منصب عمدة طـهـران، ليبدأ أطــول مرحلة تنفيذية في مسيرته، وربما أكثرها تأثيرا في مستقبله. بلدية طهران... شبهات الظل عـامـا فــي رئــاســة بلدية 12 عـلـى مـــدى طـــــهـــــران، بـــنـــى قـــالـــيـــبـــاف صــــورتــــه الأكـــثـــر انـتـشـاراً: «رجـــل الإنـــجـــاز». توسعت شبكة المــــتــــرو، وأُطـــلـــقـــت مـــشـــاريـــع بــنــيــة تـحـتـيـة ضـخـمـة، وشُــقــت طـــرق، وأنـــفـــاق، وجـسـور، وحرصت آلة إعلامية واسعة على تقديمه بصفته نموذجا للمدير الفعال الذي يفضّل العمل على الجدل الآيديولوجي. لــكــن الـــوجـــه الآخـــــر لــبــلــديــة قـالـيـبـاف كــــــان أكــــثــــر تـــعـــقـــيـــداً. فـــقـــد تــــراكــــمــــت خـــال تــلــك الـــســـنـــوات اتـــهـــامـــات ثـقـيـلـة بـالـفـسـاد، والمــــحــــســــوبــــيــــة. ظــــهــــرت قـــضـــيـــة «الأمــــــــاك الفلكية» الـتـي كشفت بـيـع عــقــارات تابعة للبلدية بمبالغ منخفضة إلـــى مسؤولين وشـــخـــصـــيـــات نـــــافـــــذة. وتـــاحـــقـــت مــلــفــات مــرتــبــطــة بـــــ«يــــاس هـــولـــديـــنـــغ» ومــؤســســة تــــــعــــــاون «الـــــــــحـــــــــرس»، وبــــشــــبــــهــــات حــــول تحويلات مالية، وتعاقدات غير شفافة. كما أُلقي الضوء على ملفات طالت مقربين منه، وفي مقدمهم نائبه السابق عيسى شريفي، الــذي أُديـــن لاحقا فـي قضايا فساد كبيرة. كـــذلـــك أُثـــيـــر الـــجـــدل حــــول دور مــؤســســات مرتبطة بعائلته، ومنها مؤسسة خيرية كـــانـــت زوجــــتــــه مــــن بــــن الـــقـــائـــمـــن عـلـيـهـا، وحول اسم ابنه في ملفات أخرى. ثم جاءت 2022 فـضـيـحـة «ســيــســمــونــي غـــيـــت» عــــام لـتـضـيـف إلــــى صـــورتـــه عـبـئـا جـــديـــداً، حين أُثيرت ضجة واسعة حول رحلة عائلية إلى تركيا لشراء مستلزمات باهظة. وبصرف الــنــظــر عـــن المــــــآلات الــقــانــونــيــة، فــــإن تــراكــم هذه القصص عزز الانطباع بأن قاليباف، الذي تحدث طويلا عن العدالة الاجتماعية والإدارة الجهادية، لم ينجح في التحرر من صـــورة السياسي الـــذي تحيط بـه شبكات المصالح، والامتيازات. بين الأمن والبراغماتية...شخصية متعددة الوجوه إذا كان هناك وصف يلخّص مسيرة قاليباف السياسية، فهو أنـه رجـل يعيد تصنيع نفسه باستمرار. ففي كل محطة انتخابية تقريبا قـدّم نسخة مختلفة من كان «الطيار» 2005 شخصيته العامة. في ظــهــر بـمـامـح 2013 الــتــكــنــوقــراطــي. فـــي أمنية أكثر وضوحاً، وبخطاب أقـرب إلى حـــاول 2017 المـحـافـظـن المــتــشــدديــن. فـــي استلهام الشعبوية الاجتماعية، والحديث في 4« فـي المـائـة» فـي مواجهة 96« باسم المائة» من المستفيدين. تبنى نـبـرة أكـثـر هـــدوءاً، 2024 وفـــي ومــــــــرونــــــــة، مـــــــحـــــــاولا الـــــظـــــهـــــور بــمــظــهــر الــــســــيــــاســــي الـــــــقـــــــادر عــــلــــى الـــــتـــــفـــــاوض، والانـفـتـاح التكتيكي مـن دون الاصـطـدام بجوهر النظام. غير أن هذا التعدد في الوجوه حمل أيـضـا تكلفة سياسية. فقد بــدا لكثيرين بـــا هــويــة ثــابــتــة، أو عـلـى الأقــــل بـــا خط ســـيـــاســـي مـــتـــمـــاســـك. ولــــــم يـــتـــمـــكـــن، رغـــم خبرته الـطـويـلـة، مـن كسب ثقة الـتـيـارات المـحـافـظـة كـلـهـا، ولا مـــن اجـــتـــذاب الكتلة المترددة في المجتمع، ولا من طي صفحات ملفاته القديمة. محاولات الرئاسة... حضور دائم وخسارات متكررة عاد قاليباف إلى سباق الرئاسة في ،2005 ، وكان أداؤه آنذاك أفضل من 2013 إذ حل ثانيا خلف حسن روحـانـي، لكنه خسر بفارق كبير. وفي تلك الحملة، بدا أن خلفيته الأمنية وسعيه إلى استقطاب المحافظين لم يكونا كافيين أمــام مرشح نـــجـــح فــــي تـــقـــديـــم نـــفـــســـه بـــوصـــفـــه رجـــل التسوية والانفراج النووي. ، دخل السباق مجدداً، لكنه 2017 في انـسـحـب لـصـالـح إبـراهـيـم رئـيـسـي تحت ضـغـط تـوحـيـد الــصــف المــحــافــظ. يومها بدا واضحا أن مراكز القوة لا تراه الخيار الأول داخـل التيار المحافظ، وأن عليه أن يكتفي بدور المساند إذا اقتضت مصلحة لــــم يــنــافــس 2021 المـــعـــســـكـــر ذلــــــك. وفـــــي بجدية بعدما بدا أن الطريق مُعبد أمام رئيسي. رئاسة البرلمان... موقع قوي في مؤسسة محدودة يبقى نفوذ البرلمان الإيراني محدودا قـيـاسـا بثقل مكتب المــرشــد، و«الــحــرس الــــثــــوري»، ومـجـلـس صـيـانـة الــدســتــور، وسـائـر المـؤسـسـات فــوق المنتخبة. ومع ذلــــك، وفــــرت رئـــاســـة الــبــرلمــان لقاليباف منصة مؤسسية مهمة لإدارة التوازنات داخل التيار المحافظ، وبناء علاقات مع النواب، والحفاظ على حضوره اليومي في قلب القرار. إعادة انتخابه لرئاسة البرلمان عام ، بــعــد أســـبـــوع مـــن وفــــاة رئـيـسـي، 2024 حـمـلـت رســـالـــة واضـــحـــة: الـــرجـــل مـــا زال يـحـظـى بـغـطـاء مـــن داخــــل الــنــظــام، رغـم الـــــجـــــدل الــــــــذي يـــحـــيـــط بـــــــه. فــــهــــو لــيــس الشخصية الأكثر نقاء آيديولوجياً، ولا الأقدر على استثارة الحماسة الشعبية، لكنه ما زال من رجال المؤسسة الموثوقين فــــــي مــــرحــــلــــة تـــبـــحـــث فـــيـــهـــا المـــؤســـســـة الــحــاكــمــة عـــن تــمــاســك داخـــلـــي أكــثــر من بحثها عن التجديد. العلاقة مع خامنئي... سر البقاء لا يـــمـــكـــن فـــهـــم اســــتــــمــــرار قـــالـــيـــبـــاف مـــن دون الـــتـــوقـــف عــنــد عــاقــتــه الـعـمـيـقـة بـــــ«الــــحــــرس الــــــثــــــوري»، وبــــالمــــرشــــد عـلـي خامنئي. فالرجل ابن جيل الحرب، وابن خــراســان، وابـــن المـؤسـسـات الـتـي صاغها خامنئي منذ توليه القيادة. هذه الصلات لا تعني بالضرورة تطابقا كاملا في كل الملفات، لكنها تفسر كيف نجا من عثرات كــان يمكن أن تنهي أي مسيرة سياسية فـــي نــظــام أقـــل تـسـامـحـا مـــع الأخـــطـــاء، أو الفضائح. ومــــــع ذلـــــــك، فــــــإن عـــاقـــتـــه بـــالـــحـــرس لـــيـــســـت ضــــمــــانــــة مـــطـــلـــقـــة. فـــــداخـــــل هــــذه المـــؤســـســـة نــفــســهــا أجــــيــــال، واتـــجـــاهـــات، وتنافسات. وقـد أظهرت محطات عـدة أن دعما من بعض دوائر «الحرس» لا يعني بالضرورة إجماعا عليه، وأن شخصيات أخرى أكثر تشدداً، أو أقل إثارة للجدل قد تتقدم عليه عندما يتعلق الأمـر باختيار رجل المرحلة. هــذه الــقــدرة على الجمع بـن الإدارة والانضباط الأمني هي بالضبط ما جعل بعض دوائــر النظام تنظر إليه باعتباره صالحا لمهمات متعددة. فهو ليس خطيبا عقائديا من طراز المحافظين الأشد صلابة، وليس أيضا رجل مساومات يذهب بعيدا في المرونة. إنه، في نظر مؤيديه، موظف كبير لـدى الجمهورية: يعرف كيف يدير مؤسسة، وكيف يضبط طاقمها، وكيف يلتزم بالسقف الذي يرسمه المرشد. مشروعه السياسي إلى أين؟ بـــــعـــــد أربـــــــعـــــــة عــــــقــــــود مـــــــن الــــصــــعــــود والتحول، تبدو مفارقة قاليباف واضحة. فـهـو رجـــل نـجـح فـــي كـــل شـــيء تـقـريـبـا؛ إلا فـي الـوصـول إلـى المنصب الــذي أراده أكثر من أي شـيء آخــر. قـاد وحــدات في الحرب، وأدار مؤسسات أمنية، ورأس أكبر بلدية فـي الـبـاد، واعتلى رئـاسـة الـبـرلمـان، وبنى شبكة سياسية وإعلامية واسعة، لكنه ظل عند عتبة الرئاسة، لا داخلها. رجل خرج من الحرب حاملا شرعيتها، ودخـــل الـسـيـاسـة مـحـمـا بـطـمـوح لا يـهـدأ، وراكـــم فـي الطريق إنــجــازات، وخصومات، وملفات ثقيلة، ثم انتهى إلـى موقع يكفي لضمان بقائه داخــل الصف الأول، لكنه لا يكفي لتحقيق حلمه الأكبر. وربـمـا تكمن قــوة قاليباف الحقيقية هـــنـــا تـــحـــديـــداً: لا فــــي كـــونـــه رجـــــل الـحـسـم الـنـهـائـي، بــل فــي كــونــه أحـــد آخـــر الـنـاجـن الــــكــــبــــار مـــــن الــــجــــيــــل الأول فـــــي الــــنــــظــــام، والـــقـــادريـــن حـتـى الآن عـلـى تـبـديـل المــواقــع والــــــوجــــــوه، مــــن دون أن يـــســـقـــطـــوا خــــارج الخريطة. وفــــي الـــحـــربـــن الــلــتــن شــكّــلــتــا أخـطـر اخــــتــــبــــار لـــلـــنـــظـــام الإيــــــرانــــــي فـــــي ســـنـــواتـــه الأخـــــيـــــرة، بـــــرز قـــالـــيـــبـــاف بـــوصـــفـــه واحـــــدا مـــن رجــــال الــــطــــوارئ داخــــل بـنـيـة الـسـلـطـة. فـفـي حـــرب الأيــــام الاثــنــي عـشـر فــي يونيو ، سـعـى إلـــى تـقـديـم نفسه 2025 ) (حـــزيـــران بـــصـــفـــتـــه وجــــهــــا مـــــن وجــــــــوه «الــــصــــمــــود» المـــؤســـســـي، وقــــال لاحــقــا إن تــلــك المــواجــهــة عـــامـــا إلــــى الأمــــــــام»، في 50 «قــــدّمــــت إيــــــران مــحــاولــة لـتـحـويـل لـحـظـة الاســـتـــنـــزاف إلـى سردية تعبئة واستنهاض. ثـــم عـــــززت تــصــريــحــات وزيـــــر الـــتـــراث رضـــا صـالـحـي أمـــيـــري هـــذه الـــصـــورة حين قـال إن قاليباف «ارتــدى لباس القتال» في غـــيـــاب بــعــض الــــقــــادة، وحـــضـــر فـــي سـاحـة المـــواجـــهـــة لمـــســـانـــدة الـــرئـــيـــس والـــحـــكـــومـــة. فـبـرايـر 28 لـكـن الـــحـــرب الــتــي انــدلــعــت فـــي ، وقُـــتـــل فـيـهـا المـــرشـــد علي 2026 ) (شـــبـــاط خامنئي، دفعت رئيس البرلمان إلـى موقع أكـثـر حساسية؛ إذ بـــدا، فـي لحظة ارتـبـاك نـــادرة داخــل هــرم الـنـظـام، حلقة وصــل بين المؤسستين السياسية والأمنية، مستفيدا مـــن تــاريــخــه فـــي «الـــحـــرس الــــثــــوري»، ومـن شبكاته المتجذرة داخل الدولة. بـــذلـــك، لـــم تــكــن الـــحـــرب مـــع إســرائــيــل مجرد اختبار جديد لقاليباف، بل مناسبة كـشـفـت وظـيـفـتـه الأعــمــق فــي أجــهــزة صنع الـــــقـــــرار: رجـــــل الأزمــــــــات الــــــذي يـــعـــود كـلـمـا ضـاقـت الــدائــرة، واحــتــاج الـنـظـام إلــى وجه يجمع بين خبرة الميدان وحسابات السلطة. قاليباف على هامش مشاركته في مراسم حكومية (أرشيفية - موقع البرلمان) قاليباف يهدي تمثال سليماني للرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو في كاراكاس يونيو الماضي (أ.ب) لندن: «الشرق الأوسط» حين تصد عت قمة النظام تحت النار تمدد قاليباف داخل الفراغ بوصفهرجل المؤسسة الأوثق
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky