issue17278

يبدو العنوان مثيرًا وخطيرًا في الوقت ذاته، ال سيما في ظل التطورات الجارية حول العالم، شرقًا وغربًا؛ شماال وجنوبًا. منذ بـدايـات العقد الثالث مـن الـقـرن الحالي، والهشاشة الجيوسياسة بـات منسوبُها مرتفعًا، ومـخـاطـرُهـا مـتـصـاعـدة بــصــورة غـيـر مـسـبـوقـة، ال سيما فــي ظــل عـــدم الـيـقـن، وإنــفــاش الـصـراعـات، عطفًا على تراجع القدرة على إدارة األزمات الدولية عبر األطر التقليدية. فــقــد الـعـالـم فــتــرات االســتــقــرار الـنـسـبـيـة التي عرفها القرن العشرين، وأوغل في دروب «السيولة الـــجـــيـــوســـتـــراتـــيـــجـــيـــة»، حـــيـــث اخـــتـــلـــطـــت األزمـــــــات االقـتـصـاديـة مــع املـخـاطـر البيئية، فيما املــهــددات الـتـكـنـولـوجـيـة الـــولـــيـــدة والـــجـــديـــدة، املـتـمـثـلـة في الــذكـــاءات االصطناعية، بـاتـت سيفًا مسلطًا على حالة األمـن والسلم العامليي؛ مما جعل بشريتنا أكبر عرضة للهتزاز. هـــل تـعـنـي تــلــك الــهــشــاشــة أن ظــهــور «الـبـجـع األســـــود»، ومـــن أســـف شــديــد، بـــات قـــاب قـوسـن أو أدنى؟ الــذيــن لـديـهـم عـلـم مــن أدبــيــات الجيوبولتيك املـــعـــاصـــر، يــــدركــــون كـــيـــف أن فــــكــــرة االنــــــــزالق إلـــى مواجهة أممية ثالثة تكاد تقرع األبواب؛ مما يجعل طـرح املفكر األميركي الجنسية، اللبناني األصـل، نسيم طــالــب، عــن «الـبـجـع األســـــود»، حــاضــرًا عند عتبات األبواب. طـــرح الــبــروفــســور نـسـيـم طــالــب مـفـهـومـه عن «البجع األسود» في مؤلفه الشهير «ذا بلك اسْوَان )»، ليصف «األحداث النادرة التي The Black Swan( يصعب التنبؤ بها، لكنها عندما تقع تُحدث تأثيرًا هائل يعيد تشكيل التاريخ». اليوم، إذا قرر أحد األطراف تصعيد أي خلف، ال سـيـمـا عـلـى صـعـيـد الــقــوى الـعـظـمـى، فــا يمكن التنبؤ بمن قد يتدخل في عصر األسلحة النووية السريعة االشتعال؛ مما يعني أن األمور قد تخرج عن السيطرة بسرعة قبل أن يتاح ألي من األطراف الرئيسية فرصة فهم حقيقة ما جرى، وقد تنتهي حضارتنا البشرية في دقائق، بالدخول في الشتاء النووي. يتساءل البعض: هـل األحـــداث الـيـوم شبيهة ، أي قــبــل انــــــدالع الــحــرب 1913 بــمــا كــــان فـــي عــــام العاملية األولى؟ غـالـب الـظـن أن هـنـاك تشابهًا كـبـيـرًا، لكن مع األخــــذ فــي الـحـسـبـان أن وقـتـهـا كــانــت دول الـعـالـم دولـــــة؛ ذات ســـيـــادة، قـلـبُــهـا تمثله 61 ال تــتــجــاوز اإلمـــبـــراطـــوريـــات الــكــبــرى الــفـاعـلــة مـثــل بـريـطـانـيـا 195 وروســيــا وفـرنـسـا وأملــانــيــا، أمـــا الــيــوم فـهـنـاك دولـة، تسعى كل منها جاهدة لحجز مكانها على الـــســـاحـــة الـــدولـــيـــة فـــي سـبـيـل تـحـقـيـق مـصـالـحـهـا الوطنية، ومن املستحيل حساب عدد األحداث غير املتوقعة الـتـي قـد تـزعـزع الشبكة الجيوسياسية لدرجة انهيارها. قـد يعني مـا تـقـدم أن األحــــداث الـــنـــادرة، التي يـصـعـب الـتـنـبـؤ بـهـا لكنها تــحــدث، بــاتــت تـتـراكـم لتشكل عاملًا أكبر هشاشة، أضحى خشبة مسرح جاهزة لظهور «البجع األسود». والـظـاهـر أن عاملنا املـعـاصـر لـم يصبح فجأة بهذه الهشاشة، وإنما هناك عوامل عدة دفعت به في هذا املسار. بداية؛ يمكن التأكيد على أن الترابط العوملي تـــــــرك بـــصـــمـــة واضـــــحـــــة عــــلــــى تــــشــــابــــك الــــحــــاجــــات اإلنــــســــانــــيــــة، وهـــــــذه تـــعـــاظـــم شـــأنـــهـــا فــــي أطـــــر مـن الرفاهية، جعلت فكرة «سـاسـل اإلمــــدادات» شأنًا ضروريًا للشرق والغرب. تاليًا؛ أضحى التنافس الدولي سمة واضحةً، ولم يعد أحد، خصوصًا من األقطاب الكبرى، يداري أو يواري رغبته في الهيمنة والقيادة. عـــطـــفـــ عـــلـــى ذلـــــــك، فــــــإن نــــظــــرة ســـريـــعـــة عـلـى جغرافيا الكون تظهر لنا تعدد ساحات الصراع؛ من أوكرانيا شرقًا إلى فنزويل غربًا، وبينها الهند وبــاكــســتــان، وأمـــيـــركـــا وإيـــــــران، مـــن دون أن نغفل مــأســاة غـــزة، ومــؤخــرًا يـتـحـدث رئـيـس صـربـيـا عن «هول أعظم قادم من جديد» في منطقة البلقان. بجع نسيم طالب األســـود، وهشاشة الوضع الجيوسياسي العاملي، من األوضـــاع التي ترتبت فـي واقــع الـحـال جــراء تـجـاوز النظام الـدولـي فكرة الصراعات العسكرية التقليدية، وصــار اليوم في مواجهة نوازل غير مسبوقة. خـذ إلـيـك، على سبيل املــثــال، مـــآالت الـحـروب الـسـيـبـرانـيـة، والــــــدروب املـخـيـفـة املَــــاوَرَائِــــيَّــــة؛ تلك الكفيلة بقض مضاجع البشر. أما عن عسكرة الفضاء، فحدث وال حرج؛ مما يجعل الكوكب األزرق ميدانًا لرمي النار من بعيد. فيما الـحـروب االقـتـصـاديـة، تـكـاد تـدفـع فـي طريق الشعبويات والقوميات الصاعدة. أمـــا الـطـامـة الــكــبــرى، فـمـوصـولـة بـعـالـم يعيد من جديد إنتاج أفكار الحروب املذهبية والدينية، قرون إلى الوراء. 8 وكأن اإلنسانية تتراجع أكثر من هــــل يـــتـــوجـــب عـــلـــى صـــانـــعـــي الـــســـيـــاســـات فـي جميع أنــحــاء الـعـالـم أن يـتـأمـلـوا مليًا فــي الـوضـع الـراهـن للعالم، وأن يستنقذوا البشر والحجر من بي أنياب سر اإلثم؟ يــقــول الـــــراوي إن هـــذا رهــــن بــوجــود مـؤرخـن فــي املـسـتـقـبـل؛ ذلـــك أنـــه مــع كــل قنبلة تُــلــقَــى، وكـل صاروخ يطلَق، بجانب كل سفينة حربية تُستهدف بطوربيد، تقترب األحداث من «نقطة األوميغا»؛ أي «الصدمة الحاسمة» التي يمكن أن تطيح الوضع الجيوسياسي الهش. الخلصة: كل عملية عسكرية؛ تمارَس من أي قوة، هي «لعبة روليت روسية»؛ النصر فيها غير مضمون، فيما املوت وارد جدًا. Issue 17278 - العدد Thursday - 2026/3/19 اخلميس مـن ضمن اإلشـكـالـيـات الـتـي تصاحب الـحـروب أن املـفـاهـيـم الـرئـيـسـيـة لـهـا مـعـظـمـهـا ال يـتـخـلّــق إال بعد أن تضع الـحـرب أوزارهــــا؛ وآيـــة ذلــك أن ثمة من يصنّف الصراع الدائر بأنه صراع ديني بي الشيعة واليهود مستدلي بالكلمات ذات البعد الديني لدى الـطـرفـن اإليــرانــي واإلسـرائـيـلـي، بينما يقفز بعض الباحثي إلـى أن االنتصار على إيــران يعني «نهاية اإلسـامـويـة»، وهـذه فكرة جريئة ولكن فيها الكثير مـن الـتـفـاؤل، فاآليديولوجيا األصولية مـن الصعب اســتــئــصــالــهــا بـــســـرعـــة الــــبــــرق. نـــعـــم يــمــكــن سـحـقـهـا وحصارها وإضعافها غير أن إعلن قرب مرحلة «ما بعد اإلسلموية» فيه تسرّع كبير. ومــــن أقـــطـــاب أطــــروحــــة «مــــا بــعــد اإلســـامـــويـــة» املفكر آصـف بيات، حيث ألّــف إلـى أطروحته العديد من الكتب واألبحاث نشير إلى أهمها. الـكـتـاب األول هــو مــن أشـــرف عليه وشــــارك فيه طبع بعنوان «ما بعد اإلسلموية - األوجـه املتغيرة لـــإســـام الــســيــاســي» خــاصــة الــبــحــوث كـلـهـا تتجه نـحـو إثـــبـــات وجــــود تـــحـــوّالت وتـغـيـرات بـالـحـركـات اإلسـامـيـة. يـقـول آصــف بـيـات: «إن تشخيص حالة ما بعد اإلسلموية» بـدأ يتشكل لديه منذ منتصف الـتـسـعـيـنـات حـــن أثـــــارت فــتــرة مـــا بـعـد اإلســامــويــة منذ ظهورها نقاشات حية بي الباحثي والنشطاء فـي مـجـال اإلســـام السياسي، ومــن املـدهـش أن هذه الـــنـــقـــاشـــات قــــد بــــــدأت بـــــأوروبـــــا وتــبــعــتــهــا نــقــاشــات فــي الــبــلــدان ذات األغـلـبـيـة املـسـلـمـة، بـخـاصـة تركيا وإندونيسيا وماليزيا واملغرب وإيران. أما كتابه الثاني «صناعة اإلسـام الديمقراطي - الـــــحـــــركـــــات االجــــتــــمــــاعــــيــــة واالنـــــعـــــطـــــافـــــة مـــــا بــعــد اإلســامــويــة» فـيـقـول بـيـات إنـــه مــن املـمـكـن أن تكون الحركات اإلسلموية ضمن مخاضات تغير تتجاوب مع ضغط العالم، وتجبرها على الدخول ضمن العمل املدني املؤسسي، واالنخراط بالعصر وبالحداثات. ويـــشـــرح بــيــات مـعـنـى مـــا بـعـد األســلــمــة بـقـولـه: «إن مــا بـعـد اإلســامــويــة تشير إلـــى عملية العلمنة بمعنى تـأيـيـدهـا لفصل األمــــور الـديـنـيـة عــن شــؤون الــدولــة، ولكني بــاألحــرى أتـحـدث عما بعد األسلمة كعملية مركبة للنقطاع عن األحزمة اآليديولوجية اإلسلموية من خلل االلتزام بمشروع ديني مغاير وأكثر استيعابًا يستمر فيه اإلسـام كدين وكمكون للمجال العام». أما عن ما بعد األسلمة في إيـران - وهو حديث راهــن اآلن - فيرى بيات أنـه: «ظهرت اإلشــارة األولـى املــبــكــرة واألكـــثـــر وضـــوحـــ لـلـعـيـان عـلـى االتـــجـــاه ما بـعـد اإلســـامـــوي فـــي الــســاحــات الـحـضـريـة الـعـامـة، وانـتـشـرت إلـى مـدن 1992 وقــد بــدأت فـي طـهـران عـام أخرى. في أواخر الثمانينات، لقد عكست طهران أزمة الحكومة العامة فـي عموم الـبـاد؛ لقد نمت املدينة بـاتـسـاع، وازدادت تـلـوثـ، وزاد حجم سكانها وزاد انعدام النظام فيها وسوء إدارتها وأرهقتها سنوات الحرب. لقد جعل التنظيم املكاني اإلسلموي املتسم بـــاإلقـــصـــائـــيـــة، والــــذكــــوريــــة والـــقـــســـوة والـــفـــصـــل بي الرجال والنساء، املدينة غريبة على غالبية الشباب ،1989 والنساء والطبقة الحديثة الوسطى. في عام عـن الرئيس البراغماتي هاشمي رفسنجاني غلم حسي كرباشي، وهـو طالب سابق لـاهـوت، تحول إلى التخطيط الحضري، كي ينظم املدينة العاصمة. )، امتلكت 1998 - 1990( وفي غضون ثماني سنوات طــــهــــران شــخــصــيــة جــــديــــدة جــعــلــتــهــا قــلــيــلــة الــشــبــه بـــصـــورة املــديـــنـــة اإلســـامـــيـــة، لــقــد جـعـلـهـا الـتـنـظـيـم الــجـمــالــي واملـــكـــانـــي الـــجـــديـــد، ورمـــزيـــتـــهـــا وطــرقــهــا الــســريــعــة ولــوحــاتــهــا الــتــجــاريــة الـضـخـمـة ومــــوالت التسوق الكبيرة تضاهي مدريد أو لوس أنجليس ال قم أو كربلء». بــرأيــي أن أطــروحــة بـيـات لــم يكتب لـهـا الحياة وذلك لسببي: أولهما، أن بيات يكتب وهـو في حالة انفصال عن الواقع، تعشّم في الثورة الخضراء أن تكون هي املـــدخـــل نـحـو حـلـمـه املــثــالــي ولـكـنـهـا وئـــــدت، كـمـا أن التنظيمات التي تشظّت عن «الـقـاعـدة» و«اإلخـــوان» خـــــال الـــعـــقـــديـــن املـــاضـــيـــن أثـــبـــتـــت أن اإلســـامـــويّـــة األصوليّة تتمدد وال تنكمش. ثـانـيـهـمـا، أن الـتـيـار األصـولــي لــم يقتصر فقط على التنظير الفقهي والعمل امليداني، بل وصل إلى الحكم، بالتالي فإن الحلم بنهاية اإلسلموية بشكل كامل أمر خطير وفيه الكثير من التسطيح ألنه يثبّط من همّة الحكومات التي تضع برامج متميزة وفعّالة لـضـرب تلك الـجـمـاعـات ووأدهــــا، وحــن نـتـحـدّث عن زمن ما بعد اإلسلموية يعني تغيير موجة الحرب على األصـولـيّــة إلــى أمـــور أخـــرى، وهـــذا يمكّنهم من التمدد من جديد. الخلصة، أن الحرب الحاليّة ربما تثبّط من عزم األصوليي وتمددهم، بخاصة ونحن نراهم اآلن في حـالـة اغـتـبـاط وابـتـهـاج وتـشـف مـن الـــدول التنموية الــصــاعــدة الــتــي وضــعــت أفــضــل الــنــمــاذج الـتـنـمـويـة واالقـتـصـاديـة، يــريــدون لـلـدول املتأللئة بنصاعتها ونظافتها أن تتحول إلى خرائب كما هو حال الدول الـــتـــي حــكــمــوهــا أو تــــمــــددوا فــيــهــا، لــكــن هـــل تُــجــتــث األصولية من جذورها؟! هذا هو السؤال. من بي دروس الحرب الراهنة في السودان، يــــبــــرز ســـــــؤال جــــوهــــري ال يــمــكـــن تـــجـــاهـــلـــه: هـل يمكن للدولة أن تستعيد عافيتها في ظل تعدد الجيوش؟ هــــــذا الـــــســـــؤال يــــقــــود مــــبــــاشــــرة إلــــــى ســــؤال جــــوهــــري آخــــــر: كـــيـــف نــجــعــل هـــــذه آخـــــر حــــروب السودان؟ فـي هــذا السياق تـأتـي أهمية التصريحات األخــــيــــرة لــلــفــريــق يـــاســـر الـــعـــطـــا، عــضــو مجلس السيادة، مساعد القائد العام للقوات املسلحة، التي أعلن فيها أن املرحلة املقبلة ستشهد دمج جميع الــقــوات املـسـانـدة داخـــل الــقــوات املسلحة واملؤسسات النظامية األخرى، بما في ذلك قوات الشرطة وجهاز املخابرات العامة. وأوضـــــــح أن الــــدمــــج ســيــشــمــل كــــل الـــقـــوات املـــســـانـــدة الـــتـــي قــاتــلــت إلــــى جـــانـــب الــجــيــش في الـــحـــرب الــراهــنــة مـــن دون اســتــثــنــاء، وأن آلـيـات عملية الـدمــج ســـوف تـفـعّــل قـريـبـ ، وسـتـتـم وفـق املعايير املهنية والضوابط العسكرية املعتمدة، مع توفير برامج للتدريب املهني وإعادة التأهيل املــدنــي ملــن ال يـرغـبـون فــي االســتــمــرار فــي العمل العسكري. وعـــلـــى الـــرغـــم مـــن أن الـــفـــريـــق يـــاســـر الـعـطـا تــحــدث عـــن مــوافــقــة كـــل قــــادة هــــذه الـــقـــوات على الـــدمـــج، فـــإن ذلـــك ال يـلـغـي أن الـعـمـلـيـة لــن تكون سهلة وستواجه تحديات وعراقيل طبيعية أو مفتعلة. فبعض قـــيـــادات الــحــركــات قــد ال تكون مـتـحـمـسـة لـــفـــقــدان ســاحــهــا الـــــذي تـــــراه مـصـدر نفوذها، ما يفتح الباب أمام مقاومة صامتة أو معلنة لعملية الدمج. لـــقـــد دفــــــع الــــــســــــودان ثـــمـــنـــ بـــاهـــظـــ لــتــعــدد الجيوش، وأثبتت التجربة أن بناء دولة مستقرة يمر حتمًا عبر توحيد السلح تحت مظلة وطنية واحـــدة. وسـيـادة الـدولـة وشرعيتها ال تكتملن إذا كانت السلطة متنازعة بي جماعات مسلحة مـتـعـددة تتحكم فــي األرض والـــســـاح. فـالـدولـة الحديثة تقوم على مبدأ أساسي: احتكار العنف املـشـروع، ومـن دونــه تضعف مؤسسات الحكم، وتتراجع هيبة الـقـانـون، وتتآكل ثقة املواطني واملجتمع الدولي. كـــمـــا أن تـــعـــدد الـــفـــصـــائـــل املــســلــحــة يــغــذي الـــــصـــــراعـــــات، ويـــجـــعـــل أي ســــــام هـــشـــ وقــــابــــا للنهيار. فـي املـقـابـل، فــإن دمــج املقاتلي ضمن مؤسسات الدولة يقلل من التشرذم، ويضع حدًا القـــتـــصــادات الـــحـــرب، ويـمـنـح اتــفــاقــيــات الـسـام فرصة حقيقية للستمرار. وال يـقـتـصـر األمــــر عـلـى األمــــن فـحـسـب، بل يـمـتـد إلــــى بـــنـــاء جــيــش مـهـنـي حـــديـــث. فعملية الــدمـــج يـمـكـن أن تــكــون مــدخـا إلعـــــادة الـتـأهـيـل والـتـدريـب، وفــرض معايير مـوحـدة، بما يحوّل املــقــاتــلــن مـــن عــنــاصــر غــيــر نــظــامــيــة إلــــى أفــــراد محترفي يتمتعون بمسارات وظيفية واضحة ودخـــل مستقر، بـــدال مـن االعـتـمـاد على اقتصاد الحرب غير الرسمي. لــكــن هــــذا املــــســــار، رغــــم وجـــاهـــتـــه، ال يمكن أن يُنفذ بشكل شـامـل مـن دون ضــوابــط. فليس كـــل املـقـاتـلـن مـؤهـلـن لـانـضـمـام إلـــى الـجـيـش، مــا يـسـتـدعـي أن تــكــون عملية الــدمــج مـشـروطـة بـمـعـايـيـر صـــارمـــة تـشـمـل الـــتـــدريـــب، والـتـدقـيـق األمــــنــــي، وااللـــــتـــــزام بــحــقــوق اإلنــــســــان. أمــــا غير املستوفي لـهـذه الــشــروط، فيجب إدمـاجـهـم في برامج نزع السلح والتسريح وإعادة اإلدماج في املجتمع. ومــن التحديات الجوهرية أيـضـ ترسبات الشكوك املتراكمة التي عززها تاريخ طويل من املـواجـهـات وخـطـابـات الشحن والـتـأجـيـج. ومن دون دعم إجـراءات بناء الثقة، قد تتحول عملية الـدمـج نفسها إلــى مـصـدر تـوتـر وانـقـسـام داخـل املؤسسة العسكرية. إضـــافـــة إلــــى ذلــــك، فــــإن الــتــحــديــات التقنية والعملية لدمج قوات ذات عقائد قتالية ووالءات متباينة، ال يمكن االستهانة بآثارها املحتملة على تماسك القوات النظامية. وال يمكن إغــفــال الـبـعـد االقــتــصــادي، إذ إن بعض املقاتلي وقادتهم يستفيدون من اقتصاد الــــحــــرب، ســـــواء عــبــر الــســيــطــرة عــلــى املـــــــوارد أو األنــشــطــة غـيـر الــرســمــيــة. االنــضــمــام إلـــى جيش نظامي قد يعني فقدان هذه االمتيازات، وهو ما يدفع البعض إلى مقاومة التغيير. عملية دمج القوات هي املرحلة األهم لعملية حصر السلح في جيش واحـد واحتكار العنف للدولة، لكن هناك خطوات أخرى مطلوبة لبسط سلطة الدولة. فمع االنتشار الواسع للسلح في أيــدي املواطني أيضًا ال بد من سياسات فعالة لجمع السلح طوعًا أو بقوة القانون، وربما من خـال بـرامـج لـشـراء األسلحة مـن الـنـاس، بحيث ال يبقى هناك أي سلح غير مرخص وال مسجل وفقًا للمعايير والضوابط. فالسودانيون شكوا طـــويـــا مـــن االنـــفـــات األمـــنـــي وتــصــاعــد ظــاهــرة اسـتـخـدام الــســاح الــنــاري فــي عمليات السطو. وسـتـكـون لجمع الــســاح الـسـائـب فــوائــد كبيرة مـلـمـوسـة عــلــى اســتــتــبــاب األمـــــن، وفـــــرض هيبة الدولة، وإحساس املواطن بالطمأنينة. ورغــــم كــل هـــذه الــتــحــديــات، تـبـقـى الحقيقة األساسية واضحة: ال يمكن بناء دولـة قوية في ظل تعدد مراكز القوة املسلحة. لكن النجاح في بـنـاء جيش وطـنـي مـوحـد ال يعتمد على الـقـرار العسكري وحـــده، بـل يحتاج أيـضـ إلــى تسوية ســـيـــاســـيـــة شـــامـــلـــة تـــعـــالـــج جــــــذور الــــصــــراعــــات، وقضايا الحكم وتقاسم املوارد والتمثيل. فالسودان ال يحتاج فقط إلـى إنهاء حرب، بـــل إلـــى كـسـر حـلـقـة مـمـتـدة مـــن دوامـــــة الــحــروب واالنـقـابـات واألزمــــات السياسية املـزمـنـة، التي كلفته الكثير. السودان ال يحتاج فقط إلى إنهاء حرب بل إلى كسر حلقة من دوامة الحروب واالنقالبات واألزمات السياسية التيار األصولي لم يقتصر على التنظير الفقهي بل وصل إلى الحكم فهد سليمان الشقيران عثمان ميرغني إميل أمين OPINION الرأي 14 السودان وتحدي توحيد السالح الحرب الحاليّة ومصير األصوليّة «البجع األسود» والهشاشة الجيوسياسية األممية كل عملية عسكرية تمارَس من أي قوة هي «لعبة روليت روسية»

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==