بــعــد مــضــي قـــرابـــة ثــاثــة أســابــيــع على الــــحــــرب مــــع إيــــــــران، تــســعــى إدارة الــرئــيــس األمـيـركـي دونــالــد تـرمـب إلـــى نـصـر عسكري حـاسـم إلنـهـاء العمليات العسكرية. بيد أن مراكز البحث تحذر من أن االفـتـراضـات بأن النزاع سيكون سريعًا وتحت السيطرة بات اآلن محل شك، وأن أي نقطة تحوّل قد تأتي من مضيق هرمز، حيث يوجد إجماع دولي على ضرورة ضمان تدفق النفط. وقـــال أالن آري، املـــســـؤول الـسـابـق لـدى وزارة الـــخـــارجـــيـــة األمـــيـــركـــيـــة خــــــال فــتــرة الـرئـيـس الـسـابـق بــــاراك أوبـــامـــا، الـــذي يعمل حــالــيــ زمـــيـــا فـــي «مــعــهــد الـــشـــرق األوســـــط» للدراسات في واشنطن: «يبدو أن ترمب دخل هـــذه الــحــرب معتقدًا أنـــه قـــادر عـلـى إنهائها بــســرعــة وبـــشـــروطـــه». لــكــن «ثـــبـــت خــطــأ هــذا االفتراض، على األقل حتى اآلن». يُشار إلى أن آري كان عضوًا أساسيًا في فريق التفاوض الـنـووي األميركي مع إيـران وحــتــى الـتـوصـل 2010 مـنـذ بـدايـتـه فــي عـــام إلى اتفاق خطة العمل الشاملة املشتركة في .2015 وفي حديث مع «الشرق األوسط»، حذر آري، الـــذي يتكلم الـفـارسـيـة بـطـاقـة، مــن أن الــصــراع يـبـدو أقـــرب إلــى التصعيد منه إلى الحل، مع عواقب طويلة األمد غير مؤكدة. وأشار بهنام بن طالب لو، مدير برنامج إيران في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» في واشنطن، في حديث مع «الشرق األوسط» إلــى نقطة تـحـول محتملة. فـقـال: «قــد يُنهي ترمب، من نواح كثيرة هذا الصراع مع إيران بطريقة تشبه ما فعله سلفه رونالد ريغان، في إنهاء الحرب اإليرانية - العراقية، وذلك عــبــر املـــجـــال الــبــحــري وتـــأمـــن الــتــدفــق الـحـر للنفط». أهداف غير متالقية وتُعد النقطة األولــى التي أثـارهـا آري واضـــحـــة: رغـــم أســابــيــع الــقــتــال والـخـسـائـر الـــــفـــــادحـــــة، لـــــم تـــحـــقـــق الــــــواليــــــات املـــتـــحـــدة وال إســـرائـــيـــل حــتــى اآلن جـمـيـع أهـدافـهـمـا االستراتيجية. وقـــال: «عندما نتحدث عن الجانب األميركي، فإننا في الواقع نتحدث عـــن كـــل مـــن الــــواليــــات املــتــحــدة وإســـرائـــيـــل، ولكل منهما أهداف مختلفة». والحـــــظ آري أنــــه بـيـنـمـا صــــرح تـرمـب بـأنـه سيُنهي الــحــرب «عـنـدمـا يـــرى الـوقـت مناسبًا»، فإن طموحات إسرائيل قد تكون أوســـع بكثير، وهــي تصل إلــى حـد إسقاط النظام اإليــرانــي. لكن ترمب قــال بوضوح: «ال أعتقد أن إسـرائـيـل قـــادرة على تحقيق هذا الهدف». فـــي غـــضـــون ذلـــــك، تــنــظــر طـــهـــران إلــى الــصــراع على أنــه وجــــودي، وهــي مستعدة لتحمل خسائر فادحة الستعادة قوة الردع، مما يزيد من احتمال استمرارها في القتال، حتى لو أعلنت واشنطن النصر، وضغطت على إسرائيل لوقف القتال. ويـــــــــزداد تـــركـــيـــز تــــرمــــب عـــلـــى مـضـيـق هــــرمــــز، حـــيـــث تـــســـعـــى الــــــواليــــــات املـــتـــحـــدة لـتـشـكـيـل تــحــالــف ملـــرافـــقـــة نـــاقـــات الــنــفــط. وهي مهمة «ممكنة عسكريًا، لكنها صعبة سياسيًا»، وفقًا لنب طالب لو الذي أشار إلى أن «حـتـى الــــدول الـتـي لـطـاملـا دعـمـت حرية امللحة، مثل أستراليا، ترددت في املشاركة ألن هذا أصبح اآلن حربًا مسلحة صريحة». ولـــــفـــــت بــــــن طـــــالـــــب لــــــو إلــــــــى أن أحــــد الخيارات املطروحة للنقاش هو االستيلء على جزيرة خرج، امليناء الرئيسي لتصدير النفط اإليراني. مشكلة خطيرة يــشــيــر هـــــذا االحــــتــــمــــال إلـــــى ســيــنــاريــو وصــــفــــه آري بــــأنــــه وارد تــــمــــامــــ: أن تـنـهـي الــواليــات املـتـحـدة الــحــرب، وتنسحب منها، ثم تُجر إليها مجددًا. وقال: «إذا أعلن ترمب النصر وأقنع إسرائيل بالتوقف، لكن إيـران اســـتـــمـــرت فـــي مــهــاجــمــة الــســفــن فـــي مضيق هرمز، فسيخلق ذلك مشكلة خطيرة». وفـــيـــمـــا طـــالـــبـــت طــــهــــران بــتــعــويــضــات وضمانات ضد الهجمات املستقبلية، تساءل آري عما إذا كانت هذه املطالب تعكس مواقف تفاوضية حقيقية أم مجرد محاولة إلظهار الــقــوة. وفــي كلتا الـحـالـتـن، الخطر واضــح: فالحرب الـتـي تعتقد واشنطن أنـهـا أنهتها قد ال تكون قد انتهت من وجهة نظر إيـران. وقـال: «الحرب سهلة البدء، لكن من الصعب جدًا السيطرة عليها. وبمجرد بدئها، غالبًا مــا تـكـون آثـــارهـــا مـزعـزعـة لـاسـتـقـرار وغير متوقعة». ومـــمـــا يـــزيـــد األمــــــور تــعــقــيــدًا حــــال عــدم اليقي الـتـي تـسـود أعـلـى مستويات القيادة اإليرانية. مع عجز املرشد مجتبى خامنئي، حسب التقارير، عن ممارسة مهماته، يمكن أن تتركز السلطة في أماكن أخرى. وفي نظام مصمم ليكون ال مركزيًا، حتى القرار بوقف القتال قد ال يُترجم فورًا إلى إجراءات فعلية. وحـذر بن طالب لـو: «حتى لو قـررت القيادة السياسية وقــف الـقـتـال، فليس مـن الواضح تـمـامـ مـــدى قــــدرة كـــل األطـــــراف عـلـى إخـمـاد النيران». تناقض إيراني ثـمـة تـنـاقـض صـــارخ فــي مـوقـف إيـــران. فبينما تـطـالـب بـضـمـانـات أمـيـركـيـة إلنـهـاء الـحـرب، يصر مسؤولوها منذ فـتـرة طويلة على أنهم ال يثقون بواشنطن. وتـسـاءل بن طالب لو: «كيف يمكنهم قبول ضمان أميركي اآلن؟». وبــــــــاإلشــــــــارة إلـــــــى إلـــــــى شـــبـــكـــة حـــلـــفـــاء إيــــران اإلقـلـيـمـيـن، «حـــزب الــلــه» والـحـوثـيـن وامليليشيات العراقية، وما إذا كان وقف النار مع طهران سيُخضعهم، رفض آري التصور الــغــربــي الــشــائــع، قـــائـــا إن «الـــوكـــاء ليسوا مـجـرد أدوات فـي يـد إيـــران، بـل هـم منظمات مستقلة لها أهدافها ومصالحها الخاصة». وبينما يتقاسم «حـزب الله» معظم األهـداف االسـتـراتـيـجـيـة مــع إيــــران، وقـــد يعمل كـــذراع لنظامها، فإن جماعات أخرى مثل الحوثيي تتمتع بقدر أكبر من االستقللية. تستطيع إيـــــران الــســعــي إلــــى كــســب دعــمــهــم، لـكـنـهـا ال تستطيع ضمان امتثالهم دائمًا. ويتفق آري وبن طالب لو على أنه، حتى لو سكتت املدافع، فقد تكون املعركة األشرس قد بدأت للتو. فهناك حقيقة مزعجة: النصر الـعـسـكـري والــنــصــر الـسـيـاسـي لـيـسـا شيئًا واحــــدًا. وفـــي املـنـطـقـة، أدت الـفـجـوة بــن هـذا وذاك إلـــى إحــبــاط طـمـوحـات أكــثــر مــن إدارة أمـيـركـيـة. وحــــذر بــن طــالــب لـــو: «فـــي الـشـرق األوســــــــــط، غـــالـــبـــ مـــــا يــــكــــون تـــحـــقـــيـــق نـصـر عسكري ممكنًا، لكن النصر السياسي أصعب بـكـثـيـر». وقـــال إنـــه بينما أعـلـن الـرئـيـس عن إطـــار زمـنـي مـدتـه أربـعـة أسابيع للعمليات، وبـــعـــد مـــــرور أســـبـــوعـــن ونـــصـــف إلــــى ثـاثـة أسابيع، تتضاءل فرصة االنسحاب السلس من الحرب. ويــــقــــدر أن مـــعـــركـــة مـــضـــيـــق هــــرمــــز قـد تستغرق أسبوعي إلى ثلثة أسابيع أخرى لـحـسـمـهـا، ولــكــنــه يـــحـــذر مـــن أن حــتــى هــذه النتيجة ستترك سؤاال شائكًا من دون إجابة. فـمـا دام الــنــظــام اإليـــرانـــي قــائــمــ، فسيصور أي نتيجة تظهر على أنها تبرير ملقاومته، وهــــي روايــــــة اســتــخــدمــهــا بــعــد كـــل مـواجـهـة سابقة. وقــال: «الـوقـت سـاح يحاول النظام اسـتـخـدامـه. وسـيـكـون مــن الـخـطـأ أن تعطي اإلدارة لــهــذا الـنـظـام شــعــورًا بـــأن الــوقــت في صالحه». مرحلة ثانية يــتــفــق آري وبـــــن طـــالـــب لــــو عـــلـــى أن الخطر األكبر في املرحلة النهائية يتمثل في «إعلن صناع القرار النصر، وتخليهم عن زمـام األمـــور، والسماح للظروف التي أدت إلــى هــذه الـحـرب بـالـعـودة تـدريـجـ ». ووصــــف بـــن طــالــب لـــو األمــــر بــأنــه مسألة اســـتـــراتـــيـــجـــيـــة، أي مــــا إذا كــــانــــت هــنــاك «مـــرحـــلـــة ثـــانـــيـــة» ذات صــدقــيــة لتقليص الـــنـــفـــوذ اإليــــرانــــي بــمــجــرد تـــوقـــف الــقــتــال الـرسـمـي. بينما وصـفـه آري بـأنـه مسألة أولويات. فـــهـــل تــــوجــــد «مــــرحــــلــــة ثــــانــــيــــة» ذات صــــدقــــيــــة لـــتـــقـــلـــيـــص الـــــنـــــفـــــوذ اإليــــــرانــــــي بمجرد تـوقـف القتال الـرسـمـي؟ قــال آري: «أنــــهــــوا الــــحــــرب، وعــــــــودوا إلـــــى الــقــضــايــا االستراتيجية الـتـي أكـــدت اإلدارة نفسها أنها األهم ألمن أميركا على املدى البعيد». لــطــاملــا أصـــــرت إدارة تـــرمـــب عــلــى أن الـشـرق األوســـط مـجـرد تشتيت للنتباه، وأن االختبارات الحقيقية للقوة األميركية تــكــمــن فـــي آســـيـــا، وأوكــــرانــــيــــا، والــنــصــف الـغـربـي لـلـكـرة األرضـــيـــة. ومـــع ذلـــك، تبدو أمــيــركــا اآلن غـــارقـــة فـــي صـــــراع يـسـتـنـزف املـوارد والرأسمالية السياسية بوتيرة لم يتوقعها أحد. ال يــنــظــر إلـــــى «الـــبـــاســـيـــج» فــــي إيــــــران، بــوصــفــه مـــجـــرد تـشـكـيـل مـيـلـيـشـيـاوي تـابـع لـ«الحرس الـثـوري»، بل هو أحد أكثر أدوات «الـــجـــمـــهـــوريـــة اإلســــامــــيــــة» تــشــعــبــ داخــــل املجتمع اإليراني، وأقربها إلى وظيفة الربط بي األمن والعقيدة والسياسة. ،1979 فـــمـــنـــذ تـــأســـيـــســـه عــــقــــب ثـــــــــورة تـــطـــور مــــن قـــــوة تــعــبــئــة شــعــبــيــة اســتــدعــيــت أوال لـحـمـايـة الــنــظــام الــولــيــد واملــشــاركــة في الحرب العراقية - اإليرانية، إلى جهاز واسع الحضور يــؤدي أدوارًا متداخلة في الضبط الــداخــلــي، واملــراقــبــة االجـتـمـاعـيـة، والتعبئة اآليديولوجية، ودعم نفوذ «الحرس الثوري» داخـــــــل الـــــدولـــــة واملــــجــــتــــمــــع.كــــان غــــــام رضـــا سـلـيـمـانـي الــــذي أكــــدت طــهــران مقتله أمــس، . وُلد في 2019 قائد قوات «الباسيج» منذ عام منتصف ستينيات القرن املاضي في مدينة فارسان غرب البلد، وانضم إلى «الباسيج» خـال الـحـرب اإليـرانـيـة - 1984 متطوعًا عـام العراقية. وعلى مدى عقود تدرج داخل هذه املـؤسـسـة الـتـي تجمع بــن الـعـمـل العسكري والـــتـــنـــظـــيـــم الـــتـــعـــبـــوي. وفــــرضــــت الــــواليــــات املتحدة عقوبات على سليماني بسبب دوره في قمع االحتجاجات داخل إيران. من «تعبوي» إلى جهاز أمن داخلي تـــأســـس «الـــبـــاســـيـــج» بـــأمـــر مـــن املــرشــد األول (الخميني) في نوفمبر (تشرين الثاني) ، في إطار فكرة إنشاء «جيش العشرين 1979 مليونًا» للدفاع عن الثورة والنظام الجديد. وفــــي بـــدايـــاتـــه، اضــطــلــع بــــــأدوار أمـنـيـة وخـدمـيـة مـــحـــدودة، قـبـل أن يـتـحـول سريعًا خـــال الـــحـــرب مـــع الـــعـــراق إلـــى خـــــزّان بـشـري لـلـتـعـبـئـة. وهـــنـــاك ارتـــبـــط اســـمـــه بــمــا عُـــرف بــ«املـوجـات البشرية»، حي زُج بمتطوعي، كثير منهم من صغار السن أو قليلي التدريب، في جبهات القتال والحقول امللغومة. لكن نهاية الحرب لم تعن تراجع دوره. عـــلـــى الــــعــــكــــس، أعــــيــــد تـــوجـــيـــه «الـــبـــاســـيـــج» تــدريــجــيــ نــحــو الــــداخــــل، لـيـتـحـول إلــــى أحــد الـــضـــامـــنـــن األســــاســــيــــن لــــأمــــن الــــداخــــلــــي. ومنذ تسعينات الـقـرن املـاضـي، ومـع اتساع االحــــتــــجــــاجــــات الـــطـــابـــيـــة واالجـــتـــمـــاعـــيـــة، صــــار الــبــاســيــج أداة رئــيــســيــة فـــي مـواجـهـة االضـــطـــرابـــات، وخــصــوصــ فـــي احـتـجـاجـات ، وصوال 2009 ثم الحركة الخضراء عام 1999 إلى موجات االحتجاج اللحقة. موقعه داخل القوات المسلحة مــــــن الــــنــــاحــــيــــة الــــهــــيــــكــــلــــيــــة، ال يــعــمــل «الـــبـــاســـيـــج» كـــقـــوة مــســتــقــلــة بـــالـــكـــامـــل، بـل يـخـضـع لــــ«الـــحـــرس الــــثــــوري»، الــــذي يتولى قـيـادتـه وإعـــــادة تنظيمه وتـحـديـد وظـائـفـه. وقد مر بعدة مراحل تنظيمية، قبل أن يُدمج بـصـورة أوثــق داخــل بنية الـحـرس، ويصبح جزءًا من منظومة األمن املوازي التي يقودها األخير. وبذلك، ال يُقاس وزن «الباسيج» بعدد أفــــراده فـقـط، وهــو رقــم محل جــدل كبير بي الـــتـــقـــديـــرات الـــرســـمـــيـــة وغـــيـــر الـــرســـمـــيـــة، بـل أيضًا بموقعه كامتداد اجتماعي لـ«الحرس الــثــوري» داخـــل املـــدن والـجـامـعـات واملـــدارس والنقابات واألحياء. وعلى هـذا األســـاس، يشكل «الباسيج» طـــبـــقـــة وســـيـــطـــة بــــن املــــؤســــســــة الــعــســكــريــة الصلبة واملجتمع. فهو ليس جيشًا نظاميًا بــاملــعــنــى الـــتـــقـــلـــيـــدي، وال مـــجـــرد مـيـلـيـشـيـا شــوارع، بل شبكة تعبئة تتغلغل في البنية املدنية، وتتيح لـ«الحرس الثوري» الوصول إلـــــى املـــجـــتـــمـــع، ومـــراقـــبـــتـــه، والـــتـــأثـــيـــر فــيــه، واستدعاء عناصره عند الحاجة. بنية متشعبة تتجاوز األمن المباشر تكشف املواد الواردة عن بنية واسعة ومـــعـــقـــدة لــــ«الـــبـــاســـيـــج»، تــشــمــل وحـــــدات قتالية وأخرى اجتماعية وثقافية ومهنية. فــــإلــــى جــــانــــب كـــتـــائـــب مـــثـــل «عــــــاشــــــوراء» و«الزهراء» و«بيت املقدس» و«اإلمام علي» و«اإلمام الحسي» و«كوثر»، التي تضطلع بـــــــــأدوار تـــــتـــــراوح بــــن مـــكـــافـــحـــة الـــشـــغـــب، والدعم اللوجستي، والحماية، والتدريب الـــعـــســـكـــري، تـــوجـــد أيـــضـــ فــــــروع مـوجـهـة إلــــى شـــرائـــح املـجـتـمـع املـخـتـلـفـة: الــطــاب، والـــتـــامـــيـــذ، والـــجـــامـــعـــيـــون، واملـــوظـــفـــون، والعمال، والقبائل، واملهندسون، واألطباء، والـفـنـانـون، واإلعــامــيــون، والـريـاضـيـون، حتى رجال الدين واملرثّلون الدينيون. وال تـعـد هـــذه البنية مـجـرد اتـسـاع تـنـظـيـمـي، بـــل فـلـسـفـة عــمــل تـــقـــوم على تحويل «الباسيج» إلى «مجتمع مـوازٍ» داخــــل املـجـتـمـع اإليــــرانــــي. فـــوجـــوده في املدارس والجامعات واملساجد واألحياء والــــــــدوائــــــــر الــــرســــمــــيــــة يـــجـــعـــلـــه جــــهــــازًا للفرز والتعبئة والـرقـابـة، ال مجرد قوة تُستدعى عند اندالع االضطرابات. العمود الفقري لألمن الداخلي تكمن األهمية العملية لـ«الباسيج» في كونه أحد أول خطوط االستجابة عند وقوع االحــتــجــاجــات كـجـهـاز مـــــواز لــــ«قـــوات إنـفـاذ الـقـانـون (الــشــرطــة)». فبحسب املــــواد أعـــاه، تـظـهـر عــنــاصــره سـريـعـ فــي الـــشـــوارع، على دراجــــات نــاريــة أو فــي مـجـمـوعـات ميدانية، ويـــتـــولـــون تـــفـــريـــق املـــحـــتـــجـــن، واعــتــقــالــهــم، ومــــطــــاردتــــهــــم، ورصـــــــد الـــنـــشـــطـــاء، والـــعـــمـــل أحـــيـــانـــ بــمــابــس مــدنــيــة أو عــبــر مـخـبـريـن داخـــــل الــتــجــمــعــات. كــمــا يـضـطـلـع بـــــدور في مراقبة املجتمع، وفـرض املعايير السلوكية، ومـسـانـدة أجـهـزة األمــن والـشـرطـة فـي ضبط املـــــجـــــال الــــــعــــــام. وفــــــي هــــــذا املــــعــــنــــى، يـــــؤدي «الباسيج» وظيفة حاسمة للنظام: تخفيض تكلفة القمع الرسمي املباشر عبر االعتماد عـلـى شبكة تعبئة عـقـائـديـة - أمـنـيـة مـوزعـة عـلـى الــقــاعــدة االجـتـمـاعـيـة. ولـــذلـــك، ال يُفهم حضوره من خـال عـدد البنادق أو الكتائب فقط، بل من خلل قدرته على إنتاج حضور أمني يومي داخل املجتمع. النفوذ السياسي واالقتصادي لـم يعد «الـبـاسـيـج» مـجـرد أداة أمنية. فــــمــــع الـــــــوقـــــــت، اتـــــســـــع نــــــفــــــوذه الـــســـيـــاســـي واالقــــتــــصــــادي، ســـــواء عــبــر دعـــمـــه لــتــيــارات مـــحـــافـــظـــة فــــي االنــــتــــخــــابــــات، أو مــــن خـــال حـــضـــوره فـــي الــجــامــعــات واإلعــــــام، أو عبر شبكات املنح واالمتيازات والتوظيف. كما دخـــــل فــــي مـــشـــاريـــع اقـــتـــصـــاديـــة وإنــشــائــيــة وتـنـمـويـة، مستفيدًا مـن صـاتـه بــ«الـحـرس الثوري» ومؤسساته املالية والتعاونية. هــــذا الـــتـــمـــدد جــعــل «الـــبـــاســـيـــج» جـــزءًا مـن منظومة السلطة، ال مـن هامشها. فهو يـــســـاعـــد عـــلـــى حـــمـــايـــة الـــــتـــــوازن الــســيــاســي الداخلي، ويدعم نفوذ «الحرس الثوري» في مؤسسات الدولة، ويؤمن قاعدة اجتماعية وآيديولوجية للنظام في لحظات التوتر. ذراع الـــــحـــــرب الـــنـــاعـــمـــة واملــيــلــيــشــيــا الرقمية وال يـــقـــتـــصـــر دور «الــــبــــاســــيــــج» عـلـى الــــشــــارع أو األمـــــن املـــيـــدانـــي، بـــل تـــوسّـــع في الـــعـــقـــديـــن األخــــيــــريــــن لـــيـــشـــمـــل مـــــا تـسـمـيـه الـــســـلـــطـــات اإليــــرانــــيــــة «الـــــحـــــرب الـــنـــاعـــمـــة». وفــي هــذا الـسـيـاق، أنـشـأ «الــحــرس الـثـوري» و«الباسيج» بنية دعائية وسيبرانية واسعة تــهــدف إلـــى مــواجــهــة الــخــصــوم السياسيي واإلعلميي للنظام، داخل إيران وخارجها. ويـعـمـل «مـقـر الــحــرب الـنـاعـمـة» التابع لـــــ«الــــبــــاســــيــــج» عـــلـــى تــنــظــيــم األنــــشــــطــــة فـي الـــفـــضـــاء اإللــــكــــتــــرونــــي، بـــمـــا فــــي ذلـــــك إدارة املـــواقـــع اإللــكــتــرونــيــة واملــــدونــــات ومـنـصـات التواصل االجتماعي، وتدريب آالف األعضاء عـلـى إنـــتـــاج املــحــتــوى الـسـيـاسـي والــدعــائــي ومواجهة املعارضي على اإلنترنت. وتشير تقارير إلـى أن آالف عناصر الباسيج تلقوا تـدريـبـات عـلـى الــتــدويــن، ومـراقـبـة الشبكات االجــــتــــمــــاعــــيــــة، واإلبــــــــــــاغ عـــــن الـــحـــســـابـــات املـعـارضـة، إضـافـة إلــى املـشـاركـة فـي حملت إلكترونية منظمة. كـمـا يــديــر «الــبــاســيــج» شـبـكـة إعـامـيـة مــوازيــة تـضـم مـؤسـسـات، مـثـل: وكــالــة أنـبـاء تـــحـــمـــل اســــمــــه و«وكــــــالــــــة أنـــــبـــــاء دانـــشـــجـــو» املرتبطة بـ«الباسيج الطلبي» الـذي ينشط بـــالـــجـــامـــعـــات، فـــضـــا عـــن ارتـــبـــاطـــه الــوثــيــق بوسائل إعـام قريبة من «الحرس الثوري»، مـثـل «تـسـنـيـم» و«فـــــــارس». وتُــســتــخــدم هـذه املــنــصــات لــتــرويــج خــطــاب الــنــظــام، وتعبئة املــؤيــديــن، ومـهـاجـمـة الـخـصـوم السياسيي والنشطاء. أكثر من ميليشيا تحوّل «الباسيج» تدريجيًا إلـى قوة هـجـيـنـة تـجـمـع بـــن املـيـلـيـشـيـا املــيــدانــيــة واملـيـلـيـشـيـا الــرقــمــيــة، إذ يـعـمـل أعــضــاؤه في الشارع وفي الفضاء اإللكتروني معًا، ضـــمـــن اســـتـــراتـــيـــجـــيـــة أوســـــــع لــــ«الـــحـــرس الثوري» تهدف إلى السيطرة على املجالي األمـــنـــي واإلعــــامــــي فـــي آن واحـــــد. ويـبـلـغ عـــدد أفــــراد «الــبــاسـيــج» مـئــات اآلالف. في املحصلة، يُعد أحد أعمدة النظام اإليراني فــــي الـــــداخـــــل: ذراع تــعــبــئــة، وأداة ضـبـط اجـتـمـاعـي، وخــزانــ بـشـريـ لــأمــن، وقـنـاة اخــــتــــراق لــلــمــجــتــمــع، ومـــكـــمـــا مـؤسـسـيـ لــــ«الـــحـــرس الــــثــــوري». قــوتــه الـحـقـيـقـيـة ال تكمن فـي قـدرتـه على الـنـزول إلـى الشارع فـقـط، بـل فـي اتـسـاع شبكته داخـــل الـدولـة واملجتمع معًا. ولـهـذا، فـإن فهم الباسيج ال يــمــر عــبــر اعـــتـــبـــاره مـيـلـيـشـيـا مـتـشـددة فـــحـــســـب، بــــل بـــوصـــفـــه مـــؤســـســـة هـجـيـنـة تـجـمـع بـــن الـعـقـيـدة والـــســـاح والتنظيم االجــتــمــاعــي، وتـحـتـل مـوقـعـ مــركــزيــ في الـهـيـكـل األمـنــي والــسـيـاســي للجمهورية اإلسلمية. 5 حرب إيران NEWS Issue 17277 - العدد Wednesday - 2026/3/18 األربعاء يؤدي «الباسيج» وظيفة تخفيض تكلفة القمع الرسمي المباشر عبر االعتماد على شبكة تعبئة عقائدية - أمنية ASHARQ AL-AWSAT : االستيالء على «خرج» مطروح للنقاش خبير أميركي لـ ترمب يبحث عن نهاية «ريغانية» في إيران... ومصير الحرب في «هرمز» ناقالت نفط تبحر قرب مضيق هرمز (رويترز) واشنطن: علي بردى تحوّل تدريجيا إلى قوة هجينة تجمع بين الميليشيا الميدانية والرقمية «الباسيج»... ذراع التعبئة وحارس الداخل في بنية «الحرس الثوري» دوريات لـ«الباسيج» تابعة لوحدة القوات الخاصة «ثار هللا» المسؤولة عن حماية أمن العاصمة طهران (تسنيم) لندن - طهران: «الشرق األوسط»
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==