issue17277

الثقافة CULTURE 18 Issue 17277 - العدد Wednesday - 2026/3/18 األربعاء تتبنى فن الجمالية الكالسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة زاول الــــــعــــــرب مـــخـــتـــلـــف أنــــــــواع ألــعــاب الـــقـــوى، كـمـا زاولـــــوا املـصـارعـة بـــأشـــكـــال مـــتـــعـــدّدة، ورفــــعــــوا شــأنــهــا، وعُـــرفـــت هـــذه الــريــاضــة بـأسـمـاء عــدة، مـنـهـا «املــــراوغــــة»، كـمـا جـــاء فــي «تــاج الــــــــعــــــــروس»، وبـــــــــات لــــكــــل حـــــركـــــة مــن الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص بــــه، ومــنــهــا الـــظُّـــهَـــارِيَّـــة والـــشَّـــغْـــزَبِـــيَّـــة، أي رمــــي الــخــصــم أرضــــا عــلــى الـظـهـر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءًا من جـداريـات قصير عمرة األمــوي في بــــاديــــة األردن، وتــــبــــدو هـــــذه الــلــوحــة فــريــدة مــن نـوعـهـا مــن حـيـث التأليف؛ إذ ال نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شــواهــد الـفـنـون األمـــويـــة الـتـصـويـريـة بفروعها املتعدّدة. يـنـفـتـح قــصــيــر عـــمـــرة عــلــى قـاعـة كـــبـــيـــرة مـــكـــونـــة مـــــن ثــــاثــــة إيـــــوانـــــات مـتـوازيـة، ونقع على اللوحة الخاصة باملبارزة الرياضية في اإليوان الغربي، حـــيـــث تــــحــــل عـــلـــى الــــــجــــــدار الـــغـــربـــي، ضمن تأليف يجمع بني ثلث لوحات متلصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتد أفــقــيــاّ. تـمـثّــل هـــذه الــلــوحــة كـمـا يـبـدو مـبـارزة جماعية يـشـارك فيها ثمانية رجـــــال يـــظـــهـــرون فـــي وضـــعـــيّـــة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُـــراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على ســروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه املبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تــال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خــــضــــراء، تــرتــفــع وســــط ســـمـــاء زرقــــاء صافية. يتميّز هـذا املشهد الجماعي بحركة حية ال تستكني؛ إذ يتفرّد كل بطل مـن أبطاله بوضعية خاصة به، ويــتــحــرّك وســـط حـلـبـة تـتـشـابـك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها. تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول الـعـضـات، فــوق درجـــات عتبة صـــغـــيـــرة خـــطّـــت بـــالـــلـــون األزرق، فـي زاوية تحتل طرف الحلبة األسفل. يقف هـذا الـشـاب على ساقه اليمنى، ويمد سـاقـه الـيـسـرى نـحـو الـــفـــراغ، منحنيا نحو األمام، باسطا ذراعيه املمدودتني في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي الـبـشـرة الـبـيـضـاء، يظهر رياضي ذو بـشـرة داكـنـة يتقدّم منه فـي حركة مــعــاكــســة، بــاســطــا ذراعـــيـــه فـــي حـركـة موازية، وكأنّه يهم بالدخول في صراع معه. بـ هـذيـن الـرجـلـ املـتـصـارعَــ ، يـظـهـر شــــاب يـــبــدو أصـغــر حـجـمـا من حيث مقاييس التصوير، منحنيا كذلك في اتجاه اليمني، ممسكا بقضيب عال أبيض اللون يرتفع عموديّا في وسط ساحة املعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي الــبــشــرة الــبــيــضــاء عــلــى مـامـحـه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتني في اتجاه شاب يتهاوى أرضا من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، ومـــا بـقـي مـنـه يُــظـهـر قـامـة ذات بشرة داكــنــة، يـنـوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه. في الجانب اآلخر من هذه اللوحة، يظهر شــابــان فــي مشهد يـمـثّــل حلقة ثالثة من هـذا الـصـراع الجماعي. مرة أخــــرى يــدخــل رجـــل ذو بــشــرة بيضاء فـــي نـــــزاع مـــع رجــــل ذي بـــشـــرة داكـــنـــة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده الـيـسـرى، رافـعـا قبضته نحو األعـلـى، وكــــأنــــه يـــهـــم بـــاالنـــقـــضـــاض بـــهـــا عـلـى غــريــمــه. فـــي طــــرف هــــذا املــشــهــد، يقف رجــــل ثــالــث يـــشـــارك فـــي هــــذه الـحـلـقـة، ويـلـعـب فـيـهـا كـمـا يــبــدو دور الـحـكـم؛ إذ نـــــــراه يـــمـــســـك بــــيــــده الـــيـــمـــنـــى كـتـف املصارع، رافعا يده اليسرى في اتجاه معاكس. يــنــتــمــي هـــــذا الــــرجــــل كــــذلــــك إلـــى الـــعـــرق األبــــيــــض، ويـــمـــاثـــل فـــي قـامـتـه كـمـا فـــي بـنـيـتـه وفـــي لـبـاسـه الـاعـبـ الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غـيـر أنـــه يـتـمـيّــز بــشــارب بـسـيـط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحد ذقنه. يكتمل هــذا املشهد بظهور شاب أمــــــرد يــنــتــصــب وحــــــده بــــ الــفــريــقــ املـــــتـــــحـــــاربـــــ ، شــــاخــــصــــا فــــــي اتــــجــــاه املــــــصــــــارع الــــــــذي يـــقـــف عـــلـــى درجــــــات عـتـبـة هـــذه الـحـلـبـة الــريــاضــيــة. يتابع هـذا الشاب الفتي الـصـراع الــذي يدور مــن أمــامــه، ممسكا بقبضتيه قضيبا قــــصــــيــــرًا، وال نــــعــــرف إن كــــــان يـلـعـب هـنـا دور الـحـكـم، أو أنـــه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة املفتوحة. نراه هنا وســط جمع مـن املـتـصـارعـ ، في حـلـقـة تـمـثـل ريــاضــة شـكّــلـت قـطـبـا من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أوالهــا خلفاء بني أمية اهتماما كــبــيــرًا. كـمـا هــو مـــعـــروف، زاول حكام هذه السللة هذه األلعاب، كما زاولوا الـصـيـد بـمـخـتـلـف أنـــواعـــه، ونــجــد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيرًا عن هذه املزاولة املتعدّدة الوجوه. تــتــبــنّــى الـــلـــوحـــة املــخــصّــصــة لفن املــــصــــارعــــة الـــجـــمـــالـــيـــة الــكــاســيــكــيــة الرومانية فـي أرفــع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قـــوام هــذه الجمالية، ويـــحـــضـــر فــــي قــــامــــات حـــيـــة تــتــعــاقــب وتتعدد فـي وضعيات جـديـدة، بعيدًا مــن الـجـمـالـيـة «الـشـرقـيـة» الـتـي غالبا مـا تلتزم الـثـبـات والـجـمـود والسكون والتأمّل. تـــبـــدو هــــذه الـــجـــداريـــة فـــريـــدة من نوعها في ميدان الفنون األموية؛ إذ ال نقع على مـا يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا امليدان. مـــن جــهــة أخـــــرى، يــحــاكــي هــــذا الـعـمـل املـتـقــن بــالــتــأكــيــد أعــــمــــاال مـتـوسـطـيـة تـــنـــاولـــت هــــــذا املـــــوضـــــوع فــــي أشـــكـــال شـتّــى، شكّلت معا صنفا مـن صنوف األعمال التصويرية الرياضية. فـــــــي الــــــخــــــاصــــــة، تــــنــــتــــمــــي هـــــذه الـــجـــداريـــة األمــــويــــة االســتــثــنــائــيــة من حـيـث املـــوضـــوع إلـــى تـقـلـيـد مــعــروف، غـيـر أنــهــا تـتـمـيّــز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بــديــعــة صـنـفـا مـــن أصـــنـــاف الــريــاضــة التي راجت في زمن األمويني. مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة األموي في بيداء األردن محمود الزيباوي الكاتب الكوبي كارلوس ألفاريز يكتب عن حياة المهاجرين في أميركا «حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم الحـــــــــظ الـــــنـــــاقـــــد األمــــــيــــــركــــــي ذو األصـــــــل الفلسطيني إدوارد سعيد يوما ما أن «تناول الـكـثـيـر مــن حـيـاة املـنـفـى يـتـم بـالـتـعـويـض عن خـــســـارة مــحــيّــرة مـــن خـــال إقـــامـــة عــالــم جـديـد يــــفــــرض ســــيــــطــــرتــــه». وأعــــتــــقــــد أن هــــــذا ربـــمـــا يـفـسـر الـحـقـيـقـة املــثــيــرة لـلـفـضـول بــــأن كـثـيـرًا مــن املـغـتـربـ يـلـعـبـون الـشـطـرنـج أو يـؤلـفـون روايـات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن املنفي أو املغترب يصل إلـى عالم جديد «غير طبيعي» ويــكــتــشــف أن «عــــــدم واقـــعـــيـــتـــه تــشــبــه الـقـصـة الروائية املتخيلة». ربــمــا يــكــون العـــب الـشـطـرنـج أو الـــروائـــي من بني مغتربني ومنفيني كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الـذي دارت روايته األولــى «ذا فولني» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى اإلنجليزية عام ، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم 2020 بـ جيل قـديـم ذي شخصيات مثالية ثورية وجـيـل شــاب أيقظه الفقر والقهر مـن ضـاالت األوهــام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخــــــرى، وهــــي مــيــامــي ونـــيـــويـــورك ومـكـسـيـكـو سيتي وبــرلــ ، وتـتـبـع املـــســـارات املـتـفـرقـة ملن غــــــادروا الـــجـــزيـــرة. ويُــعـتـقـد أن نـحـو مليوني ، وهو عدد يقارب 2021 كوبي قد هاجروا منذ ثمانية أمثال من هاجروا خلل السنوات األربع التي أعقبت الثورة. وإذا كـان يُقال إن حياة املنفى واالغـتـراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قــد قـــرر تـصـويـر تـلـك الـتـجـربـة لــلــقــارئ بشكل قـريـب مــن الـــواقـــع. يـوجـد فــي الـــروايـــة عـشـرات الــشــخــصــيــات، الــكــثــيــر مــنــهــا إمــــا بـــا اســــم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُـــروى قصصهم فـي أجـــزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بني املاضي والحاضر والحلم والواقع. مــن األمــثــلــة عـلـى ذلــــك، هــنــاك حـــاق غــادر كـوبـا عـلـى مــن قـــارب فــي نـهـايـة السبعينات، واســتــقــر بـــه املُـــقـــام فـــي مـديـنـة هـيـالـيـه بـواليـة فلوريدا، حيث شهد مرض اإليدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضا شخصية العب شطرنج اُعتقل فـي غوانتانامو يقضي أيـامـه فـي لعب مـبـاريـات مــع الـــحـــراس، وثـمـة رجـــل هـنـاك أتـى إلـــى مـيـامـي بـعـد وفـــاة خطيبته فــي زلــــزال في مكسيكو سـيـتـي، وهـــو يـؤلـف روايــــة متعددة املستويات بشكل معقد يـأمـل أن يصف فيها «مهجر بل حنني». لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتني حتى اآلن، وأعـــتـــرف أنـــنـــي مـــا زلــــت غــيــر قـــــادر على استيعاب كـل الشخصيات جـيـدًا. مـع ذلــك من األمـور املمتعة في أي روايـة هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود األشياء، وتتحايل عـلـى ذاكــرتــك وتـخـدعـهـا. ومـــن األمــــور األخـــرى املمتعة أيضا األسلوب السردي الراقي الرشيق املكثف. ال يمكن مقارنتها إال بقصيدة لجون آشــبــيــري: «فـــي الــخــارج تـتـحـرك ســيــارة أجــرة باللون األخـضـر الـداكـن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى مـاءة سريره البيضاء، وهو بني اليقظة واملنام، ال يمكن أن نـصـف فــريــدي أوملــــوس بالقبيح وال الجميل. في حلمه كـان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علمة الصليب في الهواء ويقفزون فـــي املــــــاء». يـخـتـبـر أولـــئـــك املــغــتــربــون الـحـيـاة كـــشـــيء عـــشـــوائـــي ال شـــكـــل لـــــه، ولـــقـــد تـعـلـمـوا الـتـعـامـل مــع كــل شــعــور بالحميمية عـلـى أنـه شــعــور عــابــر ســريــع الـــــــزوال. جــــاء عــلــى لـسـان إحـــــدى الــشــخــصــيــات وهــــي تـــتـــأمـــل: «راودنــــــي شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار فـي حـافـة تلك الـــورقـــة»، وهــو وصــف مـائـم ملا تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية. مع ذلـك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو املزاج العام للرواية. لـقـد منحتنا الـعـوملـة نـوعـ مــن روايـــات الهجرة على األقل، نوع عن الشتات، هو يكون عـرضـة أحـيـانـا إلـــى شـعـور بـاالشـتـيـاق يحمل طـابـع الــــورع، والــنــوع اآلخـــر عــن مغتربني من الغرب ينتمون إلى طبقة املهنيني املتخصصني املـــبـــتـــلـــ بــــاغــــتــــراب وضــــيــــاع عـــاملـــي مــضــجــر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعني، لكن مع مـزاج خـاص بها يتسم باملرح واملـزاح والوقاحة والتهكم والغضب. وســـبـــب الـــغـــضـــب فــيــهــا راجــــــع إلـــــى «وابـــــل سـوء الحظ الــذي يمطر باستمرار على رؤوس أهـــل كــوبــا الــذيــن ال حـــول لـهـم وال قــــوة»، حياة املهاجرين املحفوفة باملخاطر في أميركا، حيث ال يــهــم مــــدى كـــدحـــك فـــي الـــعـــمـــل، فــفــي الـنـهـايـة سيحدث «شـــيء مــا» فقد يصدمك أحـدهـم على طريق بامليتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بل سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الـــوقـــود، أو يـحـمـل الــرئــيــس الــجــديــد فــي نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز روايــة تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه الــقــوة. وهـــذا هــو آخـــر مــا لـديـه لـيـقـولـه: «إنـــك ال تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه باالزدراء». * تشارلي لي محرر مراجعات نقدية في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضًا لـ«ذا هاربرز إنديكس» * خدمة «نيويورك تايمز» كارلوس مانويل ألفاريز *تشارلي لي رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==