issue17277

Issue 17277 - العدد Wednesday - 2026/3/18 األربعاء OPINION الرأي 14 حرب إيران... قراءة مختلفة لمقال عبد الرحمن الراشد أكن ألستاذنا الكبير عبد الرحمن الراشد احترامًا وتقديرًا كبيرين. فقد تعلمت من مقاالته وتتبعت كتاباته منذ بدايات حياتي األكاديمية، وهو بال شك من أبرز الكتّاب العرب الذين أسهموا في تشكيل الوعي السياسي واإلعالمي بعمق تحليلي ورؤيــة واسعة، بعيدًا عن صخب الشعارات واآليديولوجيا. ونــادرًا ما نختلف في قــراءة قضايا السياسة الدولية النطالقنا غالبًا من املدرسة الواقعية نفسها، وإن تباينت أحـيـانـ زوايـــا الـنـظـر، ربـمـا بحكم اخـتـ ف املـقـاربـة بـن التحليل اإلعـ مـي واملقاربة األكاديمية في العلوم السياسية. ومن هذا املنطلق يأتي هذا النقاش مع مقاله «حرب إيران واملخطط ضد الصي» بوصفه اختالفًا في زاوية القراءة ال خالفًا في منهجية التفكير الواقعي. يرى أستاذنا الكبير عبد الرحمن الراشد أن الربط بي الحرب الدائرة اآلن مع إيران والصراع على طرق التجارة العاملية قد يكون مبالغًا فيه؛ ألن الواليات املتحدة تهيمن بالفعل على املمرات البحرية الدولية. وهنا أتفق مع األستاذ الراشد في أن الواليات املتحدة ما تزال تتمتع بهيمنة واسعة على مصادر الطاقة وسالسل اإلمداد العاملية، كما يظل الدوالر العملة الرئيسة في تجارة الطاقة. غير أن السؤال الجوهري ال يتعلق بوجود هـذه الهيمنة اليوم، بل بقدرة واشنطن على الحفاظ عليها على املدى البعيد في ظل تحوالت موازين القوى الدولية. كما أن هذا الطرح يثير تساؤال منطقيًا: إذا كـانـت هـــذه الهيمنة مـسـتـقـرة، فـلـمـاذا طـرحـت واشـنـطـن مــع حلفائها 2023 ممرات اقتصادية جديدة ملنافسة املشاريع الصينية؟ ففي قمة العشرين عام أُعلن «املمر االقتصادي بي الهند والشرق األوسط وأوروبـا» بوصفه بديال ملبادرة «الحزام والطريق» الصينية، عبر مسارات لوجيستية تتجاوز إيران ومضيق هرمز، بما يشير إلى أن إعادة رسم طرق التجارة العاملية ما زالت ساحة تنافس استراتيجي بي الواليات املتحدة والصي. ومن هنا تتضح صلة العامل اإليراني بهذه املعادلة. فموقع إيران االستراتيجي عند مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العاملية املتجهة إلـى الصي، يمنحها ورقــة ضغط استراتيجية في النظام الدولي. لذلك يصبح تحجيم قدرتها على استخدام هذه الورقة جزءًا من حسابات أوسع تتعلق بأمن املمرات التجارية وسالسل اإلمداد العاملية. ويشير األستاذ عبد الرحمن الراشد إلى أن الحديث عن التنافس على املمرات البحرية أو طرق الطاقة هو «نظرية من بطن منهج العلوم السياسية». ومع كامل التقدير لرأيه، يبدو أن األمر أقرب إلى إطار نظري في العالقات الدولية منه إلى منهج بحثي؛ إذ إن «املنهج» يتعلق بأدوات البحث والتحليل، بينما «النظرية» تشير إلى األطر التفسيرية لفهم سلوك الدول. ومن هذا املنظور فإن التنافس على طرق التجارة والطاقة ليس مسألة هامشية في تخصصات العلوم السياسية، بل يُعد من «رأس» النظريات في األدبيات الواقعية والجيوسياسية التي تفسر صـراع القوى الكبرى في النظام الدولي. وال يعني ذلك أن البرنامج النووي اإليراني أو دعم طهران للميليشيات ليسا عاملي مهمي في الحرب الـدائـرة اآلن. فهما بالفعل من دوافعها املباشرة، كما أن تطورهما قـد يفضي إلـى تداعيات كارثية على استقرار املنطقة وتـوازنـاتـهـا. لكن اختزال الصراع فيهما وحدهما قد يحجب بعدًا استراتيجيًا أعمق يتعلق بإعادة ترتيب توازنات القوى العاملية؛ ألن إضعاف قدرة إيران على التأثير في مضيق هرمز يعني تقليص إحدى أوراقها الجيوسياسية في معادلة الطاقة العاملية. وهذا بدوره ينعكس على التنافس بي الواليات املتحدة والصي حول طرق التجارة وسالسل اإلمداد. وقـد أشـار عـدد من متخصصي الجغرافيا السياسية إلـى هـذا البعد. فاملحلل الجيوسياسي روبرت كابالن، على سبيل املثال ال الحصر، يرى أن الخليج واملحيط الهندي يشكالن محور التجارة بي آسيا وأوروبـــا، وأن التنافس على هـذه الطرق سـيـؤثـر عـلـى مستقبل شـكـل الـنـظـام الـــدولـــي. كـمـا يـؤكـد أســتــاذ الـعـلـوم السياسية املتخصص فـي األمــن الـدولـي والـطـاقـة مايكل كلير أن الخليج يعد مفصال رئيسًا في نظام الطاقة العاملي. وتذهب تقارير مراكز أبحاث كثيرة مثل «مجلس العالقات الخارجية» و«املجلس األطلسي» و«تشاتام هـاوس» إلى أن الشرق األوسـط أصبح ساحة مهمة للتنافس الجيو-اقتصادي بـن الـقـوى الـكـبـرى، وتـحـديـدًا بـن الصي والواليات املتحدة. وفي الحقيقة فإن التفكير االستراتيجي األميركي حول دور الواليات املتحدة فـــي الــعــالــم لـــم يــكــن يــومــ مــحــصــورًا فـــي إطــــار إقـلـيـمـي ضــيــق. فــقــد صــــاغ مـفـكـرون استراتيجيون من أسـاتـذة العلوم السياسية ومستشاري األمــن القومي السابقي مثل هنري كيسنجر وزبيغنيو بريجنسكي رؤى تقوم على ترتيب توازنات القوى الدولية بما يحول دون صعود منافسي كبار، ويحافظ على هيمنة الواليات املتحدة في النظام الـدولـي، وتُــعَــد السيطرة على املضائق البحرية وطــرق التجارة الدولية مـن أبـــرز مـصـادر الـنـفـوذ والــقــوة فـي التنافسات الـدولـيـةِ، كما كــان الـحـال تاريخيًا مـع اإلمــبــراطــوريــات الـبـحـريـة البريطانية واإلسـبـانـيـة والـبـرتـغـالـيـةِ، وال يـــزال هذا املنطق حاضرًا في الجيوسياسة الدولية حتى اليوم. وقد قدّم بريجنسكي مفهوم «أوراسـيـا» التي تشمل أوروبـــا وآسيا معًا، كــأداة تحليلية لوصف املسرح املركزي للصراع الجيوسياسي العاملي، حيث يتحدد ميزان القوة الدولية. ولذلك يؤكد في كتابه «رقعة الشطرنج الكبرى» أن االستراتيجيات الكبرى تقوم على منع ظهور قوة مهيمنة على هذه الكتلة الجغرافية. وفي السياق نفسه ظهرت في السبعينيات «اللجنة الثالثية» التي ضمّت بعض رؤسـاء الواليات املتحدة، وأوروبــا، واليابان، باإلضافة ألسـاتـذة علوم سياسية كبار مثل كيسنجر، وبريجنسكي، وهنتغتون وجوزيف ناي بهدف مناقشة التوازنات الكبرى في النظام الدولي وقضايا الطاقة والتجارة واالستقرار العاملي. ويظهر هــذا املنطق أيـضـ فـي وثـائـق األمـــن الـقـومـي األمـيـركـيـة الـحـديـثـة. فقد فـي عهد دونـالـد ترمب، 2025 أكـــدت «استراتيجية األمـــن القومي األمـيـركـيـة» لـعـام وهي الوثيقة التي ترسم عادة توجهات السياسات االستراتيجية للواليات املتحدة على املدى الطويل، أن الصي هي «املنافس الوحيد القادر على إعادة تشكيل النظام الدولي اقتصاديًا وتكنولوجيًا وعسكريًا»، وأن التنافس معها يشمل النفوذ على سالسل اإلمـــداد العاملية. كما شــددت الوثيقة على أن حماية طـرق املـ حـة الدولية تمثل مصلحة استراتيجية أساسية، وأن واشنطن لن تسمح ألي قوة بالهيمنة على املـمـرات البحرية الحيوية، وعلى رأسـهـا مضيق هـرمـز. وتحت عـنـوان «مـــاذا نريد من العالم؟» جاء في الوثيقة أن الواليات املتحدة تريد «نصف كرة خاليًا من توغل الدول األجنبية املعادية أو سيطرتها على األصول الرئيسية، ودعم سالسل اإلمداد الحيوية، وضمان استمرار وصولها إلى املواقع االستراتيجية الرئيسية». وأضافت «نـريـد منع أي قــوة معادية مـن الهيمنة على الـشـرق األوســـط، ومــــوارده مـن النفط والغاز واملمرات الحيوية التي تمر عبرها». كما يجد هذا التوجه جذوره أيضًا في ، الذي دعا إلى 2000 تقرير املحافظي الجدد «مشروع القرن األميركي الجديد» لعام الحفاظ على التفوق األميركي ومنع ظهور قوة قادرة على تحديه، سواء في أوراسيا أو في طرق الطاقة والتجارة العاملية. وفي هذا السياق كثيرًا ما تُستخدم الحروب في السياسة الدولية كأداة إلعادة ترتيب توازنات القوى، وسلب مصادر القوة، عندما تشعر الدول الكبرى بأن هذه التوازنات مهددة أو آخذة في التغير، أو لتحجيم نفوذ قوى كبرى منافسة. وعلى صعيد الحروب الدولية يبي التاريخ السياسي أن كثيرًا من الحروب تُعلَن تحت عناوين أمنية أو أخالقية، بينما تنطوي على أهداف استراتيجية أعمق. فحرب قُدّمت بذريعة أسلحة الدمار الشامل، ثم تبي عدم وجودها، ما دفع 2003 العراق عام باحثي إلى ربطها بإعادة ترتيب ميزان القوى في الشرق األوسط، وتعزيز املصالح تحت 2001 الجيوسياسية األميركية في املنطقة. وكذلك جاءت حرب أفغانستان عام شعار القضاء على القاعدة، لكنها أتاحت للواليات املتحدة تثبيت حضور عسكري في قلب آسيا قرب روسيا والصي وإيران. وقد عكس اجتماع «صيغة موسكو» عام ، الذي ضم روسيا والصي والهند وباكستان وإيـران، إدراك هذه القوى لهذه 2017 األبعاد الجيوسياسية للحرب، فرحّبت باإلجماع بموقف حركة «طالبان» الداعي إلــى إنـهـاء الـوجـود العسكري األجنبي واألمـيـركـي فـي أفغانستان، ومــا زال إغـ ق قاعدة بغرام األميركية محل نزاع بي إدارة ترمب و«طالبان». ومن هنا يمكن فهم أن إضعاف الـدور اإليراني، والحد من قدرته على التأثير في املالحة بالخليج أو امتالك السالح النووي، ال يقتصر على بعد إقليمي فقط، بل قد يرتبط أيضًا بمعادلة أوسـع تتعلق بأمن سالسل اإلمــداد والتنافس بي القوى الكبرى على طرق التجارة والطاقة، وبترسيخ هيمنة املحور األميركي - اإلسرائيلي في املنطقة. فالصراع الدولي في القرن الحادي والعشرين لم يعد يـدور فقط حول السيطرة العسكرية املباشرة، بل حول التحكم في شبكات النقل والتجارة العاملية. ولذلك يصعب فصل أي تطور استراتيجي في الشرق األوسـط، بما في ذلك الحرب الـدائـرة اآلن، عن هـذا السياق األوســع املرتبط بـــإدارة الـتـوازن الـدولـي بي الواليات املتحدة والقوى الكبرى الصاعدة، وفي مقدمتها الصي، وبالصراع على قلب الكتلة الجيوسياسية التي يسميها منظرو االستراتيجية «أوراسيا». وفـــي الـخـتـام، يـظـل مـقـال األســتــاذ عـبـد الـرحـمـن الــراشــد مــن الـنـصـوص املهمة املـحـفّــزة عـلـى التفكير وإثــــارة األسـئـلـة، وهـــو مــن الشخصيات امللهمة فــي الكتابة السياسية العربية. فمثل هذه النقاشات ال يُقصد بها إقناع طرف بقدر ما تهدف إلى التحفيز على التفكير، وكشف مساحات من التحليل قد تبقى أحيانًا مغيبة خلف عتمة السحب التي تحجب بعض أبعاد الصور الكلية. عبد الغني الكندي كشف مساحات من التحليل قد تبقى أحيانا مغيبة خلف عتمة السحب التي تحجب بعض أبعاد الصور تـقـف منطقتنا الـــيـــوم أمــــام منعطف تــاريــخــي حــــاد، تــتــجــاوز فـيـه لـغـة املــدافــع حـــــــدود االشــــتــــبــــاك الـــتـــقـــلـــيـــدي، لــتــ مــس أســــــس االســــتــــقــــرار املـــجـــتـــمـــعـــي ومـــفـــهـــوم الدولة الوطنية الحديثة. فالحرب القائمة حـالـيـ بـن الـــواليـــات املــتــحــدة وإســرائــيــل من جهة، وإيـــران من جهة أخــرى، تفرض علينا قــــراءة سـوسـيـولـوجـيـة وسياسية واعــــيــــة، تـــتـــجـــاوز الــســطــح الــعــاطــفــي إلــى الـعـمـق الـجـيـوسـيـاسـي. إن هـــذه املـعـركـة، فـــــي جــــوهــــرهــــا وبـــــكـــــل تـــجـــلـــيـــاتـــهـــا، هــي حـــرب اسـتـراتـيـجـيـة، ولـيـسـت حــربــ على الـتـشـيـع أو تـسـويـة لـحـسـابـات مـذهـبـيـة. ولــعــل أوضــــح دلــيــل عــلــى ذلــــك هـــو إعـــ ن الـقـيـادة اإلسـرائـيـلـيـة ذاتــهــا، وعـلـى لسان بـنـيـامـن نـتـنـيـاهـو، اسـتـهـدافـهـا ملـــا تـــراه تطرفًا بشقيه الشيعي والسني على حد سـواء، مما يؤكد أن املحرك األساسي هو املصلحة والنفوذ ال العقيدة. وفــــــي هــــــذا الــــســــيــــاق، تــــبــــرز ضــــــرورة الـــتـــمـــيـــيـــز الــــدقــــيــــق بــــن املــــوقــــف املـــبـــدئـــي واملـوقـف السياسي البرغماتي. إن إدانــة الــهــجــوم عـلـى إيــــران بـوصـفـهـا دولــــة ذات سـيـادة، تمامًا كما هو الحال في الرفض املبدئي ملا تعرضت له فنزويال في شهر يناير (كانون الثاني) املاضي من انتهاك لسيادتها، ال تعني بأي حال من األحوال الـقـبـول بـسـيـاسـات الـتـدخـل اإليـــرانـــي في دول الجوار. فمبدأ السيادة ال يتجزأ، وما نرفضه لدول اإلقليم نرفضه بشكل قاطع ومــضــاعــف إذا كـــان الـتـهـديـد أو الـتـدخـل يمس أوطاننا بشكل مباشر. إن الـتـحـدي األكــبــر الــــذي تــفــرزه هـذه األزمـــــــــــات اإلقـــلـــيـــمـــيـــة هـــــو خــــطــــر ارتــــــــداد املـجـتـمـعـات إلـــى والءاتـــهـــا الـفـرعـيـة على حـــســـاب الــكــيــان الــوطــنــي الـــشـــامـــل. وهـنـا تبرز حصرية السيادة ومؤسسات الدولة بـوصـفـهـا الــضــامــن الــوحــيــد لــ ســتــقــرار. إن قـــــرار الــســلــم والــــحــــرب، والــتــعــامــل مع الــتــهــديــدات الــخــارجــيــة، هــو حــق سـيـادي وحـصـري للدولة ومؤسساتها الرسمية وحـــــدهـــــا. ومــــــا نـــــــراه الــــيــــوم مــــن مــشــاهــد التحشيد فــي الـــعـــراق، واملــظــاهــرات التي تخللها هــجــوم عـلـى الــســفــارة األمـيـركـيـة فـي بـغـداد، وإعـــ ن البيعة للولي الفقيه، هي أمور تتناقض مع جوهر فكرة الدولة وتــضــر بـاملـصـلـحـة الـعـراقـيـة الـعـلـيـا أكثر مـمـا تنفع اإليــرانــيــن أنـفـسـهـم. فـالـعـراق، الذي تمثل النخبة السياسية ذات الخلفية الـشـيـعـيـة أغــلــبــيــة فــاعــلــة فـــي مـؤسـسـاتـه الحاكمة، ليس موقعًا على اتفاقية دفاع مـــشـــتـــرك مـــــع طـــــهـــــران حـــتـــى تُـــــــ م نـخـبـه الــحــاكــمــة عــلــى مــوقــفــهــا الــعــقــ نــي. وفــي السياق ذاتـه، فإن بعض املقاطع املصورة الـتـي ظـهـرت مــن مملكة الـبـحـريـن، والـتـي تـــــصـــــور احـــــتـــــفـــــاالت الــــبــــعــــض بـــهـــجـــمـــات إيرانية على بعض املنشآت، تنم عن غياب مقلق للوعي بحجم الخطر االستراتيجي املحدق بالبالد وباملنطقة بأسرها. إال أن هــــــذه الـــســـلـــوكـــيـــات الــــفــــرديــــة أو الفئوية املـرفـوضـة، يجب أال تـبـرر بــأي شكل مـن األشـكـال االنـــزالق الخطير نحو مستنقع التخوين الداخلي الـذي يقدم خدمة مجانية ملشعلي الــفــن ويــعــزز فــكــرة االنــعــزالــيــة التي يسعى لها أعـــداء الــدولــة. يجب أن نـــدرك أنه لــيــس ملـــواطـــن حـــق فـــي أن يـــمـــارس سـلـطـة أو وصــايــة عـلـى مــواطــن آخـــر؛ فالجميع يقفون عـــلـــى مـــســـافـــة واحـــــــدة تـــحـــت ســلــطــة الــــدولــــة، التي تتعامل مـع مواطنيها بوصفهم أفــرادًا مـــتـــســـاويـــن، ولـــيـــس كـــأعـــضـــاء فــــي جــمــاعــات فـرعـيـة أو طـــوائـــف. وعــلــيــه، فـــإن مـطـالـبـة أي مــكــون مـجـتـمـعـي بـــإصـــدار بــيــانــات بـــــراءة أو إعــــ ن مــوقــف ســيــاســي مـــحـــدد، هـــي تشكيك مــســبــق فـــي والئـــهـــم وانــتــمــائــهــم ألوطـــانـــهـــم، وهــو أمــر يتنافى جـذريـ مـع مـبـادئ الـوحـدة الـوطـنـيـة، ويـتـنـكـر إلرث تـاريـخـي طــويــل من التعايش السلمي الذي كان دومًا عامل إثراء اجتماعي. وفي خضم هذه التجاذبات املفتعلة، ال بــــد مــــن الـــتـــحـــذيـــر مــــن دور الـــجـــيـــوش اإللـكـتـرونـيـة والـحـسـابـات الـوهـمـيـة التي تسعى لتضخيم خـطـاب الـكـراهـيـة. وفـي هـــــذا الـــــصـــــدد، تـــجـــب اإلشـــــــــادة بـالـضـبـط اإلعـ مـي للمشهد السعودي، الــذي أثبت تـقـدمـ ورصـــانـــة مـلـحـوظـة، مـتـفـوقـ على الكثير مـن جـيـرانـه فـي سـد منافذ الفتنة وإدارة املشهد بوعي وطني عالٍ. خــــتــــامــــ ، تــــقــــع عــــلــــى عـــــاتـــــق الـــنـــخـــب الــثــقــافــيــة والـــديـــنـــيـــة مــســؤولــيــة جسيمة فـــي تــقــديــم خــطــاب وطــنــي جــامــع يـرفـض استغالل الدين أو املذهب لتمرير أجندات سياسية عابرة للحدود. إن االستقطاب الطائفي ليس مجرد أزمة اجتماعية عابرة، بل هو العدو األول ملـــشـــاريـــع الـتـنـمـيـة والـــــــرؤى االقــتــصــاديــة املستقبلية. فال يمكن لألوطان أن تزدهر وتـواجـه استحقاقات العصر إال بتكاتف جــمــيــع مــكــونــاتــهــا بـــعـــيـــدًا عــــن صـــراعـــات املــــحــــاور الـــتـــي تُــــهــــدر الــــطــــاقــــات، وتـعـيـق مسيرة بناء الدولة القوية الجامعة. ال يمكن لألوطان أن تزدهر وتواجه استحقاقات العصر إال بتكاتف جميع مكوناتها بعيدا عن صراعات المحاور عبد هللا فيصل آل ربح المأزق الطائفي واختطاف األوطان

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==