الثقافة CULTURE 17 Issue 17276 - العدد Tuesday - 2026/3/17 الثلاثاء ًزينب عفيفي تستلهم كاتبها المفضل روبرت فالزر في روايتها الجديدة «السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلا روائيا «لا تــبــدو ثــمــة مـشـكـلـة فـــي حــكــايــات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هـذه المفارقة تبني الكاتبة المـصـريـة زيــنــب عفيفي عـالمـهـا الـــســـردي في روايتها «السماء لا تمطر حـكـايـات»، حيث يــصــبــح الـــخـــيـــال نــفــســه بـــطـــا روائــــيــــا يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحـبــاط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة. فــي هـــذه الـــروايـــة، الـــصـــادرة عــن «الـــدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قـصـص قصيرة ينقصها الأمــــان»، تعيش حـالـة تــنــازع بــن حلمها الـقـديـم بـــأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولـــى، وبــن واقــع يتسلل إلــيــه الــخــوف والـــتـــردد، مــن دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً. تـبـدو البطلة «الأربـعـيـنـيـة» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تــصــبــح حــــواراتــــهــــا مــــع المــحــيــطــن بـــهـــا هـي المـــفـــارقـــة لا الـــعـــكـــس، وتــــواكــــب لــغــة الـــروايـــة هـــذا المــنــحــى، إذ تـنـحـاز إلـــى صـــوت البطلة وتـــأمـــاتـــهـــا الــطــويــلــة فـــي المـــكـــان والــــزمــــان، وكثير من النقد الذاتي. بيع الأفكار تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوار خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبــــرت فــالــزر»، وكـأنـهـا تقيم معه تـــقـــاطـــعـــات حـــيـــاتـــيـــة مـــوصـــولـــة بــمــشــروعــه الـــــــروائـــــــي والــــشــــخــــصــــي، وفـــــــي هـــــــذا الأفـــــق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفــكــار لـلـروائـيـن المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية. وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الـذي أجهضته سرقة نصها الأول ونـشـره بـاسـم آخـــر، فستبدل به مــحــاولــة مختلفة لـتـدبـيـر عـاقـتـهـا بـالأفـكـار نـفـسـهـا، وفــــي هــــذا المـــســـار يـفـتـح الـــســـرد بـابـا للتناص مع روايـــة «الـلـص» لكاتبها المفضل، حـــيـــث يــتــخــذ فـــعـــل الـــســـرقـــة مــعــنــى يــتــجــاوز الـــجـــريـــمـــة المـــبـــاشـــرة لـــيـــغـــدو طـــريـــقـــة مـــراوغـــة لـلـوجـود داخـــل الـعـالـم، فبطل فـالـزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلا بين الـهـوامـش بحثا عــن كــيــان، وعـلـى نـحـو مـــواز تبدو البطلة هنا وقـد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمــة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجيا إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها. مـــن خــــال هــــذا الـــتـــنـــاص يــفــتــح الــســرد جـبـهـات مـتـعـددة للتأمل فــي معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بــــل بـــوصـــفـــهـــا تـــقـــاطـــعـــا مـــعـــقـــدا بــــن الـــتـــأثـــر والــتــنــاص والـتـخـيـيـل، فــي سـيـاقـات تخص الـكـتـابـة وواقــعــهــا المــعــاصــر، حـيـث تـتـجـاور «خــــــوارزمــــــيــــــات» الـــــذكـــــاء الاصـــطـــنـــاعـــي مـع «الغباء البشري». وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة مـــن قـــامـــوس الـكـتـابـة الأدبـــيـــة، حـيـث تنسج الكاتبة فـضـاء فانتازيا يقوم على تأسيس كيان لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصـــوات المقبلين على شـراء الأفـــكـــار عـبـر أقــســام تـــتـــراوح بــن «الـــروايـــات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها مـــن الــصــيــغ الـــتـــي تُـــحـــاكـــي بــســخــريــة لاذعـــة اقتصاد الإبداع المعاصر. حضور مُتخيّل فــي علاقتها المتخيلة بــروبــرت فـالـزر، تبدو البطلة في حالة تماه عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الـشـهـيـر فـــي المـــشـــي، فـتـقـطـع مـثـلـه مـسـافـات طـــويـــلـــة كـــأنـــهـــا تـــبـــحـــث، عـــبـــر الــــحــــركــــة، عـن طــريــق إلـــى صـوتـهـا الـــداخـــلـــي، وعـــن مـخـرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هـذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة». ومــــن خــــال هــــذا الــنــســيــج الـتـخـيـيـلـي، تـــحـــيـــك الـــــروايـــــة خـــلـــفـــيـــات مـــتـــعـــددة لــفــكــرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بـل بوصفها تقاطعا وتناصا وتـأثـرا داخـل تـــــاريـــــخ الـــكـــتـــابـــة نـــفـــســـه؛ مـــســـتـــعـــيـــدة جـــدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون». وفـي هـذا الـسـوق، يبدو «السِعر» نفسه جـــزءا مـن اللعبة الـسـرديـة الـفـانـتـازيـة، حيث تُــجـري مقايضة بـن «سِــعــر» الـفـكـرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مـثـل خــوارزمــيــات الـــذكـــاء الاصـطـنـاعـي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها مـن الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية الـــتـــي لا تُـــشـــتـــرى، حــتــى حـــن تـــبـــدو الأفـــكـــار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع. تدريب على المشي تـعـتـمـد الــكــاتــبــة عــلــى تـضـيـيـق حـــدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قـديـمـة تـرثـهـا مـــن الــجــد كـمـا تـــرث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها. فــــي هـــــذا الأفــــــق الــــســــردي المــتــقــلــب بـن السخرية والـتـأمـل، لا تـبـدو الــروايــة معنية فـقـط بـحـكـايـة بطلة فـقـدت إيـمـانـهـا بنصف حــيــاتــهــا الأول، بـــقـــدر مـــا تـنـشـغـل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الــكــتــابــة؛ فـــالأفـــكـــار هــنــا لا تـظـهـر بـوصـفـهـا ملكية خـالـصـة، بــل كـيـانـات هـــاربـــة، تتنقل بــن الـعـقـول، كـمـا لــو كـانـت تبحث عــن مـاذ ومُخلّص. ومـــن خـــال فـضـاء «بـيـع الأفـــكـــار» الــذي تــقــيــمــه الـــــروايـــــة يـــتـــحـــول هـــــذا الــــســــؤال إلـــى لــعــبــة ســــرديــــة مـــتـــعـــددة المـــــســـــارات، تـنـهـض عـــلـــى الـــتـــنـــاص مــــع روبــــــــرت فــــالــــزر وبــطــلــه «الـــلـــص»، والــســخــريــة مـــن اقــتــصــاد الـكـتـابـة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بــوصــفــهــا جــريــمــة مـــبـــاشـــرة فــحــســب، بل بوصفها تقاطعا معقدا بين التأثر والتناص والتخييل. هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها فـي الـوقـت نفسه عصيّة على الامــتــاك، فـي زمــن بــات «الـنـجـاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر. القاهرة: منى أبو النصر الفنانة الكولومبية توفيت قبل أسبوعين من معرضها الاستعادي في لندن رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات قــــبــــل أســــبــــوعــــن مــــــن إقــــــامــــــة مـــعـــرضـــهـــا الاســــتــــعــــادي الأول بـــلـــنـــدن، تـــوفـــيـــت الــفــنــانــة الـكـولـومـبـيـة بــيــاتــريــس غــونــزالــيــس عـــن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكـانـت الفنانة التي ، قـــد أشـــرفـــت بـنـفـسـهـا على 1932 ولـــــدت عــــام اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة عـــقـــود، بــــدءا مـــن ستينات 6 بــالــتــحــولات عـبـر الـقـرن المـاضـي وحتى الآن. وليس غريبا على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُـــرفـــت بــاعــتــبــارهــا مـنـسـقـة مـــعـــارض، إضــافــة إلـى كونها كاتبة. وهـي إذ تحتفي بصنيعها الـــفـــنـــي الــــــذي يـــشـــمـــل، إلـــــى جـــانـــب الـــلـــوحـــات، المنحوتات والإنـــشـــاءات الضخمة الـتـي غالبا ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثـاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا فـــي مــواجــهــة رؤيــتــهــا الـفـنـيـة الـــتـــي لـــم تـكـتـف بــالمــوقــف مـــن الـسـلـطـة وتـحـلـيـل آلـــيـــات عملها الــقــمــعــي، بـــل وضـــعـــت إلــــى جــــــواره مـــا تــرسّــب فـي الــذاكــرة الجمعية مـن مشاهد مـؤلمـة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألــوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر. لم يكن مفاجئا أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءا من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مـع «فـيـنـوس» لفنان عصر النهضة سـانـدرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بـابـلـو بـيـكـاسـو. تـلـك مـفـارقـة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الــــرســــم، مــــن خـــــال اســـتـــنـــســـاخ لــــوحــــات فــنــان عصر الـبـاروك الهولندي فيرمير. ذلـك ولـع لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صـاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلــك اللقب إلــى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيدا لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الـذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيرا في المعرض أن الــفــنــانــة أقـــامـــت عــلــى جـــــدران إحـــــدى غـرفـه مقبرة لضحايا السلطة. سيدة الرسم في مواجهة العنف يـــضـــم مـــعـــرض بـــيـــاتـــريـــس غـــونـــزالـــيـــس، المُــقـام حاليا فـي مـركـز باربيكان للفن بلندن، عـمـا فنيا يجمع بينها خيط ســري هو 150 العنف الـذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تـجـمـع بـــن الــســخــريــة والـــرقـــة والـــتـــحـــدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الـجـثـث. وهــي فـي عودتها إلــى لـوحـات الـفـن الـغـربـي الـتـي أعجبتها عبر سني حياتها لـم تـسـع إلــى الـهـروب مـن الآثــار النفسية لـذلـك العنف بـقـدر مـا سعت بطريقة مـخـاتـلـة إلــــى بـــلـــورة رؤيــــة خـــاصـــة، تــكــون من خلالها تلك اللوحات شـهـادات معاصرة. هي فكرة عن إصــرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهـي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مــســالمــة، وفـــي المــقــابــل كـــان هــنــاك غــــداء هـــادئ ومـــريـــح عــلــى الــعــشــب أربـــــك مـــن خـــالـــه مـانـيـه السلطة الثقافية في زمانه. وعلى الرغم من أنها قالت ذات مـرة: «لم أكـن أرغــب فـي أن أكــون سيدة تـرسـم»، فهي لم تـبـدأ مسيرتها رسّــامـة إلا فـي الثلاثينات من عــمــرهــا؛ حـــن قــامــت بـنـسـخ لــوحــة الإســبــانــي دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود ، غير أن معرضها الاسـتـعـادي 1635 إلــى عــام الـــحـــالـــي يـــؤكـــد أن الــــرســــم أصـــبـــح وسـيـلـتـهـا المــثــالــيــة فـــي الـــتـــصـــدي لــلــفــوضــى الـسـيـاسـيـة الـــتـــي شــهــدتــهــا بــــادهــــا، ومــــا نــتــج عــنــهــا من عنف، وصـــولا إلــى استلهام الثقافة الشعبية فــي الـسـخـريـة مــن الــجــنــرالات الــذيــن صورتهم بـأسـلـوب كــاريــكــاتــوري عـلـى هـيـئـة بـبـغـاوات. حـتـى فــي الـلـوحـات الـتـي تُــمـثـل مـشـاهـد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الــــذي لا يـتـنـاسـب مــع المـنـاسـبـة. فـعـلـى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلا وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومـن ثـم قُــتـا. سيكون جـارحـا أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف. لـم تـبـدأ بياتريس غـونـزالـيـس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحا بالنسبة لها أن عـمـق المـــأســـاة فــي مـوضـوعـاتـهـا يـغـنـي عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبـي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصا أنها لم تكن تميل إلـى الرسم التجريدي الذي ًاستفادت من بعض تقنياته. حين يكون الألم ملهما معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر مــن حـيـاتـهـا عـلـى جـمـع الــصــور ســاحــر بفتنة مــشــاهــده المــلــونــة، غـيـر أنـــه لا يُــحـتـمـل بسبب كــثــافــة الألـــــم الـــــذي يــنــســل مــثــل خــيــط ليجمع مـن حوله خـرائـط واقــع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجـــاجـــيـــة أُلـــحـــقـــت بـــالمـــعـــرض نــــرى مـحـتـويـات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبـــرزهـــا: «مــصــارعــون مـلـثـمـون، ولاعــبــو كمال أجـــــســـــام، ومـــلـــكـــات جــــمــــال، وحــــــــالات انــتــحــار شنقاً، ونسخ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يـرتـدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظـهـر جـمـل، والمـلـكـة إلـيـزابـيـث الـثـانـيـة الشابة تـشـهـد انــهــيــار الإمـــبـــراطـــوريـــة، وقــديــســون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها». الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة الــتــي احـتـفـظـت بحقها فــي تــأويــل مــا شهدته خـــارج المـنـظـور الـسـيـاسـي لتضعه فــي سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم مـــن تــشــددهــا فـــي مـوقـفـهـا المـــعـــارض للسلطة أنـتـجـت فـنـا أنـصـفـت مــن خـالـه الـضـحـايـا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعا من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على مـا تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية. «ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا مـــا كــانــت بـيـاتـريـس غــونــزالــيــس تـــــردده وهـي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصـــرخـــات المــعــذبــن لـــن تـقـلـق حـبـر المــؤرخــن وهـــم يــؤلــفــون كـتـبـا عـمـا حــــدث. كــانــت وظيفة الـرسـم مـن وجـهـة نظرها تضعه فـي مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الـذي هو عبارة عن دولـة استباحها الـعـسـكـر وصـــــارت سـجـنـا لـشـعـبـهـا. غـابـريـيـل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب روايـــــة مـــائـــة عــــام مـــن الـــعـــزلـــة، كــــان واحـــــدا من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة. رســمــت غــونــزالــيــس الـــجـــنـــرلات كــمــا كــان الـرسـامـون الأوروبـــيـــون يـرسـمـون الكهنة. في حـــاصـــرت جــمــاعــة ثـــوريـــة مسلحة 1985 عــــام قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الــذي تولى منصبه حديثا الجيش بـاقـتـحـام المـبـنـى، مـمـا أدّى إلـــى انــــدلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقـــضـــاة. ردّت بـيـاتـريـس غــونــزالــيــس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسما ووزراؤه منهمكين فـــي الـعـمـل بـيـنـمـا يــرقــد جـثـمـان مـتـفـحـم على الطاولة أمامهم. مـن أجــل ذلــك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها. أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفــــــات مـــئـــات مـــن ضــحــايــا الــــنــــزاع) فـــكـــان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها. اسـتـعـمـلـت الـفـنـانـة الـتـقـنـيـة الـرقـمـيـة في اســـتـــحـــضـــار جـــثـــث تــــعــــرف أنــــهــــا ذهــــبــــت إلـــى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة. فاروق يوسف الرسم أصبح وسيلتها في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها غراميات بشار بن بُرد يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عـــربـــيـــة»، لــلــبــاحــث حـــســـن مــنــصــور، واحــدة من الملامح الـبـارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاء وجوديا في التعبير عن الحياة والنفس البشرية. عـــــاش بـــشـــار فــــي الـــفـــتـــرة مــــا بـن نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة الــعــبــاســيــة، وحُـــــرم مـــن نـعـمـة الـبـصـر وهـو صغير لكنه عوضا عنها امتلك بـصـيـرة خـــاقـــة، قـــــادرة عـلـى الــذهــاب فيما وراء الأشــيــاء، الأمـــر الـــذي وسع مـن عـالمـه الـشـعـري، وسـاعـده فـي نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة. وحــــول الــنــســاء فـــي حــيــاة بـشـار، يشير المؤلف إلـى أنـه أشهر من عشق مـــن الــنــســاء امـــــرأة يـــقـــال لــهــا «عـــبـــدة» لإكــثــاره مـن ذكـرهـا فـي شـعـره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقـــــــد تـــــعـــــرف إلــــيــــهــــا فـــــي حـــــجـــــرة مــن حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره. وبينما هـو فـي مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عـــادتـــه، وقـــال فيها شـعـرا ودعـــا غلامه وقــــــال لـــــه: إنـــــي عــلــقــت هـــــذه المـــــــرأة فـــإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكــلــمــهــا وأخـــبـــرهـــا بــحــبــي وأنـــشـــدهـــا شـــعـــري، فـبـلّــغـهـا الـــغـــام رســـالـــة مـــولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فـصـارت تــــزوره مـع نـسـوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها. تــــــزوجــــــت عـــــبـــــدة وخــــــرجــــــت مــع زوجـــهـــا مـــن الــبــصــرة إلـــى عــمــان فـقـال بشار: ُعـــذيـــري مـــن الــــعــــذال إذ يـعـذلـونـنـي ســـفـــاهـــا ومــــــا فــــي الــــعــــاذلــــن لــبــيــب ُيـــقـــولـــون لـــو عـــزيـــت قــلــبــك لارعــــوى فــــقــــلــــت وهــــــــل لــــلــــعــــاشــــقــــن قــــلــــوب ُإذا نـــطـــق الــــقــــوم الـــجـــلـــوس فــإنــنــي مـــكـــب كــــأنــــي فـــــي الـــجـــمـــيـــع غـــريـــب وفـــــي واقــــعــــة أخــــــــرى، دخـــــل إلــيــه نـــســـوة فـــي مـجـلـسـه لـيـسـمـعـن شـعـره فــــانــــجــــذب لامــــــــــرأة مـــنـــهـــن يــــقــــال لــهــا «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الــغــام وأخـبـرهـا بـمـا أمـــره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلـى منزلها حـتـى عــرفــه فــكــان يـــتـــردد إلـيـهـا حتى ضـجـرت بــه فشكته إلـــى زوجــهــا فقال لــهــا: «أجـيـبـيـه وعـــديـــه أن يــجــيء إلـى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إلـيـه فـدخـل وزوجــهــا جالس فجعل يحدثها ساعة ثـم قـال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال: أمـــــامـــــة قـــــد وُصـــــفـــــت لــــنــــا بـــحـــســـن وإنــــــــــــــــــــا لا نــــــــــــــــــــراك فـــــالمـــــســـــيـــــنـــــا فأخذت يده وقد مدها ووضعتها فــــي يــــد زوجــــهــــا، فـــفـــزع ووثــــــب قـائـمـا وقال: طــــلــــبــــت غــــنــــيــــمــــة فـــــوضـــــعـــــت كـــفـــي عـــــلـــــى شـــــــــيء أشـــــــــد مـــــــن الـــــحـــــديـــــد فأمسك زوجـهـا بـه وقـــال: هممت أن أفــضــحــك، فــقــال كــفــانــي فــديــتــك ما فعلت ولـسـت والــلــه عــائــدا إلـيـهـا أبــدا فحسبك ما مضى، فتركه. ويتطرق الكتاب إلى امـرأة أخرى وقــع فـي غـرامـهـا بـشـار بـن بــرد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسـافـر بها زوجـهـا مـن البصرة فقال بشار: ُأخــــــشــــــاب حــــقــــا إن دارك تــــزعــــج وأن الـــــــــذي بـــيـــنـــي وبــــيــــنــــك يـــنـــهـــج ُفــــإن جـئـتـهـا بـــن الـــنـــســـاء فــقــل لها عــــلــــيــــك ســــــــام مــــــــات مــــــن يـــــتـــــزوج ُبـكـيـت ومــــا فـــي الـــدمـــع مــنــك خليفة ولــــــكــــــن أحـــــــــزانـــــــــي عــــلــــيــــك تـــــوهـــــج القاهرة: «الشرق الأوسط» حُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضا عنها امتلك بصيرة خلاقة
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky