ليست الحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيــران من جهة أخــرى، أول حرب تُرفع فيها شعارات كبرى مثل تغيير النظام أو القضاء على أسلحة الدمار الشامل. فقد تكررت هذه الأهداف أكثر من مرة خلال العقود الأخيرة، وفــــي مــعــظــم الــــحــــالات لـــم تـتـحـقـق كــمــا تخيلها مــن أطـلـقـوهـا، بــل انـتـهـت بـنـتـائـج ملتبسة وفـي الـغـالـب كــارثــيــة. تــجــارب مـصـر والـــعـــراق وليبيا وأفغانستان منذ الخمسينات من القرن الماضي تمثل مختبرا تاريخيا لاختبار هذه المقولة التي تكررت وتحولت إلى ذرائع أكثر منها سياسات أو أهداف حرب قابلة للتحقق. لطالما ارتبطت التدخلات العسكرية الغربية فـــي الـــشـــرق الأوســـــط بــشــعــارات كـبـيـرة ومـــبـــررات أخلاقية أو سياسية جذابة. فمنذ حملة نابليون عــلــى مــصــر الـــتـــي رُوّج لــهــا بــاعــتــبــارهــا «مـهـمـة حـضـاريـة»، مـــرورا بـالـعـدوان الثلاثي على مصر ، وصـــــولا إلــــى الـــحـــروب الــحــديــثــة في 1956 عــــام الــعــراق وليبيا وأفـغـانـسـتـان، تتغير الـشـعـارات، لكن الفكرة الأساسية تبقى واحدة: تدخل عسكري لتحقيق هـدف سياسي كبير، مثل حماية الأمن الدولي، أو نزع أسلحة خطرة، أو تحرير الشعوب من أنظمتها السياسية. غـيـر أن رد فـعـل المـجـتـمـعـات المـحـلـيـة كثيرا مــــا يــســيــر فــــي اتــــجــــاه مــخــتــلــف. فـــبـــدل أن يـبـقـى الصراع رأسيا بين شعب وقوة خارجية، يتحول أحيانا إلـى صــراع أفقي داخــل المجتمع نفسه أو بـن المجتمعات العربية وبعضها، حيث تتفكك الـتـوازنـات الداخلية وتظهر صـراعـات بـن فئات وقــوى محلية، فيتحول الضعف إلـى صــراع بين الأشقاء بدل أن يكون مواجهة مع الخارج. 1956 فــي الـــعـــدوان الـثـاثـي عـلـى مـصـر عـــام أعلنت بريطانيا وفـرنـسـا أن الـهـدف هـو حماية الملاحة في قناة السويس ووقف القتال بين مصر وإســرائــيــل بـعـد قـــرار تـأمـيـم الـقـنـاة، لـكـن إسـقـاط نظام جمال عبد الناصر كان هدفا ضمنيا كذلك. ألـــــف جـــنـــدي مـن 125 شــــــارك فــــي الــعــمــلــيــة نـــحـــو بـريـطـانـيـا وفـرنـسـا وإســرائــيــل، وحـقـقـت الـقـوات المهاجمة تقدما عسكريا سريعاً. ومع ذلك انتهت الــعــمــلــيــة بـــانـــســـحـــاب كـــامـــل تـــحـــت ضـــغـــط دولــــي شديد، خصوصا من الولايات المتحدة والاتحاد الــســوفــيــاتــي. لـــم يـسـقـط الــنــظــام المــســتــهــدف، بل خـرج عبد الناصر أكثر قـوة في الـداخـل العربي، وأصـــــبـــــحـــــت أزمـــــــــة الـــــســـــويـــــس بــــــدايــــــة انـــحـــســـار الإمـبـراطـوريـة البريطانية، إذ لـم تمض سنوات حـتـى سـقـطـت عـــدن وتـــراجـــع الــنــفــوذ الـبـريـطـانـي ليحل النفوذ الأميركي تدريجيا محله. بـــعـــد ثـــاثـــة عـــقـــود تــقــريــبــا انـــتـــهـــت الـــحـــرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، لكن الـعـراق دخـل سريعا في أزمــة جديدة عندما . يومها انقسم 1990 ) غزا الكويت في أغسطس (آب الـــعـــرب بـــن مــنــاصــر لـلـحـق ومـــدافـــع عـــن الـبـاطـل بدوافع مختلفة، بعضها سياسي وبعضها ناتج عن العجز أو محاولة التعويض الرمزي. بـعـد سـبـعـة أشــهــر قــــادت الـــولايـــات المـتـحـدة تـحـالـفـا دولـــيـــا ضـخـمـا لـتـحـريـر الــكــويــت. تحقق الهدف العسكري بسرعة نسبية، وكان من حكمة الـرئـيـس الأمـيـركـي جـــورج بــوش الأب أن يتوقف عند هذا الهدف دون توسيع الحرب إلى إسقاط الــنــظــام فـــي بـــغـــداد. وحــتــى عــنــدمــا أطــلــق صـــدام حسين صـواريـخ «سـكـود» على إسـرائـيـل، ضغط بــــوش عــلــى تـــل أبــيــب كـــي لا تــــرد حــتــى لا تتغير طبيعة الصراع أو تتبدل شرعية الحرب في نظر الرأي العام العربي والدولي. بـعـد هـزيـمـة الــعــراق فــي حـــرب الخليج بقي نــــظــــام صـــــــدام حـــســـن فــــي الـــســـلـــطـــة رغـــــم ضـعـفـه الشديد. وانتهت سلطة صـدام بغزو العراق عام بـقـيـادة الـــولايـــات المـتـحـدة فــي عـهـد جــورج 2003 بوش الابن. جاء الغزو بعد هجمات الحادي عشر مــن سبتمبر وفـــي أجــــواء غـضـب أمــيــركــي عـــارم، تحت شعار القضاء على أسلحة الدمار الشامل وتـغـيـيـر الــنــظــام وإقـــامـــة نــمــوذج ديـمـقـراطـي في العراق يمكن أن يمتد إلى المنطقة. دخـــلـــت الــــقــــوات الأمـــيـــركـــيـــة بــــغــــداد بـسـرعـة وسقط النظام خلال أسابيع في مشهد بدا وكأنه انــتــصــار عــســكــري حـــاســـم. لــكــن المــرحــلــة الـتـالـيـة كشفت تعقيدات مختلفة تماماً. فقرارات الحاكم المـــدنـــي بــــول بــريــمــر، مــثــل حـــل الــجــيــش الــعــراقــي وتـــفـــكـــيـــك مــــؤســــســــات الـــــدولـــــة المـــرتـــبـــطـــة بــحــزب «البعث»، أدت إلى تفكيك البنية المؤسسية للدولة العراقية. النتيجة لــم تـكـن مـجـرد تغيير لـلـنـظـام، بل انهيار واسع في مؤسسات الدولة، ما فتح الباب أمــــام تــمــرد مـسـلـح وصـــــراع طــائــفــي طـــويـــل. قُــتـل جندي من قـوات التحالف وسقط 4800 أكثر من 120 عشرات الآلاف من العراقيين، إضافة إلى نحو ألف قتيل مدني موثق. ورغم إسقاط النظام بقيت نـتـائـج الــحــرب مــوضــع جـــدل حـتـى الــيــوم بسبب الفوضى التي أعقبتها. وهـــذا مـثـال قـريـب ينبغي الـتـأمـل فـيـه كلما ارتـــفـــعـــت الأصــــــــوات الـــتـــي تـــتـــحـــدث عــــن احــتــمــال ســقــوط الــنــظــام فــي إيـــــران. فـهـنـاك فـــرق جـوهـري بـن إسـقـاط نظام سياسي وتفكيك دولــة كاملة. ما حدث في العراق لم يكن مجرد تغيير للسلطة بقدر ما كان انهيارا في بنية الدولة نفسها، وهو ما جعل إعادة الاستقرار عملية طويلة ومكلفة. تـــكـــرر المــشــهــد بـــصـــورة مـخـتـلـفـة فـــي ليبيا . أعـلـن حلف شـمـال الأطلسي أن هدفه 2011 عــام حماية المدنيين وفــرض منطقة حظر جــوي. نفذ ألف طلعة جوية وسقط نظام 26 الحلف أكثر من معمر القذافي خلال ثمانية أشهر. كان الانتصار الـــعـــســـكـــري مــــدمــــرا ومـــبـــهـــراً، لـــكـــن لــيــبــيــا دخــلــت بعدها في مرحلة طويلة من الانقسام السياسي والـــصـــراع المـسـلـح، ومـــا زالـــت الــدولــة حـتـى الـيـوم تبحث عن استقرار مؤسسي واضح. أمــــــا الــــحــــرب فــــي أفـــغـــانـــســـتـــان الــــتــــي بــــدأت فـــقـــد انـــطـــلـــقـــت بـــهـــدف الـــقـــضـــاء عـلـى 2001 عـــــام تنظيم «الـقـاعـدة»، ومنع استخدام البلاد قاعدة سـبـتـمـبـر. بــلــغ عــدد 11 لـلـهـجـمـات بــعــد أحــــــداث القوات الأميركية في ذروة الحرب نحو مائة ألف جـنـدي واسـتـمـرت العمليات العسكرية عشرين عاماً. ومـع ذلـك انتهت الحرب بانسحاب القوات الغربية وعـــودة حركة «طـالـبـان» إلـى الحكم عام ، في مشهد يعكس حــدود القوة العسكرية 2021 عندما لا تتحقق الأهداف السياسية الأوسع. تكشف هـــذه الــتــجــارب مـفـارقـة واضــحــة في الـــحـــروب الــحــديــثــة: ســرعــة الانــتــصــار الـعـسـكـري لا تـعـنـي بـــالـــضـــرورة تـحـقـيـق الـــهـــدف الـسـيـاسـي لـــلـــحـــرب. فــفــي كــثــيــر مـــن الأحــــيــــان تـــبـــدأ المــرحــلــة الأصعب بعد انتهاء العمليات العسكرية الكبرى، عندما يصبح الـسـؤال الحقيقي هـو كيف يمكن تحويل النصر العسكري إلــى اسـتـقـرار سياسي دائم. فـــي هـــذا الــســيــاق تــبــدو المــواجــهــة مـــع إيـــران مــخــتــلــفــة فــــي بـــعـــض الـــجـــوانـــب ومــتــشــابــهــة فـي 2003 جوانب أخرى. فهي تشبه حرب العراق عام فـــي خــطــاب إزالـــــة الـتـهـديـد الاســتــراتــيــجــي ومـنـع انتشار القدرات العسكرية الخطرة، وتشبه حرب في الاعتماد الكبير على التفوق 1991 الخليج عام الجوي والتكنولوجي. لـكـنـهـا تـخـتـلـف فـــي نـقـطـة أســـاســـيـــة: إيــــران لـيـسـت دولــــة مـنـهـكـة أو مــعــزولــة بــالــكــامــل. فهي تمتلك منظومة صـاروخـيـة واســعــة، إضـافـة إلى شبكة مــن الـحـلـفـاء والــقــوى المـتـحـالـفـة معها في أكثر من ساحة إقليمية. وهذا يعني أن أي صراع معها قــد يـتـجـاوز حــدودهــا الـجـغـرافـيـة ليصبح مواجهة إقليمية أوسع وخلطا كبيرا للأوراق في المنطقة. ولهذا ربما يكون الـدرس الأهـم الـذي يقدمه التاريخ الحديث هو أن كسب المعركة العسكرية ليس التحدي الأكبر. التحدي الحقيقي يبدأ في الـــيـــوم الــتــالــي لــلــحــرب: كــيــف يــتــحــول الانــتــصــار العسكري إلى نظام سياسي مستقر، وكيف يمكن تـحـقـيـق الأهـــــداف الاسـتـراتـيـجـيـة الــتــي أعلنتها الحرب في البداية. ستنتهي الحرب قريباً، ولكن تلك لن تكون الزيارة الأميركية الأخيرة لإيران. لـيـسـت المـــواجـــهـــة الــــدائــــرة الـــيـــوم بـــن إيـــــران مـــن جـهـة، وإسـرائـيـل المـدعـومـة مـن الــولايــات المتحدة مـن جهة أخــرى، مـــجـــرد صــــــراع عــســكــري جـــديـــد فــــي الــــشــــرق الأوســــــــط. فـفـي عمقها تبدو هـذه الأزمـــة أشبه بلحظة عبور تاريخية تمر فيها المنطقة عبر سلسلة من المضايق: مضايق الجغرافيا، ومضايق الآيديولوجيا، ومضايق القانون الدولي. وإذا كـــان مضيق هـرمـز هــو الــصــورة الأكــثــر وضـوحـا لهذا الاختناق الاستراتيجي، فإن ما يجري حوله يتجاوز مجرد التحكم في ممر بحري حيوي إلى صراع أوسع حول مفهوم الدولة ذاته وحدود الآيديولوجيا في تشكيل النظام الإقليمي. لطالما كانت المضايق في التاريخ نقاط اختناق كبرى: مـن الـدردنـيـل والـبـوسـفـور إلــى هـرمـز وبـــاب المـنـدب. لكن ما يميز هذه اللحظة أن المضيق لم يعد جغرافيا فقط، بل أصبح ، بنت نفوذها 1979 آيديولوجيا أيضاً. فإيران، منذ ثورة عام الإقليمي على صيغة تمزج بـن الـدولـة وشبكات عقائدية عــابــرة لــلــحــدود، مـمـا جـعـل مـشـروعـهـا الـسـيـاسـي يـتـجـاوز الإطــار التقليدي للدولة الوطنية ويتمدّد عبر الميليشيات والأذرع المسلحة في أكثر من ساحة عربية. لكن المشهد لا يتوقف عند هذا الحد، فإسرائيل بدورها تــقــف داخــــل مـضـيـق آيــديــولــوجــي خــــاص بــهــا، يـتـجـلـى في صـعـود تـيـار سياسي يــرى أن التفوق العسكري والتوسع الـجـغـرافـي هـمـا الـضـامـن الـوحـيـد لـأمــن، رافــضــا عمليا أي أفـق جـدي لحل الـدولـتَــن أو لتسوية تاريخية مستقرة مع الفلسطينيين. هذا المنطق يوسّع نطاق القوة، لكنه يضيّق في المقابل المجال السياسي الذي يسمح بقيام نظام إقليمي متوازن ومستقر. وهكذا يصبح مضيق هرمز مجرد استعارة جغرافية لــصــراع أعـمـق تختنق فـيـه فـكـرة الــدولــة عـنـدمـا تُــدفــع نحو مـــشـــاريـــع آيـــديـــولـــوجـــيـــة أو تـــوســـعـــيـــة تـــتـــجـــاوز حـــدودهـــا الطبيعية. غير أن أخطر مضايق هذه الأزمة ربما لا يكون عسكريا ولا جغرافياً، بل يكون قانونياً. فالمشكلة تكمن في كيفية تحجيم المـشـروع الإيــرانــي، وهــو مـشـروع تقويضي استند طـــــوال عـــقـــود إلــــى شــبــكــات عـــابـــرة لـــلـــدول وأدوات مسلحة هـزّت استقرار الإقليم. فالحرب جـاءت محاطة بسلسلة من المـــبـــررات المـتـنـاقـضـة: مــن مـواجـهـة وكـــاء إيــــران إلـــى تغيير النظام أو تدمير البرنامج النووي. لكن الأسـاس القانوني الواضح لهذه العمليات ظل غامضاً، في لحظة يبدو فيها النظام الدولي القائم على القواعد في حالة تراجع متزايد أمام منطق القوة. إن تقويض المشروع الإيـرانـي قد يكون هدفا مشروعا لكثير من دول المنطقة، لكنه يصبح أكثر استقرارا وفاعلية عندما يتم ضمن إطار إقليمي تشارك فيه القوى الفاعلة في المنطقة، ووفق قواعد القانون الدولي، لا عبر قرارات أحادية. فالتاريخ يبي أن تحجيم المشاريع التوسعية يصبح أكثر رسوخا عندما يتم عبر توازنات إقليمية وقواعد دولية. لقد نشأ الـنـظـام الــدولــي بعد الـحـرب العالمية الثانية على فكرة أن العلاقات بين الــدول يجب أن تُــدار عبر قواعد مشتركة. لكن السنوات الأخيرة كشفت عن تآكل متزايد في احترام هذه القواعد، سواء عبر حروب مبررة بذريعة الأمن أو عبر تفسيرات سياسية مـرنـة للقانون الــدولــي. ويـــزداد هذا التآكل وضوحا عندما تتحول السياسة الخارجية إلى امتداد مباشر للصراع الداخلي، حيث تُتخذ قــرارات كبرى أحيانا بمنطق فردي سريع يخاطب القواعد السياسية أكثر مما يخاطب توازنات النظام الدولي. ومــع ذلــك فــإن العالم بـا قـواعـد ليس عـالمـا أكـثـر أمناً. فالقانون الـدولـي، رغـم كل عيوبه، يبقى أحـد أهـم الحواجز التي تمنع انزلاق النظام الدولي إلى صراعات مفتوحة. كما أن الدول المتوسطة والصغيرة تعتمد عليه لحماية نفسها من منطق الهيمنة الصرفة للقوى الكبرى. وســط هــذه المـضـايـق المتشابكة يـبـرز نـمـوذج مختلف فــي إدارة الأزمـــــات. فـمـنـذ الـلـحـظـة الأولــــى لـلـحـرب تمسكت المملكة العربية السعودية بمنطق الدولة: الدعوة إلى خفض التصعيد، والتمسك بالقانون الدولي، وتجنّب الانجرار إلى خطاب تعبوي أو اصطفافات انفعالية. لم يكن هـذا موقفا حياديا بقدر ما كان قراءة استراتيجية لطبيعة الصراع. فالحروب الآيديولوجية بطبيعتها حــروب استنزاف طويلة يخسر فيها الجميع بـدرجـات متفاوتة. لكن الذكاء الـسـيـاسـي لا يكمن فــي تحقيق نـصـر كــامــل، بــل فــي تقليل الخسائر إلــى الـحـد الأدنــــى. وفــي هــذا الـسـيـاق تـبـدو الــدول التي حافظت على منطق الـدولـة -لا منطق الآيديولوجيا- هي الأكثر قدرة على الخروج من العاصفة بأقل الأضرار. وعندما تنتهي هذه الحرب، كما انتهت حروب كثيرة قبلها، قد لا نشهد إعـادة رسم للخرائط كما يظن البعض، فـــالـــشـــرق الأوســـــــط عـــبـــر تـــاريـــخـــه الـــطـــويـــل أظـــهـــر مــقــاومــة كـبـيـرة لـفـكـرة إعـــــادة تشكيله جـــذريـــا مـــن الـــخـــارج. الأرجـــح أن مـا ستنتجه هـذه المرحلة هـو تثبيت الأوزان السياسية الحقيقية فـي المنطقة، وترسيخ حـمـولات التاريخ وثوابت الجغرافيا التي تعود دائما لتفرض نفسها بعد كل عاصفة. لقد أثبتت السعودية مرة أخرى أن الحكمة في السياسة لـيـسـت فـــي الانـــجـــراف مـــع الـــعـــواصـــف، بـــل فـــي الــحــفــاظ على التوازن. ومن تقاليدها العريقة في إدارة الأزمـات تولد قوة هـادئـة تجعلها، فـي زمـن الاضــطــراب، أكثر الـــدول قــدرة على حماية الاستقرار وصناعة المستقبل. بكل المعايير، لبنان اليوم، شعبا وأرضاً، ضحية حـرب إيرانية - إسرائيلية مكتملة الأوصـــاف. ذلـك أنه لا حدود بين لبناني وإيراني في البنية الميليشياوية لـلـتـنـظـيـم الــعــســكــري الأمـــنـــي: «حـــــزب الـــلـــه». وبــالــقــدر نـفـسـه لا مـكـانـة فـــي سـيـاسـة هـــذا الـــحـــزب لـقـيـام دولـــة وطنية في لبنان تعبر عن مصالح مواطنيها وتصون الأرض. حرب الثأر للراحل خامنئي التي أعلنت بقرار مـــن طـــهـــران، كـشـفـت فـــي أيــامــهــا الأولـــــى اتـــســـاع الـــدور المــيــدانــي لـــ«الــحــرس الـــثـــوري»، مــا أمــلــى عـلـى مجلس الـوزراء قرارات الترحيل وإعادة فرض تأشيرة مسبقة للإيرانيين، بعدما كانت حكومة نجيب ميقاتي أباحت .2011 دخولا حرا لهؤلاء منذ عام مــــع إطـــــــاق الــــصــــواريــــخ الــــتــــي أصــــابــــت صــــدور اللبنانيين ولــم تلحق الأذى بالإسرائيليين، اصطاد الإســـرائـــيـــلـــيـــون الـــجـــنـــرال داود زادة الـــقـــائـــم بــأعــمــال «فـيـلـق الـــقـــدس»؛ الـشـخـصـيـة الــتــي قــــادت إعـــــادة بـنـاء قدرات «حزب الله» والتنسيق العملياتي مع «الحرس الثوري». كما كانت إسرائيل قد اصطادت قبل شهرين هيثم الطبطبائي رئيس أركـــان هـذه الميليشيا. وقبل إيـــرانـــيـــا من 117 نــحــو أســـبـــوع أجــلــت طـــائـــرة روســـيـــة من كبار 4 ضباط إيرانيين. بعدها قُتِل 5 ضمنهم جثث ضباط «فيلق القدس» في فندق في بيروت. وسبق ذلك استهداف مسؤول إيراني في فندق في الحازمية شرق العاصمة... وهذا بعض ما عُلم! هذه الوقائع المذهلة ما كان لها أن تحجب كيفية ولادة «حزب الله» على يد آية الله علي أكبر محتشمي، السفير الإيـرانـي لـدى سوريا، ولاحقا وزيـر الداخلية. ، احتل مسلحون يرفعون 1983 ) سبتمبر (أيلول 3 ففي رايات وشعارات دينية، ثكنة الشيخ عبد الله في بعلبك وطردوا قوة الجيش الموجودة هناك. وبيّنت الأحداث أن حـافـظ الأســـد رئـيـس الـنـظـام الــســوري آنــــذاك سمح عنصر من العقائديين 800 لـ«الحرس الثوري» بإدخال ، شكلوا قـوة التأسيس، 700 والعسكريين، وأتبعهم بــــ الـتـي ضـمـت أعــــدادا مـــن: «الـشـبـاب المـــؤمـــن»، و«الطلبة المــســلــمــن»، و«عــنــاصــر عـسـكـريـة نـاشـطـة فـــي منظمة الــتــحــريــر» بــقــيــادة عــمــاد مـغـنـيـة، و«أمـــــل الإســامــيــة» بقيادة حسين الموسوي. مــــع الــــعــــون المــــالــــي المـــفـــتـــوح مــــن الـــنـــظـــام الإيــــرانــــي و«الــتــحــالــف» الـسـيـاسـي والأمـــنـــي مــع الــنــظــام الــســوري تـــأســـيـــس تـنـظـيـم 1984 الــــســــابــــق، تــــم فــــي خـــريـــف عـــــام 16 «حـــــزب الــلــه - الـــثـــورة الإســـامـــيـــة فـــي لـــبـــنـــان»، وفــــي تم الإعــان الرسمي برسالة «إلى 1985 ) شباط (فبراير المستضعفين فــي لـبـنـان والــعــالــم» تـاهـا إبــراهــيــم أمـن السيد ونصت على: «إننا أبناء أمـة (حـزب الله) نعتبر أنفسنا جزءا من أمة الإسلام، نلتزم بأوامر وقيادة واحدة حكيمة عادلة تتمثل بالولي الفقيه الجامع للشرائط». وبعدها قال إبراهيم أمين السيد في حوار («النهار» في ): «نحن لا نقول إننا جزء من إيـران، 1987 مــــارس/آذار 5 نحن إيران في لبنان، ولبنان في إيـران». وحسم الراحل حسن نصر الله في وقت لاحق حجم الارتباط بالنظام الإيراني بقوله: «القيادة والتوجه والتفويض وقـرارات الحرب والسلم وغيرها بيد الولي الفقيه». معروفة هذه الوقائع من أطـراف منظومة الفساد: ميليشيات حرب ومال، تسلطت على لبنان بعد الحرب الأهلية. تساكنت مع سلاحه اللاشرعي في الحكومات والــبــرلمــان والـبـلـديـات والـنـقـابـات، فغطى حـــزب الـسـاح فسادها وتعامت عن تغول الدويلة على الدولة وتغلغلها في مفاصل القرار السياسي والأمني والقضائي، كما في ازدهـــار الاقـتـصـاد المـــوازي والـشـراكـة فـي منهبة العصر بــالــســطــو عـــلـــى جـــنـــي أعــــمــــار الــــنــــاس وحـــجـــب الـــعـــدالـــة. ولعل العنصر الأخطر، قبل حرب «إسناد» غزة، وحرب «إســنــاد» إيــــران، كــان التعامي عـن تحميل لبنان أثقال مــشــروع الهيمنة الإيــرانــيــة. لـقـد اسـتـبـاح «حـــزب الـلـه»، كــــأبــــرز أذرع «فـــيـــلـــق الــــقــــدس» الـــــحـــــدود، وذهــــــب لـقـتـال الشعب السوري دفاعا عن النظام الأسدي الديكتاتوري وكالة عن إيــران، وكـان القوة الضاربة في الاعتداء على تشرين» التي عـرّت منظومة الفساد ورفضت 17« ثـورة استتباع البلد ورفعت شعار استعادة الدولة المخطوفة وتمسكت بالدستور. فـي ضـربـة البيجر ثـم قتل نصر الـلـه بعد أسبوع وتصفية خليفته واصطياد «مجلس الجهاد» والصف يوماً، حددت طهران 66 الثاني من القادة، كما في حرب الـ سقف العمل العسكري لهذه الميليشيا، ومنعت أي رد من نخبة الحزب. 500 بعد اتفاق وقف النار رغم سقوط لـكـن ســاحــا مــغــايــراً، وإن لـــم يـنـجـح فـــي تـبـديـل المـسـار والنهاية، برز لحظة استهداف إيـران وقتل المرشد علي خامنئي ومـعـظـم الـصـف الأول الــقــيــادي. فيعلن الأمــن العام للحزب الشيخ نعيم قاسم: «وجدنا أن الوقت للرد على إسرائيل مناسب بعد مقتل خامنئي... وانخراطنا في المعركة هدفه إضعاف موقف إسرائيل للوصول إلى اتفاق أفضل»! لبنان اليوم ضحية جريمة إبــادة مفتوحة، يُدمر ويُهجر وتُحتل أرضــه عـل ذلـك يُمكن إيــران من تحقيق اتـــفـــاق أفــضــل (...)، ثــابــت حــجــم الـــتـــخـــادم بـــن طــهــران وتــــل أبـــيـــب: كـلـتـاهـمـا تـــريـــد لــبــنــان ســـاحـــة مـسـتـبـاحـة، دولــة مهشمة ومجتمعا متشظياً، مـع مفاقمة عناصر الانـقـسـام الطائفي، تغذيه سموم قـد تـأخـذه إلــى نقطة اللاعودة تستند إلى أخطر تغيير ديمغرافي بتشتيت الـبـيـئـة الـشـيـعـيـة، فـيـدفـع المـــواطـــن فـــاتـــورة أكــبــر، مــا قد يفرض، على أنقاض البلد، تنازلات غير مسبوقة أمام الــعــدو الإسـرائـيـلـي كنتيجة حتمية لعملية «العصف المــــأكــــول». إن الـشـرعـيـة أمــــام تــحــدي مـــبـــادرات شجاعة لتنفيذ قـراراتـهـا بنزع الـسـاح، والكسر مـع نهج الأمـن بالتراضي، لوقف الانتحار الجماعي وحماية الأرواح، لئلا يبقى لبنان مسرحا لحروب الآخرين، إذّاك سيجد لبنان من يخاطبه! Issue 17276 - العدد Tuesday - 2026/3/17 الثلاثاء كسب المعركة العسكرية ليس التحدي الأكبر فالتحدي يبدأ في اليوم التالي للحرب الشرعية اللبنانية أمام تحدي مبادرات شجاعة لتنفيذ قراراتها بنزع السلاح أثبتت السعودية مرة أخرى أن الحكمة في السياسة تقتضي الحفاظ على التوازن مأمون فندي حنا صالح يوسف الديني OPINION الرأي 14 إيران ومعضلة تغيير النظام الشرق الأوسط... عبور مضايق الآيديولوجيا توقيت المبادرة للجم الحرب على لبنان!
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky