issue17276

OPINION الرأي 12 Issue 17276 - العدد Tuesday - 2026/3/17 الثلاثاء وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com ترمب والمرشد... اختلال موازين القوة وانهيار الرؤية الثورية بعد انقضاء ثلاثة أسابيع على «ملحمة الـــغـــضـــب»، لا يـــبـــدو أن قــــــادة إيـــــــران فـــي وارد الاســــتــــســــام، ولا تــــرمــــب فــــي وارد الـــتـــراجـــع، وكــــاهــــمــــا مـــصـــمـــم عـــلـــى الــــقــــتــــال. ويـــــبـــــدو أن شخصيتَي الـرئـيـس الأمــيــركــي دونـــالـــد ترمب والمرشد الجديد مجتبى خامنئي تلعبان دورا مـحـوريـا فـي سـرديـة التصعيد؛ لأنـهـمـا يـريـان أن الـلـحـظـة الـتـاريـخـيـة سـتـخـلـدهـمـا؛ مجتبى بالانتصار على «الشيطان الأكـبـر» والأصـغـر، وترمب بالخلود «هـازم إيــران»، ومكرس سلام الشرق الأوسط. شخصية مجتبى غامضة، ومنذ انتخابه لم يظهر على شعبه، لم يُلق إلا خطابا واحـدا بــلــســان غـــيـــره، بـيـنـمـا تـــرمـــب يــمــأ الــشــاشــات والـــصـــحـــف، ويـــديـــر الـــحـــرب كـــإمـــبـــراطـــور؛ هــذا يُــظـهـر فــراغــا فــي قــيــادة إيـــــران، ومـــركـــزة الــقــرار في أميركا. في إيـران يتمثل الفراغ بازدواجية الــســلــطــة: الـــدولـــة الــرســمــيــة والــــدولــــة الــثــوريــة. الـدولـة الـثـوريـة -«حـــرس ثـــوري» و«الباسيج»- تـــأخـــذ الـــــقـــــرارات مـــن دون تــحــمــل المــســؤولــيــة، والـــــدولـــــة الـــرســـمـــيـــة عـــــاجـــــزة؛ لـــكـــنَّـــهـــا تـتـحـمَّــل مـسـؤولـيـة قــــــرارات الـــدولـــة الــثــوريــة وتــبــررهــا. وهــذا تجلَّى مـؤخـرا باعتذار الرئيس الإيـرانـي مسعود بزشكيان لدول الخليج عن الاعتداءات، ثم تراجعه أمام إصرار الدولة الثورية. الاختلاف بين الشخصيتين -رغم أهميته- لا يـكـفـي لـفـهـم ســيــنــاريــو الــــحــــرب، فـــا بـــد من حسبان الــفــارق فـي الـقـوة العسكرية، والـرؤيـة الاستراتيجية؛ فـالمـيـزان العسكري راجـــح جدا لترمب الــذي يستمتع بقوته، ويـؤكـد أن هدفه الأخــــيــــر اســـتـــســـام إيـــــــران أو تـــدمـــيـــر قـــدراتـــهـــا الـــعـــســـكـــريـــة، بــيــنــمــا يــــحــــاول المــــرشــــد مـجـتـبـى -لتضييق الفارق- توسيع المعركة أفقياً، لتشمل دول الجوار ثم إقفال مضيق هرمز، لاعتقاده أن دول الخليج ستضطر حرصا على نموذجها الاقتصادي إلى الضغط على ترمب لكي يوقف القتال. الاخــــتــــال الــكــبــيــر فــــي المــــيــــزان الــعــســكــري أدَّى حـــتـــمـــيـــا لاخـــــتـــــال فـــــي تـــحـــقـــيـــق الــــرؤيــــة هدفها 1979 الاسـتـراتـيـجـيـة. فــإيــران مـنـذ عــام نــشــر الـــثـــورة الــديــنــيــة لــتــكــون الـــوعـــاء الـفـكـري للهيمنة، وتكون الميليشيات العقائدية حصان طـروادة لدخول العواصم العربية؛ وفي سبيل ذلـــــك انـــكـــبـــت عـــلـــى بـــرنـــامـــج نـــــــووي، يـحـمـيـهـا، ويُسهِّل عليها إخراج أميركا من المنطقة، وبناء نظام إقليمي تتسيده، ويحقق مصالحها. ،2023 ) أكــــتــــوبــــر (تــــشــــريــــن الأول 7 فـــــي استفاقت إيـــران على الخلل فـي مـيـزان الـقـوة، وعلى هشاشة استراتيجيتها للمنطقة؛ قَطّعت إسرائيل أذرعها، ومسحت غزة، ودمرت «حزب الــــلــــه»، وأدمــــــت بــمــســاعــدة أمــيــركــيــة عـسـكـريـة الحوثي، وقلَّصت بالتهديد ميليشيات العراق؛ قصفت أميركا 2025 وفي يونيو (حزيران) عام فبراير (شباط) 28 برنامج إيران النووي، وفي المـاضـي شـنَّــت «ملحمة الـغـضـب»، وبمشاركة إسرائيلية، على إيـــران لتحقيق هـدفـن: أولاً، تـدمـيـر قــــدرات إيــــران العسكرية كـلـيـا، وثـانـيـا، إســــقــــاط رؤيـــــــة إيــــــــران الاســـتـــراتـــيـــجـــيـــة. ومـــع استمرار المعركة فـإن خيارات إيـران العسكرية تضيق يـومـيـا، ولــجــوءهــا إلـــى إغـــاق مضيق هرمز سيضاعف خساراتها؛ لأن خنق شريان الــعــالــم الاقـــتـــصـــادي سـيـدفـع كـثـيـرا مـــن الـــدول للاصطفاف ضـدهـا، وبــالــذات عسكرياً. وهـذا الـــســـاح الاقـــتـــصـــادي ســيــرتــد عـلـيـهـا أخـــطـــارا مضاعفة؛ لأن أميركا ستصادر نـاقـات إيـران النفطية فـي عــرض البحر، وستمتلئ مخازن النفط في جزيرة خرج، مما سيؤدي إلى إغلاق آبار النفط الإيراني وتضررها، ولن تقدر على تشغيلها إلا بتكاليف باهظة وبـعـد سـنـوات. هـــذا إذا لــم يحتلها، مــا دامـــت بـعـيـدة عــن البر الإيـــرانـــي، وتـشـكـل عـصـب الـحـيـاة الاقـتـصـادي لإيران. أمام هذا الواقع، ماذا ستفعل إيران لتدارك الــكــارثــة بـعـد تـقـطـيـع أذرعــــهــــا؟! المــراهــنــة على أمــريــن: نـفـاد صبر الـرئـيـس تـرمـب، ومساعدة الــروس والـصـن. بالطبع إطالة الحرب ليست فـي صـالـح أمـيـركـا، وليست فـي صـالـح إيـــران؛ لكن أميركا يحكمها إمبراطور، ومولع بمكانة فــــي الــــتــــاريــــخ، وإســــرائــــيــــل تـــــرى إيـــــــران خــطــرا وجــوديــا، والــجــوار الـعـربـي (بـعـد الاعـــتـــداءات) لــم يـعـد مقتنعا بـسـيـاسـة الـتـرقـيـع؛ فـالمـراهـنـة على الداخل الأميركي ليست مضمونة، وكذلك المـــراهـــنـــة عـــلـــى إدمـــــــاء إســـرائـــيـــل عــــبــــثٌ. كــذلــك التعويل على روسـيـا لـن ينفع لأنـهـا تستفيد أكثر من «ضبط التوتر» لإبقاء النزاع بلا حل، وتولي علاقاتها مع دول الخليج أهمية كبرى، ناهيك عن استفادتها من ارتفاع أسعار النفط. أما الصين المهتمة بالاقتصاد، وبناء قدراتها العسكرية، فلا تريد مجابهة مبكرة مع ترمب، ولا إغـــضـــاب إســـرائـــيـــل الــصــديــقــة، ولا إفــســاد علاقاتها الاقتصادية المهمة مع دول الخليج. بــالــطــبــع قـــد تــصــمــد إيـــــــران، كــمــا صـمـدت اليابان، ولكنها ستدرك -كما اليابان في الحرب الـعـالمـيـة الـثـانـيـة- أن الــحــرب مــع قـــوة متفوقة عليها نـهـايـاتـهـا مــأســاويــة. اخـــتـــارت الـيـابـان الاســـتـــســـام، وغـــيـــرت دســـتـــورهـــا، وأصــبــحــت دولة ديمقراطية، يعيش شعبها في بحبوحة وسـام مع جيرانه، وإيــران أمامها الآن فرصة خـيـار الـيـابـان لتعيش بــســام، أو الـقـتـال أمــا بنصر إلهي. أحمد محمود عجاج قد تصمد إيران لكنها ستدرك أن الحرب مع قوة متفوقة عليها نهاياتها مأساوية ترمب ومغالطات حرب إيران رغم غضب قاعدته الشعبية «ماغا»، فإن الرئيس الأمــيــركــي دونـــالـــد تــرمــب لا يـلـتـزم بـكـل مــا تــريــده هـذه القاعدة القوية. ورغــم الحديث المتكرر عـن أن ترمب لا يقوم بشيء لا ترضاه هذه القاعدة، فإنه أثبت في غزة وفـنـزويـا وإيـــران الآن أنــه قــادر على أن يعاكس بعض مـبـادئـهـا الأسـاسـيـة وينتصر فــي الـنـهـايـة. لمـــاذا يفعل الرئيس ترمب ذلك؟ هو لا يريد أن يكون حاكم واشنطن فقط، بل يسعى إلـى لعب دور فـي تغيير مسار الـتـاريـخ، وقـد فعل ذلك فـعـاً. لا يريد أن يكون نسخة أخــرى مـن جيمي كارتر أو بــــاراك أوبـــامـــا. سـيـذكـرهـمـا الــتــاريــخ ربـمـا كقائدين جيدين لأميركا، لكن سيئين للعالم. ولكن السؤال: هل يعارض ترمب فعلا مبدأ «أميركا أولاً» بسبب سياسته الخارجية التدخلية؟ الـــواقـــع أن الــعــكــس هـــو الــصــحــيــح. فــمــن مصلحة أمـيـركـا أن تـحـافـظ عـلـى الاســتــقــرار الـــدولـــي، خصوصا في مناطق حيوية مثل الخليج والشرق الأوسط بشكل عام. تاريخياً، لا ننسى أن أميركا تجاهلت النازية حتى أعلنت الـحـرب عليها، وتجاهلت الإرهـــاب حتى ضرب أبراجها، وتجاهلت النظام الإيراني حتى فخّخ المنطقة بالميليشيات وقرصن المضايق البحرية. تــردُّد أميركا جر في كثير من الأحيان إلى عالم أكثر فوضى. هـــذه هـــي المـغـالـطـة الأولــــــى. أمـــا المـغـالـطـة الـثـانـيـة فتقول إنـه رجـل الـحـروب لا رجـل الـسـام. ولا ننسى أن الــســاســة الـحـزبـيـن والــصــحــافــة الــتــي تـنـاصـبـه الــعــداء لأسبابها الخاصة يسعون إلــى تـكـرار هــذه الاتهامات وترويجها. يـــقـــود تـــرمـــب مـــن خــــال مـــبـــدأ أن الـــقـــوة تـــقـــود إلــى السلام، في حين أن الضعف والاحتواء يقودان إلى مزيد من العنف. وهو الآن يواجه إيران بعد سياسات طويلة من الاحتواء والضعف، وصلت إلى حد منحها مفاتيح المـنـطـقـة للهيمنة عـلـيـهـا، لـــولا أن الـرئـيـس تـرمـب مــزّق أوراق الاتفاق النووي في حينه. ويقول ترمب، محقاً، عـامـا لـم يفعلوا شيئا 47 إن الــرؤســاء السابقين طـــوال حقيقيا لإيقاف النظام الإيـرانـي رغـم أفعاله العدوانية المستمرة. فالقضاء على الأنظمة المارقة بالقوة قد يكون الطريق إلـى السلام، وليس العكس. ونـرى الدليل أمام أعيننا؛ فسياسات المصالحة الغربية والأمـيـركـيـة مع طهران خلال عقود لم تقدنا إلا إلى مزيد من الفوضى. الدخول في حرب واستخدام القوة العسكرية هو الملاذ الأخير، والخيار القبيح، لكن القادة قد يُضطرون إلــيــه اضـــطـــراراً. الــتــاريــخ الأوروبــــــي يـعـلّــمـنـا أن هزيمة ألمـانـيـا الـنـازيـة بـالـقـوة العسكرية كـانـت نقطة التحول الــتــي أنــهــت مـشـروعـا تـوسـعـيـا خـطـيـراً، ومـــهّـــدت لقيام أوروبــا مستقرة ومـزدهـرة، تشكّلت فيها لاحقا السوق الأوروبية، ثم الاتحاد الأوروبي. ومنذ ذلك الحين انتهت الحروب الكبرى داخل أوروبا، حتى جاء الغزو الروسي لأوكرانيا. وفــــي آســـيـــا، أدت هــزيــمــة الـــيـــابـــان الــعــســكــريــة في الـــحـــرب الــعــالمــيــة الــثــانــيــة إلــــى إنـــهـــاء مــرحــلــة الـتـوسـع العسكري، وفتحت الباب أمام صعود اقتصادي آسيوي غـيـر مــســبــوق. ظــهــرت الــيــابــان بـعـدهـا قـــوة اقـتـصـاديـة كبرى، وتبعتها لاحقا النمور الآسيوية. المــشــهــد نـفـسـه يــتــكــرر الـــيـــوم فـــي الـــشـــرق الأوســــط الذي يعيش منذ عقود في دوامة من القلاقل والحروب بالوكالة بسبب مـشـروع النظام الإيــرانــي. استُخدمت لــغــة الــدبــلــومــاســيــة، وقُـــدمـــت الإغــــــــراءات الاقــتــصــاديــة، وفُتحت قنوات الحوار في محاولة لثنيه عن مشروعه الـتـخـريـبـي، لـكـن هـــذه المـــحـــاولات لـــم تـغـيّــر مـــن سلوكه شــيــئــا. ونـــحـــن نــتــحــدث الآن والـــصـــواريـــخ والمـــســـيّـــرات الإيرانية تسقط على العواصم والمـدن الخليجية، تقتل الأبـريـاء وتدمّر المنشآت المدنية، رغـم سعي هـذه الـدول المستمر لتجنب الحرب. ومع ذلك تسعى طهران إلى جر المنطقة إلـى دائـــرة العنف وتعطيل تنميتها، لكنها لم تنجح في ذلك. التاريخ يعلّمنا أن بعض المشاريع الآيديولوجية التوسعية لا تتوقف بالتعهدات ولا بـالاتـفـاقـيـات، بل عندما تُهزم هزيمة واضحة تنهي قدرتها على العبث بالمنطقة. هكذا انتهت النازية في أوروبا، وهكذا انتهت العسكرية اليابانية في آسيا، ومن بعدها بدأت فصول طويلة من الاستقرار والازدهار. يـقـف الــشــرق الأوســــط الــيــوم أمـــام لحظة تاريخية مشابهة؛ فإما أن يستمر مشروع الفوضى الذي تقوده طهران في ابتلاع المنطقة، وإما أن يتوقف عند حدّه كما توقفت قبله مشاريع توسعية أخرى في التاريخ. حينها فقط يمكن للمنطقة أن تخرج من دائرة الصراع المزمن، وتـدخـل أخـيـرا مرحلة طويلة مـن الاسـتـقـرار والتنمية التي تستحقها شعوبها. ممدوح المهيني في سهول الوغى لو وصل إلى مسامع المفكّرين العلمويّين، الذين اكـتـمـل عـقـدهـم أوائــــل الــقــرن الـتـاسـع عـشـر، بـــأن حربا طاحنة تـدور رحاها الآن في الشرق الأوســط، وحربا مهولة أخرى مشتعلة في القارّة الأوروبية، في القرن الــحــادي والـعـشـريـن، لاهــتــزّت عظامهم فــي قـبـورهـم، وارتجفت أرواحهم حيث هي مقيمة. فهم كانوا على يقين بأن العلم الحديث الذي اهتدت إليه البشرية بعد آلاف السنين من التحوّل والتطوّر، فتح الطريق أمام عصر جديد سيكتشف فيه العقل كل ما خفي عنه من أسرار، وستعرف فيه النفوس قدرا من الرقي الإنساني، الـفـردي والجماعي، ينتهي معه العنف المستمر منذ مستهل التاريخ، وطوال ما قبل التاريخ، ويبزغ معه، أخيراً، فجر السلام الـدائـم. كانت المعادلة الأكيدة في نظرهم هي التالية: بقدر ما تتطوّر المعرفة العلمية، بـقـدر مــا يـتـاشـى الـعـنـف ويـتـعـمّــق الــرقــي الإنـسـانـي. ومع أن الحروب كانت مستمرة في القرن التاسع عشر، وأهـمـهـا الــحــروب الـنـابـولـيـونـيـة، والــحــرب الفرنسية - الألمـــانـــيـــة، والــــحــــرب الـــروســـيـــة - الــتــركــيــة، وحــــروب توحيد إيطاليا وحروب توحيد ألمانيا، وحروب عدّة أخـرى هنا وهناك في أوروبــا والعالم، فقد بدا الأمر، فـي منظور الـرؤيـة العلموية، وكـأنـه مرحلة انتقالية نحو الـسـام الـدائـم المـوعـود. لكن حـن وقعت الحرب العالمية الأولــى مطلع القرن العشرين، تاركة وراءهــا مليون قتيل من العسكريين والمدنيين، وسط بحر 19 من الدمار والمآسي، سقطت المعادلة العلموية، وانتفت العلاقة بـن العلم والسلم. ثـم جــاءت الـحـرب العالمية مـلـيـون قتيل 80 و 60 الـثـانـيـة، لتقضي عـلـى مــا بــن عسكري ومــدنــي، ودمـــار فـي المـــدى الأوروبــــي يصعب وصفه، واستخدام السلاح الـنـووي للمرة الأولــى في التاريخ، فضلا عن العنف المريع الذي مارسته النازية والستالينية والماوية. هكذا انقلبت العلاقة بين العلم والسلم رأسا على عقب. لم تعد المعادلة أنه كلما تقدّم الـعـلـم تـــطـــوّرت مـعـه الــنــزعــة الإنـسـانـيـة الـسـلـمـيـة، بل كلما تـقـدّم العلم واتـسـعـت المـعـرفـة، اشــتــدّت الـحـروب وتصاعد العنف. لـكـن بـقـي الأمــــل بـــأن الـــقـــرن الـــحـــادي والـعـشـريـن سيحمل معه ربما حلم السلم وسيرفع فوق البشرية غـصـن الـــزيـــتـــون... لـكـن لــم يـكـن شـــيء مــن ذلــــك. يبقى التساؤل الأهمّ: هل من سبيل لعلاج العنف البشري؟ ثمة مراحل أربـع كبرى لتطوّر علاقة المجتمعات بــمــســألــة المـــعـــرفـــة والـــفـــعـــل. المـــرحـــلـــة الـــســـحـــريّـــة أولاً، حيث اعتقد الإنــســان بإمكانية تـأثـيـره المـبـاشـر على عناصر الطبيعة عبر ممارسة الطقوس السحرية. ثم المرحلة الوثنية ثانياً، حيث تخلّى الإنسان عن فكرة التأثير المباشر على عناصر الطبيعة ليتبنّى مفهوم التأثير عبر وسطاء، هم كوكبة كبيرة جدا من الآلهة. ثـــم المــرحــلــة الـتـوحـيـديـة ثــالــثــا، حـيـث اســتــمــر مفهوم الــوســاطــة، لـكـن عـبـر الإلـــه الــواحــد غـيـر المـــرئـــيّ، خالق السماء والأرض والقابض على كل شـيء. ثم المرحلة العلمية رابعاً، حيث استعاد الإنسان مفهوم التأثير المباشر القديم، لكن عبر العلم الحديث دون سواه. وما زالت هذه المراحل الأربع الكبرى موجودة في الحاضر، لكنها متفاوتة من حيث انتشارها وتأثيرها. وإذا تـوقـفـنـا عــنــد المــرحــلــتــن الأخـــيـــرتـــن وهـمـا الأكــثــر أهـمـيـة فــي الــحــاضــر مـنـذ أكــثــر مــن ألــفــي عــام، المرحلة التوحيدية والمرحلة العلمية، نجد أن روحانية التوحيد كما المعرفة العقلانية العلمية، لم تستطيعا القضاء على العنف البشري. على الرغم من إحلالها مــخــافــة الـــلـــه والمـــحـــبـــة وفـــعـــل الــخــيــر وتـــحـــريـــم الـقـتـل والثواب والعقاب في جوهر الحياة والقيم البشرية، لم تستطع الروحانيات لجم الحروب التي لا تُحصى التي انتشرت في مجتمعاتها، أو التي جرى خوضها بــاســمــهــا عـــلـــى مـــــدى الـــعـــالـــم، فــــي الــــقــــرون الــوســطــى والأزمنة الحديثة والحاضر. كذلك كل ما شهدته هذه المراحل الطويلة من وسائل تعذيب وتنكيل واغتيال، لا توصف، بقي معها العنف البشري كما هو. ودعـــــاة الــعــلــم الـــحـــديـــث، الـــذيـــن رأوا فـــي المـعـرفـة الـعـلـمـيـة الـوضـعـيـة، ثــــورة تـاريـخـيـة عـظـمـى عـلـى كل مــا سبقها مــن مـعـتـقـدات إيـمـانـيـة ومـــعـــارف فلسفية مجرّدة، وكان لهم اليقين أنها ستكشف أسرار الحياة والطبيعة والكون، وستحل نهائيّا مسألة العنف التي رافقت الإنسان منذ بدايته، لم يصيبوا الهدف. وخلافا لما ذهبوا إليه، لم يختف العنف البشري، بل اشتدت خطورته بما لا يُقاس مع الماضي القريب والسحيق معاً. وبقدر ما يحقّق الإنـسـان المعاصر من إنجازات علمية مذهلة في سبر أغوار الفضاء وفي الغوص في الجينات وابتكار الذكاء الاصطناعي والجنوح نحو أسـلـحـة الـجـزئـيـات الـفـتـاكـة، بـقـدر مــا تـشـتـد الـحـروب وتتعاظم مخاطرها. كـأن الإنسان لم يعد يكتفي في كـــون الأرض تحمل مــن الأسـلـحـة الــنــوويــة مــا يمكنه تدميرها بضع مرات... فإلى أين أيضاً؟ أنطوان الدويهي

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky